أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (9)

كارثة الطوفان ( 9 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “1”

الحمد لله

١. الجهاد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، ومنه (جهاد الطلب) وهو الذي شرعه الله تعالى لإعلاء كلمته ولنزع الشرك من الأرض ولقتال من يقف في وجه دعوة الناس للتوحيد، قال تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .

وقتل الكفار وأخذ أموالهم ليس مقصودا لذاته في الجهاد، فالشارع يحب لهؤلاء أن يكونوا مسلمين، فإن لم يحصل فيكونون تحت مظلة الإسلام.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية :

ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن يكون الدين لله تعالى، فيظهر دين الله على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل المقصود فلا قتل ولا قتال . ” تفسير ابن سعدي ” ( ص 98 ) .

ومنه (جهاد الدفع) وهو الذي يكون لدفع العدو في دخوله لأرض المسلمين.

وقد كتب طائفة من (المشاهير) في نفي (جهاد الطلب) في شرعنا ليتقرب للغرب الكافر المستعمر في نفي هذا عن الإسلام، دافعا لكذبة (انتشار الإسلام بالسيف)، كما فعلوا مع غيره من الأحكام المجمع عليها كالرجم وحد الردة.

وكلا النوعين من الجهاد له شروطه وضوابطه، وليس يقام الأمر على قرار شخص أو حزب دون الالتزام بأحكام الشرع.

٢. والملاحظ المشاهد أننا وجدنا من ليس في منهجه ولا أجندته (الجهاد) أنه يستثمره لتحريك عاطفة الناس للقتال معه بالإغراء بلقب الشهيد، فيسمي معاركه مع أعدائه القادسية -مثلا- ويضع (الله أكبر) على العلم، وينشر عبارة (الشهداء أكرم منا جميعا)، وقد رأيت من اغتر بهذه الدعاية (البعثية) من (السلفيين) فرأيت بعضهم قد جاء من (الجزائر) ليلتحق بالقتال مع الجيش العراقي! وقد باع كل ما يملك وترك أهله وبلده لأجل ذلك، وكلمتهم ونصحتهم فلم يستجيبوا، وقد تحمس غيرهم من أهل (بلد عربي آخر) حماسة غير طبيعية، حتى قال بعض شعرائهم -بنص كلماته لا بترتيبها- (اضرب “أبا عدي” دمام والخبرا .. وخذ بعدها قطرا).

وهؤلاء (المساكين) لما تحمسوا للجهاد ذهبوا للقتال مع (صدام)، والحاليون ذهبوا للقتال تحت راية (حفتر)، واأسفا على أعمار ضُيعت ونفوس أزهقت بلا طائل.

ورأيناهم في حرب قائمة الآن بين دولة كافرة مع أخرى مثلها (روسيا و أوكرانيا) فيخرج (مفتي الشيشان) ليعلن لشعبه المسلم الجهاد ضد أوكرانيا، ويفعل مثله مفتي المسلمين في أوكرانيا، في عبث واضح من جميعهم بهذه الشعيرة العظيمة والتي هي ذروة سنام الإسلام فيما لا ترى للإسلام الصحيح نفسه وجودا وحكما واعتبارا في تلك البلدان.

وإذا أراد (حاكم) قتل مسلمين جاء بمن باع دينه بثمن بخس ليحوّل معركة ذلك الطاغية مع شعبه المسلم إلى معركة دينية فيعد الجنود بالجنة وتحقيق خصال الشهيد، والثناء على فعلهم يستدل لهم بأحاديث أنهم خير الناس لأنهم يقاتلون الخوارج، ولهم الثواب الجزيل سواء قَتلوا أو قُتلوا!

– وإن كان الفاعل من الأحزاب الإسلامية أضاف له الترغيب بالحور العين، والشفاعة لسبعين من أهله، وبعضهم يزيد عليهم -من كيسه- جيرانه وأصحابه!

وهو أيضا يستثمر عاطفة الناس ليلتحقوا بحربه وتحت إمرته -بالطبع- وليبدأ جنوده بالحكم على كل من لا يلتحق بهم بالقعود عن الجهاد، والتثاقل إلى الأرض، والرضا بالدنيا والزهد بالآخرة، وبعضهم يغطي بثمار الشهادة أفعاله العبثية وتسببه في قتل الناس بلا فائدة، فتراه يسكّت أهل القتيل أن ابنهم (شهيد) وأنه سيشفع لسبعين من أهله يوم القيامة، ويقول لهم -فرحا مستبشرا بعد تأمل وتحليق في السماء كأنه “فيثاغورس”- : إذا كان عدد قتلاكم (خمسة) مثلا فيضرب العدد (بسبعين) فتكون النتيجة (٣٥٠) فردا من الشفعاء، فيهنئهم بنجاة أهله كلهم ودخولهم الجنة! في عبثية بيّنة في الأحكام الشرعية مع عبثية في أحكام الآخرة من حيث شروط الشفاعة وكيفية تحقيقها.

وليس هذا بمخترع هذه الحسبة الترقيعية فقد سبقه (جزائري) قال [إذا كان قد قتل مليون ونص جزائري في حرب التحرير فإذا ضربنا العدد بسبعين يكون الناتج أكثر من مئة مليون فقال معناه كل أهل الجزائر في الجنة ولأنه يوجد عدد زيادة فسندخل معنا أهل المغرب العربي!].

– وحسبنا الله ونعم الوكيل.

والقتيل في الأحوال السابقة هو كل من مات في حروبهم حتى لو لم يكن مسلما! وحتى لو لم يكن من المصلين، وحتى لو مصرا على الحنث العظيم! ولذا ترى الشهيد (عندهم) من الرافضة والنصارى ومن يسب الرب والدين ومن يحارب الملتزمين.

٣. ومما يؤسف له وجود الخلل العظيم في شعيرة الجهاد من طائفة من العسكر والساسة بقيادة وتوجيه المرجعية الشرعية! في أن “الجهاد شرع للموت لا للحياة” ، وكل ذلك من أجل (الترقيع) لحروبهم، فلذلك لا تعجب عندما ترى في حروبهم الإبادات الجماعية والمجازر وهدم الدول والمدن، بل ولا يخجلون من التصريح بأن هؤلاء المدنيين هم دروعهم البشرية لأجندتهم وأفكارهم وأنهم قد أعدوهم للموت، وعليه: فلا تؤثر فيهم أعداد القتلى وتمزق أشلاء الأطفال والاعتقالات وهتك أعراض السجناء والنزوح القاتل من مكان لآخر مع الذل والجوع والعطش، طالما أن القيادة بخير وطالما أن القائد الذي كان بين المدنيين قد نجا من القتل! فإذا مات المدنيون بشروا أهله بالشهادة، وإذا نجا أحد قادتهم فرحوا بعدم قتله (أليس القتل شهادة فعلام الفرح بنجاته؟)! وتضيع دماء المدنيين ولا يلتفت لها طالما أننا قهرنا العدو بنجاة القائد.

ويكذبون في إعلامهم أن الناس صابرة ومحتسبة وتفرح بقتل أولادها وأنهم فداء لفلان وللأقصى، والواقع غير هذا، لكن لن تعرف هذا ما دمت تشاهد الصورة من منظارهم فحسب.

– وإذا كان الجهاد قد شرع للموت فمن الذي سيُعلي كلمة الله ويقيم التوحيد في الناس (في حال جهاد الطلب)، ومن الذي سيعمر البلاد ويعد العدة لحماية الدين ويعلم الناس دينهم (في حال جهاد الدفع)؟.

ولذلك لا عجب أن ترى هذا الخلل لأن الأمر قد دخل فيه الهوى وحب الملك وشهوة التسلط وجمع الأموال.

وأما الشرع فبريء من هذا كله، فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم القتال مع وجود الاستعداد والقوة لاحتمال قتل من يخفي إسلامه بين الكفار (… ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم… )، وقد أثنى صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد لحفاظه على بقية المقاتلين في (مؤتة) والرجوع بهم للمدينة، ولو كان الموت هو المقصود في الجهاد لكان الأمر على خلاف ما كان، في الأمرين، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد بسط لهذا.

والله أعلم.

حرر يوم الخميس 12/1/1446 هـ الموافق 18/7/2024 م

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة