هل يجوز علاج الكلب الأسود؟ ( يقال أنّه من الجنّ )
السؤال
أودّ أن أصبح طبيباً بيطريّاً عندما أكبر، فماذا لو أن شخصاً أحضر إليَّ كلباً أسود لمعالجته؟ فالكلب الأسود من الجن كما يُقال، فماذا أفعل حينها، هل أعالجه أم لا؟.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمَّى الكلب الأسود شيطاناً وأنه أمر بقتله ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : أمَرَنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الكِلابِ ، حَتَّى إِنَّ المَرْأةَ تَقْدُمُ مِنَ البَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ ( عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإنَّهُ شَيْطَانٌ ) رواه مسلم (1572).
وقد جاء ذلك – أيضاً – في سياق آخر ، فعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ( يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ قِيدُ آخِرَةِ الرَّحْلِ : الحِمَارُ وَالكَلْبُ الأسْوَدُ وَالمرْأةُ ) فَقُلْتُ : ماَ بَالُ الأسْوَدِ مِنَ الأحْمَرِ مِنَ الأصْفَرِ مِنَ الأبْيَضِ ؟ قَالَ : يَا ابْنَ أخِي ! سَألْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا سَألْتَني فَقَال ( الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ ) . رواه مسلم ( 510 ) .
وليس معنى هذا أن الكلب الأسود مخلوق من ” نار ” كالشياطين ، بل ذلك لاكتسابه صفات الشر وبُعده عن النفع .
قال الإمام الطبري – رحمه الله – :
وإنما سُمِّي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله وبُعدِه من الخير . ” تفسير الطبري ” ( 1 / 111 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
الكلب الأسود شيطان الكلاب ، والجن تتصور بصورته كثيراً ، وكذلك بصورة القط الأسود ؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره ، وفيه قوة الحرارة . ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 52 ) .
ثانياً:
والذي يظهر لنا في حكم علاج الكلب الأسود أنه جائز ، وأكثر أحواله الكراهة ؛ لأن أكثر العلماء على جواز اقتنائه وعدم جواز قتله ، وأكثرهم على جواز الصيد به .
قال ابن رشد المالكي – رحمه الله – :
وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يقتل من الكلاب أسود ولا غيره ، إلا أن يكون عقوراً. ” البيان والتحصيل ” ( 9 / 354 ) ، وانظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 133 ) .
قال ابن قدامة – رحمه الله – :
وأباح صيدَه أبو حنيفة ومالك والشافعي .
” المغني ” ( 11 / 2 ) .
– وقد خالف الإمام أحمد رحمه الله في المسألتين فلم يجوِّز اقتناءه ولم يجوِّز أكل صيده.
قال ابن قدامة – رحمه الله -:
ولنا : أنه كلب يحرم اقتناؤه ، ويجب قتله ؛ فلم يُبح صيدُه ، كغير المعلَّم … .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاه شيطاناً ولا يجوز اقتناء الشيطان ، وإباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص . ” المغني ” ( 11 / 2 ) .
وهذا القول هو الصواب ؛ فعن عبد الله بن مغفَّل عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال ( لَوْلاَ أَنَّ الكِلاَبَ أمَّةٌ مِنَ الأمَمِ لأمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ ) رواه الترمذي ( 1486 ) وصححه وأبو داود ( 2845 ) والنسائي ( 4280 ) وابن ماجه ( 3205 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .
وإنما قلنا بجواز علاج الكلب الأسود لعدم ترجيحنا وجوب قتله ، ولو أنه ثبت عندنا الوجوب لما جاز علاجه ، ولم نقف على قول لأحدٍ من الأئمة بوجوب قتله إلا ما ثبت عن ابن قدامة المقدسي رحمه الله خلافاً لسائر أئمة الحنابلة ، والذين دار قولهم بين الإباحة والاستحباب في قتل الكلب الأسود .
قال محمد بن مفلح الحنبلي – رحمه الله – :
ويباح قتل الكلب العقور ، والأسود البهيم ، والوزغ كذا ذكر غير واحد وليس مرادهم ، والله أعلم حقيقة الإباحة ، والتعبير بالاستحباب أولى … .
وعبر بالاستحباب جماعة ممن تكلم على الأحاديث وما تقدم من إباحة قتل الكلب العقور ، والأسود البهيم ذكره الأصحاب في غير موضع … .
– وقد صرح الشيخ موفق الدين وحده فيما وجدت في بحث المسألة في وجوب قتله.
” الآداب الشرعية ” ( 3 / 348 ، 349 ) .
والخلاصة :
علاج الكلب الأسود جائز من حيث الأصل والتنزه عن علاجه أسلم لدين المرء ، وما ذكرناه عن الكلب الأسود لا ينطبق على الكلب المحرَّم اقتناؤه ؛ لأنه ليس ثمة أمر بقتله ، وإنما التحريم في فعل المقتني له .
والله أعلم.


