أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (10)

كارثة الطوفان ( 10 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “2”

الحمد لله

١. ما ذكرناه سابقا من نوعي الجهاد (الطلب والدفع) يستوي فيهما القول في أنه يطلب فيهما تحقق المصلحة وانعدام المفسدة، بالنظر في قوة المسلمين إعدادا وقتالا، وقوتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فنحن نعيش في زمان غير الزمان الأول؛ فكان لوجود هذه القوى الأهمية الكبرى في تحقيق النصر على العدو.

فلا يصلح الدخول في قتال مع العدو دون تأمين مال لتصنيع أو شراء السلاح، ودون تأمين المدنيين وتجنيبهم الهلاك، ودون توفير مستلزمات الاستمرار في القتال من الطعام والشراب والدواء والعلاج، وهذا بدهي في عالم القتال لا يحتاج لتنبيه، و بمقدار ما يتخلف شيء من ذلك تكون له عواقب وخيمة، وللأسف كل من قاتل المسلمين في ديارهم حقق هذه الأمور -وفي كثير منها برجال ومال المسلمين وللأسف- وتُرك المسلمون يَدفعون الكافر الظالم وحدهم، بعد أن نجح العدو بقطع الصلة بينهم وبين الراغبين بنصرتهم بقوة السلاح والسياسة والاقتصاد.

قال ابن تيمية رحمه الله: 

“ولا ينبغي للإمام أن يقدم على قتال إلا بقوة وعدة، فإن كان العدو أكثر وأقوى، فالحذر الحذر من مقاتلته؛ فإن ذلك إضاعة لحقوق المسلمين، وتعريض لهم للفناء.” “السياسة الشرعية” (ص ١٣٨).
وفيه:
١. أن القتال لا يجوز أن يكون تهّورًا أو دون استعداد.
٢. إذا كان العدو أقوى، فعلى الإمام أن يتأنّى ويتحسّب، وألا يُعرّض المسلمين للفناء والهلاك.
٣. هذا من فقه السياسة الشرعية، ومراعاة المصلحة والمفسدة.
وهذا من أقوال ابن تيمية التي تُظهر توازنه بين القوة والحكمة، والجهاد والرحمة.

٢. والأصل في الإسلام الحفاظ على قواهم جميعا وخاصة القوى البشرية والزيادة المستمرة في إعدادهم عقيدة وعبادة وسلوكا، وقوة في نفسه وقوة في سلاحه قال تعالى: {وأعِدُّوا لهم ما استَطَعْتُم مِن قُوّة} الأنفال/٦٠، فجعل القوة نكرة في سياق الشرط فتكون عامة لتشمل كل أنواع القوة، ومنها قوة الرمي، قال النبي صلى الله عليه وسلم “ألاَ إنّ القوّةَ الرميُ (ثلاثا)” رواه مسلم، فيشمل رمي الرصاص والقنابل والصواريخ، حتى يصل الأمر للقوة النووية! ولولا وجود هذه القوة النووية عند (باكستان) لابتلعتْها (الهند) ، ولولا وجودها في (كوريا الشمالية) لاقتُلعت من الأرض من زمن، وهذا هو الأصل في القوة التي أمر بها المسلمون في إعدادها أنها (ترهب بها الأعداء ومن وراءهم ممن يدعمهم)، ولم يتجرأ أعداء الله على غزو بلاد المسلمين واحتلالها ونهب ممتلكاتها إلا بعد أن منعوهم من صناعة أسلحتهم بأيديهم، بل وتقييد الحصول على المتطور الفعال منها.

وكل نقص في الإعداد والقوة يؤثر سلبا على القتال أيا كان المقاتل، ويغفل عن هذا كثير من المنظرين فيكتبون أن الإعداد وإن قل وفي جانب دون باقي الجوانب كفيل بتحقيق النصر على العدو! وهذا خلل أدى إلى زوال كثير من الإعداد الذي بذلت فيه أموال وجهود وأرواح، وأدى إلى مزيد احتلال وسجن وتشريد وهدم.

ومنه تعرف الحكمة البالغة في عدم تشريع الجهاد (الدفع ومن باب أولى الطلب) أول الإسلام لما في المسلمين من ضعف وقلة عدد وعدة، وكان الأمر بالصبر في تلك المرحلة هو المأمور به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر يعذبون أشد العذاب ولا يجد أكثر من تصبيرهم والوعد لهم بالجنة، ومن طلب القتال من القادرين عليه كان يؤمر بـ {كفوا أيديكم}، وكان الرجل منهم يريد نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والبقاء معه في مكة فيقول له ألا ترى حالنا ارجع لقومك حتى تسمع عن قوتنا فتلحق بنا.

وإذا علم الحاكم أن العدو أكثر عددا من الضعف جاز له أن لا يخرج لقتاله وإذا تفاجأ بعددهم أو نقص المسلمون لما دون ضعف الكفار جاز لهم الفرار من الزحف، قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

وروى مسلم عن النواس بن سمعان – في قصة قتل عيسى عليه السلام للدجال- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان (أي لا قدرة) لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج …”.

قال النووي -رحمه الله-:

قال العلماء: معناه لا قدرة ولا طاقة.. وكأن يديه معدومتان … ومعنى (حرزهم إلى الطور) أي: ضمهم واجعل لهم حرزاً. “شرح مسلم”.

هذا على اعتبار العدد وحده مع تقارب الأسلحة وأما مع الاختلاف والفرق الكبيرين فإنه يحسب حساب هذا في المعركة، ويمكن فهم ذلك من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهم واحد، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للفرس سهمين باعتباره سلاحا في المعركة، فالعدو الذي يتفوق بطائراته الحربية قصفا وتدميرا مع مسلم لا يملك مضادات لها لا ينظر لمعركته هذا للعدد بحد ذاته.

قال العز بن عبد السلام -رحمه الله- :

انهزام المسلمين من الكافرين مفسدة، لكنه جائز إذا زاد الكافرون على ضعف المسلمين، مع التقارب في الصفات؛ تخفيفاً عنهم؛ لما في ذلك من المشقة، ودفعا لمفسدة غلبة الكافرين لفرط كثرتهم على المسلمين. “قواعد الأحكام”.

كما يمكن للمسلمين إن كانوا أقل من الكفار بكثير وملكوا أسلحة تعوض نقص عددهم أو تحكموا في مكان المعركة كاستيلائهم على مكان الماء (كما حصل في ” بدر” ) أو ضيقوا الخناق على عدوهم في جغرافية المعركة – استثمار الوديان وجبل الرماة- لئلا يستفيدوا من عددهم (كما حصل في دفع الكفار في” أحد”) فيحسب لهذا حسابه ويستحب لهم الثبات أو يجب بحسب حال المعركة وقادتها.

٣. وسواء كان الجهاد جهادَ طلب أو دفع فإنه ينظر فيه للمصلحة والمفسدة، فإن كانت المصلحة أكبر من المفسدة فيُمضى في نوعي الجهاد، وإن غلبت المفسدة على المصلحة والضر على النفع تأجل جهاد الطلب، وسلكت سبل أخرى غير القتال إن كان جهاد دفع غير متعين، بخلاف من نفى ذلك من مشايخ العصر وقال إنها قاعدة إبليسية! بل كلامه أقرب لمراد أعداء الإسلام الذين يُدخلون المسلمين في معارك ليسوا أهلا لها ليقضوا على البقية الباقية منهم، أو يقضوا على ما تم إعداده من سلاح وعقول وتنمية وتربية، وللأسف الشديد أن مثل هذا يُفرح بفتواه الشاذة ويُسوّق مقطعُه على أنه انتصار للمتحمِّسين المحمِّسين وأنه رد على المثبطين المخذلين، فمن الذي يريد الخير للإسلام والمسلمين، الذي يأمر بمزيد إعداد وصبر حتى تتهيأ الظروف المناسبة أم الذي يلقي الأمة في التهلكة بقرار ينسق فيه مع أعداء الله الرافضة الخونة؟.

ولو كانت المعركة بين مقاتلين ومقاتلين، ليس فيها مدنيون، وفرضت على المسلمين فرضا لهان الخطب وقلنا إنهم قد أخذوا بالأسباب في الإعداد والحماية لأنفسهم في خنادق يقاتلون منها ويحمون أنفسهم من العدو، لكن عندما يفرض المسلم المعركة على العدو المجرم ويتترس بالمدنيين ويكلهم لمروءة وخلق عدوهم أو يكلهم للأمم المتحدة لتحميهم وللعدو نفسه أن يقدم لهم الخدمات! فهنا يقف المرء مندهشا من هذا التفكير وهذه المعركة.

٤. ومعارك المسلمين وجهادهم للكفار ليس فيها القتال فحسب، بل فيها كذلك:

– طلب المسلمين وقف القتال.

– الهدنة، تكون أثناء الحرب، ولو طالت أكثر من عشر سنين.

– المعاهدة، كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ويهود المدينة.

– الصلح، كما حصل في “صلح الحديبية”.

– بل ودفع المال للعدو في حال عدم القدرة على صده، أو لمنعه من غزو بلاد المسلمين حفاظا على الأرواح والأعراض، وهذه ضريبة مؤلمة يتجرعها الأحرار بسبب تفرق المسلمين وذلهم واحتياجهم للغرب في طعامهم وسلاحهم وعموم حياتهم.

فقد يكون المسلمون المحاربون ضعفاء ويكون الأعداء أقوياء، فالمكابرة لا تغير الحقائق، ولا تجعل الضعيفَ قويًّا، والقويَّ ضعيفًا، وليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة.

حرر يوم الإثنين 16/1/1446 هـ الموافق 22/7/2024 م

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة