ما هو نكاح التحليل؟ وهل ثمة صور متعددة له؟
السؤال
ما هو نكاح التحليل؟ وهل ثمة صور متعددة له؟
الجواب
الحمد لله
أولاً:
فُسح للزوج المجال لإرجاع زوجته إن هو طلقها مرَّتين ، ويسمَّى هذا ” طلاقاً رجعيّاً ” ، قال تعالى : ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) البقرة/ من الآية 229 .
فإن طلَّقها الثالثة : فإنها تحرُم عليه ، وتكون أجنبية ، ولا يحل له التزوج بها بعقد ومهر جديدين إلا أن تتزوج من آخر غيره نكاحاً صحيحاً ، نكاح رغبة ، فيدخل بها ، ثم يطلقها ، أو يموت عنها ، قال تعالى : ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 230 .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةٍ فَقَالَ : ( لَا ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ) .
رواه البخاري ( 5011 ) ومسلم ( 1433 ) .
ثانياً:
– ولا يحل للمطلِّق ، ولا للمرأة أن يحتالا على شرع الله للرجوع لبعضهما بما يسمى ” نكاح التحليل ” ، وهو عقد له صور متعددة ، منها :
- أن يقوم المطلِّق باستئجار ” تيس ” من البشر ، فيشترط عليه أن يتزوج مطلَّقته ، ويدخل بها ، ثم يطلقها ، مع إعطائه مبلغاً من المال ! .
فإن نصّا على الشرط في العقد : فقد أجمع العلماء على حرمة الفعل ، وبطلان العقد ، وإن اتفقا عليه قبل العقد ، أو بعده : فالجمهور على تحريم الفعل ، وبطلان العقد .
- أن يشترط رجل أنه يتزوج تلك المطلقة ، ويدخل بها ؛ ليحلها للأول ، ثم يطلقها .
- أن يتواطأ كلا الرجلين – المطلِّق والثاني – على ذلك النكاح ، ثم الطلاق ، باللفظ ، من غير أن يشترطا ذلك قبل العقد .
وكل هذه الصور – وسيأتي غيرها – هي لنكاح ” التحليل ” ، وهو عقد محرَّم باطل ، على الراجح من أقوال العلماء ، ويستحق فاعله اللعن ، ويستحق القائمون عليه والراضون به : التعزير .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) . رواه الترمذي ( 1120 ) وصححه ، والنسائي ( 3416 ) .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وصححه ابن القطان ، وابن دقيق العيد على شرط البخاري .
” التلخيص الحبير ” ( 3 / 372 ) .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
ولعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما : إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما ، أو دُعاء عليهما باللعنة ، وهذا يدلُّ على تحريمه ، وأنه من الكبائر . ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 672 ) .
عن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ) قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) . رواه ابن ماجه ( 1936 ) وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .
و” نكاح التحليل ” من أخبث أنواع العقود ، وأشدها حرمة ، ولا يفعله أو يرضى به صاحب مروءة ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه أخبث من نكاح المتعة من وجوه متعددة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
ولم يُعرف عن أحدٍ من الصحابة أنه رخص في نكاح التحليل ، ولكن تنازعوا في ” نكاح المتعة ” ، فإن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه كان مباحاً في أول الإسلام ، بخلاف التحليل .
الثاني : أنه رخص فيه ابن عباس ، وطائفة من السلف ؛ بخلاف التحليل فإنه لم يرخص فيه أحد من الصحابة .
الثالث : أن المتمتع له رغبة في المرأة ، وللمرأة رغبة فيه إلى أجل ؛ بخلاف المحلل فإن المرأة ليس لها رغبة فيه بحال ، وهو ليس له رغبة فيها ، بل في أخذ ما يُعطاه ، وإن كان له رغبة : فهي من رغبته في الوطء ، لا في اتخاذها زوجة ، من جنس رغبة الزاني . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 93 ) .
والقول بتحريم هذا الفعل ، وفساد العقد : هو قول جمهور العلماء ، خلافاً للحنفية الذين قالوا بكراهته كراهة تحريمية .
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 10 / 256 ، 257 ) :
مَن تزوج مطلقةً ثلاثاً بشرط صريح في العقد على أن يحلَّها لزوجها الأول : فهو حرام عند الجمهور ، مكروهٌ تحريماً عند الحنفية ، لحديث ابن مسعود : ” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ” ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ ) قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ( هو المحلل ، لعن الله المحلل له ) .
– والنهي يدل على فساد المنهي عنه .
وقد صرح الجمهور – المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية – بفساد هذا النكاح ؛ للحديثين السابقين ، ولأن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت ، وشرط التأقيت في النكاح يفسده ، وما دام النكاح فاسداً : فلا يقع به التحليل، ويؤيد هذا قول عمر رضي الله عنه: ” والله لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما ” . انتهى.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
وهذا من أقبح الباطل ، ومن أعظم الفساد ، وهو زانٍ في المعنى ؛ لأنه ما تزوجها لتكون زوجة ، لتعفه ولتبقى لديه لتحصنه ، ليرجو منها وجود الذرية لا ، إنما جاء تيساً مستعاراً ، ليحللها لمَن قبله ، بوطء مرة واحدة ، ثم يفارقها وينتهي منها ، هذا هو المحلل ، ونكاحه باطل ، وليس بشرعي ، ولا تحل للزوج الأول إذا علم هذا ، فإنه يستحق أن يؤدب ، ويعزر بالتعزير البليغ ، الذي يردعه وأمثاله ، وهذه الزوجة لا تحل بذلك ، بل يعزر أيضاً المحلِّل ، وهي كذلك ، إذا كانت راضية ، كلهم يعزرون لهذا العمل السيئ ؛ لأنه نكاح فاسد ، نكاح خبيث ، نكاح منكر ومعصية ، فوجب أن يعزر القائمون به : المحلِّل والمحلِّلة ، والمحلَّل له أيضاً ، كلهم سواء ، فالمرأة إذا كانت راضيةً ، وعالمة بهذا الشيء : فهي أيضاً تستحق التعزير ، والتأديب ؛ لرضاها بالمعصية ، ومواطأتها عليها ، ولو أراد أن يبقى عندها : لم تحل له ، ما دام نكحها بهذه النية ، وبهذا القصد ؛ فإنه نكاح فاسد ، ولا تحل له ، ولا تحل للزوج الأول ؛ لأن هذا ليس بزواج ، والله قال : ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ، وهذا تيس مستعار ، وليس بزوج شرعي ، فلا يحللها للزوج الأول . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (20 / 277 ، 278 ) .
ثالثاً:
ولا فرق – على الصحيح – بين اشتراط الطلاق قبل العقد ، وبين التواطؤ عليه ، ومن فرَّق بينهما : لم يصب .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
ولا فرقَ عند أهل المدينة ، وأهلِ الحديث ، وفُقهائهم ، بين اشتراط ذلك بالقول ، أو بالتواطؤ ، والقصدِ ، فإن القُصود في العُقود عندهم معتبرة ، والأعمالُ بالنيَّات ، والشرطُ المتواطَأُ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان : كالملفوظِ عندهم ، والألفاظُ لا تُراد لعينها ، بل لِلدلالَة على المعاني ، فإذا ظهرت المعاني والمقاصدُ : فلا عِبْرَة بالألفاظ ؛ لأنها وسائل ، وقد تحقَّقت غاياتُها ، فترتَّبَتْ عليها أحكامُها . ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 110 ) .
وقال علماء اللجنة الدائمة :
إذا تزوج الرجل المرأة بشرط التحليل ، أو نواه ، أو اتفقا عليه : فالعقد باطل ، والنكاح غير صحيح . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 439 ) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
المحلل : هو التيس المستعار ، والزوج هو الذي يطلبه لتحليلها ، والمحلل له : هو الزوج الأول المطلِّق ، هذا نكاح باطل ، وحرام ، إذا اتفقا عليه ، بالتواطؤ ، أو بالشرط اللفظي ، أو بالكتابة ، كل ذلك محرم ؛ للأحاديث التي جاءت في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 20 / 276 ) .
رابعاً:
ومن الصور التي تدخل في نكاح التحليل :
- أن ينوي الثاني التحليل للأول دون علمه .
فلا يحل للزوج الثاني أن ينوي بقلبه أنه يتزوج تلك المطلقة من أجل أن يحلَّها لزوجها الأول ، وإذا عُلمت نيته : لم يكن زواجه شرعيّاً ، ولا تباح للزوج الأول ، وهو قول المالكية ، والحنابلة ، ولهم في ذلك سلف من الصحابة والتابعين .
ففي ” سنن البيهقي الكبرى ” ( 7 / 208 ) : عن نافع أنه قال : ” جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنه فسأله عن رجل طلَّق امرأته ثلاثاً ، فتزوجها أخٌ له عن غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه : هل تحل للأول ؟ قال : لا ، إلا نكاح رغبة ، كنَّا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ” .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
… ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام ” لعن المحلِّل والمحلَّل له ” ، فالمحلِّل : لأنه والعياذ بالله – اتخذ آيات الله هزواً ، فالنكاح يراد للبقاء ، وهذا لم يرده للبقاء ، والمحلَّل له : إن كان عالماً : فملعون ، أما إن كان ليس بعالم : فليس بملعون ، لكن إذا علم : فلا يجوز أن يتزوجها ؛ وذلك لأن النكاح الثاني غير صحيح ، ولا بد أن يكون النكاح صحيحاً حتى تحل للأول ، فهو ليس نكاحاً شرعاً ، فلا يؤثر ما يؤثره النكاح الصحيح ، وعلى هذا : فلا تحل للأول ، ولا للثاني ، أما الثاني : فلأن عقده عليها غير صحيح ، وأما الأول : فلأنها لم تنكح زوجاً غيره في الواقع … .
نوى الزوج الثاني أنه متى حلَّلها للأول طلقها : فإنها لا تحل للأول ، والنكاح باطل ، والدليل : أن هذا نوى التحليل ، فيكون داخلاً في اللعن ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) .
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 176 ، 177 ) .
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الصور كلها في سياق واحد، وجعلها جميعها من ” نكاح التحليل ” المحرًم الباطل.
قال – رحمه الله – :
نكاح المحلل حرام باطل لا يفيد الحل وصورته : أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً : فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره , كما ذكره الله تعالى في كتابه , وكما جاءت به سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأجمعت عليه أمَّته , فإذا تزوجها رجل بنية أن يطلقها لتحل لزوجها الأول : كان هذا النكاح حراماً ، باطلاً , سواء عزم بعد ذلك على إمساكها , أو فارقها , وسواء شرط عليه ذلك في عقد النكاح , أو شُرط عليه قبل العقد , أو لم يُشرط عليه لفظاً بل كان ما بينهما من الخِطبة ، وحال الرجل ، والمرأة ، والمهر نازلاً بينهم منزلة اللفظ بالشروط , أو لم يكن شيء من والليث بن سعد , وسفيان الثوري , وهؤلاء الأربعة أركان تابعي التابعين , وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في فقهاء الحديث , منهم : إسحاق بن راهويه , وأبو عبيد القاسم بن سلام , وسليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة زهير بن حرب , وأبو بكر بن أبي شيبة , وأبو إسحاق الجوزجاني وغيرهم , وهو قولٌ للشافعي , وسنذكر – إن شاء الله – أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأدلة .. .
” إقامة الدليل على إبطال التحليل ” ( ص 6 – 8 ) وساق أقوالاً كثيرة لأئمة الدين في التحريم .
ونوصي الجميع بالاطلاع على الكتاب العلمي المتقن ” إقامة الدليل على إبطال نكاح التحليل ” لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد أفرد للمسألة ذلك الكتاب الخاص ، فأبدع ، وأجاد ، وأفاد .
والله أعلم.


