هل يحق له حضانة ابنتيه لأن أمهما لا تريد الاستقامة؟

السؤال

شيخي الفاضل

حدث خلاف وبين زوجتي وسببه الأساسي هو عدم رغبتها في أن تحيا حياة إسلامية , ومنذ أن تزوجتها – قبل ثلاث سنوات – وأنا في ضنك من العيش بسبب هذا الأمر , لي منها طفلتان ، وأريد أن أربيهما تربية إسلامية بعون الله ومشيئته , ولكن الخلافات قد  ساءت حتى وصلت الأمور إلى مسبتي وإهانتي أنا ووالدي وأمي ، وخرجت من البيت وأخذت الأطفال , وقد عزمت على طلاقها لعدم قدرتي على إقامة شرع الله معها ، وبسبب خروجها من البيت بهذه الطريقة فإنه باستطاعتي أن أفرض عليها شروطي وأن آخذ الأطفال منها لا نكاية بها ولكن حتى تنشآن نشأة إسلامية لعلمي بعدم قدرة زوجتي أو رغبتها بذلك , وذلك بعد أن أجد لهن أما رؤوما صالحة ذات دين تريد نجاة البنتين من النار والأجر من الله من وراء ذلك , وكل ذلك بعون الله ومشيئته أولا وآخراً , هذا مع العلم أني عاملت زوجتي بشرع الله حسب قدرتي وعلمي حتى في أحلك الأوقات , وحاولت أن أعالجها بالترغيب والترهيب والوعظ والهجران والصبر والاستعانة بالله والدعاء ، ولكن بدون جدوى ، وبالله المستعان ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، والحمد لله على كل حال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله , ولكني علمت أن الأم هي الأوْلى بحضانة الأطفال ؛ لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخصوص هذا الأمر , وسؤالي هو : هل يجوز لي أخذ البنتين خوفاً عليهن من الفساد على الرغم من أحقية الأم بالحضانة أم لا يحق لي ؟ أفيدونا جزاكم الله عنا وعن الأمة الإسلامية خيراً , والله من وراء القصد.

الجواب

الحمد لله

أولاً :

لا شك أن ما فعلته زوجتك مخالف لما أمرها الله تعالى به من طاعة الزوج ، والإحسان في القول والفعل تجاهه ، وقد عظَّم الشرع حقَّ الزوج كثيراً ، ولو كان أحدٌ يسجد لغير الله لأمر الله تعالى الزوجة أن تسجد لزوجها لعِظم حقه عليها ، وحقوق الزوج على الزوجة من أعظم الحقوق ، بل إن حقه عليها أعظم من حقها عليه لقول الله تعالى :{ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [ البقرة / 228 ] .

عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

قال ” حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها أو انتثر منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه ” . رواه الحاكم ( 2 / 205 ) وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب ( 1934 ) .

فالواجب على كل زوجة أن تتقي الله تعالى ، وأن تحسن معاملة الزوج ، وأن تطيعه في غير معصية الله تعالى .

وما يراه الأزواج – غالباً – من سوء المعاملة وفحش القول من نسائهم إنما هو بسبب مخالفتهم رغبة الشرع في نكاح ذات الدين ، فمن نكح امرأة لجمالها أو لحسبها أو لمالها وكانت غير متدينة فإنه سيرى آثار هذا الاختيار في حياته ، والأشد من ذلك إيلاماً ما سيراه من سوء تربية أبنائه .

وأمرٌ آخر مهم ، وهو أنه قد يكون ما يراه الزوج من سوء أخلاق زوجته إنما هو بسبب معاصيه هو ، وفي مثل هذا قال بعض السلف : ” إني لأرى آثار معصيتي في دابتي وزوجتي ” ، فليراجع الزوج نفسه ولينظر في حاله ليصلحها .

ثانياً :

وإذا كان الأمر كما ذكر السائل من سوء أخلاق الزوجة ونشوزها : فإنها لا تستحق أن تكون حاضنة لأبنائه ، فالحضانة في الشرع ليست في الطعام والشراب والكسوة فقط ، بل هي فيما أعظم من هذا كله ، وهي القيام على ما يصلح دينهم من التربية الإسلامية الصحيحة ، ولذا فإن الأبناء يُدفعون إلى أحسن والديهم ديناً .

قال ابن القيم رحمه الله :

وسمعت شيخنا رحمه الله – أي : ابن تيمية – يقول :

تنازع أبوان صبيّاً عند بعض الحكام ، فخيَّره بينهما فاختار أباه ، فقالت له أمه : سَلْهُ لأي شيء يختار أباه فسأله ، فقال : أمي تبعثني كل يوم للكتَّاب والفقيه يضربني ، وأبي يتركني للعب مع الصبيان ، فقضى به للأم قال : أنت أحق به .

قال شيخنا : وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه : فهو عاص ، فلا ولاية له عليه ، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته : فلا ولاية له عليه ، بل إما أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب ، وإما أن يُضم إليه من يقوم معه بالواجب ، إذ المقصود : طاعة الله ورسوله بحسب .

قال شيخنا : وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقاً أو صالحاً بل هذا من جنس الولاية التي لا بدّ فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان .

قال : فلو قُدِّر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ، ولا تقوم بها ، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرَّة : فالحضانة هنا للأم قطعاً .

قال : ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً ، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقاً ، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقاً بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البَرِّ العادل المحسن ، والله أعلم .

” زاد المعاد ” ( 5 / 475 ، 476 ) .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم :

البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج ، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها .

وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرَّة أمها .

”  فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ) .

وقال الشيخ صالح الفوزان :

ولا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به فيها ، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه ؛ لأنه يسيء تربيته ، وينشئه على طريقته .

” الملخص الفقهي ” ( 2 / 353 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة