الحكَم الجليلة في تأخر النصر عن المظلومين .
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله :
قال رحمه الله في ظلاله عند قول الله تعالى
«أُذن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير ، الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ..» ..
قال:
النصر قد يبطىء على الذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله !
فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله ..
قد يبطىء النصر ؛ لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعدُ نضجها ، ولم يتم بعدُ تمامها ، ولم تحشد بعدُ طاقاتها ، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع ؛ لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات ..
فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكاً ؛ لعدم قدرتها على حمايته طويلاً ..
وقد يبطىء النصر ؛ حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة ، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً إلا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله ..
وقد يبطىء النصر ؛ حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر ، إنما يتنزل النصر من عند الله عند ما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله ..
وقد يبطىء النصر ؛ لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله ، وهي تعاني وتتألم وتبذل ولا تجد لها سنداً إلا الله ، ولا متوجهاً إلا إليه وحده في الضراء..
وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عند ما يأذن به الله ، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله ..
وقد يبطىء النصر ؛ لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته ، فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها ، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها .. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله ، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية ، والرجل يقاتل شجاعة ، والرجل يقاتل ليُرى .. فأيها في سبيل الله ؟ . فقال : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ..
كما قد يبطىء النصر ؛ لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير ، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصاً ، ويذهب وحده هالكاً ، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار ..
وقد يبطىء النصر ؛ لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً ، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين فيه ، لم يقتنعوا بعدُ بفساده وضرورة زواله ، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة .. فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عارياً للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية ..
وقد يبطىء النصر ؛ لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة .. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة ، لا يستقر لها معها قرار ؛ فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ولاستبقائه ..
من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه الله .. قد يبطىء النصر ؛ فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام .. مع دفاع الله عن الذين آمنوا ، وتحقيق النصر لهم في النهاية ..
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه ، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه :
«ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور» ..
” في ظلال القرآن ”
مستفاد من نقل أحد طلبة العلم

