هل للزوج حق في راتب زوجته؟

السؤال

يتعلق بما إذا كان للمرأة دخل فهل لزوجها حق فيه؟

إذا رفض الزوج شراء شيء وللمرأة مال فهل يمكن أن تشتريه رغم رفض الزوج شراءه حيث أن الله أمر الزوجة بطاعة الزوج.

الجواب

الحمد لله

  1. ذهب جمهور العلماء إلى جواز تصرف المرأة العاقلة الرشيدة بمالها دون إذن زوجها، وخالف في ذلك بعض العلماء، وللجمهور أدلة قوية كثيرة لا يشك المطلع الباحث أن قولهم هو الصواب، وعلى هذا فتوى علمائنا في هذا العصر.

أدلة الجمهور:

  • قال ابن حزم:

– ومن الحجة لقولنا قول الله تعالى { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } [ النساء/ 19].

فبطل بهذا منعها من مالها طمعا في أن يحصل للمانع بالميراث أبًا كان أو زوجًا.

– وقول الله تعالى { والمتصدقين والمتصدقات } [ الأحزاب / 35 ].

– وقال تعالى { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت } [ المنافقون / 10].

فلم يفرق عز وجل بين الرجال في الحض على الصدقة وبين امرأة ورجل، ولا بين ذات أب بكر أو غير ذات أب ثيب، ولا بين ذات زوج ولا أرملة، فكان التفريق بين ذلك باطلًا متيقنًا وظلمًا ظاهرًا ممن قامت الحجة عليه في ذلك فقلَّد، وبالله تعالى التوفيق. ” المحلى ” ( 8 / 310 ).

  • عن جابر بن عبد الله قال سمعته يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة. رواه البخاري ( 918 ) ومسلم ( 885 ).

قال الحافظ ابن حجر:

واستدل به على جواز صدقة  المرأة  من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافًا لبعض المالكية.

ووجه الدلالة من القصة: ترك الاستفصال عن ذلك كله.

قال القرطبي: ولا يقال في هذا إن أزواجهن كانوا حضورًا؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك؛ لأن من ثبت له الحق: فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك أهـ. ” فتح الباري ” ( 2 / 468 ).

وقال النووي:

وفي هذا الحديث جواز صدقة المرأة  من مالها بغير إذن زوجها ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها هذا مذهبنا ومذهب الجمهور.

وقال مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضاء زوجها.

ودليلنا من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألهن أستأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل.

وأشار القاضي إلى الجواب عن مذهبهم: بأن الغالب حضور أزواجهن فترْكهم الإنكار يكون رضاء بفعلهن، وهذا الجواب ضعيف أو باطل؛ لأنهن كن معتزلات لا يعلم الرجال مَن المتصدقة منهن مِن غيرها، ولا قدر ما يتصدق به ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا. ” شرح مسلم ” ( 6 / 173 ).

  • عن أسماء رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله ما لي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير فأتصدق؟ قال: تصدقي، ولا توعي، فيوعَى عليكِ. رواه البخاري ( 2450 ) ومسلم ( 1029 ).

– لا توعي: لا تجمعي في الوعاء – أي: لا تبخلي بالنفقة والصدقة -.

والحديث بوَّب عليه الإمام البخاري قوله: باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة، فإذا كانت سفيهة: لم يجز، قال الله تعالى } ولا تؤتوا السفهاء أموالكم }.

وعلَّق على التبويب الحافظ ابن حجر بقوله:

وبهذا الحكم قال الجمهور.

” فتح الباري ” ( 5 / 218 ).

قال العيني:

وفي قوله ” تصدقي ” دلالة على أن للمرأة التي  لها زوج أن تتصدق من مالها بغير إذن زوجها؛ لأن ما أدخله الزبير عليها معناه ما صيَّره ملكًا لها، فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تتصدق ولم يأمرها باستئذان الزبير زوجها.

” عمدة القاري ” للعيني ( 3 / 151 ).

أقوال العلماء:

قال ابن حزم:

وكذلك لا يجوز الحجر أيضًا على امرأة ذات زوج، ولا بكر ذات أب، ولا غير ذات أب، وصدقتهما وهبتهما نافذة كل ذلك من رأس المال إذا حاضت كالرجل سواء بسواء، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابهم. ” المحلى ” ( 8 / 309 ).

قال ابن قدامة:

ولنا قوله تعالى { فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم } [ النساء / 6 ]، وهو ظاهر في فك الحجر عنهم وإطلاقهم في التصرف، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن “، وإنهن تصدقن فقبِل صدقتهن، ولم يسأل، ولم يستفصل، وأتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى اسمها زينب فسألته عن الصدقة هل يجزيهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن؟ فقال: نعم، ولم يذكر لهن هذا الشرط.

ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده: جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام.

ولأن المرأة من أهل التصرف، ولا حق لزوجها في مالها فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه كأختها. ” المغني ” ( 4 / 300 ).

  1. المخالفون وأدلتهم:

وممن خالف في هذا الحكم:

  • طاووس: حيث ذهب إلى المنع من تصرف المرأة في مالها مطلقًا إلا بإذن زوجها.
  • الليث بن سعد: منع من تصرف المرأة، واستثنى الشيء التافه.
  • الإمام مالك: حيث أجاز التصرف بدون إذن الزوج فيما دون الثلث، دون ما زاد عنه.

انظر: ” فتح الباري ” ( 5 / 218 ).

أدلتهم:

  • عن عبد الله بن يحيى رجل من ولد كعب بن مالك عن أبيه عن جده أن جدته خيرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلي لها فقالت إني تصدقت بهذا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجوز للمرأة في مالها إلا بإذن زوجها فهل استأذنت كعبًا؟ قالت: نعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن مالك زوجها فقال: هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟ فقال: نعم، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها. رواه ابن ماجه ( 2389 ).

الرد:

الحديث: ضعيف، فيه يحي ووالده من أولاد كعب بن مالك وهما غير معروفين.

وقد ضعفه البوصيري في ” الزوائد ” على ابن ماجه.

  • عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجُها عصمتَها. رواه أبو داود ( 3546 ) والنسائي ( 2540 ) وابن ماجه ( 2388 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 825 ).

الرد على الاستدلال به:

قال الخطابي:

هذا عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك … ويُحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء ” تصدَّقن، فجعلت المرأة تلقي القُرط والخاتم، وبلال يتلقاها بكسائه ” وهذه عطية بغير إذنهن.

” معالم السنن / هامش مختصر سنن أبي داود ” ( 5 / 194 ).

وقال البيهقي:

الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث التي مضت في الباب قبله أصح إسنادًا وفيها وفي الآيات التي احتج بها الشافعي رحمه الله دلالة على نفوذ تصرفها في مالها دون الزوج فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولا على الأدب والاختيار كما أشار إليه في ” كتاب البويطي “، وبالله التوفيق. ” سنن البيهقي ” ( 6 / 60 ).

– أما قول مالك في تحديد الجواز فيما دون الثلث، فقد سبق رد الإمام النووي عليه، وقال ابن قدامة:

وليس معهم حديث يدل على تحديد المنع بالثلث فالتحديد بذلك تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل.

” المغني ” ( 4 / 300 ).

  1. أقوال العلماء المعاصرين:

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

وعلى الزوج أن ينفق عليها وعلى أولادها منه، وليس له أن يأخذ من راتبها شيئًا إلا بإذنها ورضاها. ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 883 ).

وقال أيضًا:

لا حرج عليكَ في أخذ راتب زوجتِكَ برضاها إذا كانت رشيدة، وهكذا كل شيء تدفعه إليكَ من باب المساعدة لا حرج عليك في قبضه إذا طابت نفسُها بذلك وكانت رشيدة لقول الله عز وجل في أول سورة النساء { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا } [ النساء / 4 ]، ولو كان ذلك بدون سند، لكن إن أعطتْك سندًا بذلك فهو أحوط إذا كنتَ تخشى شيئًا من أهلها وقراباتها أو تخشى رجوعها. ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 673 ).

وقال الشيخ عبد الله بن جبرين:

لا شك أن الزوجة أحق بمهرها وبمالها الذي ملكتْه بكسب أو هبة أو إرث أو غير ذل، فهو مالها وملكها، وهي التي تملك التصرف فيه دون غيرها.

ولكن إذا سمحت به أو ببعضه لزوجها: جاز ذلك وصار له حلالًا كما قال تعالى { وآتوا النساء صدُقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفْسًا فكلوه هنيئًا مريئًا } [ النساء / 4 ]، فاشترط أن تطيب بذلك نفسها، ولا حاجة إلى رضى أولادها ولا غيرهم إذا كانت عاقلة رشيدة.

ولكن لا يجوز للزوجة الادلال بذلك وكثرة التمدح به والمنِّ به على الزوج.

كما لا يجوز له سوء معاملتها إذا منعته مالها، فلا يضيِّق عليها ويضارها إذا لم تعطه؛ لأن اختصاصهاهي أحق به.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 675 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة