هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر ؟
كيف نرد على الذين يقولون بأن قتل النفس الانتحار قد كتب في القدر قبل أن يخلق الإنسان ، فإذا ما فعل إنسان ذلك فلا نستطيع الجزم بدخوله النار ، فهو مسيَّر لا مخيَّر
الجواب
الحمد لله
في باب القدَر ضلَّت طائفتان ، الأولى هي القدرية ، وهم القائلون بأن العبد يتصرف بمحض مشيئته وإرادته واختياره منقطعاً عن مشيئة الله ، والأخرى هي الجبرية وهم الذين قالوا إن العبد مسيَّر لا إرادة له ولا اختيار ولا مشيئة ، وهو مثل الريشة في مهب الريح .
والصحيح أنه لا يقال إن الإنسان مخيَّر ولا يقال إنه مسيَّر ، بل يقال إن العبد له مشيئة واختيار وهو مسيَّر لما خلق له .
والانتحار من كبائر الذنوب ، وقد أمر الله تعالى الإنسان بحفظ نفسه ، وعدم إلقائها في التهلكة ، وهو الذي يحرص الناس عليه في حياتهم ، فلا يأكلون السمَّ في طعامهم ، ولا يسيرون عكس الاتجاه في طرق السيارات ، ولا يجزون رقاب أبنائهم والمنتحر قد فعل فعلاً من تلقاء نفسه وبإرادته ، لذا كان آثماً ، وكوْن الله تعالى قد قدَّر ذلك أزلاً لا يعني أنه أُجبر عليه ، فهو – أصلاً – لا يدري ماذا قدَّر الله تعالى عليه ، وهو قد أُمر بحفظ نفسه ونهي عن قتلها وإلقائها في التهلكة .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
الإنسان مسيَّر أو مخير ؟
فأجاب :
الإنسان مسيَّر وميسَّر ومخيّر ، فهو مسيَّر وميسر بحسب ما مضى من قدر الله ؛ فإن الله قدر الأقدار وقضى ما يكون في العالم قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة ، قدر كل شيء سبحانه وتعالى ، وسبق علمه بكل شيء ، كما قال عز وجل:{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر / 49 ] وقال سبحانه : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } [ الحديد / 22 ] وقال عز وجل في كتابه العظيم : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } [ التغابن / 11- 14 ] ، فالأمور كلها قد سبق بها علم الله وقضاؤه سبحانه وتعالى ، وكل مسيَّر وميسَّر لما خلق له ، كما قال سبحانه : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [ يونس / 22 ] وقال سبحانه : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى .
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } [ الليل / 5 –14 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء ” أخرجه مسلم في صحيحه .
ومن أصول الإيمان الستة : الإيمان بالقدر خيره وشره ، فالإنسان ميسَّر ومسيّر من هذه الحيثية لما خلق له على ما مضى من قدر الله ، لا يخرج عن قدر الله ، كما قال سبحانه :{ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ }
[ يونس / 22 ] وهو مخيَّر أيضا من جهة ما أعطاه الله من العقل والإرادة والمشيئة ، فكل إنسان له
عقل إلا أن يسلب كالمجانين ، ولكن الأصل هو العقل ، فمن كان عنده العقل فهو مخير يستطيع أن يعمل الخير والشر ، قال تعالى : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }
[ التكوير / 28 – 29 ] وقال جل وعلا : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ } [ الأنفال / 67 ] فللعباد إرادة ، ولهم مشيئة ، وهم فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم ، كما قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ المائدة / 8 ] وقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ النور / 30 ] ، وقال تعالى
: { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } [ النمل / 88 ] ، فالعبد له فعل ، وله صنع ، وله عمل ، والله سبحانه هو خالقه وخالق فعله وصنعه وعمله ، وقال عز وجل: { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }
[ المدثر / 55 ، 56 ] ، وقال سبحانه : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28 – 29 ] فكل إنسان له مشيئة ، وله إرادة ، وله عمل ، وله صنع ، وله اختيار ولهذا كلف ، فهو مأمور بطاعة الله ورسوله ، وبترك ما نهى الله عنه ورسوله ، مأمور بفعل الواجبات ، وترك المحرمات ، مأمور بأن يعدل مع إخوانه ولا يظلم ، فهو مأمور بهذه الأشياء ، وله قدرة ، وله اختيار ، وله إرادة فهو المصلي ، وهو الصائم ، وهو الزاني ، وهو السارق ، وهكذا في جميع الأفعال هو الآكل ، وهو الشارب ، فهو مسئول عن جميع هذه الأشياء لأن له اختيارا وله مشيئة ، فهو مخير من هذه الحيثية ؛ لأن الله أعطاه عقلا وإرادة ومشيئة وفعلا ، فهو ميسر ومخير ، مسير من جهة ما مضى من قدر الله ، فعليه أن يراعي القدر فيقول : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [البقرة / 156 ] إذا أصابه شيء مما يكره ، ويقول : قدر الله وما شاء فعل ، يتعزى بقدر الله ، وعليه أن يجاهد نفسه ويحاسبها بأداء ما أوجب الله ، وبترك ما حرم الله ، بأداء الأمانة ، وبأداء الحقوق ، وبالنصح لكل مسلم ، فهو ميسر من جهة قدر الله ، ومخير من جهة ما أعطاه الله من العقل والمشيئة والإرادة والاختيار ، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار ” ، فقال بعض الصحابة
رضي الله عنه : ففيم العمل يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ” اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له ، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وكلها تدل على ما ذكرنا ، والله ولي التوفيق .
مجموع فتاوى ومقالات ( 94 / 8 )
وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله –
هل الإنسان مخير أو مسير ؟
فأجاب بقوله :
على السائل أن يسأل نفسه : هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال ؟ وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها ؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبيَّن له الجواب هل هو مسير أو مخير ، ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره ؟ هل يصيبه المرض باختياره ؟ هل يموت باختياره ؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسيَّر أو مخيَّر ، والجواب : أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب ، واسمع إلى قول الله تعالى : { فمَنْ شَاءَ اتخذَ إِلى ربِّهِ مَآبًا } ، وإلى قوله :{ مِنْكُم مَن يُريدُ الدنْيا ومِنْكُم من يُريدُ الآخِرَة } ، وإلى قوله : { وَمَن أرادَ الآخرةَ وسَعى لها سَعْيَها وهُوَ مُؤمن فأولئكَ كانَ سعيُهم مَشْكُوراً } ، وإلى قوله : { فَفِدْية من صِيَامٍ أَوْ صَدَقةٍ أوْ نُسُك } حيث خيَّر الفادي فيما يفدي به ولكن العبد إذا أراد شيئاً وفعله : علِمنا أن الله تعالى قد أراده ؛ لقوله تعالى : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُم أَنْ يَسْتَقيم . وَمَا تَشاءونَ إلاَّ أَنْ يَشاءَ الله ربُّ العَالَمينَ } ، فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره كالمرض والموت والحوادث فهي بمحض القدر وليس للعبد فيها ولا إرادة ، والله الموفق .
مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين / 2 السؤال رقم ( 195 )
وانظر جواب السؤال رقم ( 5920 ) و ( 11353 ) .
والله أعلم

