هل للإنسان مشيئة كاملة؟
السؤال
هلا شرحت وبينت لي المزيد عن الأمور المتعلقة بالعقيدة؟ هل لنا مشيئة كاملة، أم أن كل شيء نفعله هو أمر قدره الله مسبقا؟ لقد قرأت الترجمة الإنجليزية للقرآن ولاحظت في أماكن عديدة أن الله يقول (ترجمة لما ورد في النص الإنجليزي حيث أني لم أتمكن من الوصول للآية المقصودة – المترجم): “لا يستطيعون رؤية الحق لأننا وضعنا أقفالا على قلوبهم وأعينهم” وهناك آيات أخرى تذكر كيف أن الواحد لا يستطيع أن يصل إلى الطريق المستقيمة ما لم يرد الله له ذلك، فهل يعني ذلك أن حياتنا قد تقررت سابقا؟ أم أن لنا القوة كي نغيرها؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن الطريق الصحيح لمعرفة الجواب عن سؤالك هذا هو بمعرفة مراتب القدَر، وهي أربعة مراتب:
المرتبة الأولى: العلم، ومعناه: الإيمان بأن الله سبحانه علم الأشياء كلها قبل وجودها بعلمه الأزلي، قال تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [ الأنعام / 59 ].
المرتبة الثانية: الكتابة، ومعناها: كتابته سبحانه لجميع الأشياء من خير وشر وطاعة ومعصية وآجال وأرزاق وغير ذلك، قال تعالى: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحج / 70 ].
المرتبة الثالثة: المشيئة، ومعناها: أنه سبحانه وتعالى لا يوجد في ملكه ما لا يريد ولا يقع شيء في السماء والأرض إلا بمشيئته، قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 29 ].
المرتبة الرابعة: الخلق، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لجميع الأشياء من ذوات وصفات وأفعال، قال تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات / 96 ].
ثانيًا:
إذا عُلِم ما سبق: فنقول: إن الذي تقع منه المعصية أو الكفر إنما يقع ذلك بإرادته هو، والله سبحانه وتعالى قد علِم أنه سيقع منه هذا، وكتب الله ذلك في اللوح المحفوظ، وشاءه أزلًا – وليس معنى المشيئة هنا المحبة، بل المشيئة الكونية – وخَلَق الله الإنسانَ وفعلَه.
أما المشيئة بمعناها الآخر وهو المحبة: فإن الله تعالى يحب من عباده أن يوحدوه وأن يطيعوه ولا يعصوه، وأن يشكروه ولا يكفروه؛ ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، لكنَّ بعض خلق الله لم يحبَّ لنفسه ما أحبَّه الله له، قال تعالى: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [ فصلت / 17 ]، وهي آية عظيمة توضِّح الإشكال الذي وقع في سؤال السائل، فبينما نجد أن الله سبحانه قد هدى ” ثمود ” بإرسال الرسول نجدهم قد استحبوا العمى على الهدى، ولم عاقبهم الله تعالى على ” علمه ” بحالهم، ولا على ” كتابته ” لذلك أزلًا، ولا على ” مشيئته ” الكونيَّة، وعلى ” خلقه ” لفعله، بل عاقبهم الله تعالى على ” فعلهم ” و ” كسبهم ” وذلك واضح في قوله تعالى في آخر الآية { بما كانوا يكسبون }.
ثالثًا:
وإذا تأملنا الآيات الأخرى المشابهة: تبيَّن الحق للسائل ولغيره:
قال تعالى: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [ الأنعام / 110 ]، وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [ الصف / 5 ]، وقال تعالى: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً } [ النساء / 155 ]، وقال تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً } [ الكهف / 57 ].
فإذا تأملنا هذه الآيات ومثيلاتها: علمنا أن الله سبحانه وتعالى لم يقلِّب أفئدتهم إلا بعد أن تركوا الإيمان به تعالى، ولم يزغ الله قلوبَهم إلا بعد أن زاغوا، ولم يطبع الله على قلوبهم إلا بسبب كفرهم، ولم يجعل الله تعالى على قلوبهم أكنَّة إلا بعد أن أعرض عن آيات الله تعالى وترك التزامه الهدى.
قال الإمام ابن كثير – في ردِّه على الزمخشري المعتزلي -:
ولو فهم قوله تعالى { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم }، وقوله { ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون }، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءًا وفاقًا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.
قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال: { بل طبع الله عليها بكفرهم }. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 47 ).
فعلى المسلم أن يسعى لطاعة الله تعالى وشكره وعبادته، فهو لا يدري ماذا كتب الله له، وكتابة الله لا تؤثر في عمله، وإنما يحاسب الله الناسَ على أفعالهم، وقد أعطاهم الله الإرادة والقدرة فقال: { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً } [ الكهف / 29 ]، وقال تعالى: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } [ الإنسان / 3 ].
والله أعلم.


