مشوش الذهن ويريد شرحاً وافياً عن الجهاد الدفاعي

السؤال

إنني على علاقة بصديق مشوش الذهن بالنسبة لموضوع الجهاد الدفاعي : إنه يعتقد أنه هناك أشياء كثيرة لم تذكر عن البشاعات التي تحدث في البوسنة مثلاً. إنه يشعر بالألم والحزن عندما يرى إخواننا المسلمين وهم يقتلون. لقد أرسلت له العديد من المقالات للشيخ الألباني والشيخ محمد إسماعيل والشيخ حسن. ولكنه يحتاج إلى معرفة دورنا ومسئوليتنا في هذه الأوقات العصيبة. إنني مشتاق لردك. ولا مانع إذا نشرت الإجابة لكن بشرط أن تكون مفصلة حتى أستطيع تفسيرها بوضوح لصديقي.

الجواب

الحمد لله

أولاً :

  • كان الجهاد في بداية الأمر دفاعيّاً .

قال تعالى :{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [ الحج / 39 ] .

  • ثم إن الله فرض القتال والجهاد للكفار عامة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون .

قال تعالى :{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [ التوبة / 29 ] .

قال ابن القيم رحمه الله :

أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ، ثم أنزل عليه{ يا أيها المدثر قم فأنذر } المدثر . فنبأه بقوله { اقرأ } ، وأرسله بـ{ يا أيها المدثر} ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين ، ثم أنذر قومه ، ثم أنذر من حولهم من العرب ، ثم أنذر العرب قاطبة ، ثم أنذر العالمين ، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح ، ثم أُذن له في الهجرة ، وأذن له في القتال ، ثم أمره أن يقاتل مَن قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله ، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله له ، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام : أهل صلح وهدنة ، وأهل حرب ، وأهل ذمة .

فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إلى عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد ، وأمر أن يقاتل من نقض عهده ، ولما نزلت سورة براءة ببيان حكم هذه الأقسام كلها فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام ، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان والمنافقين بالحجة واللسان ، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم ، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام : قسماً أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له فحاربهم وظهر عليهم ، وقسماً لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم ، وقسماً لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } [ التوبة / 2 ] ، وهي الحرم المذكورة ، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده وأجل من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعة أشهر وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم وضرب على أهل الذمة الجزية .

فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام : محاربين له ، وأهل عهد ، وأهل ذمة ، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين : محاربين ، وأهل ذمة ، والمحاربون له خائفون منه فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام : مسلم مؤمن به ، ومسالم له آمن ، وخائف محارب .

زاد المعاد  ( 3 / 158 – 160 ) لابن القيم .

فالشاهد : أن آخر الأمر استقر على وجوب قتال الكفار عامة على التفصيل الذي ذكر.

وأما تأثر بعض الكتاب الإسلاميين وردة فعلهم على قول المستشرقين إن الإسلام انتشر بالسيف فقالوا : بل الإسلام أوجب الجهاد دفاعيّاً : فكلا القولين خطأ .

فالله من رحمته أوجب الجهاد حتى يبلغ دين الله وحتى لا يكون هناك حجة لأحد ولرفع الظلم والكفر عن الناس فأمر بتبليغ دين الله ، ومن اعترض هذا التبليغ قوتل ومن رفض هذا التبليغ فهو بين إحدى ثلاث : إما الجزية ، أو الحرب ، أو الإسلام ، ومع ذلك نقول إن كثيراً من المسلمين دخلوا في الإسلام من غير قتال ، وأدل دليل على ذلك بلاد جنوب شرق آسيا وفيها أعلى نسبة من المسلمين كإندونيسيا وغيرها لما رأوا من سماحة الإسلام ويسره وأخلاقه الفاضلة وتشريعاته السمحة  فالإسلام انتشر بالعلم والبيان، والسيف كان تابعاً له كما ذكر ذلك شيخ الإسلام – رحمه الله – في أكثر من موضع من كتبه . انظر : ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 393).

 وذكر الشنقيطي رحمه الله –  في كتابه ” أضواء البيان ” (1/219) أن غلبة الأنبياء على قسمين :

  • غلبة بالحجة والبيان .
  • و غلبة بالسيف والسنان .

وأما الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام عن الجهاد  وأن فيه تعسف وظلم وإسلام بالجبر وغير ذلك فغير صحيح ، وأدل دليل على ذلك الأقليات النصرانية واليهودية التي تعيش في بلاد المسلمين منذ قديم الزمان فهي أدل دليل على عدل الإسلام  وسماحته ، وعلى العكس من ذلك النصارى وخذ مثال ذلك ما فعله النصارى بالمسلمين لما دخلوا الأندلس وخرج منها المسلمون ماذا فعلوا بالمسلمين هناك وأظن أن الناس لم يجهلوا ما حصل في ” محاكم التفتيش ” وظلم الكنيسة ، وهذا معروف لمن قرأ التاريخ .

ثانياً :

وأما دور المسلم في الأوقات العصيبة التي يمر بها المسلمون فنقول :

إن على المسلم أن يشارك على قدر استطاعته : بيده إن استطاع ، أو بماله ، وأيضاً بدعائه وابتهاله إلى الله ومد يد العون إليهم ما استطاع .

 

والله أعلم.

1 تعليق

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة