يزعم أن الله تعالى لم يستجب دعاءه فتلفظ بما لا يليق بحق الله تعالى!!

السؤال

أعاني من إحباط شديد ، واضطرابات عصبية ، لن أثقل عليكم بالتفاصيل ، لكن باختصار : مشكلتي أنه لم يستجب لي أي دعاء مطلقاً من أدعيتي الكثيرة لأعيش حياة أفضل ، وقد اتخذت الأسباب المتاحة لتحقيق هذا ، فكانت النتيجة أن ساءت حياتي عشرة أضعاف ما كانت عليه من الصعوبة ، مقارنة بالرجل العادي ، في كافة جوانب حياتي ، والآن أظن أنني في طريقي إلى الجنون من التفكير في قدر الله تعالى ، أنا مسلم عادي ، لكني الآن أسير في اتجاه الضلال بسرعة أكبر من قبل ، أنظر إلى المتشردين الذين بلا مأوى فأقول في نفسي : ” هؤلاء الناس لهم أحلام وآمال لكن الله تعالى حطمها كما حطم أحلامي وآمالي ، والله تعالى قادر بسهولة على تجاهلها ! وليس بيدي شيء أفعله ! ومن السهل جدّاً أن ينتهي مصيري إلى نفس مصير هؤلاء المتشردين ” .

صدقوني إني أطرح هذه الأسئلة عليكم لأني إذا ذهبت إلى إمام الحي لدينا ، مثلا أخشى ألا أتوقف عن البكاء والصراخ ، بل قد أضربه نتيجة الغضب واليأس ، أشعر كأن الله تعالى لا ينظر إليَّ مطلقاً ، ولا يلتفت لي ، في حين أنِّي بصدقٍ لا أجد أي مثال أو واقعة تدل أني ارتكبت ما يستحق هذا التخلي الدائم منه عنِّي وعدم المبالاة بي دائماً وأبداً ، إن مستوى معرفتي بالإسلام عالية ، ولا أذكر أني كذبت يوماً أو غششتُ أحداً ، أو حرَّمتُ أحداً من شيء ؟ على العموم نفسي حاليّاً مملوءة بالأفكار المحرَّمة ، فلا أخشع في الصلاة ، وغير قادر على تجميع قواي لسؤال الله بالدعاء ، وأقول : ” ما الفائدة ؟ إنه لن يبالي وسيلقي هذا الدعاء بعيداً كما يلقي أحدنا الصرصور القذر بعيداً ” أو ” لعله مشغول جدّاً في إعطاء فلان وفلان كل ما يريدونه فليس لديه وقت كي يكترث بي ” ، ومن أفكاري ” أنه سرق الخير الذي كان في قدري أنا وأعطاه إلى فلان وفلان … رغم أني عبدته أكثر وفعلت الكثير في سبيله وبعد كل هذا هل هذا ما يفعله معي ؟ ولم أطلب منه الكثير ، أشعر أن الله تعالى ينظر إليَّ ويضحك ويسخر من تعاستي ، وأشعر أنه من الصعب على نفسي أن أظل شاكراً له ، أرى أني كلما أكلتُ فربما أنه يطعمني كي يشاهدني أتعذب أكثر ” ، والذي يتعبني أكثر أني لست طماعاً ، بل أطلب أبسط الأشياء التي تضمن عدم الضلال عن صراط الله ! فقط رغبت أن يكون الله لي كصديق ، بل إني لم أرغب في التزوج حتى أظل سعيداً بعلاقتي مع ربي ! فإذا كان هو راضياً عنِّي فإن أشعر أني ملكت كل شيء ، والآن أشعر أن كل هذا البذل ضاع وتبخر ، أعيش في خوف مستمر ، ربما كل شيء ألمسه يتحول إلى تراب ! في كل خطوة أنتظر حدوث الفشل والخطأ ، لم تعد عندي أدنى ثقة ، أشعر كأني ميت ، يمشى ، ويتكلم ، ولا أستطيع التحدث مع أمي ، ولا أبي بهذا الشأن ، فهما غير متعاطفين تماماً ، بل ربما يضحكان في وجهي فبدلاً من وقوعي في سبِّهما أفضِّل عدم نقاش هذه المشاكل معهما ، لا أشتكي إلا إلى الله تعالى ، لكنه تجاهلني ، إذن ليس عندي شيء الآن ، لقد ضعت في العقيدة ، ولا أعرف كيف سأكون مسلماً بهذا الشكل فيما بعد ، أنا ضعت ! .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

واضح أنه قد بلغ بك اليأس مبلغاً عظيماً ، حتى جعلتَ للشيطان متسعاً من المكان في قلبك وعقلك ليوسوس لك ، وليؤزك على الشر أزّاً ، ومن عظيم كيد الشيطان بك أن جعلك لا تقدِّر ربك تعالى حق قدره بما تفوهت به من عبارات غير لائقة ، ولا نجرؤ حتى على إعادة تذكيرك بها ؛ لما تحويه من ألفاظ قاسية ساقطة ، وقد استثمر الشيطان جهلك بشرع الله تعالى ، وبحكَم تشريعه سبحانه وتعالى ، فراح يوهمك بما لو كنتَ على علم بالشرع لما استطاع أن يجد له طريقاً إلى عقلك ، وإلى قلبك .

ثانياً:

ومما تجهله في شرع الله تعالى : أن الاستجابة للدعاء لها أحوال ثلاثة : إما أن يعجِّل الله لك طلبك بعينه ، أو يصرف عنك من السوء بقدر ما دعوته ، أو يؤخر ذلك لك أجوراً في الآخرة تراها أمامك عند لقائه ، وأنت ظننت أن الاستجابة هي تحقيق طلبك فقط ، فرحت تقول مثل ما جاء في سؤالك .

ثالثاً:

وأنت لم تعلم : أن استجابة الله تعالى للدعاء إنما تكون إذا حقَّق الداعي شروطاً ، وانتفى عنده موانع تمنع من استجابة الدعاء ، وأنت ظننت أنه كل من دعا : فإنه يستجاب له ! ولم تنظر لتحقق شروط ، ولا انتفاء موانع ، ويكفي أن تعلم أنه من موانع الاستجابة : الاستعجال ! ومثل هذا المستعجل يترك الدعاء ، وكأنه يمنُّ به على ربه ، أو يعتقد أن الله تعالى يعجزه ما طلبه في دعائه ، أو يظن في نفسه أنه قد حقق شروط الاستجابة ، وانتفت عنده موانعه ، وكل ذلك لا يكون ممن علم أحكام الدعاء ، وآدابه ، وشروطه ، وموانعه ، ولو كنتَ تعرف قدر عبادة ” الدعاء ” لخشيت على نفسك من أن تُحرمها ! ولما قدَّمت الاستجابة عليها .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ). رواه البخاري ( 5981 ) ومسلم ( 2735 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

يَترك الدعاء ، فيكون كالمانِّ بدعائه ، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة ، فيصير كالمبخل للرب الكريم ، الذي لا تعجزه الإجابة ، ولا ينقصه العطاء ، وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وما لم يستعجل قيل وما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ) ومعنى قوله ( يستحسر ) – وهو بمهملات – : ينقطع .

وفي هذا الحديث : أدب من آداب الدعاء ، وهو أنه يلازم الطلب ، ولا ييأس من الإجابة ؛ لما في ذلك من الانقياد ، والاستسلام ، وإظهار الافتقار ، حتى قال بعض السلف : ” لأنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أُحرم الإجابة ” .

” فتح الباري ” ( 11 / 141 ) .

وقال ابن بطال – رحمه الله – :

وقال بعضهم : إنما يعجل العبد إذا كان غرضه من الدعاء : نيل ما سأل ، وإذا لم ينل ما يريد : ثقل عليه الدعاء ، ويجب أن يكون غرض العبد من الدعاء هو : الدعاء لله ، والسؤال منه ، والافتقار إليه أبداً ، ولا يفارق سمة العبودية ، وعلامة الرق ، والانقياد للأمر ، والنهي . ” شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 100 ) .

– وانظر في أجوبتنا الأخرى لمعرفة  شروط الدعاء المستجاب وموانع استجابته.

رابعاً:

ومن حقق شروط الدعاء ، وانتفت عنده موانعه ، والتزم آدابه ، وتحرى أوقات الإجابة ، وكان حاضر القلب ، معظِّماً للرب تعالى : فإنه قلَّ أن يُحرم مثل هذا تحقيق مطلوبه في دعائه ربه عز وجل .

قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله –  :

وإذا اجتمع مع الدعاء : حضور القلب ، وجمعيته بكليته على المطلوب ، وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة – وهي الثلث الأخير من الليل ، وعند الأذان ، وبين الأذان والإقامة ، وأدبار الصلوات المكتوبات ، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة ، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم ، وصادف خشوعاً في القلب ، وانكساراً بين يدي الرب وذلاًّ له ، وتضرعاً ، ورقَّةً ، واستقبل الداعي القبلة ، وكان على طهارة ، ورفع يديه إلى الله تعالى ، وبدأ بحمد الله والثناء عليه ، ثم ثنَّى بالصلاة على محمد عبده ، ثم قدَّم بين يدي حاجته التوبة ، والاستغفار ، ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة ، وتملقه ، ودعاه ، رغبة ورهبة ، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته ، وتوحيده ، وقدَّم بين يدي دعائه صدقة ؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً .

ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة ، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم . ” الجواب الكافي ” ( ص 5 ) .

خامساً:

وإننا لنعلم أن المسلم لو كان على بيِّنة من أمر دينه : لعلم أن الحكمة فيما يقدِّره له ربه تعالى ، فالمسلم – مثلاً – ليس له إلا الدعاء ، وأما الإجابة فهي من الله ، وله الحكمة البالغة في تحديد وقتها ، ومكانها ، وله الحكمة في تحديد نوع الإجابة اللائق بحال السائل .

وانتبه لما يأتي من الجواب على سائل يشبه حاله حالك :

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

عندما لا يتحقق لي أي شيء أغضب ! وأقول أقوالاً في حق نفسي ، وفي حق الله ! مثلاً : أقول : لماذا يا رب لا تستجيب لي الدعاء ؟! وأقوال أخرى .

أرجو توجيهي حول هذا, وإذا شعر الإنسان أن دعاءه لم يستجب فماذا عليه؟.

فأجاب :

عليك أيها السائل , وعلى كل مسلم ومسلمة , إذا تأخرت الإجابة أن ترجع إلى نفسك , وأن تحاسبها , فإن الله حكيم عليم , قد يؤخر الإجابة لحكمةٍ بالغةٍ ؛ ليكثر دعاء العبد لخالقه , وانكساره إليه , وذلِّه لعظمته , وإلحاحه في طلب حاجته , وكثرة تضرعه إليه , وخشوعه بين يديه , ليحصل له بهذا من الخير العظيم , والفوائد الكثيرة , وصلاح القلب , والإقبال على ربه , ما هو أعظم من حاجته , وأنفع له منها

وقد يؤجلها سبحانه وتعالى لأسباب أخرى , منها ما أنت متلبس به من المعاصي كأكل الحرام وعقوق الوالدين , وغير ذلك من أنواع المعاصي .

فيجب على الداعي أن يحاسب نفسه , وأن يبادر إلى التوبة رجاء أن يتقبل الله توبته , ويجيب دعوته .

وقد يؤجلها لحكَم أخرى ، هو أعلم بها سبحانه , كما في الحديث الصحيح : ( ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تعجَّل له دعوته في الدنيا , وإما أن تُدخَّر له في الآخرة , وإما أن يُصرف عنه من الشر مثل ذلك ) ، قالوا : يا رسول الله إذاً نُكثر ؟ قال : ( الله أكثر ) .

فإذا تأجلتْ الحاجة : فلا تَلُم ربَّك , ولا تقل : لماذا … لماذا يا رب , بل عليك أن ترجع إلى نفسك , وتحاسبها ؛ فإن ربك حكيم عليم .

فارجع إلى نفسك ، وانظر ، فلعلَّ عندك شيئاً من الذنوب ، والمعاصي , كانت هي السبب في تأخير الإجابة , ولعلَّ هناك أمراً آخر , تأخرت الإجابة من أجله , يكون خيراً لك ، فلا يجوز أن تتهم ربك بما لا يليق به سبحانه , ولكن عليك أن تتهم نفسك , وتنظر في أعمالك ، وسيرتك , حتى تصلح من شأنك , وحتى تستقيم على أمر ربك ، فتنتهي عن نواهيه, وتقف عند حدوده .

وينبغي أن يُعلم أنه سبحانه قد يؤخر الإجابة لمدة طويلة , كما أخر إجابة يعقوب في رد ابنه يوسف إليه , وهو نبي كريم عليه الصلاة والسلام , وكما أخَّر شفاء نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام .

وقد يعطي الله السائل خيراً مما سأل , وقد يَصرف عنه من الشر أفضل مما سأل , كما جاء في الحديث السابق الذي ذكرنا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تعجل له دعوته في الدنيا , وإما أن تدخر له في الآخرة, وإما أن يصرف عنه في الشر مثل ذلك ) . قالوا : يا رسول الله , إذاً نكثر؟! قال : ( الله أكثر ) .

فبين في هذا الحديث عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه قد يؤخر الإجابة إلى الآخرة , وقد يعجلها في الدنيا لحكمة بالغة ؛ لأن ذلك أصلح لعبده , وأنفع له , وقد يصرف عنه شرّاً عظيماً , خيراً له من إجابة دعوته .

فعليك بحسن الظن بالله , وأن تستمر في الدعاء ، وتلح في ذلك ؛ فإن في الدعاء خيراً كثيراً لك , وعليك أن تتهم نفسك , وأن تنظر في حالك , وأن تستقيم على طاعة ربك , وأن تعلم أن ربك حكيم عليم , قد يؤجل الإجابة لحكمة , وقد يعجلها لحكمة , وقد يعطيك بدلاً من دعوتك خيراً منها ؛ لما ذكرنا آنفاً ؛ ولما في الحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل , فيقول : دعوت ، ودعوت ، فلم أره يستجاب لي , فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ) .

فلا ينبغي لك أن تستحسر , ولا ينبغي لك أن تدع الدعاء , بل الزم الدعاء ، واستكثر من الدعاء , وألح على ربك , وحاسب نفسك , واحذر أسباب المنع من المعاصي والسيئات . ويشرع لك أن تتحرى أوقات الإجابة : كآخر الليل , وبين الأذان والإقامة , وفي آخر الصلاة قبل السلام , وفي السجود وعند جلوس الخطيب على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة , وبعد صلاة العصر يوم الجمعة إلى غروب الشمس في حق من جلس متطهراً ينتظر صلاة المغرب , كل هذه من أوقات الإجابة , وعليك بإحضار قلبك عند الدعاء وإحسان الظن بالله ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي , وأنا معه إذا دعاني ) خرجه مسلم في صحيحه ، والله ولي التوفيق . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 303 – 305 ) .

وهذا جواب علمي ، نافع لمن تدبره ، وفيه الجواب عن كل المسائل الواردة في السؤال .

فاتق الله في نفسك ، وكفَّ لسانك عن التفوه بما لا يليق في حق الله تعالى ، واحفظ قلبك وعقلك من أن يلج منهما الشيطان ليوهن قواك ، ويفسد عليك دينك ، واصطلح مع الله تعالى ربك الآن ، فتب ، واستغفر ، وأكثر من العمل الصالح ، وداوم على عبادة الدعاء ، واحذر من اليأس والقنوط ، واعلم أنك إن حُرمت الدعاء كان ذلك أشد وآلم من أن تُحرم تحقيق مقصودك ، ورؤية مطلوبك ، وما سبق ذِكره ، والإحالة عليه : كافٍ إن تأملته ، ووقفت معه وقفة تأنٍّ .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة