وفاة الشيخ العلامة محمد مصطفى الأعظمي رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى.
ان لله وانا اليه راجعون
توفي صباح هذا اليوم فضيلة الشيخ محمد مصطفى الأعظمي
و سيصلى عليه بعد صلاة الظهر بمسجد الراجحي و الدفن في مقبرة النسيم
محمد مصطفى الأعظمي. ولد الشيخ محمد مصطفى الأعظمي في الهند سنة 1350. تخرج من دار العلوم بديوبند في حدود سنة 1372، ثم التحق بالأزهر بمصر، والتحق بقسم التخصص بكلية اللغة العربية، وحصل على شهادة العالمية مع الإجازة بالتدريس، ثم رجع إلى الهند. ثم عمل في قَطَر مدرسا للغة العربية لغير الناطقين بها، ثم أصبح الأمين على دار الكتب القَطَرية، وكانت تُسمى: المكتبة العامة. ونال العالمية العالية من جامعة كمبردج. ثم قَدِم إلى الحجاز، ودرّس بكلية الشريعة بمكة المكرمة، ثم انتقل إلى كلية الشريعة بالرياض مدرسا مصطلحَ الحديث في قسم الثقافة الإسلامية. من أشهر تصانيفه: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، ومنهج النقد عند المحدثين، وألحق به قطعة من مختصر التمييز لمسلم، وأخرج ما وقف عليه من مختصر المختصر لابن خزيمة، وأخرج أيضا: الموطأ للإمام مالك – رواية الليثي، والسنن لابن ماجه. ومن أحسن كتبه: كتابه الذي صنفه في تاريخ تدوين القرآن الكريم، نسف فيه دعوى تحريف القرآن، كتبه باللغة الإنجليزية، وعسى أن تكتحل عيني برؤيته مطبوعا بلغتي الحبيبة الأثيرة. نال جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية سنة 1400، ومن مآثره الحميدة إعلانه عن تبرّعه بهاتيك الجائزة السخية للطلبة النابهين من فقراء المسلمين. أحسن الله إليه وكثّر من أمثاله.
رحمه الله وغفر له.
كان عالماً مغمورا ولم يرغب بالظهور ولم يُستفَد منه كما ينبغي إلا قليل من طلاب العلم.
اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه ووسع مدخله واكرم نزله واخلف على أهله و أمته بخير.
منقول
===
الهندوسي الذي تفوّق على علماء الإسلام العرب والعجم
محمد مصطفى الأعظمي، أحد نوادر العلماء اليوم. ولد في أسرة هندوسية من طبقة النخبة (البراهما) الذين لا يجوز لهم لمس غير البراهما مثلهم. نشأ على التتشدّد الديني واحتقار المسلمين وكرههم. دخل الجامعة في الهند وهو يحمل هذا الشعور البغيض في صدره، وهناك وجد نفسه في السكن الجامعي مع طالب مسلم. تردّد أوّل أمره في التواصل معه، غير أنّه انتهى إلى وجوب دعوة هذا المسلم إلى الهندوسية لاستنقاذه من “ضلاله”، ولذلك اضطرّ إلى قراءة القرآن الكريم والسيرة النبويّة. وفي أحضان السيرة وجد مثله الأعلى، غير أنّه تشوّف إلى مزيد القراءة، فقيل له: لا بدّ أن تقرأ كتب الحديث! فسأل: وأين أجد هذه الكتب؟ قيل له: إنها بالعربيّة! ولمّا سأل: وأين أتعلّم علم الحديث؟ قيل له: لا بدّ أن تكون مسلمًا لتلتحق بالجامعات الإسلاميّة! وهنا وجد نفسه منساقًا إلى متابعة ما هداه إليه عقله من أنّ الإسلام حق، فأسلم وبدأ رحلة علم الحديث.
رحل إلى مصر للتعلّم في الأزهر، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة كمبردج، كما درّس في بريطانيا، ثم التحق بالتدريس في الجزيرة العربيّة حيث انتهى به الأمر ليكون عميد كليّة الحديث في جامعة المدينة.
هو باختصار صاحب أبرز كتاب في المكتبة الإنجليزية في الدفاع عن القرآن الكريم، وقد صدر منذ بضع سنوا ، وعنوانه “The History of the Qur’anic Text from Revelation to Compilation “. وفيه جهد عال في سبر تاريخ النص القرآني والردّ على اعتراضات المستشرقين. وقد راسلتُه لمّا كنت أعمل على كتابي “Hunting for the Word of God” إذ كان من العلماء المسلمين القلائل الذين أتيحت لهم فرصة الاطلاع على مخطوطات صنعاء القرآنية، وإن لم يُسمح له بعد جهد ووساطات إلا بتصوير بضع ورقات متفرّقة من المخطوطات (على خلاف المستشرقين الفرنسيين والألمان الذين استطاعوا الاطلاع على كامل المخطوطات وتصويرها –وهذا في اليَمن!-)! وسألته عن هذه المخطوطات، فوجدته متحمّسًا لمزيد النظر فيها، ومتابعًا لما يُكتب في شأنها في الغرب.
وهو أيضا أهم من ردّ افتراءات (Joseph Schacht) الذي أسّس المدرسة الأكبر في عالم المستشرقين، وهي التي تقول إن الحديث محض اختراع متأخر من أرباب المذاهب الفقهية لنصرة اجتهاداتها الفقهية، فهو مؤلف كتاب ” On Schacht’s Origins of Muhammadan Jurisprudence ” الذي كشف فيه تدليسات (شاخت) ونقوله المحرّفة عن الأئمة، وفساد استنباطاته.
هو إذن أهم من ردّ على الطاعنين في القرآن والسنة من المستشرقين .. ونِعم الفضل والسبق!
ومن أعجب أمره أنّه وقد تجاوز اليوم الثمانين مع مرض شديد ومشقة بالغة في التركيز والكتابة إلا أنّه يتابع آخر الإصدارات الاستشراقية في علوم القرآن (وقد علمت من ابنه أنّه اقتنى كتاب (François Déroche) الأخير (Qur’ans of the Umayyads) فور نزوله) بما لا تجد له نظيرًا بين شباب الباحثين المسلمين وجادّيهم..
الأعظمي –حفظه الله- له إنتاج آخر ثريّ، فهو محقق كتاب “العلل” لابن المديني، كما أخرج موطأ مالك في ثماني مجلّدات، وغير ذلك من البحوث والتحقيقات…
وقد حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية، وهي الجائزة التي لا تمنح إلا لنخبة العلماء (نالها سابقًا محمد قطب، والقرضاوي، والألباني …). وقد تبرّع بالجائزة لطلبة العلم الفقراء.
العبرة: هذا الرجل الأعجمي المولود في أسرة هندوسيّة منعّمة حجّةٌ على كلّ طالب علم مسلم عربيّ تحفّه النعم من كلّ مكان، ثم هو متكاسل عن استفراغ الجهد لنصرة الدين، قد جعل همّه طلب شهادة ورقيّة من الجامعة لينتهي إلى تكرار المكرّر ممّا حفظه دون وعي بما تطلبه الدعوة من جدّ واجتهاد لبثّ كلمة الحقّ بين الناس ودفع صولة المنحرفين عن جادة الهدى…
الأعظمي –حفظه الله- رجل من زماننا، وليس من الزمن القديم.. غير أنه أعاد سيرة الأوّلين وجسّد صور الأكابر في القرون الأولى؛ إذ كانوا يرحلون إلى العلم، ويبذلون له أعمارهم، ويتركون وراءهم أمجادًا من العلم النافع .. لقد عاشوا كلمة: “مع المحبرة إلى المقبرة”، ولم يتزيّنوا بها على (تويتر) أو (فايسبوك)… فحفظ التاريخ عطر سيرتهم عابقًا في كلّ مكان.
[وقد أهداني –حفظه الله- نسخة مصوّرة نفيسة نشرها لصحيح البخاري بخط النويري (القرن الثامن هجري)، وهي من أصح نسخ البخاري، ونسخة من كتابه (The History of the Qur’anic Text from Revelation to Compilation)]
د سامي العامري
منقول

