ما الحكمة من كتابة الله تعالى لمقادير الخلق في اللوح المحفوظ وهو لا يضل ولا ينسى؟

السؤال

كنت في السابق ملحدة، وكانت تأتيني بعض الشبَه، ولم أكن أجد لها جواباً، ومنها: لماذا كَتب الله كل شيء في اللوح المحفوظ مع أن الله لا يضل، ولا ينسى، فكيف هذا؟.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

يعتقد المسلم الذي آمن بالله تعالى ربّاً أنه تبارك وتعالى الحكيم في فعله ، وشرعه ، وحُكمه , ويعتقد المسلم أنه ثمة حكَماً جليلة في أفعاله ، وتشريعاته ، منها ما يُعرف , ومنها ما استأثر الله بعلمه.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الحمد لله رب العالمين ، قد أحاط ربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علماً ، وقدرةً ، وحُكماً , ووسع كل شيء رحمةً ، وعلماً ، فما من ذرة في السموات والأرض ، ولا معنى من المعاني ، إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم ، والرحمة ، وكمال القدرة ، والحكمة , وما خلق الخلق باطلاً , ولا فعل شيئاً عبثاً ، بل هو الحكيم في أفعاله ، وأقواله ، سبحانه وتعالى ، ثم من حكمته ما أطلع خلقه – بعضهم – ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 195 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

أنه سبحانه حكيم ، لا يفعل شيئاً عبثاً ، ولا لغيْر معنى ، ومصلحة ، وحكمتُه هي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة ؛ لأجلها فعلَ ، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل ، وقد دل كلامه ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا ، وهذا ، في مواضع لا تكاد تحصى ، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها … – وذكر بعض أنواعها – . ” شفاء العليل ” ( ص 190 ) .

وما يُذكر في الكتاب والسنَّة حكمته من التشريعات ، والأفعال ، والأحكام : فلا مانع من اجتهاد أهل العلم في تلمس الحكَم من خلال إمعان النظر ، والتأمل ، إلا أنه لا ينبغي الجزم فيما هذا حاله من الحكَم ، وهذه المسألة الواردة في السؤال منها ، ونحن نرجو أن نوفق في ذِكر بعض حكَم الكتابة في اللوح المحفوظ.

ثانياً: 

ومما لا شك فيه : أن الله سبحانه وتعالى علِم ما يكون من الخلق ، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ , فعلمه تعالى سابق على كتابته ، وقد ذكر العلماء أن القدر له أربع مراتب : العلم ، ثم الكتابة ، ثم المشيئة ، ثم الخلق.

فالمرتبة الثانية من مراتب القدَر : كتابة مقادير كل شيء ، فالمخلوقات مهما عظم شأنها ، أو دق : فقد كتب الله ما يخصها في اللوح المحفوظ ، من خلق ، وإيجاد ، ونشأة ، وإعداد ، وإمداد ، إلى غير ذلك ، كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحج/ 70 ، وقال : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) النمل/ 75 ،  وقال تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) فاطر/ 11 ، والآيات في ذلك كثيرة .

وقد يقال في حكمة ذلك أمور ، منها :

  1. إثبات علم الله السابق على تلك الكتابة ، وأنه علم لا يتبدل ، ولا يتغير ، وهو جواب موسى عليه السلام في حواره مع فرعون حيث سأل فرعون عن القرون السابقة ما حالهم هل هم في النار أم لا ، فأجابه موسى أن علم حالهم عند الله ، وهو في اللوح المحفوظ ، وأعلمه أن وجود ذلك العلم في اللوح هو مع اتصاف ربه تعالى بالاستغناء عنه ، وأنه سبحانه لا يتصف بالنسيان ، ولا بالخطأ ، كما هو حال البشر ، قال تعالى : (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى . قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) طـه/ 51 ، 52 .

قال الشيخ خالد المصلح – حفظه الله – :

ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق ، وما فائدة هذه الكتابة ؟ فائدة هذه الكتابة : إثبات هذا العلم ، وأنه علم لا يتغير ، ولا يتبدل ، كما قال موسى في جواب فرعون عندما قال له : ( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى . قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ) طه/ 51 ، 52 ، فأثبت علمَها عنده سبحانه وتعالى ، وأثبت أن هذا العلم في كتاب ، ثم قال : ( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ) فما كان مكتوباً : فهو محفوظ ، مع أن الله جل وعلا غني عن هذه الكتابة ، وليست خشية النسيان ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً؛ وإنما ذلك لأجل إثبات هذه المعلومات وحفظها ، ولأجل ما قدره من استنساخ الملائكة منها، وأخذهم عنها. ” شرح العقيدة الواسطية ” ( الدرس رقم : 21).

  1. ومن الحكَم : تطمين العبد المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ففيه التسليم لقضاء الله ، والرضى بقدره .

وقد أشار صحابي جليل إلى هذه الحكمة ، فعَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ : قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي ) . رواه أبو داود ( 4700 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

  1. وفيه بيان لمشيئة الله النافذة التي لا راد لها ، ولا معقب ، فلا راد لقضائه وحُكمه , ولا معقب لمشيئته وإرادته .

وإليه الإشارة في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) . رواه الترمذي ( 2516 ) وصححه الألباني في “صحيح الترمذي”.

  1. إثبات عظيم قدرة الله ، وكماه ، ولإقامة الحجة على الخلق.

ومما لا شك فيه أن كتابة مقادير الخلائق ، وصفاتها ، وأحوالها ، صغيرها وكبيرها ، رطبها ويابسها : أمر عظيم ، وقد بيَّن الله تعالى أنه عليه يسير ؛ إثباتاً لعظيم صفاته ، وكمال جلاله ، قال تعالى : ( أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ) الحج/ 70 ، وقال تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ) الحديد/ 22 .

قال الشيخ محمود عبد الرزاق الرضواني – وفقه الله -:

والسؤال لماذا كتب الله التقدير الأزلي ؟ والإجابة على ذلك : أن الكتابة من لوازم كمال الحكمة ، ومن الأمور الضرورية لقيام الحجة ، وإذا كان الصانع الحكيم لا يصنع إلا ومخطط الصناعة بين يديه ، والمهندسون ينفذون ويشرفون عليه ، ثم بعد ذلك يطابقون المصنوع على دليل التصنيع ، وقياس الرسومات ، ومراقبة الجودة تدقق في المواصفات وتطبيق القياسات ، ولا يمكن أبداً الاستغناء عن الكتابة في مثل هذه الضروريات : أليست للخالق من باب أولى ، فكتابة مقادير المخلوقات : من لوازم الحكمة ، والكمال ، ولا يحتاج إليها رب العزة والجلال ، كما أنه لا يحتاج إلى خلقه ، ولا يفتقر إليهم بأي حال ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي عن رب العزة : ( يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَليَحْمَدِ اللّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ) . انتهى.

www.alridwany.com/sound/akeda/Akeda3/10.DOC

  1. ومن حكَم الكتابة في اللوح المحفوظ : تعليم الخلق الكتابة ، والتدوين ، وأنه إذا كان الخالق المتصف بصفات الجلال ، والكمال ، والمنزه عن الخطأ والنسيان قد كتب علمه ودوَّنه : فالإنسان صاحب النسيان والخطأ أولى بالكتابة .

قال القرطبي – رحمه الله – في تفسير آية سورة ” طه ” ( قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) – :

هذه الآية ونظائرها – مما تقدم ، ويأتي – تدل على تدوين العلوم ، وكتْبها ؛ لئلا تُنسى ، فإنَّ الحفظ قد تعتريه الآفات ، من الغلط ، والنسيان ، وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع ، فيقيده ؛ لئلا يذهب عنه ، وروِّينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له : أنكتب ما نسمع منك ؟ قال : وما يمنعك أن تكتب ، وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب ، فقال : ( عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) … .

” تفسير القرطبي ” ( 11 / 205 ، 206 ).

فنرجو أن نكون بذلك قد أجلينا عنك تلك الشبهة ، وأن الأمر قد اتضح لك الآن ، واعلمي – أيتها الأخت السائلة – أنه لا ينبغي لك أن تشتغلي بالشبهات ، والانسياق وراءها ، ودين الله تعالى فيه من الآيات البينات ما لا يخفى على عاقل ، فانشغلي بطلب العلم ، وقراءة القرآن ، وتدبر آياته ، واقرئي كتب أهل العلم الراسخين ، ولا تنشغلي الوساوس ، والشبهات ؛ فإنها مهلكات ، فإذا قوي إيمانكِ ، ورسخ علمكِ : صار دينك صخرة لا تقع على شبهة إلا حطمتْها ، ولا وقعت عليها شبهة إلا تحطمت .

واحمدي الله تعالى أن نجاك من الإلحاد ، واستعيني بالله ربك على ثبات دينكِ ، والفوز بمرضاته تعالى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة