(لفتات حول عمل القلب في رمضان)
لكاتبه: د. محمد بن عبد العزيز نصيف.
(1) بيّن الله أن ثمرة الصيام هي التقوى, فقال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وبين سيد الصائمين –عليه أفضل صلاة وأتم التسليم- مكانَ التقوى, فقال: (التقوى ههنا) وأشار إلى صدره الشريف، وعليه: فإن الثمرة المرجوة من الصيام ثمرةٌ قلبيّةٌ في المقام الأول.
(2) إذا ثبت أن ثمرة الصيام محلها القلب فينبغي أن يكون التركيز الأكبر عليه ، ولا ينبغي أن تشغلنا أعمال الجوارح المشروعة في رمضان عن الأعمال القلبية المصاحبة لها، مع أن الكل مهمٌ.
(3) فليكن هدفُنا في رمضان القادم بعد أقل من شهر إحياءَ (تقوى الله) وزيادتها في قلوبنا.
(4) تقوى الله وإن تعددت صورها وآثارها إلا أنها ترجع ابتداء إلى شيء يُزْرَع في القلب اسمُه: (المراقبة)، وستنصَبُّ الإضاءات القادمة -بإذن الله- على هذا الموضوع المهم (المراقبة )، ولذلك فلنجعل هدفنا المحدد الأخص في الشهر الكريم (تقوية مراقبة الله).
(5) المراقبة التي نريد أن تسكن في قلوبنا كالزرع لا بد لها من وقت كاف كي تثبت، ولا بد لها من تعميق كي ترسخ، ولا بد لها من رعاية لتنمو في القلب وتزيد، والله وحده المستعان.
(6) لابد لمن أراد أن يمتلئ قلبه بمعنى من المعاني -والمعنى الذي نهدف إليه في شهر رمضان هو المراقبة- من أمرين:
1. كثرة ذكره، لأن الذي (يتكرر… يرسخ ويتقرر).
2. الانشغال به عن غيره لمدة من الزمن .
وبتَعاضُدِ الأمرين ينتقل المعنى من فكرة عقلية إلى شعور قلبي -بإذن الله تعالى-.
(7) لا بد لمن أراد أن يخطو أول الخطوات في مقام المراقبة من العلم بماهية المراقبة وثمارها…إلخ، وهنا أنصح بكتاب وشريطين؛ أما الكتاب فهو: (مدارج السالكين) لابن القيم, حيث تكلم عن منزلة المراقبة، وأما الشريطان فهما للدكتور (محمد راتب النابلسي) : (المراقبة)، و (اسم الله الرقيب)، أدم النظر في الكتاب وسماع الشريطين طوال الشهر الكريم بشكل شبه ثابت حتى ترسخ معانيهما في قلبك…
(8) «وَالْمُرَاقَبَةُ هِيَ التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ الرَّقِيبِ، الْحَفِيظِ، الْعَلِيمِ، السَّمِيعِ، الْبَصِيرِ، فَمَنْ عَقَلَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ، وَتَعَبَّدَ بِمُقْتَضَاهَا: حَصَلَتْ لَهُ الْمُرَاقَبَةُ», هذه نقطة عملية بارزة ذكرها ابن القيم في منزلة المراقبة، فالقراءة والسماع عن هذه الأسماء الحسنى الخمسة المذكورة ، مع السعي إلى التعبد بها نافع جداً بإذن الفتاح العليم، فلنضعها في جدولنا الرمضاني.
(9) المراقبة التي تريد غرسها في قلبك تحتاج إلى وقت تفرغ فيه نفسك عن الشواغل والمشوشات الحسية، لأن هذه الشواغل والمشوشات تمنع من مراقبة الله أو تضعفها في القلب بحيث تزول المراقبة عن القلب لأدنى شهوة تتزين أو فتنة تتعرض، وبعبارة أسهل أقول: أعطِ نفسك ما لا يقل عن عشر دقائق يوميا خلال الشهر المبارك تجلس فيها وحدك وتفكر فيها في الحقيقة الغائبة، وهي: أن الله ينظر إلى قلبك ويعلم ما يدور بخاطرك – إلى أن تسكن جوارحك ويبدأ قلبك بالاستحضار لهذا الأمر بل والتلذذ به… وقد يحركك هذا للدعاء فادعُ، أو للبكاء فابكِ، أو للصلاة فصلِّ، أو لقراءة القرآن فاقرأ، أو للذكر فاذكر، ومن الله وحده المدد والعون.
(10) المعركة الداخلية بينك وبين نفسك أهم من كل المعارك الخارجية؛ فلا تصدق من يوهمك خلاف ذلك.
(11) إن من أعظم ما يعين على إصلاح القلب أن يعطي الإنسان نفسه حظاً من العزلة المشروعة بغرض التفكر والتأمل في الحقائق التي يريد تعميق الإيمان بها في قلبه، ومن الأدلة الشرعية على هذا الأمر: سنة الاعتكاف التي مقصودها الأعظم: البعد عن الخلق والتوجه إلى الخالق، ويفوت كثير من مقصود الاعتكاف إذا خالط المعتكِف فيه الناس أو انشغل بالحديث معهم.
(12) من الأوقات الجميلة المناسبة كي يخلو الإنسان بنفسه ليتفكر ويتأمل ما قبل صلاة التراويح حيث يبكر المؤمن للمسجد مستحضرا هذا الأمر العظيم وهو أن الله يراه، ويحاول استدامة هذا الأمر حتى تحين الصلاة … وأثر هذه الجلسة على العشاء والتراويح كبير بإذن الله… اللهم افتح علينا فتحا من عندك يملأ قلوبنا يقينا وإيماناً.
(13) مما ينفع القلب في التراويح أبلغَ نَفْع: أن يتذكر المؤمن أن الصيام شرع كي يصل بقلبه إلى التقوى، وهنا يسأل العبد نفسه سؤالاً: عندما ينظر الله إليَّ في صلاة التراويح فهل سيراني قد حققت المهمة وجنيت الثمرة أم أني عنها بعيد؟ و مع هذا السؤال تبدأ محاسبة العبد نفسه، ويحاول التخلص من كل ما يلوث قلبه، ويستغفر من كل ما حصل طوال نهاره -وربما بعد فطره- من أعمال تعارض التقوى، وبدوام هذه المحاسبة في كل ليالي الشهر تزيد التقوى ويسطع نورها في القلب…بإذن الرب.
(14) قال ابن عطاء الله السكندري –رحمه الله– في حِكِمِه: (ما نفع القلبَ مثلُ عزلة ، يدخل بها ميدان فكرة)، وأحسن من شرح وفصل في بيان هذه الحكمة -في نظري- الشيخ سعيد حوى -رحمه الله- في كتابه الأنفس: (مذكرات في منازل الصديقين والربانيين), في الفصل الثاني الذي عقده بعنوان : (العزلة المرحلية وضرورتها للسائرين إلى الله).
(15) هل تستطيع أن تصلي وحدك في المنزل قبل الفجر لنصف ساعة يومياً طوال شهر رمضان… إن هذا الأمر مع ثقله على النفس إلا أن له ثمرة تفوق صلاة التراويح بمراحل؛ إذ هو أدعى للإخلاص، وأعظم في تربية النفس، مع كونه أحضر للقلب، وأجمع للنفس؛ فالوقت أهدأ، والنفس أسكن، ولا أحد يراك… إلا الذي خلقك وهداك.
(16) عرف ابن القيم (الْمُرَاقَبَةَ), بأنها: (دَوَامُ عِلْمِ الْعَبْدِ، وَتَيَقُّنِهِ بِاطِّلَاعِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ)؛ ففي التعريف ثلاثة أمور:
1. العلم باطلاع الحق -سبحانه- على الظاهر والباطن، و هذا العلم عظيم الأثر على القلب.
2. وصول هذا العلم إلى درجة اليقين، وهذا أعظم.
3. دوام هذا العلم واستمراره، وهذا أعظم وأعظم.
ولذلك: فالطريق ليس سهلا، والمطلوب ليس مما يناله كل أحد!
(17) إن الوصول إلى استدامة شعور القلب باطلاع الرب هدفٌ بعيد جداً ، لذا كان لا بد من هدف أقرب منه، وهو دوام المراقبة أثناء الصلاة، وهو ليس بالهدف الهين السهل أبداً، لكنه في حيز الإمكان… فلنجعله من أهم أهدافنا في رمضان.
(18) إن مراقبة الله أصل عظيم في الخشوع في الصلاة، قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين*الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)، وفي الحديث الذي حسنه الألباني بشواهده : (صلِّ صلاة مودع ،كأنك تراه…)، وفي سنده كلام لكن ظاهر الآية يشهد لمعناه… ولهذه المراقبة وسائل تعين عليها، وتوصل بإذن الوهَّاب إليها…
(19) الاستعداد النفسي للوقوف بين يدي الله في الصلاة أصل مهم في الشعور بشيء يسير من حقيقة ذلك الموقف العظيم، وقد شرعت لنا أمور كثيرة تعيننا على هذا الاستعداد، لكننا نغفل عنها فوجب التذكير والتذاكر بيننا بها؛ فمن ذلك:
1. الترديد مع الأذان، ونستشعر فيه أننا مدعوُّون للقاء الملك الكريم في بيته.
2. الوضوء، ونتذكر فيه أن ذنوبنا تتساقط مع الماء ونحن صامتون، فكيف إذا وقفنا بعدها وسألنا رب العالمين.
3. المشي إلى المسجد، وهو اقتراب من بيت الله.
4. الدعاء عند دخول المسجد :”…وافتح لي أبواب رحمتك”، والله يسمعنا –سبحانه-…
هذا غيض من فيض ، والإطالة تبعث على الملل.
(20) إذا استمعت إلى قراءة الإمام في صلاة التراويح فاجعل من أول أولوياتك البحث عن الآيات التي يمكن أن تزيد من تقوى الله في قلبك …وهذا أحد مقاصد إنزال القرآن؛ قال تعالى في سورة طه: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) [113]… وابحث خصوصاً عما يعرّفك بالله أكثر؛ فإن التقوى تزيد بمعرفته سبحانه، ملأ الله قلبي وقلبك بالتقوى…
(21) من خرج من صلاة التراويح كل ليلة وقد تزود بشيء ولو يسير من التقوى فقد خرج بخير كثير.
(22) إن تقوية الشعور بالمراقبة يحتاج إلى وقت، ومما يعين على الاستمرار -بل قد يعجز الإنسان عن الاستمرار بدونه- ثلاثة أمور يومية: المشارطة والمراقبة والمحاسبة؛ أما المشارطة فهي أن تجلس في بداية يومك –بعد الفجر-مثلاً- جلسة هادئة مع نفسك تذكر بهدفك في رمضان، وما تصبو إليه من تقوية المراقبة في قلبك، وتذكّر نفسك في تلك الجلسة باطلاع الله عليك وما يتبع ذلك من معانٍ، ثم تشترط على نفسك أن تراقب الله سبحانه وتعالى في كل أقوالك وأعمالك …إلخ ويمكن أن تجعل هذه الجلسة لحوالي ربع ساعة…
(23) يحتاج العبد بعد المشارطة إلى مراقبة نفسه طوال يومه، ومن الأمور المساعدة على المراقبة:
1. تقسيم اليوم –عبر منبه الجوال مثلا- إلى ساعات, كلما مضت ساعة راعيت أمر الله فيها ولم تقبل بقول أو سماع غيبة –مثلا- شعرت بالإنجاز وحمدت الله، وكلما زللت في ساعة أخرى فنظرت إلى ما لا يرضي الله -مثلاً- استغفرت على أقل تقدير، وإن صليت ركعتي التوبة المشروعة في الحديث الصحيح كان أحسن.
2. النظر إلى الصلوات الخمس -بكل ما يتبعها- على أنها محطات تذكيرية تذكرك بالهدف المرجو الذي تسعى إليه، مع كونها هي في نفسها من وسائل تقوية المراقبة كما مرَّ.
(24) في نهاية اليوم نحتاج إلى المحاسبة على التزامنا بالمشارطة والمراقبة ثم الاستغفار والتوبة من الخلل والتقصير والعزم على يوم قادم أفضل، ومن أراد التوسع في الكلام على هذه الثلاثة: (المشارطة, والمراقبة, والمحاسبة), فليقرأ إحياء علوم الدين أو على الأقل مختصر منهاج القاصدين…والله المستعان.
(25) مما يقوي استشعار مراقبة الله في الصلاة أن نتذكر أنه -سبحانه- السميع… فمع كل ذكر من أذكار الصلاة استشعر أن الله يسمعك، وأنك تناجيه جلَّ في علاه…وهكذا كرر المحاولة في كل صلاة إلى أن يعم الشعور الجميل معظم الصلاة ثم تسري الطمأنينة إلى ما بعد الصلاة… ومن الله وحده المدد.
(26) السحور …وما أدراك ما السحور…لحظات هادئة جميلة فكيف إذا نورتها بشي من استشعار مراقبة الله الذي يحب منك هذا العمل، ويثيبك عليه… تذكر أن الله يراك وأنت تقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فتتسحر.
(27) من أعظم المؤثرات على القلب العينُ، ولذلك لا تستغرب إذا لم تجد قلبك في التراويح كما تريد إذا نظرت إلى الحرام قبلها.
(28) (كترة الدق تفك اللحام) معنى لا يحسن أن يغيب عنا في شهر الصيام، قد يتأخر المدد وقد يكون ضعيفا لكن لا بد من الاستمرار.
(29) قطع المادة الفاسدة عن القلب أصل أصيل في إصلاحه، ومن أهم مصادر إمداد القلب بما يفسده العين واللسان والأذن، فراقب ما يصدر من هذه الثلاثة أشد المراقبة.
(30) العين والأذن واللسان من أهم مصادر إصلاح القلب؛ فلا تحرم نفسك من نظرٍ مدقق يوصل إلى التفكر، وسماع منصت يوصل إلى التدبر، وذكر لله يصحبه تذكر.
(31) في ختام هذه اللفتات أقول لي ولك :
قلبَك قلبَك، فهو أحسن ما تلقى به ربَّك (يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم).

