فتاة متبنّاة: والداها ليسا بمتزوجين ولا بمسلمين، ويريد توضيح أحكام التبنّي!.

السؤال

هناك فتاة مُتبناة، وكلا والديها الحقيقيين ليسا مسلمين، وليسا متزوجين – أعلم أنه لا يمكنها أن تتسمى إلا باسم والدتها.  وأن الرجل ليس مسؤولا عنها.  لكن هل يجوز أن تكون بينها وبين الرجل علاقة وأن تناديه بوالدي؟  ماذا عليها أن تلبس في وجوده، هل يجب عليها أن تلبس النقاب؟  هل يمكنها أن تُعرف نفسها لقبيلته أو لعائلته إذا أراد هو ذلك، وهل يمكنه أن يرعى شؤونها إذا تطوع هو بذلك – وإذا كان لذلك الرجل أخوة وأبناء، فهل يكونوا محارم لها، أم تعاملهم على أنهم ممن يمكن أن يتزوجوا بها؟  أرجو التوضيح،

الجواب

الحمد لله

أولًا:

التبني: هو اتخاذ الشخص ولدَ غيره ابنًا له، وكان الرجل في الجاهلية يتبنى الرجل، فيجعله كالابن المولود له، ويدعوه إليه الناس، ويرث ميراث الأولاد.

وليس من أسباب التبني عند الجاهليين أنه لا والد أو معيل لهذا الطفل، بل كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جَلده أو هيئته ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب ابنٍ من أبنائه في الميراث، وكان ينسب إليه فيقال: فلان بن فلان.

وقد حرم الإسلام التبني، وأبطل كل آثاره، وذلك بقوله تعالى: { وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } [ الأحزاب / 4 ]، وقوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم } [ الأحزاب / 5 ] .

وقد تبنى الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة قبل أن يشرفه الله بالرسالة، وكان يدعى زيد بن محمد، واستمر الأمر على ذلك إلى أن نزل قول الله تعالى: { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } إلى قوله: { وكان الله غفورًا رحيمًا }  وبذلك أبطل الله نظام التبني، وأمر من تبنى أحدًا ألا ينسبه إلى نفسه، وإنما ينسبه إلى أبيه إن كان له أب معروف، فإن جهل أبوه دعي ” مولى ”  و ” أخا في الدين، وبذلك منع  الناس من تغيير الحقائق، وصينت حقوق الورثة من الضياع أو الانتقاص.

– وممن تبنى في الجاهلية: أبو حذيفة، وقد تبنى ” سالمًا ” وكان يدعى: سالم بن أبي حذيفة.

فلما أمر الله تعالى بالنسبة إلى الآباء، فإن لم يعلم الآباء دعي بالمولى استجاب الناس لأمر الله تعالى، فنُسب زيد إلى أبيه ” حارثة “، ودُعي سالم بـ ” سالم مولى أبي حذيفة “.

عن عائشة رضي الله عنها أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس – وكان ممن شهد بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم – تبنَّى سالما وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه حتى أنزل الله { ادعوهم لآبائهم } إلى قوله { ومواليكم }، فرُدوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وقد أنزل الله فيه ما قد علمت، فذكر الحديث.

رواه البخاري ( 4800 ).

قال القرطبي:

أن التبني كان معمولًا به في الجاهلية والإسلام يتوارث به ويتناصر إلى أن نسخ الله ذلك بقوله: { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله }، أي: أعدل، فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه.  ” تفسير القرطبي ” ( 14 / 119 ).

وقال شيخ الإسلام:

والله سبحانه قد نسخ التبني الذي كان في الجاهلية حيث كان يتبنى الرجل ولد غيره قال الله تعالى: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [ الأحزاب /4 ]، وقال تعالى: { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين } [ الأحزاب / 5 ]. ” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 244 ).

و في نسخ هذا التبني أنزل الله قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا  زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولًا} [ الأحزاب / 37 ].

عن أنس بن مالك رضي الله عنه:  أن هذه الآية: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة . رواه البخاري ( 4509 ) ومسلم ( 177 ).

عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لزيد: فاذكرها علي – أي: اخطبها لي لأتزوجها –  قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم  يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها. رواه مسلم ( 1428 ).

قال ابن حجر:

وقد أخرج بن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقا واضحا حسنا ولفظه: ” بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك ثم أنها رضيت بما صنع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فزوجها إياه ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس فأمره رسول الله  صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه وقد كان قد تبنى زيدا. ” فتح الباري ” ( 8 / 523 ).

ثانيًا:

وقد حرم الله تعالى التبني لأن فيه:

  • تضيع الأنساب وقد أمرنا بحفظ أنسابنا.

عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي  صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادَّعى  قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من   النار “.

رواه البخاري ( 3317 ) ومسلم ( 61 ).

و معنى كفر: أي جاء بأفعال الكفار لا أنه خرج من الدين.

  • لأن فيه تحريمًا لما أحل الله وتحليلًا لما حرم .

فإن تحريم بنات المتبني مثلًا على اليتيم فيه تحريم للمباح الذي لم يحرمه الله تعالى واستحلال الميراث من بعد موت المتبني مثلًا فيه إباحة ما حرم الله لأن الميراث من حق الأولاد الذين هم من الصلب.

  • قد يُحدث هذا الشحناء والبغضاء بين المتبنى وأولاد المتبني.

لأنه سيضيع عليهم بعض الحقوق التي ستذهب إلى هذا اليتيم بغير وجه حق وهم بقرارة أنفسهم يعلمون أنه ليس كفؤًا لهم.

    ثالثًا:

ويجب التنبيه على أن هؤلاء المكفولين من الأيتام وغيرهم أنهم متى بلغوا الحلم يجب فصلهم عن نســـاء.

الكافل وبناته ويجب على الكافل ألا يصلح من جانب ويفسد من جانب آخر.

وبما أن المنوه عليها في السؤال أنثى فالضرر قد يكون أعظم، فيجب فصلها عن الكافل نفسه لأنه أجنبي عنها هو وأولاده وإخوانه وسائر أقربائه ولا يحل لها أن تلقاه كاشفة شيئا من عورتها – كما تكشف بناته أمامه – لأنه ليس أبا لها وهي ليست بنتا له، ولا أولاده إخوة لها ولا هي أخت لهم، ولا إخوانه أعمامًا لها ولا هي ابنة أخيهم، كما أنه لا يحل لهم – أجمعين – الخلوة بها ولا يحدثونها إلا من وراء حجاب.

وينبغي العلم بأن هذه المكفولة قد تكون جميلة وقد تقع الشهوة على من يراها قبل بلوغها فيجب على الكافل أن يراقب أبناءه من أن يقعوا بالمحرمات معها، لأن هذا قد يحدث ويكون سببًا للفساد الذي قد يعسر إصلاحه.

ويجب على الكافل أن يفصلها عنه وعن أبنائه فصلا تاما، وأن يبادر في تزويجها فور بلوغها لأن هذا أحسن لها في دنياها وفي آخرتها عند مولاها.

رابعًا:

أما مناداتها له وقولها: يا والدي، فإن كان من باب الإجلال والإكرام، فلا بأس به، ولا يعني هذا النداء ثبوت البنوة كما أسلفنا.

والدليل على جواز ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وبوب له: ” باب جواز قوله لغير ابنه يا بني واستحبابه للملاطفة ” ثم ساق الحديث:

عن أنس بن مالك قال: قال لي رسول الله  صلى الله عليه وسلم: يا بني.

مسلم ( 2151 ).

فما دام أنه يجوز أن تقول لغير ابنك: يا بني، فكذلك يجوز أن تقول لغير أبيك: يا أبت، أو يا والدي.

وكما أسلفنا فإنه لا يحل لها أن تتسمى باسم الذي كفلها ولا باسم عشيرته ويجب أن تدعى باسم أبيها الذي ولدها من صلبه.

وكما أسلفنا فإنه يجب عليها أن تلبس لباسها الشرعي أمامه كالنقاب وكامل لباسها الشرعي، ويحل لأقاربه كأبنائه وإخوانه أن يتزوجوا منها.

وأما قيامه بأعمالها وما لا بد له منه من شؤونها التي لا يقوى مثلها عليه فلا بأس بذلك بشرط أن لا يرى شيئًا منها و أن لا يخلو بها.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة