هل هناك أحاديث متواترة تصف معجزات الرسول صلَّى الله عليه وسلم؟
السؤال
هل هناك أحاديث متواترة تصف معجزات الرسول صلَّى الله عليه وسلم؟
الجواب
الحمد لله
أولاً :
تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو تقسيم اصطلاحي لا يُبنى عليه أي حكم من حيث القبول والرد ، وقد اعتقد بعض أهل الأهواء أن ما جاء من أخبار الآحاد في مسائل علمية أنها مردودة غير مقبولة ، وهذا – بلا شك – زيغ وانحراف عن جادة السلف الصالح ، فما صحَّ سنده لا ينبغي أن يتوقف في قبوله والعمل به ، وأحاديث الآحاد قد تفيد العلم – كما يفيده التواتر – إذا احتفت به قرائن معينة كرواية الثقات الجبال وتعدد طرقها ومخارجها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعلموا به ، كما عملوا بحديث ” الغرة في الجنين ” ، وكما عملوا بأحاديث ” الشفاعة ” ، وأحاديث ” سجود السهو ” ، ونحو ذلك ، فهذا يفيد العلم ، ويُجزم بأنه صدق ؛ لأن الأمَّة تلقته بالقبول تصديقاً وعملاً بموجبه ، والأمة لا تجتمع على ضلالة ، فلو كان في نفس الأمر كذباً لكانت الأمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل به ، وهذا لا يجوز عليه . ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 16 ) .
قال ابن حزم :
ولم يختلف أحدٌ من الأمم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسولا رسولاً واحداً إلى كل مملكة يدعوهم إلى الإسلام واحداً واحداً إلى كل مدينة وإلى كل قبيلة كصنعاء والجند وحضرموت وتيماء ونجران والبحرين وعمان وغيرها يعلمهم أحكام الدين كلها ، وافترض على كل جهة قبول رواية أميرهم ومعلمهم ، فصح قبول خبر الواحد الثقة عن مثله مبلغاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ” المحلى ” ( 1 / 52 ) .
ثانياً :
والمعجزات التي أيَّد الله تعالى بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم كثيرة ، منها : تكثير الماء بين يديه – صلى الله عليه وسلم – ، وسلام الحجر عليه في مكة ، وحنين الجذع ، وغيرها.
وعلى حسب التقسيم الاصطلاحي يكون ما سبق من المعجزات هو من الآحاد ، لكن بعضه يفيد العلم الذي يفيده المتواتر لشهرته وانتشاره ، ويمكن عدُّه من المتواتر المعنوي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فمن الصحيح ما تواتر لفظه كقوله ” من كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار ” ، ومنه ما تواتر معناه كأحاديث الشفاعة ، وأحاديث الرؤية ، وأحاديث الحوض ، وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه ، وغير ذلك ، فهذا يفيد العلم ، ويُجزم بأنه صدق ؛ لأنه متواتر إما لفظاً وإما معنىً .” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 16 ) .
وقال الحافظ ابن حجر :
قال عياض : هذه القصة – أي : نبع الماء بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم – رواها الثقات من العدد الكثير عن الجم الغفير عن الكافة متصلة بالصحابة ، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل ومجمع العساكر ، ولم يرد عن أحدٍ منهم إنكار على راوي ذلك ، فهذا النوع ملحق بالقطعي من معجزاته .
وقال القرطبي : قضية نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة ، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي . ” فتح الباري ” ( 6 / 584 ، 585 ) .
والحديث هو :
عن أنس بن مالك أنه قال : رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضئوا منه ، قال : فرأيتُ الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم . رواه البخاري ( 167 ) ومسلم ( 2279 ) .
– أما ما جاء من المعجزات في الأخبار المتواترة اللفظية فمنها : القرآن ، وانشقاق القمر.
أ. القرآن الكريم:
عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إليَّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ” . رواه البخاري ( 4696 ) ومسلم ( 152 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
قوله : ” وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ” أي : إن معجزتي التي تحديتُ بها : الوحي الذي أنزل عليَّ وهو القرآن ؛ لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح , وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه , بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره , لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه , وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه …” فتح الباري ” ( 9 / 6 ) .
– ولا شك أن ثبوت هذه الآية – وهي القرآن – هو عن طريق التواتر .
ب. انشقاق القمر
قال الله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر . وإن يروا آية يُعرضوا ويقولوا سحر مستمر . وكذَّبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر } ( القمر / 1 –3 )
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. رواه البخاري ( 3655 ) ومسلم ( 2802 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
وقال ابن عبد البر : قد روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة من الصحابة ، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ، ثم نقله عنهم الجمع الغفير إلى أن انتهى إلينا ، ويؤيد ذلك بالآية الكريمة ، فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر .
” فتح الباري ” ( 6 / 186 ) .
والله أعلم.


