العمل في مستشفيات تعالج العقم بنقل البويضات ( هل يجوز التدرب على مباشرة التلقيح الصناعي؟ ).

السؤال

هذا خاص بزوجتي وبعض زملائها المسلمين الذين يدرسون في بريطانيا, فمهم الإجابة عليه قبل ثلاثة أشهر من الآن :

زوجتي أخصائية نساء وتوليد وهي الآن في صدد إنهاء ماجستير في تقنيات الحمل بالمساعدة والتلقيح الصناعي ( العقم وأطفال الأنابيب ) المشكلة تكمن بعد دراسة هذه السنة يقوم الطبيب بمزاولة العمل في بريطانيا كطبيب متدرب ( وهو يدفع قيمة تدريبه) للمستشفى التي يتدرب بها فيقومون بتعليمه خطوة خطوة ثم يمارس العمل بعد ذلك بنفسه وكل مرة يتم تعليمه شيئا وهكذا فيكون له عيادة يقابل فيها المرضى ويجري العمليات الخاصة بالعقم بنفسه أي بعد فترة ما يقارب الثلاثة أشهر يستطيع الطبيب عمل كل شي بنفسه وبإشراف واستشارة من الطبيب المدرب له, والمستشفى تستفيد منه لأنه يساعدهم كطبيب ولكن بدون أجر ولا يستطيع الطبيب الحصول على هذه الفرصة بسهولة في بريطانيا، وعليه أن يتبع الأنظمة والحصول على ترخيص لمزاولة العمل وهو من أصعب الأمور ، فمن الممكن القول للطبيب بأن يتدرب في بلده وأنا أتكلم عن زوجتي ونحن سعوديون, فالتدريب في السعودية شبه معدوم لندرة عيادات العقم التي تدرب الأطباء ولا يوجد إلا في المستشفى التخصصي وهى مقتصرة على أطبائهم، وأيضا يقومون بإرسالهم إلى كندا, فأعتقد أنّ نفس المشكلة التي نرغب بالسؤال عنها ستتكرر.

السؤال هو: علاج العقم في بريطانيا للجميع لمن سيدفع ويوجد عندهم شيء اسمه التبرع سواء من النساء بالبويضات أو من الرجال بالحيوانات المنوية فمن الممكن أن يأتي رجل وامرأة ويكون الرجل عقيما فتأخذ بويضة زوجته وتدمج بحيوان منوي من رجل متبرع سواء معروف أو من بنك حفظ الحيوانات والبويضات، ثم يحقن بالمرأة وتحمل بعد مشيئة الله، أو يكون هناك امرأتان ترغب [ واحدة ] بالحمل من الأخرى فتأتي واحدة وتتبرع لها ببويضة منها ثم تدمج مع حيوان منوي من أي متبرع ويحقن في المرأة الأخرى ( وهذه العملية تتم عادة بين الشاذَّات جنسيّا اللاتي لا يرغبن في الزواج من رجال ) فالمشكلة تكمن في العلاقة بين المرأة والرجل لأنهم من الممكن أن يكونوا غير أزواج أو من التبرع سواء كان ببويضات أو حيوانات منوية مع العلم بأن الطبيب ربما يكون في مختبر ولا يعلم مصدر هذه الحيوانات المنوية أو البويضات لأن دوره يكون في عملية التلقيح ومراقبته حتى يتم، ثم إرساله للعيادة ويقوم الطبيب الذي في العيادة بالحقن في المرأة.

زوجتي مبتعثة من وزارة الصحة, ووزارة الصحة لا يوجد بها أطباء متخصصون يعملون في هذا المجال ومستشفى التخصصي كما أسلفت لا يتبع وزارة الصحة ولو عادت بعد التدريب ستسعى لتدريب زميلاتها على العمل حسب الحاجة من دون أن يذهبن إلى الخارج إذا تم الأمر على ذلك وستكون مرجعا لهم وهي التي ستضع ” بروتوكول ” العلاج في المستشفى التي تعمل بها بحيث يتناسب مع ديننا الحنيف إن شاء الله ومن الممكن قطع الباب على الرجل بأن يأتي ويفتح عيادة العقم لأن العيادة لو تركت مغلقة لربما ذهب أي طبيب رجل للخارج وسيطر على العيادة وأصبحت موطئ قدم لمن يرغب بتدريبه، أرجو إجابتنا مشكورين وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله

أولا:

جاءت الشرائع السماوية بحفظ الضروريات الست وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال، وهذه الضروريات فيها استقرار حياة الناس دينيّا ودنيويّا، وقد شرع الله تعالى أحكاما متعددة لحفظها، وتوعد بالعقوبة على المضيع لها والمساهم في اختلال نظامها، وإن في العمل المسئول عنه تضييعا للعرض والنسب.

وقد تعددت الصور في ” التلقيح الصناعي ” والتي ساهمت وتساهم في تضييع هاتين الضروريتيْن، ومنه:

أولا: التلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم زرع اللقيحة في رحم زوجته.

ثانيا: التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة، ثم زرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.

ثالثا: التلقيح الخارجي بين منيّ من الزوج وبييضة مأخوذة من الزوجة، ثم زرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.

رابعا: التلقيح الخارجي بين نطفة من رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

خامسا: التلقيح الخارجي بين نطفة الزوج وبييضة من الزوجة، ثم زرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى لهذا الزوج؛ لأن له زوجتين.

* وقرر ” مجلس الفقه الإسلامي ” المنعقد في دورة مؤتمره الثالث في ” عمَّان ” من 1208 صفر سنة 1407 هـ بشأن ” طرق التلقيح الصناعي “:

إن الطرق الخمسة الأولى كلها محرَّمة شرعً وممنوعة منعا باتّا لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله -:

فإذا حملت الزوجة من مائيْن أجنبيين، أو من بييضتها وماء أجنبي فهو: حمل سفاح محرَّم لذاته في الشرع تحريم غاية لا وسيلة قولا واحدا، والإنجاب منه شر الثلاثة فهو ولد الزنا، وهذا ما لا نعلم فيه خلافاً بين من بحثوا هذه النازلة.

وهذا ما توجبه الفطرة السليمة، وتشهد به العقول القويمة، وقامت عليه دلائل الشريعة، وقد أبان الشيخ محمود شلتوت عن مجامع الاستدلال في هذا في ” فتاويه ” ( ص 328 ، 329 ) بما يشفي ويكفي، فيحسن الرجوع إليه فإنه مهم. ” فقه النوازل ” ( 1 / 269 ).

* ونص فتوى الشيخ محمود شلتوت هو:

إذا كان التلقيح بماء رجل أجنبي عن المرأة لا يربط بينهما عقد زواج: فهو في هذه الحالة يكون في نظر الشريعة الإسلامية جريمة منكرة وإثمًا عظيمًا يلتقي مع الزنى في إطارٍ واحدٍ، جوهرهما واحد، ونتيجتهما واحدة، وهي وضع ماء رجل أجنبي قصدًا في حرثٍ ليس بينه وبين ذلك الرجل عقد ارتباط بزوجيَّة شرعيَّة، ولولا وجود قصورٍ في صورة الجريمة: لكان حكم التلقيح في تلك الحالة هو حكم الزنى. انتهى.

وقد وقع خلاف بين العلماء فيما ” يكون فيه الماء من الزوجين في رحم الزوجة ذاتها ذات البييضة حال قيام الزوجية بتلقيح داخلي أو خارجي ” على أقوال دائرة بين المنع، والجواز بشروط، والجواز في الداخلي دون الخارجي بشروط، والتوقف، وألا يفتى فيه بفتوى عامة.

وقد اتفق الجميع على وجود المخاطر والمحاذير في هذه الصورة، وقد ذكرها الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله – وقال في آخر المبحث:

وعليه: فيظهر أن مَن نزع إلى المنع من باب حريم الوسائل وما تفضي إليه مِن هتك المحارم: فإنه قد نزع بحججٍ وافرة، وما لبس المسلم في حياته وآخرته أحسن من لباسه التقوى والعزة، وعيشة في محيط الكرامة الإنسانية وسلامة بنيتها ومقوماتها لتعيش في جو سليم من الوخز والهمس محافظا على دينه وعلى نفسه، وكما يحافظ على ماله من الربا وغباره يحافظ على نسبه وعرضه من آثاره الضارة عليهما بالشكوك والأوهام التي تصرع شرفه وعزته، وأخيرا تخل بتماسك أمته وحفظها وصيانتها.

وقد عُلم من مدارك الشرع أن جملة من المحرمات تَحرُم تحريم وسائل قد تباح في مواطن الاضطرار، والضرورة تُقدَّر بقدرها، وعليه:

فإن المكلف إذا ابتلي بهذه: فعليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه، والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ” فقه النوازل ” ( 1 / 275 ، 276 ).

ثانيا:

وعليه:

فلا نرى جواز مباشرة زوجتك لما حرَّم الله سبحانه وتعالى، ولو كان لها قصدٌ شرعي بعد عودتها لبلادها، وكنا قد ذكرنا في أجوبة متعددة فتاوى لأهل العلم في تحريم الدراسة المختلطة وتحريم البقاء في دول الكفر لغير عذر شرعي، وهي محرمات أخرى غير ما سبق أن فصلنا القول فيه – وهو التلقيح الصناعي -.

وإذا كانت قد أنهت دراستها فلها أن تتعذر بما تستطيعه لكي لا تقع في المحذور والذي يساهم في ضياع الأنساب والأعراض، ولا شك أن الدراسة النظرية لهذا الأمر دون المباشرة العملية أقل إثما.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة