هل كان من المصلحة الاستراتيجية دخول معركة القصير ؟؟
نبدأ أولا بتوصيف نوع الحرب التي تجري في سوريا لكي نعرف ما يصلح لها وما
يؤثر فيها ومن ثم نحكم على أي قرار عسكري
الحرب في سوريا بدأت بنظام العصابات ثم تطورت تدريجيا لحرب شبه نظامية
بخطوط مواجهة ثابتة نسبيا وبقواعد خلفية لكلا الطرفين
الحرب في سوريا يستخدم فيها الطرفين أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة إلا أن
النظام يتفوق بالطيران وبمستوى ونوعية وكمية التسليح
الحرب في سوريا تتميز بمعدل قتل يومي من 100 إلى 150 وبنقاط اشتباك كثيرة
ونشطة وبمرونة عسكرية في هضم أي تقدم للعدو عند الطرفين
الحرب في سوريا تخضع لتوازنات سياسية تؤثر في المدى الذي يمكن أن تذهب
إليه ولذا فخيارات طرفي القتال ليست مفتوحة على الإطلاق
فلا النظام قادر على تنفيذ إبادات جماعية لإنهاء التمرد كما فعل ستالين
بالقوقاز وصدام حسين بحلبجة ولا الثوار قادرين على الحسم بسبب حظر
التسليح
الحرب في سوريا أصبحت نقطة إلتقاء لصراعات محلية وإقليمية ودولية وهذا ما
خلق بداخلها حالة من التوازن سمحت بوجود مد جهادي
الحرب في سوريا تميزت بالبعد الديني الذي أدى إلى حالة من التخندق
الطائفي في المنطقة وهذا ما جعل نار الحرب تمتد شيئا فشيئا للعراق ولبنان
طبيعة الحرب في سوريا لا تجعلها خاضعة لمبادئ حروب العصابات بالكلية ولا
للحروب النظامية كذلك لأنها مزيج له خصوصيتة
معركة القصير اختصرت كل الاعتبارات السابقة إلا أنها جاءت في مرحلة ومكان
وتوقيت جعل لها حساسية خاصة
فدخول حزب اللات على خط الحرب والزخم الذي أحاط به نفسه جعل من المهم
للكتائب هز هيبتة قبل أن تزيد بانتصارات سهلة تزيد من قوة اندفاعه
وموقع القصير الواقع في طريق الانسحاب من دمشق باتجاه الساحل والمهم
لصمود بقية القرى في الريف الواصل بلبنان جعل التخلي عنه غير معقول
وتوقيت معركة القصير جاء مع بداية الحرب الطائفية بدخول المليشيا الشيعية
من مختلف بلدان العالم للقتال ضد أهل السنة في سوريا
هذه الظروف بجانب اعتبارات الحرب السابقة خلقت معادلة سياسية وعسكرية
رجحت كفة الصمود في القصير على فكرة الإنسحاب دون الاشتباك بالعدو
فالتخلي عن القصير بلا قتال كان سيفت بعضد بقية المدن التي قد تجد أن
حصار التحالف الشيعي لها مبررا كافيا في تسليم المدينة
والتخلي عن القصير بلا قتال كان سيألب الحاضنة الشعبية على الكتائب
ويفقدها الثقة فالشعب سيرى أنه من الخيانة تركه ليواجه مجازر الشيعة دون
رادع
والتخلي عن القصير بلا قتال كان سيقوي وجهة النظر الغربية بأن النظام
قادر على الحسم إن غضينا الطرف عنه لإنهاء الأزمة برمتها
قد يقال أن قرار معركة القصير أدى لتدمير أجزاء منها ونزوح أهلها عنها
وهذا صحيح إلا أنه ثمن لا بد من دفعه بحكم طبيعة الحرب التي نخوضها
فالحرب في سوريا قامت على مبدأ ( قبول الثمن ) أي أن الشعب السوري رضي أن
يدفع أي ثمن مقابل إسقاط النظام المجرم وهذا هو سبب قوته وصموده
ولولا هذا المبدأ لما تمكن الثوار من القتال حتى اليوم لأن أي اعتبارات
للحفاظ على سلامة المدن سترغم الثوار للرحيل عنها وهنا ينكشف الغطاء عنهم
واستراتيجية النظام وحلفائه وحتى الغرب ومن معه تدور حول كسر إرادة الشعب
ليقبل ببقاء بشار أو انتقال صوري للسلطة وكلا الأمرين يرتبط برضوخ الشعب
لذا يدك النظام المدن ببراميل المتفجرات ليطلب الناس من الثوار الرحيل
كما حدث بعد حماة بالثمانينات إلا أن الله قد أمد أهل الشام بعزيمة لا
تلين
والناظر إلى أحداث الشام يرى أن الله قد صرف الأمور بطريقة حولت الشام
لشيء إيماني لا يقبل أنصاف الحلول فضلا عن الرضوخ للباطل وأهله
وهذا ما جعل الكتائب في القصير تقبل التحدي أمام قوة متفوقة ناريا وهو ما
جعل الحموي يعلق بعد الانسحاب كنا نريد أن نقول لهم : هيهات منا الذلة
والمعادلة بعد القصير تقول لحزب اللات أن مدينة صغيرة كلفته مئات القتلى
وهزت هيبته وأحدثت انشقاقات بداخله ومظاهرات ضده فكيف الحال بالمدن
الكبرى
ونفس هذه الحسابات تكررت أمام تشرشل في الحرب العالمية الثانية عندما
استنجد به حلفائه في اليونان قبيل الاجتياح الألماني
فقال له قادة الجيش أن أي قوات نرسلها إليهم فهي في حكم الميت لاستحالة
الصمود أمام الغزو الألماني المرتقب لليونان
فأصر تشرشل على إرسال القوات وقال ما معناه : أعلم أنها معركة خاسرة
ولكنه ثمن لا بد منه لإثبات صدق إلتزامنا مع حلفائنا في الحرب
وقال لو تركنا اليونان بدون معركة لفضل بقية حلفائنا الإستسلام دون قتال
أمام الألمان وهذا كفيل بسقوط بقية أوروبا
ولذا أرسل تشرشل قواته وقتل من جنوده الآلاف وانسحب البقية ولكنه حصن روح
الصمود في وجه جيوش هتلر وهو أمر ساهم في هزيمته بالنهاية
الحكم على أي معركة يكون من خلال سياقها العام في الحرب وليس بنتيجتها
المباشرة ولذا أرى أن معركة القصير كانت شرا لا بد منه..وهيهات منا الذلة
!
الكاتب :
” شؤون استراتيجية ” – كاتب مؤصل قوي في تويتر – .

