تعقيب على مقال محمد داودية

تعقيب على مقال محمد داودية
“نحو فك وتركيب الإدارة الدينية الرسمية”
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :
يلجأ عادة من يريد أن يتكلم في ثوابت راسخة في قلوب الناس؛ أن يبتدئ كلامة بمقدمة تكون بمثابة التهيئة لقبول ما يريد أن يلقيه من أفكار تصادم تلك الثوابت , وخصوصا ما يتعلق بأمر الدين ؛ من عقيدة أو منهج وما يدور في فلكه ؛ فلله الحمد نحن نعيش في مجتمع مسلم محافظ يعتز بقيمه وثوابته ورواسخه , ولا يقبل المساس بهذه الثوابت أو الجرأة عليها أو اللمز أو الطعن بها , فهي خط أحمر في قلوب الناس . وأفضل وسيلة يلجأ إليها أولئك الصوت النشاز أن يقدم بين يدي خطابه مسألة الإرهاب ومحاربته ! كما فعل محمد داودية في مقاله والذي عنونه عليه بعنوان لخص فيه الهدف فيه, وهو فك وزعزعة الإدارة الدينية الرسمية وإعادة بنائها من جديد باسم محاربة الإرهاب ! وهي الذريعة , وللأسف التي صارت على ألسنة من يريد أن يهاجم الإسلام وثوابته , وهكذا يظهر اللامز والطاعن والمجترئ بمظهر الناصح الأمين , والمشفق الحزين على واقع المؤسسة الدينية ؛ فظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .
قال داودية في مقاله : في الخطة الوطنية لمواجهة التطرف للأعوام 2014-2016 نحو 59 توصية منها تخص الأوقاف والإفتاء !! – هكذا وضع علامتين للتعجب ؛ وكل حرف أو رمز له مغزى عند هؤلاء- ثم قال : أليس هذه أسباب موجبة كافية ودعوة للقيام بالإصلاح الديني أو إعادة فك وتركيب وبناء الإدارة الدينية الرسمية لتمكنها من تنفيذ تلك التوصيات للقيام بالإصلاح الديني والشروع فيه . !
أقول : وهكذا يجترئ هؤلاء – الصوت النشاز – على لمز هذا الصرح العظيم “المؤسسة الدينية الرسمية ” بكافة أطيافه بهذا الأسلوب الذي أصبح لا ينطلي إلا على المغفلين والسذج من الناس , ونسي أن هذا الأسلوب هو الذي تقوم به الدول الغربية في زعزعة استقرار الدول الإسلامية ؛ بل وما فعلته وما تفعله في المنطقة ؛ فداعش تلك – الفزاعة – التي استخدمت في تدمير البلاد الإسلامية وتشتيت أهلها ؛ مع أن إعلام الغرب وبعض ساسته كشفوا الداعم الحقيقي لتلك التنظيمات الإرهابية ؛ فالرئيس ترامب اتهم علنا في حملته الرئاسية هلاري كلنتون والإدارة السابقة بصنع داعش ودعمها وتسهيل حركتها وإعطائها سقفا من الحرية ؛ ليضرب هنا ويحدث هناك مع تهويل وتسليط للضوء عليها من خلال الإعلام بشتى أنواعه , لنهب ثروات المسلمين وتدمير مدنه , فجعلت مطية لهذا الهدف كما فعل مع صدام إبان حرب الخليج واتهامه بامتلاك أسلحة الدمار الشامل والتي ثبت بعد ذلك أنها كانت كذبة صلعاء , لاحتلال بلاد المسلمين ونهب ثرواتهم .
ثانيا : هل الإرهاب مختص بالمنتسبين إلى الإسلام ؟ ولماذا يضرب العلمانيون دائما على وتر الإرهاب الإسلامي وتفخيمه مع أنه لو قورن بغيره من الإرهاب لكان نقطة في بحر دعاة الديمقراطية والحرية !, وخذ مثالا على ذلك الإرهاب الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي أكبر الدول التي تدعي الديمقراطية والحرية :
– أين أنت من الإرهاب الأمريكي في السكان الأصليين الهنود الحمر .
– أين أنت من حرب فيتنام وإلقاء القنابل الذرية على اليابان .
– أين أنت من تحرشها وغزوها للدول ونهب ثرواتها (1823 غزو نيكاراغوا -1825 تدخلت في البيرو – 1855 غزو بنما – 1898 دخولها الأراضي الصينية -1947 التنكيل بالقوى الوطنية في اليونان ) وغير ذلك الكثير .
– أما ما يتعلق بعالمنا الإسلامي فحدث ولا حرج ؛ في فلسطين من دعم للكيان الصهيوني , وما فعلته في العراق والصومال وأفغانستان .. .
– الإرهاب البريطاني وتاريخه الأسود في مشرق الأرض ومغربه , وآخر ذلك ما اختزلته حفيدة بلفور والتي تحدثت بكل صلافة وفخر عن إنجاز جدها والذي قدم فلسطين على طبق من ذهب لليهود .
– أين أنت من الإرهاب النصراني والذي يضرب بين الحين والآخر , وآخر ذلك : أكثر من مئة وخمسين قتيل على يد متعصب من أبناء الكنيسة في إحدى كنائس أمريكيا الأسبوع الماضي .
فالإرهاب ليس مختصا بأبناء المسلمين كما يريد أن يصور البعض .
ثم تحدث محمد داودية فقال : عدد التوصيات الكبير يشي بعمق المشكلات ويؤشر إلى حجم الإعطاب التي تفعل فعلها في المجتمع الأردني ويثير سؤال المليون – تأمل معي هذا التهويل – لماذا تركنا ما يحتاج إلى علاج حينا وإلى استئصال حينا آخر يتفاقم ويتسرطن ويتحوصل ليصبح غددا صلبة تهددنا وتستعصي علينا ؟!
أقول :
أقول : يتأمل معي القارئ الكريم تلك الجرأة وذلك التهويل الذي يقوم به هؤلاء ومحاولة الربط بين المؤسسة الدينية والإرهاب وتشبيهه بالسرطان ! .
– أين هو الإرهاب الذي خرج من الإدارة الدينية وحتى من منتسبيها من الأئمة والخطباء والوعاظ وكم نسبة ذلك وأين هي الإحصاءات العريضة على تلك الدعاوي .
– مع أنه اعترف أن أعدادهم لا يتجاوز العشرات من مجموع ما أشار إليه من الأئمة والخطباء 3300 بالإضافة إلى 700 مؤذن كما أشار هو إلى ذلك .
أقول : بالله عليكم- القراء الكرام – هذه النسبة التي هي أقل من واحد بالمائة هل تستحق هذا الهجوم , وهذه الدعوى لتفكيك المؤسسة الدينية بقطاعاتها وإعادة بنائها من جديد , من الذي أعطاه الحق ليتكلم بهذه الجرأة والمساس بهذه المؤسسة التي يعتز بها كل من ينتمي لهذا الوطن , باسم من يتكلم هذا ! لو كان العكس هو المطلوب تفكيك الحركة العلمانية النشاز في بلد إسلامي محافظ كيف سيكون رده : أين الحريات أين الديمقراطية أين حرية الرأي والمعرفة , لماذا تكميم الأفواه لماذا الإقصاء مع أنهم الأقلية في هذا الصوت النشاز!؟ .
– ثانيا : هذا الإرهاب من الذي قام بالتصدي له أليس المؤسسة الدينية بأئمتها وخطبائها ووعاظها وإفتائها بل ومن بعض الجماعات التي لمزتها كالسلفية .
– أليس كان التصدي للإرهاب بتكاتف هؤلاء كلهم في استئصال هذه البذرة في بدايتها .
ثم ظهر محمد داودية بمظهر الناصح الحريص : فأشار إلى النقص الحاصل في الخطباء والأئمة والمؤذنين ! وهو الذي يدعو إلى تفكيك المؤسسة الدينية الرسمية وزعزعتها , وهذه هي السذاجة بعينها .
ثم قال : في بلدنا العديد من الجماعات والجهات التي يتعامل أكثرها بالفتوى تتفاوت في مرجعياتها بين التشدد واليسر ..ثم دعا إلى وحدة المذهب العقدي ووحدة المذهب الفقهي وحصر الفتوى في جهات الاختصاص , وقال : هي واحدة من متطلبات الإصلاح الديني وواحدة من متطلبات الأمن الوطني .
أقول : هذه التعددية التي أشار إليها في الجماعات الإسلامية والأحزاب الدينية والتي حاول التدقيق فيها والتكثر منها , هي موجودة في شتى الطوائف الدينية والأحزاب المختلفة .
فخذ مثلا على التعددية المسيحية في الأردن ( الروم الأرثوذكس- كنيسة اللاتين – كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك- كنيسة الأرمن الأرثوذكس – الكنيسة المارونية والإنجليكانية – الكنيسة الآشورية ) وغيرها كثير , وبينها من الاختلاف كما بين الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية من الاختلاف بل أشد , ولكل كنيسة وطائفة منها طريقة تختلف عن الأخرى في المرجعية والفتيا والمدارس والعبادة , ولم نر أحدا نادى إلى وجوب توحيد المنهجية أو الفتيا لديهم , بل لا يجرؤ أمثال داودية من التعرض لها ! .
هذا في الجانب الديني .
وخذ مثالا في الجانب المدني : فالتعددية أكثر وأكثر (حزب البعث العربي الاشتراكي – الحزب الشيوعي الأردني – حركة التحرر الوطني – حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني ) إلخ من عشرات الأحزاب والتي تختلف في الآراء والتوجهات والمرجعيات ولم نر أحدا أشار إلى ضرورة دمجها أو توحيد توجهها ومرجعيتها بل على العكس من ذلك ففي نظر العلمانيين هؤلاء : هذا الأمر دليل على ديمقراطية الدولة والحرية الفكرية مع أن بعض أفكار هذه الأحزاب مصادمة ليست لدين الإسلام بل لكل الأديان ودستور الدولة !.
– أقول لدوادية : إن كان عندك غيرة على المؤسسة الدينية والتي تنادي بتفكيكها : أين أنت من هذا العبث من خارج المؤسسة الدينية وهذه الهجمة الشرسة على الإسلام وثوابته.. على القرآن والسنة والحجاب ومظاهر الالتزام بل والدعوة إلى الانفلات الأخلاقي كالمناداة بحقوق المثليين والتطاول على رموز الإسلام في القديم والحديث .
ثم قال :لقد نجحت بلادنا في التعامل مع أخطر التحديات المعاصرة : الإرهاب حين حسمنا الجدل الوطني ..
أقول : نعم نجحت بلادنا في صد ومنع بذرة الإرهاب ولكن بفضل الله ثم بفضل المؤسسة الدينية المتمثلة بكل أطيافها الأئمة والخطباء والوعاظ والمدرسين والإفتاء بل ومن بعض الجماعات الإسلامية التي حاربت التطرف كالسلفية بندواتها وكتب علمائها, ولم نر جهدا من الحركة العلمانية إلا اللمز والطعن والصيد بالماء العكر واتخاذه وسيلة للطعن في الإسلام وثوابته .
– قال محمد داودية : فالسجون كما كشفت التجارب العراقية والمصرية .. هي أبرز مفرخات الإرهاب والقسوة والتشدد والانحراف والتطرف . نحن في أمس الحاجة إلى مشروع ثقافي وطني لمواجهة مشروع الإرهاب ..
أقول : ومن العدل والإنصاف أن نعدل في حكمنا , فنحن معك في هذه النقطة ؛ فالسبيل للقضاء على الإرهاب مواجهة الشبه التي قامت في أذهان الشباب بالحجة والدليل والبرهان والذي يجب أن يقوم عليه الأكفاء من العلماء وطلبة العلم بشتى أطيافهم , وهذا الذي أثبته التاريخ كما في محاورة ابن عباس رضي الله عنه للخوارج لما خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فحاورهم حتى رجع ثلثا الجيش الذين كانوا معهم .
قال محمد داودية : حملة هذا المشروع الوطني الملح هم الكتاب والمثقفون ..ورجال الدين المستنيرون .. للأسف الشديد لا نرى ولا نسمع ونحن الذين نشتغل بهموم التنوير والحداثة والتقدم المدافعون بحق وصدق ..
أقول : لعله يقصد الحركة العلمانية في الأردن والتي لا تزال لا تألوا جهدا في لمز المؤسسة الدينية ومحاولة إيجاد شرخ بين المؤسسة الدينية وبين الشعب الأردني ذي العاطفة الإسلامية الحريص على ثوابته .
– أقول لداودية : هذه محاولة فاشلة لزعزعة الثقة في المؤسسة الدينية ورموزها , وإنما هي محاولة للتسلق والتملق للحصول على بعض المكاسب والمناصب من خلال التغني بمحاربة التطرف والتي وراءها ما وراءها من الطعن في الركائز والثوابت والتي أثبتت فشلها فلله الحمد نحن نعيش صحوة دينية ومعرفة ثقافية في بلد إسلامي يعتز بدينه ويفخر بانتمائه الإسلامي .
وفي الختام أقول : من أسباب محاربة التطرف :
– إعطاء الثقة للمؤسسة الدينية بأطرافها المؤثرة : الأئمة والخطباء والوعاظ والمدرسين والإفتاء ..
– إقصاء بعض الأحزاب التي تحمل الأفكار المتطرفة كالأحباش والسلفية الجهادية .
– الدعوة للحوار من خلال الأئمة والخطباء والمدرسين الذين لهم التأثير الأكبر في منع التطرف .
– منع هذا العبث وهذه الجرأة من العلمانيين الذين يتطاولون على ثوابت الشريعة من خلال المناداة بفصل الدين عن الدول وإعطاء الحرية الكاملة ولو على حساب الدين , فهذه الأصوات النشاز من أكبر أسباب نشوء التطرف بين الشباب وخصوصا في بلد أسلامي محافظ , وإن كان من حاجة لإلجام فهم هؤلاء دعاة الفتنة والمتصيدون بالماء العكر للتطاول على الإسلام وأهله .
– عقد الندوات والدورات والدروس من أهل الاختصاص والمؤهلين لمحاربة التطرف .
هذا غيض من فيض, والله الموفق والهادي للصواب والحمد لله رب العالمين .

وكتبه / الدكتور عبدالله الغريب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة