هل حق الحضانة ينتقل للأب عند زواج الأم؟
السؤال
تقول السائلة أنها على وشك الطلاق أو الخلع من زوجها ويؤيدها الإمام لأن زوجها يسيء إليها وعندها 3 أطفال وسوف تحصل على حضانتهم.
لكن تحب أن تسأل هذا السؤال رغم أن عدتها لم تبدأ : هل إذا تقدم إليها شخص وتزوجته يصبح لها حق الحضانة على الأطفال بموجب القانون ؟ لكنها تخاف الله ولا تريد أن تخالف الشريعة.
الجواب
الحمد لله
- الأم أحق بأطفالها – إذا كانوا دون سن التمييز – من زوجها ما لم تتزوج ، فإن تزوجت رجع أطفالها إلى أبيهم .
– فإن ميَّز الأطفال خُيِّروا بين الأبوين .
وهذا في حال أن يكون الأب والأم متساويين في الدين والعدالة ، فإن كان أحدهما سيء التربية ، قليل الدين: لم يحكم له بأطفاله ، لأن العبرة : مصلحة المحضون ، ولا مصلحة له مع مفرِّط في حق الطفل .
– وعلى هذا دلَّت الأحاديث ، وبمثله يفتي المحققون من العلماء .
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة التي طلبت حضانة ولدها من زوجها : ” أنت أحق به ما لم تنكحي ” . رواه أبو داود في سننه ( 2276 ) ، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 368 ) .
قال ابن القيم رحمه الله :
ودل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها ، أو بالولد وصف يقتضي تخييره ، وهذا ما لا يعرف فيه نزاع .
وقد قضى به خليفة رسول الله أبو بكر على عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه منكِر ، فلما ولِيَ عمر قضى بمثله .. ..
قال – أي : ابن عبد البر- : وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف أبي بكر ولكنه سلم للقضاء ممن له الحُكم والإمضاء ، ثم كان بعدُ في خلافته يقضي به ويفتي ، ولم يخالِف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيراً لا يميِّز ، ولا مخالف لهما من الصحابة . ” زاد المعاد ” ( 5 / 435 ، 436 ) .
- وقال رحمه الله :
– والولاية على الطفل نوعان :
نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها ، وهي ولاية النكاح .
ونوع تقدم فيه الأم على الأب ، وهي ولاية الحضانة والرضاع .
وقُدِّم كلٌّ مِن الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد ، وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته .
ولما كان النساء أعرف بالتربية وأقدر عليها وأصبر وأرأف وأفرغ لها : لذلك قدمت الأم على الأب .
ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البُضع : قدِّم الأب فيها على الأم .
فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم .
وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج : كذلك .
” زاد المعاد ” ( 5 / 537 ، 538 ) .
- وقوله صلى الله عليه وسلم ” ما لم تنكحي ” للتعليل – كما هو قول الجمهور – خلافاً لمالك الذي قال إنه للتوقيت ، وعليه : فإن طلقها الزوج الثاني : رجعت حضانتها لطفلها .
والأظهر : أنه بمجرد عقد الثاني عليها يزول حقها بالحضانة ، ولا يتوقف الزوال على الدخول ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ، ورجحه ابن القيم في ” الزاد ” ( 5 / 454 ) .
- ومن شروط الحاضن :
الإسلام ، فلا حضانة لكافر .
والعقل ، فلا حضانة لمجنون ولا معتوه .
والبلوغ ، فلا حضانة لصغير .
حسن التربية ، فلا حضانة لمفرِّط فيها .
- قال ابن القيم رحمه الله :
وسمعت شيخنا رحمه الله – أي : ابن تيمية – يقول :
تنازع أبوان صبيّاً عند بعض الحكام ، فخيَّره بينهما فاختار أباه ، فقالت له أمه : سله لأي شيء يختار أباه فسأله ، فقال : أمي تبعثني كل يوم للكتَّاب والفقيه يضربني ، وأبي يتركني للعب مع الصبيان ، فقضى به للأم قال : أنت أحق به .
قال شيخنا : وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه : فهو عاص ، فلا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته : فلا ولاية له عليه ، بل إما أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب ، وإما أن يُضم إليه من يقوم معه بالواجب ، إذ المقصود : طاعة الله ورسوله بحسب .
قال شيخنا : وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقاً أو صالحاً بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان .
قال : فلو قُدِّر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ، ولا تقوم بها ، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرَّة : فالحضانة هنا للأم قطعاً .
قال : ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً ، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقاً ، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقاً بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البَرِّ العادل المحسن ، والله أعلم .
” زاد المعاد ” ( 5 / 475 ، 476 ) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم :
البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج ، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها .
وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرَّة أمها .
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ) .
وقال الشيخ صالح الفوزان :
ولا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به فيها ، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه ؛ لأنه يسيء تربيته ، وينشئه على طريقته .
” الملخص الفقهي ” ( 2 / 353 ) .
وأخيراً :
حكم القانون لا يجعل الحرام حلالاً ، ولا العكس ، والحق إذا ثبت بالشرع لم ينقضه القانون ولم يُحلَّه .
والله أعلم.


