أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (12)
كارثة الطوفان ( 12 )
الحمد لله
١. كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة قوته وضعفه في ابتداء القتال، وانتقام المسلم من الظالم من أشد الأشياء طلبا، ومع ذلك فما كان ليغامر بالمسلمين ويفرط بأرواحهم في سبيل التشفي والانتقام.
ومن أعظم ما أحزنه في حياته صلى الله عليه وسلم حادثة (بئر معونة) (٤ هجري) حيث قَتل الطفيل بن عامر -من بني عامر- بالتآمر مع قبائل (عُصيَّة ورِعل وذَكوان من بني سُلَيم) – سبعين من خيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم وكانوا من صفوة أهل العلم، بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجد لدعوتهم لدين الله فقتلوهم غدرا، وحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحزن، قال أنس رضي الله عنه: (فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَدَ (حزن) على شيء ما وجد عليهم) رواه البخاري، وقد كان عددهم يساوي عدد شهداء أُحُد، وقد قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا في الصلوات الخمس يدعو على هذه القبائل.
وكانت (ديار بني عامر) ذاك تبعد عن المدينة المنورة (١٨٠) كيلا.
ولأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه للتو قد خرجوا من غزوة أحد وما حصل فيها لم يقو على الانتقام لأصحابه.
ولكنه صلى الله عليه وسلم لما قُتل رسوله إلى (بُصرى) الصحابي الحارث بن عمير الأزدي من قبل شرحبيل بن عمرو الغساني وكان قد لقيه في “مؤتة” جهز النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف مقاتل لتأديب شرحبيل وعصابته، وفي المكان نفسه، وكانت تبعد عن المدينة (١٠٠٠) كيلا!، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في قوة إذ كان في صلح مع قريش في “الحديبية” وكان الناس يدخلون في دين الله، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليبعث هذا العدد إلا لأولئك العصابة وليس في باله تدخل الروم لنصرة شرحبيل ولم يكن يعلم ذلك وقد تفاجأ الصحابة بهم عند المواجهة، وحصل ما حصل مما هو معلوم، ومن عظيم نتائج هذه الغزوة المباركة فتح مكة! فقد فرحت قريش بهزيمة المسلمين وظنت زوال هيبتهم وقوتهم فنقضت العهد بنصرة قبيلة (بني بكر) على (قبيلة خزاعة) حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فجهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشه وفتح مكة وكان فتحا مبينا، والشاهد من هذا واضح بيّن، وهو مراعاة قوة وضعف الدولة والطائفة والجماعة، وأنه لا يغامر بانتقام لقائد قتل أو أسير مضرب عن الطعام مات أو لانتقام من خنزير صهيوني، بما يسبب قتلا وتدميرا ثم البحث عن وسيط لوقف إطلاق النار (احمونا)، ولا نجني إلا مزيدا من الخسائر في الأنفس والبنيان، وبعض المغامرين كان يريد الانتقام من مؤسسة أمنية بالتسبب بكارثة عظيمة جدا يقتل فيها الألوف من أجل انتقامٍ لاعتقالٍ سابق فيها أو تعذيب، وللأسف أن يولى مثل هؤلاء قدرات وحماسات أسلحة وأموال تذهب في مثل هذه العبثيات.
٢. وطبيعة النفس البشرية أنها تؤثر فيها مشاهد القتل والأشلاء للمدنيين – وخاصة النساء والأطفال- أكثر من تأثرها بالعسكريين؛ لما للفرق الذي لا يخفى بينهم، والشريعة الإسلامية راعت هذا الأمر، ولنتأمل هذه الآية وتفسيرها،
قال تعالى { هُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡیَ مَعۡكُوفًا أَن یَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالࣱ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَاۤءࣱ مُّؤۡمِنَـٰتࣱ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲۖ لِّیُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِی رَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ لَوۡ تَزَیَّلُوا۟ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا} الفتح/ ٢٥.
كفار قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدُّوكم يوم “الحديبية” عن دخول المسجد الحرام، ومنعوا الهدي، وحبسوه أن يبلغ مَحِلَّ نحره، وهو الحرم. ولولا رجال مؤمنون مستضعفون ونساء مؤمنات بين أظهر هؤلاء الكافرين ﺑ”مكة”، يكتمون إيمانهم خيفة على أنفسهم لم تعرفوهم؛ خشية أن تطؤوهم بجيشكم فتقتلوهم، فيصيبكم بذلك القتل إثم وعَيْب وغرامة بغير علم، لَكُنّا سلَّطناكم على المشركين؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء فيَمُنَّ عليهم بالإيمان بعد الكفر، لو تميَّز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات عن مشركي “مكة” وخرجوا من بينهم، لعذَّبنا الذين كفروا وكذَّبوا منهم عذابًا مؤلمًا موجعًا. “التفسير الميسر”.
قال الشيخ عبد الوهاب الطريري -حفظه الله-:
عند قول الله عز وجل {لَوۡ تَزَیَّلُوا۟} أي: لو تميّز هؤلاء المؤمنون عن الكفار ففارقوهم وانفصلوا عنهم {لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا} أي: لحلّت العقوبة الماحقة في هؤلاء الكفار، ولكنّ الله عز وجل لم يشأ أن يعذبهم بعذاب عامّ يستأصلهم؛ رحمةً بالمؤمنين المستضعفين بينهم.
إن الله عز وجل قادر على أن يعاقبهم عقابا أليما خاصّا يستأصلهم ولا ينال المؤمنين ضرره، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فهو قادر على أن ينزل عقوبة تخص الكافر وينجو منها المؤمن، ولكنّ الله عز وجل كفّ يد نبيه؛ رعاية لسُنّة الأسباب التي جعلها نظاما لهذا الكون، فكانت رعاية نظام الأسباب والسنن التي جعلها لهذا مقدمةً على إحداث معجزة خارقة يموت فيها الكافر ويبقى المسلم.
ولذلك عندما يرتفع التكليف ويُرفع القرآن تأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين وتترك الكفار يتهارجون تهارج الحُمُر؛ لأن التكاليف ارتفعت ونظام الكون يوشك على الانتقاض لقرب قيام الساعة، أما في زمن التكليف فكل شيء يسير وفق قانون الأسباب الذي جعله الله نظاما لهذا الكون.
فانظر -يا رعاك الله- كيف كفّ الله يد نبيه وخيرة الخلق معه مع شدة شوقهم لمكة وقد وصلوا مشارفها محرِمين بالعمرة، والهدي معهم معكوفا أن يبلغ محله: ثم يعودون وهم يكابدون شوقهم ولهفتهم وحسرة قلوبهم.
وأن ذلك كله كان حفاظا على أرواح فئة قليلة من المؤمنين مستخفية بإيمانها ببطن مكة.
فأي صيانة لأرواح المسلمين ورعايةٍ لحرمة دمائهم أبلغ من هذا؟ وأين هذا الهدي الرباني في تعظيم شأن أرواح المسلمين وصيانتهم من التعرض لأسباب التهلكة من هذه المجازفات باسم الجهاد والتي يكون أول ضحاياها هم المستضعفون العزل من المسلمين الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا}؟! فإذا هم بعد السكينة في دورهم، والتعبّد في مساجدهم، والتعلم في مدارسهم: قد صاروا أشلاء ممزقة، قضت عليهم أشد أسلحة الدمار فتكا، ومن نجا منهم تفرقوا بددا بين الملاجئ والمنافي.

والأعجب ألا تسمع بعد ذلك كلمة ندم، أو اعترافا بخطأ، ممن تسبب عليهم بذلك، وإنما التبرير والتعذير والتنصل من كل مسؤولية، والمتاجرة بدمائهم، والمزايدة بمصائبهم، حتى سمعنا بعض هؤلاء المحرضين يهوّن من كل ذلك قائلا: وكم الذين ماتوا ضحايا حوادث السيارات؟ وكم الذين ماتوا من نزلات البرد؟ أو ضربات الحر؟ ولا أدري هل يتقبل هذا المستهتر بالدماء هذه الحجة لو قُتل ولدُه أو والدُه ثم قيل له: افترض أن سيارة قد دهسته؟ .
أي منطق وأي تبرير هذا؟ وهل نلوم أعداءنا بعد ذلك إذا استهانوا بدماء إخواننا المسلمين بعد أن استهنّا نحن بها وعرضناها لهذه الهلكات؟ لقد هانوا علينا فهانوا على أعدائنا. “سنام الإسلام”.
واستدل بعضهم بموت الناس بالزلازل والفيضانات فقال موت هؤلاء على يد اليهود أفضل! فاستدل على مغامراته بالأحكام الكونية التي لا إرادة للعبد بها ولا يُسأل الله عما يفعل، وترك مخالفة الأحكام الشرعية والتي منعت الجهاد مع العجز وقسوة النتائج، وتغافل عن أن الله تعالى سائله عما قال وفعل.
والله المستعان.
حرر يوم الخميس 19/1/1446 هـ الموافق 25/7/2024 م