هل يجوز الكذب إذا كان يؤدي إلى إنقاذ حياة شخص ما؟
السؤال
هل يجوز الكذب إذا كان يؤدي إلى إنقاذ حياة شخص ما؟
الجواب
الحمد لله
- الكذب حرام كما هو معلوم، ولكنه يباح في حالات منها:
الإصلاح بين الناس، وفي الحرب، وكذب الزوجين على بعضهما للمودة والألفة.
وأما – كما في السؤال – لإنقاذ مظلوم و نحوه: فيصير الكذب واجبًا إن لم تكن له وسيلة أخرى يدفع بها عنه.
عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا “.رواه البخاري ( 2546 ) ومسلم ( 2605 ).
وجاء في رواية مسلم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ” ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيرًا.
وقالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها .. . “.
والواضح من الحديث أن الكذب مذموم كونه ينمي شرًا ويفسد بين الناس أما إذا كان فيما ينمي خيرًا ويصلح بين الناس فهو غير محذور.
ولكن ينبغي للمسلم قبل أن يلجأ لصريح الكذب أن يحاول استخدام المعاريض إن استطاع ذلك.
– قال عمر بن الخطاب ” إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب “.
رواه البيهقي ( 10 / 199 ) وصحح وقفه عليه.
– معنى المعاريض: أي الكلام الذي يظنه السامع شيئًا ويقصد المتكلم شيئًا.
– معنى مندوحة: أي سعة.
– فإن عجز عن المعاريض جاز له الكذب بقدر الحاجة التي تدعوه إلى ذلك.
* قال ابن حجر:
قال العلماء: المراد هنا: أنه يخبر بما عمله من الخير ويسكت عما عمله من الشر ولا يكون ذلك كذبًا؛ لأن الكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به وهذا ساكت ولا ينسب لساكت قول ولا حجة فيه لمن قال يشترط في الكذب القصد إليه لأن هذا ساكت . . . . قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح وقالوا إن الثلاث المذكورة كالمثال وقالوا الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ليس فيه مصلحة وقال آخرون لا يجوز الكذب في شيء مطلقا وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم دعوت لك أمس وهو يريد قوله اللهم اغفر للمسلمين ويعد امرأته بعطية شيء ويريد إن قدر الله ذلك وأن يظهر من نفسه . . . واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها وكذا في الحرب في غير التأمين واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم والله أعلم.
” فتح الباري ” ( 5 / 299 – 300 ).
* وقال النووي : قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو فقالت طائفة هو على إطلاقه وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم ” بل فعله كبيرهم ” و” إني سقيم ” وقوله ” إنها أختي ” وقول منادي يوسف صلى الله عليه وسلم ” أيتها العير إنكم لسارقون ” قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو … ” شرح النووي على صحيح مسلم ” ( 16 / 158 ).
- * أقوال العلماء:
أ. * قال النووي رحمه الله – في فوائد قصة الأخدود -:
وفيه: جواز الكذب في الحرب ونحوها، وفي إنقاذ النفس من الهلاك سواء نفسه أو نفس غيره ممن له حرمة. ” شرح مسلم ” ( 18 / 130 ).
ب. * قال ابن حجر الهيتمي:
( وليصن ) ندبًا من حيث الصوم فلا ينافي وجوبه من جهة أخرى ( لسانَه عن الكذب والغيبة ) حتى المباحَيْن بخلاف الواجبين ككذبٍ لإنقاذ مظلوم. ” تحفة المحتاج في شرح المنهاج ” ( 3 / 424 ).
ج. * قال الشيخ محمد عليش:
في ” النوادر “: اتفق العلماء على أنه لو جاء ظالمٌ يطلب إنسانًا مختفيًا ليقتله، أو يطلب وديعة إنسانٍ ليأخذها غصبًا، فسأل عن ذلك: وجب على مَن علِم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به ا.هـ . [ قال ] ابن ناجي: يجب الكذب لإنقاذ مسلم أو ماله. ” منح الجليل شرح مختصر خليل ” ( 7 / 88 ).
د. قال أحمد الحموي:
قال العيني: .. .. وفيه أي: الحديث الحيل في التخليص من الظلمة، بل إذا علم أنه لا يتخلص إلا بالكذب جاز له الكذب الصريح، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق ككونه ينجي نبيًّا أو وليًّا ممن يريد قتله، أو لنجاة المسلمين من عدوهم.
وقال الفقهاء: لو طلب ظالمٌ وديعةً لإنسانٍ ليأخذها غصبا وجب عليه الإنكار والكذب في أنه لا يعلم موضعها ( انتهى ). ” غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر ” ( 1 / 294 ).
وقد سبق كلام النووي والحافظ ابن حجر.
وعليه: فإن الكذب من أجل إنقاذ حياة مظلوم واجب إن لم تكن وسيلة أخرى.
والله أعلم.


