حكم التأمين التعاوني لدفع تكاليف الدفن
السؤال
نحن جالية إسلامية صغيرة في لندن، وفي آخر اجتماع لنا ذكر العضو الممثل لنا أن نفقات الدفن قد ارتفعت بشكل كبير، وأن هناك احتمال كبير بأن أسرة الميت أو الشخص بمفرده لا يتمكن من دفع التكاليف، وفي مثل هذه الحالة، فإن علينا أن نشارك في تأمين لترتيبات الدفن. أرجو أن تبين لي الحكم في ذلك على وجه السرعة. وشكرا لك.
الجواب
الحمد لله
قال الله عز وجل { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } [ المائدة / 2 ] ، والذي نراه أن الصورة التي جاءت في السؤال هي من باب التعاون على البر والخير ، لكن ينبغي أن ننبه إلى أمور :
- أن لا تستعمل هذه الأموال المجموعة في الاستثمارات المحرمة .
- وأن لا توضع في البنوك .
- أن لا يشتغل المشتركون بأموالهم في مشاريع تجارية ، خشية تورطهم بمخالفات ، أو وقوعهم في خسارة، وبالتالي ضياع أموال المشتركين مما يفوِّت مقصودهم .
- وأن يعين هؤلاء الإخوة إخوانهم الذين لا يستطيعون المشاركة معهم من المسلمين، حتى يَظهر للكفار أثر التعاون والتراحم بين المسلمين ، وحتى ينقذوا إخوانهم من المخالفة في الدفن الشرعي .
وهذا الفعل قد اصطلح عليه العلماء بتسميته ” التأمين التعاوني ” ، وقد أفتى مجلس هيئة كبار العلماء بجوازه، وكذا ” المجلس الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ” ، و” مجمع الفقه الإسلامي ” بجدة .
وهذا هو كلامهم في هذا الموضوع :
- قرر ” مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ” بالإجماع الموافقة على قرار ” مجلس هيئة كبار العلماء ” في المملكة العربية السعودية رقم ( 51 ) وتاريخ 4 / 4 / 1397 هجرية من جواز التأمين التعاوني بدلا عن التأمين التجاري المحرم والمنوه عنه آنفا للأدلة الآتية :
الأول : إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر ، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحا من أموال غيرهم وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر .
الثاني : خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسأ ، فليست عقود المساهمين ربوية ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية .
الثالث : إنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة بخلاف التأمين التجاري فإنه عقد معاوضة مالية تجارية .
الرابع : قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون سواء أكان القيام بذلك تبرعا أم مقابل أجر معين .
* ورأى المجلس أن يكون التأمين التعاوني على شكل شركة تأمين تعاونية مختلطة للأمور الآتية:
أولا : الالتزام بالفكر الاقتصادي الإسلامي الذي يترك للأفراد مسئولية القيام بمختلف المشروعات الاقتصادية ولا يأتي دور الدولة إلا كعنصر مكمل لما عجز الأفراد عن القيام به وكدور موجه ورقيب لضمان نجاح هذه المشروعات وسلامة عملياتها .
ثانيا : الالتزام بالفكر التعاوني التأميني الذي بمقتضاه يستقل المتعاونون بالمشروع كله من حيث تشغيله ومن حيث الجهاز التنفيذي ومسئولية إدارة المشروع .
ثالثا : تدريب الأهالي على مباشرة التأمين التعاوني وإيجاد المبادرات الفردية والاستفادة من البواعث الشخصية ، فلا شك أن مشاركة الأهالي في الإدارة تجعلهم أكثر حرصا ويقظة على تجنب وقوع المخاطر التي يدفعون مجتمعين تكلفة تعويضها مما يحقق بالتالي مصلحة لهم في إنجاح التأمين التعاوني إذ إن تجنب المخاطر يعود عليهم بأقساط أقل في المستقبل كما أن وقوعها قد يحملهم أقساطا أكبر في المستقبل.
رابعا : إن صورة الشركة المختلطة لا يجعل التأمين كما لو كان هبة أو منحة من الدولة للمستفيدين منه بل بمشاركة منها معهم فقط لحمايتهم ومساندتهم باعتبارهم هم أصحاب المصلحة الفعلية وهذا موقف أكثر إيجابية ليشعر معه المتعاونون دور الدولة ولا يعفيهم في نفس الوقت من المسئولية .
* ويرى المجلس أن يراعى في وضع المواد التفصيلية للعمل بالتأمين التعاوني على الأسس الآتية:
الأول : أن يكون لمنظمة التأمين التعاوني مركز له فروع في كافة المدن وأن يكون بالمنظمة أقسام تتوزع بحسب الأخطار المراد تغطيتها وبحسب مختلف فئات ومهن المتعاونين كأن يكون هناك قسم للتأمين الصحي وثان للتأمين ضد العجز والشيخوخة .. إلخ أو يكون هناك قسم لتأمين الباعة المتجولين وآخر للتجار وثالث للطلبة ورابع لأصحاب المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والمحامين … الخ
الثاني : أن تكون منظمة التأمين التعاوني على درجة كبيرة من المرونة والبعد عن الأساليب المعقدة .
الثالث : أن يكون للمنظمة مجلس أعلى يقرر خطط العمل ويقترح ما يلزمها من لوائح وقرارات تكون نافذة إذا اتفقت مع قواعد الشريعة .
الرابع : يمثل الحكومة في هذا المجلس من تختاره من الأعضاء ويمثل المساهمين من يختارونه ليكونوا أعضاء في المجلس ليساعد ذلك على إشراف الحكومة عليها واطمئنانها على سلامة سيرها وحفظها من التلاعب والفشل .
الخامس : إذا تجاوزت المخاطر موارد الصندوق بما قد يستلزم زيادة الأقساط فتقوم الدولة والمشتركون بتحمل هذه الزيادة.
ويؤيد مجلس المجمع الفقهي ما اقترحه مجلس هيئة كبار العلماء في إقراره المذكور بأن يتولى وضع المواد التفصيلية لهذه الشركة التعاونية جماعة من الخبراء المختصين في هذا الشأن .
” المجمع الفقهي لمجلس رابطة العالم الإسلامي ” الدورة الأولى القرار ( رقم 5 ) .
ب. وفي قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” بجدة القرار ( رقم 9 ) :
بعد أن تابع ” المجمع ” العروض المقدمة من العلماء المشاركين في الدورة حول موضوع ” التأمين وإعادة التأمين ” وبعد أن ناقش الدراسات المقدمة ، وبعد تعمق البحث في سائر صوره وأنواعه والمبادئ التي يقوم عليها والغايات التي يهدف إليها ، وبعد النظر فيما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن قرر :
أولاً :
أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري : عقد فيه غرر كبير مُفسد للعقد ، ولذا فهو حرامٌ شرعاً .
ثانياً :
أن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني .
ثالثاً :
دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة .
والله أعلم.


