الرئيسية بلوق الصفحة 64

التوفيق بين حديث ( لن تُغزى مكة بعد هذا العام ) وغزو القرامطة لها وقتل الحجاج فيها

التوفيق بين حديث ( لن تُغزى مكة بعد هذا العام ) وغزو القرامطة لها وقتل الحجاج فيها

السؤال:

لي سؤال مرتبط بالحديث التالي من كتاب صحيح الجامع الصغير: ( لَنْ تُغزى مكةُ بعد هذا العام أبدًا)، فيكف يكون فهمنا للحديث وهناك حوادث، مثل: غزو مكة على يد أبي طاهر من القرامطة، والعراك الذي دار بين الحَجَّاج وعبد الله بن

الزبير؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث الذي سأل عنه السائل:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( لاَ تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا).

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 24 / 133 )، وحسَّنه المحققون.

وللحديث شاهد عند الترمذي ( 1611 ) عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ : ( لاَ تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وأما معنى الحديث فهو محمول على معنيين:

الأول: أن أهل مكة لا يَكفرون أبدًا, ولا يُغزون على الكفر؛ وهكذا فسَّره سفيان ابن عيينة، كما نقله عنه الطحاوي في ” شرح مشكل الآثار ” ( 4 / 162 ).

ويشهد لذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا تَنْتَهِي الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ ).

رواه النسائي ( 2878 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

والثاني: أنه إخبارٌ بمعنى النهي، أي: لا يجوز لمسلم، أو لجيش أن يتعرض لحرمتها.

ويشهد لهذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ – أَوِ: الْفِيلَ – وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ).

رواه البخاري ( 112 ) ومسلم ( 1355 ).

 

 

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وَمُحَصِّله أَنَّهُ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي، بِخِلَافِ قَوْله ( فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ) فَإِنَّهُ خَبَر مَحْض، أَوْ مَعْنَى قَوْله ” وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ” أَيْ: لَا يُحِلّهَا اللَّه بَعْدِي، لِأَنَّ النَّسْخ يَنْقَطِع بَعْده؛ لِكَوْنِهِ خَاتَم النَّبِيِّينَ. ” فتح الباري ” ( 4 / 46 ).

وعلى كلا الوجهين لا يرِد ما فعله الجنابي القرمطي، ولا الحجَّاج الظالم، بالكعبة، وأهلها، فهم لم يغزوا مكة لأجل كفر أهلها، بل الأول هو الكافر كفرًا أشد من كفر أهل الكتاب، والثاني لم يرد إلا إخضاع عبد الله بن الزبير لطاعة الخليفة المسلم.

ثانيًا:

وأما الجواب عن فعل ” أبي طاهر الجنابي ” في مكة، وأهلها، لما استباح الحرم، وقتل ألوف الحجاج، ولماذا لم يخسف به؟  فقد أجاب ابن كثير عن ذلك فقال:

وقد سأل بعضهم ههنا سؤالًا فقال: قد أحلَّ الله سبحانه بأصحاب الفيل, وكانوا نصارى ما ذكره في كتابه, ولم يفعلوا بمكة شيئًا مما فعله هؤلاء, ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود، والنصارى، والمجوس؛ بل ومن عبَدة الأصنام0, وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد؛ فهلا عوجلوا بالعذاب، والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟ وقد أجيب عن ذلك: بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت, ولِما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها, وإرسال الرسول منها: أهلكهم سريعًا عاجلًا, ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه: لأنكرت القلوب فضله, وأما هؤلاء القرامطة: فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع, وتمهيد القواعد, والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة، والكعبة, وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغًا عظيمًا, وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبيَّن من كتاب الله وسنَّة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معالجتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار, والله سبحانه يمهل، ويُملي، ويستدرج، ثم يأخذ أخذ عزيزٍ مقتدرٍ.

” البداية والنهاية ” ( 11 / 162 ).

 

والله أعلم.

 

 

حكم المكرَهة على الزنى، ومتى يعد فعلها إكراها؟

حكم المكرَهة على الزنى، ومتى يعد فعلها إكراها؟

السؤال:

أتساءل كيف لامرأة تولَد مسلمة أن تُجبر على عمل كداعرة، فهناك حالات كثيرة في ” إندونيسيا ” أجبرت الفتيات صغيرات السن اللاتي بلا مأوى على العمل كداعرات، فهل سيكون مصير فتاة كهذه أن تدخل النار؟ فإن ترفض الفتاة هذا العمل يكون مصيرها القتل، فهل يقع إثمها عليها، أم يقع على والدها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذا مما يؤلم القلب، بل ويدميه، والعجب أن قوى الشر، والكفر لم تتسلط إلا على أبناء المسلمين وبناتهم لاستعمالهم في تجارة الدعارة، ولما رأى بعض المنسلخين من أخلاق الإسلام وفضائله ربح هذه التجارة: راحوا يفعلون فعلهم، وأيضاً تسلطوا مثلهم على أبناء المسلمين، وبناتهم، فالله المستعان، ونسأله تعالى أن يخلص أولئك من براثن أهل الشر، والسوء.

ثانيًا:

وأول ما تقع المسئولية عليه هو الحاكم لتلك البلاد، وأهل الحل والعقد فيه، ممن يعلمون هذا الأمر، ويسكتون عنه، فضلًا عن وجود بعض أهل الفساد ممن يشارك في هذه التجارة، فضلًا عمن يشرِّع لإباحتها، ويحمي تجارها، فكل هؤلاء تقع عليهم مسئولية ذلك الحدث المؤلم، وعليه إثم كل فجور يقع عليهم، ومنهم فيما بعد لو صار برضاهم.

والمسئولية تقع أيضًا على والديهم ممن رضي لأولاده بالعمل في هذا المجال، أو فرَّط في تربية أولاده حتى وصل بهم الحال إلى صاروا زبائن عند المرضى من الشاذين، وأهل الفجور.

ومن أعظم أسباب ضياع الأولاد: تقصير الوالدين في حق الأبناء بتضييعهم, وعدم القيام بواجب المسؤولية اتجاههم.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فمَن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم, وترك تعليمهم فرائض الدين، وسننه؛ فأضاعوهم صغارًا. ” تحفة المودود ”  ( ص 229 ).

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم مسئولية أولئك جميعًا في سياق واحد في هذا الحديث:

عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ). رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

ثالثًا:

ومن قواعد الشريعة المتفق عليها بين أهل العلم: التجاوز عن المكرَه إكراهًا ملجئًا، لا يستطيع التخلص منه ، بسبب ضعفه، وقلة حيلته، وبسبب جبروت المكرِه وطغيانه، حتى لو كان الإكراه في الكفر، فن الله تعالى قد تجاوز عنه، ولا يكون المكرَه آثمًا بحال، كما قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) رواه ابن ماجه ( 2045 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وقد نصَّ الله تعالى على حرمة الإكراه على ” البغاء “، وتوعَّد من أكره النساء عليه، وأخبر عن غفرانه للذنب الذي يصدر من المكرَه من النساء، بل وللمكرِه إن هو تاب، وأناب.

قال تعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) النور/ من الآية 33.

وسبب نزول هذه الآية: هو ما كان يفعله ” عبد الله بن أبيّ بن سلول ” -زعيم المنافقين – من إكراه إماءٍ عنده على الزنى.

عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا ” مُسَيْكَةُ ” ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا ” أُمَيْمَةُ ” فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى ، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) إِلَى قَوْلِهِ ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

رواه مسلم ( 3029 ).

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

قال تعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ ) أي: إماءكم، ( عَلَى الْبِغَاءِ ) أي: أن تكون زانية، ( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) لأنه لا يُتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنًا: فإنها تكون بغيًّا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهي لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يُجبر أمَته على البغاء؛ ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: ( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرًا منكم، وأعفَّ عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك؛ لأجل عرَض الحياة ، متاع قليل، يعرض، ثم يزول.

فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة – بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها-: أفضل من كسبكم العرَض القليل ، الذي يكسبكم الرذالة، والخسَّة.

ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: ( وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك: غَفر الله ذنوبه، ورحمه، كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمَته بعدم إكراهها على ما يضرها.  ” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).

* وقال الطبري – رحمه الله -:

( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ ) يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك، لهنَّ ( غَفُورٌ رَحِيمٌ )، ووزر ما كان من ذلك عليهم، دونهن.

” تفسير الطبري ” ( 19 / 174 ).

والأقرب في معنى الآية حملها على الطرفين، فهو تعالى غفور رحيم للمكرَهات على الزنى، وهو غفور رحيم لمن تاب ممن أكرههنَّ على فعل الفاحشة.

رابعًا:

وقد فصَّل العلماء في حد الإكراه الذي يُعذر فيه الإنسان.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وهو نوعان: أحدهما: من لا اختيار له, ولا قدرة له على الامتناع، كمن حُمل كرها, وأُدخل إلى مكان حلَف على الامتناع من دخوله، أو حُمل كرهًا، وضُرب به غيره حتى مات ذلك الغير, ولا قدرة له على الامتناع، أو أضجعت، ثم زني بها، من غير قدرة لها على الامتناع، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق.

” جامع العلوم والحكم ” ( ص 376 ).

فإن كان هذا الإكراه يصل إلى حدِّ القتل – كما جاء في السؤال -: فلا إثم عليها، ولا حد.

وإن كان الإكراه يصل لحدِّ المنع من الطعام والشراب، حتى يُخاف عليها من الهلاك: كان هذا عذرًا أيضًا، وكنَّ من المُكرَهات.

عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِامْرَأَةٍ جَهَدَهَا الْعَطَشُ، فَمَرَّتْ عَلَى رَاعٍ، فَاسْتَسْقَتْ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إِلاَّ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، فَشَاوَرَ النَّاسَ فِي رَجْمِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ مُضْطَرَّةٌ، أَرَى أَنْ تُخَلِّىَ سَبِيلَهَا، فَفَعَلَ. رواه البيهقي في ” سننه ” ( 8 / 236 )، وقوَّى إسنادَه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 /  341 ).

 

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والعمل على هذا، لو اضطرت المرأة إلى طعام، أو شراب، عند رجل، فمنعها إلا بنفسها، وخافت الهلاك، فمكَّنته من نفسها: فلا حدَّ عليها.

فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحال أن تمكِّن من نفسها، أم يجب عليها أن تصبر، ولو ماتت؟.

قيل: هذه حكمها حكم المكرَهة على الزنا، التي يقال لها: إن مكنتِ من نفسك وإلا قتلتُك، والمكرهة لا حدَّ عليها, ولها أن تفتدي من القتل بذلك, ولو صبرت: لكان أفضل لها, ولا يجب عليها أن تمكن من نفسها، كما لا يجب على المكره على الكفر أن يتلفظ به , وإن صبر حتى قُتل: لم يكن آثما، فالمكرهة على الفاحشة أولى.

” الطرق الحُكمية ( ص 80 ).

 

والله سبحانه وتعالى نسأله أن يحفظ أعراض المسلمين، وأن يردهم إليه ردًّا جميلًا.

 

والله أعلم.

 

هل ثمة خروج من الجنة والنار لأهلهما؟ وحال أعمال من تسمى “الأم تريزا” في الآخرة

هل ثمة خروج من الجنة والنار لأهلهما؟ وحال أعمال من تسمى “الأم تريزا” في الآخرة

السؤال:

قرأنا في جواب على الموقع أن أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها, بينما قرأت في ” صحيح البخاري ” ( كتاب 2، 12, 72 ) أن بعض أهل النار يمنُّ الله عليهم ويدخلهم الجنة لما في قلبهم من الإيمان به, فأيهما أصح؟ وإذا كان كلاهما صحيحاً فكيف الجمع بينهما؟.

وعلى هذا: فهل تدل الآيات  الواردة في سورة ” هود ” على أنه يمكث بعض الذين قاموا بأعمال حسنة فترة مماثلة في الجنة ولكن في النهاية يدخلون النار؟.

وإن لم يكن كذلك: فكيف يكافأ هؤلاء الكفار الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية  ثم ماتوا في بلاد الكفر, مثل ” الأم تريزا “؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخ السائل متابعته لما ننشره من إجابات في موقعنا، ونشكر له إعمال نظره فيها، وما سأل عنه مما ظاهره التعارض يدل على حبِّه للفائدة، وسعيه للانتفاع بما يقرأ.

ثانيًا:

ونقول للأخ السائل: إنه لا معارضة البتة بين ما ذكرناه في إجابتنا، وما تذكره من أحاديث، وبيان ذلك: أن أهل النَّار قسمان:

القسم الأول: موحِّدون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأدخلهم الله تعالى النار بذنوبهم، وشاء لهم أن يعذَّبوا فيها.

وهذا القسم عذابهم في النار إلى أمد، والله تعالى هو الذي يقدِّر ذلك الأمد، ثم يخرجهم من النار، ويكتب لهم الخلود في الجنَّة بعدها.

وهذا القسم هم المقصودون في الأحاديث التي ذكرتها، والتي فيها بيان خروج من في النار لما عندهم من توحيد، وهم أصحاب النار من المسلمين.

القسم الثاني: كفار، ومنافقون، ليس عندهم توحيد، وقد ماتوا على الكفر والشرك والإلحاد والنفاق.

وهذا القسم عذابهم إلى الأبد، وقد توعدهم ربهم بالخلود في النار إن هم لم يأتوا بما أمرهم الله تعالى به من توحيد، فاختاروا لأنفسهم الكفر واختاروا الخلود الدائم في النار.

وهذا القسم هم المقصودون في آيات سورة هود التي ذكرناها في الجواب الذي ذكرته في أول سؤالك.

ثالثًا:

وبما ذكرناه سابقاً تعلم أن دخول النار ليس لطائفة واحدة، بل لطائفتين، تخرج واحدة منها، وهم الموحدون الذي فعلوا من المعاصي ما استحقوا به النار، ولا تخرج الأخرى، وهم الذين جاءوا بالكفر وماتوا عليه.

وأما الجنَّة: فلا تدخلها إلا طائفة واحدة، وهم الموحدون، وهي لا خروج فيها لأحد، بل من دخلها من أهلها فلا يخرج منها البتة.

وبه تستطيع فهم ما جاء في كتاب الله تعالى من الحكم بعدم الخروج من النار، وأن المقصود به الكفار المخلدون في جهنم، كما في قوله تعالى ( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِين مِنَ النَّارِ ) البقرة / 167، وكما في قوله تعالى ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) المائدة/ 37.

وأما أهل الجنة: فقد حكم الله تعالى بعدم خروجهم منها، كما في قوله تعالى ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحجر/ 48.

رابعًا:

وإذا تبيَّن لك ما ذكرناه سابقًا من أن الكافر لا يخرج من النار أبد الآبدين: فاعلم أنه إن جاء بما يستحق عليه الثواب فإنه يُجازى به في الدنيا لا في الآخرة، فالكفر الذي جاء به مانع من قبول عمله لينتفع به في الآخرة؛ لأن من شروط قبول العمل الإسلام.

* قال الطبري – رحمه الله -:

مَن عمل عملا صالحًا في غير تقوى – يعني: من أهل الشرك – أُعطي على ذلك أجرًا في الدنيا: يصل رحمًا، يعطي سائلا يرحم مضطرًّا، في نحو هذا من أعمال البرّ، يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويُوسِّع عليه في المعيشة والرزق، ويقرُّ عينه فيما خَوَّله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا، في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب

” تفسير الطبري ” ( 15 / 265 ).

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ: ( لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ). رواه مسلم ( 214 ).

 

 

 

* قال النووي – رحمه الله -:

معنى هذا الحديث: أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة؛ لكونه كافرًا، وهو معنى قوله صلى الله عليه و سلم ( لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به: كافر، ولا ينفعه عمل . ” شرح مسلم ” ( 3 / 87 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال القاضي عياض: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض.

” الفتح ” ( 9 / 48 ).

واعلم أن الله تعالى لا يضيع عليهم أجور أعمالهم النافعة للناس، لكنَّ ثوابها يكون في دنياهم لا في أخراهم، وأما المؤمن فإن ثواب أعماله الخيِّرة يكون في الدنيا والآخرة.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ ) .  رواه مسلم ( 2808 ).

* وفي رواية أخرى:

( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا ).

واعلم أن هذا الجزاء في الدنيا ليس مقطوعًا به، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، قال عزَّ وجل ( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/ 18.

* قال الشنقيطي – رحمه الله -:

واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك: كله مقيد بمشيئة الله تعالى، كما نص على ذلك بقوله: ( مَن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/18 الآية.

فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث، وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا.

” أضواء البيان ” ( 3 / 450 ).

وما ذكرناه عن إثابة الله تعالى لمن شاء من الكفار لا ينطبق على ” تريزا ” – واسمها الأصلي آغنيس غونكزا بوجاكسيو، وأصلها من ” مقدونيا “، وقد توفيت سنة 1997 م – وذلك أنها كانت ” راهبة منصِّرة ” تستثمر عملها في إعانة الفقراء والمشردين والمرضى في تنصيرهم وإدخالهم في دينها، ومثل هذه لا يسمًّى عملها ” حسنة “، وما تطعمه في الدنيا فليس هو جزاء أعمالها، بل هو ما تكفل الله به وسيعاقب عليه من كان به كافراً كما قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة/ 126.

* فتحصل أن أعمال الكفار في الدنيا على قسمين:

الأول: ما كان من أعمال الدنيا من أعمال البِرّ، ولا يشترط فيه نية التقرب، كصلة الرحم وإكرام الضيف وما يشبهه، فهذا هو المقصود في الحديث والذي من أجله يثاب الكافر عليه في الدنيا إن شاء الله له المثوبة.

* قال النووي – رحمه الله -:

وصرَّح في هذا الحديث بأن يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات أي: بما فعله متقربًا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية، كصلة الرحم، والصدقة، والعتق، والضيافة، وتسهيل الخيرات، ونحوها.

” شرح مسلم ” ( 17 / 150 ).

الثاني: من كان من أعمال الدنيا، ويَقصد به صاحبه نشر دينه، وفتنة المسلمين عن دينهم، فهذا ليس داخلاً في الحديث، بل صاحبه متوعد عليه أشد الوعيد؛ لأنه يصد بها عن دين الله، ويستغل حاجات الناس وفقرهم ومرضهم لذلك الغرض الخبيث، ومنه ما تفعله ” تريزا ” وغيرها من مثيلاتها.

وأما كان من أعمال الدين وتشترط فيه نية التقرب، كالحج والعمرة والدعاء، فهذا لا يؤجر عليه الكافر في الدنيا ولا في الآخرة؛ لكونه باطلًا، لتخلف شروط قبوله وهي: الإسلام والإخلاص والمتابعة، ثم إن الكفر يحبط الأعمال فلا يستفيد منها صاحبها يوم القيامة شيئًا.

 

والله أعلم.

 

 

هل يلزمه رد مصاريف السكن للشركة بعد أن بذلت له هدية من المتعامَل معه؟

هل يلزمه رد مصاريف السكن للشركة بعد أن بذلت له هدية من المتعامَل معه؟

السؤال:

أنا شاب مسلم، ذهبت في سفرة عمل إلى بلد بعيد, قد قدّمت لي الشركة مصاريف الإقامة في نُزُل، لكن عند وصولي إلى النزل: علمت أن السيد الذي تربطنا معه شراكة – وهو حريفٌ لنا في هذه البلدة – قد تكفل بمصاريف الإقامة في النزل، وقد أكد أن هذه هدية منه لي, حيث أنه يسكن هذا البلد، وأزوره للمرة الأولى، هل يجب عليّ إرجاع مصاريف الإقامة للشركة، مع العلم أن الهدية كانت لي، وليست للشركة?.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جاء في الحديث عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِي رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِي، قَالَ: ( فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ – ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ – اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاَثًا ).

رواه البخاري ( 1429 ) ومسلم ( 1832 ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

تملكه ما أهدي له إنما كان لعلة كونه عاملًا، فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها، فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يُهد له شيء، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية؛ فإن ذاك إنما يكون حيث يتمحض الحق له. ” فتح الباري ”  ( 12 / 349 ).

وعلى ذلك فالفارق بين الهدية المحرمة، والهدية الجائزة: أن ما كان لأجل عمل الإنسان ووظيفته: فهو محرم عليه، وواجب ردُّه وعدم قبوله من المُهدي، أو جعله لصاحب العمل ليتصرف به.

وضابطه: أن ينظر الإنسان في حاله، لو لم يكن في هذا العمل، هل كان سيُهدى إليه؟ وهذا ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( فَهَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا ).

 

 

ثانيًا:

إن هذه الإكرامية، وتلك الهدية، تدعو العامل إلى محاباة الدافع، حتى قد يعطيه ما ليس من حقه، أو يتهاون معه فيما فيه نفع للشركة التي يعمل بها، وكل ذلك يعود بالضرر على صاحب العمل.

ومن القواعد المقررة: أن ” هدايا العمال غلول “, و ” ما أخذه الإنسان بحكم وظيفته: لا يحل له “.

* قال النووي – رحمه الله – في شرح الحديث المتقدم -:

وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام، وغلول؛ لأنه خان في ولايته، وأمانته, ولهذا ذكر في الحديث في عقوبته, وحمله ما أهدى إليه يوم القيامة كما ذكر مثله في الغال, وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة.

” شرح مسلم ” ( 12 / 219 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” هدايا العمال من الغلول “، يعني: إذا كان الإنسان في وظيفة حكومية، وأهدى إليه أحدٌ ممن له صلة بهذه المعاملة: فإنه من الغلول، ولا يحل له أن يأخذ من هذا شيئًا، ولو بطيب نفس منه.

مثال ذلك: لنفرض أن لك معاملة في دائرة ما، وأَهديتَ لمدير هذه الدائرة، أو لموظفيها، هدية: فإنه يحرم عليهم قبولها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن اللُّتْبيَّة على الصدقة فلما رجع قال: ” هذا أهدي إلي وهذا لكم “، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وقال: ( مَا بَالُ الرَّجُل مِنْكُم نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى العَمَلِ فَيَأْتِي وَيَقُول: هَذَا لَكُم، وَهَذا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَهَلاَّ جَلَسَ في بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُر أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ).

فلا يحل لأحدٍ – موظف في دائرة من دوائر الحكومة – أن يقبل الهدية في معاملة تتعلق بهذه الدائرة، ولأننا لو فتحنا هذا الباب وقلنا: يجوز للموظف قبول هذه الهدية: لكنَّا قد فتحنا باب الرشوة الذي يرشي بها صاحب الحق من يلزمه الحق، والرشوة خطيرة جدًّا، وهي من كبائر الذنوب.

فالواجب على الموظفين إذا أُهدي لهم هدية فيما يتعلق بعملهم: أن يردوا هذه الهدية، ولا يحل لهم أن يقبلوها، سواء جاءتهم باسم هدية، أو باسم الصدقة، أو باسم الزكاة، ولا سيما إذا كانوا أغنياء؛ فإن الزكاة لا تحل لهم، كما هو معلوم.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 18 / 232 ).

فالواجب على الأخ السائل: أن يُرجع ما أخذه من المال مقابل السكن في تلك الدولة، ويضعه في الشركة.

والله سبحانه نسأله أن يوفقنا وإياكم لأكل الرزق الحلال, وأن يجنبنا الوقوع في الحرام.

 

والله أعلم.

 

حلف أن لا يدخل على ” الماسنجر ” فأمر أحد إخوانه أن يفتحه له فهل حنث في يمينه؟

حلف أن لا يدخل على ” الماسنجر ” فأمر أحد إخوانه أن يفتحه له فهل حنث في يمينه؟

السؤال:

يا شيخ، أنا حلفت أن لا أدخل موقعًا من مواقع الإنترنت، ولا الماسنجر، ولكني في بعض الأحيان أحتاج لهذا الموقع، ولهذا الماسنجر، فآمر أحد إخواني أن يدخل الموقع، ويفتحه لي حتى أتصفح فيه، هل يعتبر هذا الفعل جائزًا؟ وإذا لم يكن جائزًا هل عليَّ كفارة اليمين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل إذا حلف المسلم على أمر معيَّن أن ينظر فيه، فإن كان المحلوف عليه فعل طاعة، أو قربة: استُحب له البرُّ بيمينه، والإتيان بذلك الفعل، وإن كان المحلوف عليه فعل معصية، أو ترك واجب: فيجب عليه الحنث، وأن يكفر عن يمينه.

وننبه الأخ السائل إلى أنه إن كان قد حلف على عدم دخول ذلك الموقع، أو ” الماسنجر ” لما سبق أن تسبب دخوله عليهما أن وقع في معصية: فالواجب عليه الإبرار بهذا اليمين، والالتزام به، وإن كان قد ترك الدخول عليهما احتياطًا لدينه، أو خشية من ضياع وقته فيهما: فلا بأس بالحنث في يمينه إن رأى خيرًا في الدخول فيهما، لضرورة دعوة، أو صلة رحم، أو تعلم، ويترتب عليه كفارة يمين.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ).

رواه البخاري ( 6343 ) ومسلم ( 1652 ).

وأما بخصوص توكيلك لأخيك في فتح ذلك الموقع، والماسنجر: فينظر في ذلك إلى نيتك لمَّا حلفت، فإن قصدت عدم فتحهما بنفسك: فلا بأس بالتوكيل, ولا يعد نقضًا لليمين، وإن قصدت عدم الدخول فيهما: فلا يصح توكيلك، وسواء دخلت عليهما بنفسك، أو عن طريق غيرك: فهو حنث لليمين، وهذا هو الظاهر من يمينك، ولا نعتقد أنك قصدت عدم مباشرة فتحهما، بل قصدت عدم رؤيتهما، وعدم الانشغال بهما، وبما أن ذلك قد حصل: فقد ترتب عليك كفارة ليمينك التي حلفتها، ونعيد التذكير بأنك إن كنت حلفت على ذلك حفاظًا على دينك: أن تلتزم عدم الدخول عليهما، حتى لو كنت كفَّرت عن يمينك.

 

والله أعلم.

ما الحكمة في كون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة؟

ما الحكمة في كون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة؟

السؤال:

ما الحكمة من زيادة عدة المتوفي عنها زوجها عن عدة المطلقة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في أوامر الشرع: التعبد, ولا يعني هذا عدم وجود حكَم في تلك الأوامر أو النواهي، بل قد جعل الله تعالى في أحكام الشريعة حكَمًا، ومقاصد، منها ما نص عليها في نصوص وحيه, ومنها يستخرجه العلماء باجتهاداتهم واستنباطاتهم, ومنها ما استأثر الله بعلمه سبحانه وتعالى.

ثانيًا:

العدة: هي الزمان الذي تتربص فيه المرأة بعد الطلاق، أو الموت، أو فسخ النكاح، بعد الدخول، أو الوطء بشبهة.

فعدة المتوفى عنها زوجها: أربعة أشهر وعشر ليال، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) البقرة/ 234.

وعدة المطلقة إن كانت من ذوات الحيض: فثلاث حيضات، كما قال تعالى: ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ) البقرة/ 228.

وإن كانت صغيرة لا تحيض، أو كانت يائسة من المحيض: فعدتها ثلاثة أشهر, وإن كانت حاملًا: فبوضع الحمل، قال تعالى: ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) الطلاق/ 4.

ثالثًا:

وتشريع العدة للمطلقة الرجعية له حكَم كثيرة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

عدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوج فيها من الرجعة، ففيها حقٌّ للزوج, وحقٌّ لله, وحقٌّ للولد, وحقٌّ للناكح الثاني، فحقُّ الزوج: ليتمكن من الرجعة في العدة, وحق الله: لوجوب ملازمتها المنزل، كما نص عليه سبحانه, وهو منصوص أحمد، ومذهب أبي حنيفة، وحق الولد: لئلا يضيع نسبُه, ولا يدرى لأي الواطئين, وحقُّ المرأة: لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ترث وتورث, ويدل على أن العدة حق للزوج: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) الأحزاب/ من الآية 49، فقوله ( فَمَا لَكُم عَلَيْهنَّ منْ عدَّة ): دليل على أن العدة للرجل على المرأة, وأيضًا: فإنه سبحانه قال: (وَبُعُولَتُهنَّ أَحَقُّ برَدّهنَّ في ذلك ) البقرة/ من الآية 228، فجعل الزوج أحق بردها في العدة، وهذا حق له، فإذا كانت العدة ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر: طالت مدة التربص لينظر في أمره: هل يمسكها، أو يسرحها.

” زاد المعاد ” ( 5 / 666 ، 667 ).

رابعًا:

أما الحكَم التي شرعت من أجلها عدة المتوفى عنها زوجها، فمنها:

أ. التأكد من براءة الرحم من الحمل, فلا يجتمع ماء رجلين في رحم، فتختلط الأنساب، وتشتبه.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا: لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتُظر به هذه المدة: ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: ( إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ) فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه.

وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح.

وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لِمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيها الروح.

رواهما ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 636 ، 637 ).

* وقال الشوكاني – رحمه الله -:

ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار: أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلًا، ولا تتأخر عن هذا الأجل.

” فتح القدير ” ( 1 / 334 ).

وننبه هنا على أمور ثلاثة:

الأول:

أن التشريعات الربانية فيها الكرامة البالغة للمرأة مقارنة مع ما كانت عليه المرأة في الجاهلية، ومع ما عليه المرأة في التشريعات الأرضية، والديانات المحرَّفة، فقد كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها تمكث سنة كاملة في بيتها بشرِّ حال، لا تغتسل، ولا تمس طيباً، فتُؤتى بدابة – حمار، أو شاة، أو طائر – فتمسح بها جلدها، فلا يكاد تعيش هذه الدابة بعدما تتمسح بها مما تجد من شرِّ روائحها.

قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا – أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا – حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ). رواه مسلم ( 1488 ).

( شَرِّ أَحْلاَسِهَا ): جمع حِلس بكسر الحاء، والمراد: في شرِّ ثيابها.

ولا تزال المرأة في بعض الديانات الهندية تُحرق بعد وفاة زوجها! فيحرمونها من الحياة ، وبعضهن يحرمون عليها الزواج بعد وفاة زوجها، وأما المتحللون من الشرع، والأخلاق: فإن المرأة تتزوج بعد وفاة زوجها مباشرة، فتختلط الأنساب، ومثل هؤلاء – غالبًا – ما تفعل المرأة ذلك عندهم حتى في حياة زوجها! فجاء الإسلام بالتشريع المطهَّر، فجعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال، وإن كانت حاملًا فوضعت حملها: انتهت عدتها.

الثاني:

أنه لما كان احتمال الحمل هو من الحكَم الجليلة في إطالة مدة العدة للمتوفى عنها زوجها: كان وضعها للحمل قاطعًا لفترة العدة، حتى لو كان ذلك الوضع بعد لحظات من وفاة زوجها، ويدل على ذلك قوله تعالى ( وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ من الآية 4، ويدل عليه أيضًا حديث سبيعة الأسلمية حيث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح من شاءت، والحديث في الصحيحين.

والثالث:

أنه لما كانت العدة تلزم الزوجة حتى لو مات زوجها قبل الدخول بها، أو كانت صغيرة لا تحيض، أو كبيرة أيست من المحيض: كان لا بدَّ من وجود حكمة أخرى لمثل هؤلاء الزوجات، وهي:

ب. إظهار التأثر لفقد الزوج، بالامتناع عن الزينة, وعن التجمل مدة أربعة أشهر وعشر ليال؛ تعظيمًا لحق الزوج.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والمقصود: أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم؛ فإنها تجب قبل الدخول، بخلاف عدة الطلاق.

وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها، فقيل: هي لبراءة الرحم, وأورد على هذا القول وجوه كثيرة:

 منها: وجوبها قبل الدخول في الوفاة.

ومنها: أنها ثلاثة قروء، وبراءة الرحم يكفي فيها حيضة، كما في المستبرأة.

ومنها: وجوب ثلاثة أشهر في حق من يقطع ببراءة رحمها، لصغرها، أو كبرها.

ومن الناس من يقول: هو تعبد لا يعقل معناه، وهذا فاسد لوجهين:

أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة, وإن لم يعقلها كثير من الناس، أو أكثرهم.

الثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين، والولد، والناكح.

قال شيخنا- أي: شيخ الإسلام ابن تيمية -: والصواب أن يقال: أما عدة الوفاة: فهي حرَمٌ لانقضاء النكاح, ورعاية لحق الزوج, ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج، فجعلت العدة حريمًا لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن، فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول، ونكاح الثاني, ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عظُم حقُّه: حرُم نساؤه بعده, وبهذا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها: تضررت المتوفى عنها, وربما كان الثاني خيرًا لها من الأول, ولكن لو تأيمت على أولاد الأول: لكانت محمودة على ذلك، مستحبًّا لها, … وإذا كان المقتضي لتحريمها قائمًا: فلا أقل من مدة تتربصها, وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة؛ فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر, وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح فيحصل بهذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه وقضاء حق الزوج اذا لم يحتج إلى ذلك.

” زاد المعاد ”  ( 5 / 665 ، 666 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فأما المقام الأول: ففي شرع العدة عدة حكَم، منها: العلم ببراءة الرحم, وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب, وتفسد, وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.

ومنها: تعظيم خطر هذا العقد, ورفع قدره, وإظهار شرفه.

ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق إذ لعله أن يندم، ويفيء، فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة.

ومنها: قضاء حق الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل, ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.

ومنها: الاحتياط لحق الزوج, ومصلحة الزوجة, وحق الولد, والقيام بحق الله الذي أوجبه … فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها، وحكمها.” إعلام الموقعين ” ( 2 / 85 ).

 

 

 

خامسًا:

وأما بخصوص الحكمة في أن عدة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة: فيمكن أن يقال أولًا:

أنه ليس دومًا تكون عدة الزوجة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة، فقد تكون المطلقة ترضع ولدها فيتأخر نزول حيضها بسبب ذلك، وقد تطول عدتها إلى سنة! وليس هذا موجودًا في عدة المتوفى عنها زوجها، كما قد يرتفع حيضها بسبب غير معلوم فتكون عدتها سنة كاملة! وهذا أيضاً يدل على ما قلناه من كون الطلاق قد تزيد عن عدة الوفاة بضعفين أو ثلاثة أضعاف.

ويقال ثانيًا:

إن العلماء لم يتوقفوا عند كون عدة المتوفى عنها زوجها تعبدية، بل تلمسوا بعض الحِكَم في ذلك مع التسليم بأن حكمة التعبد هي الأصل في ذلك، ومما قالوه في الحكَم معقولة المعنى:

وإن كان هناك بعض التصورات الإنسانية التى يمكن أن تكون سببًا في طول عدة المتوفى عنها زوجها عن عدة المطلقة منها:

  1. أن المتوفى عنها زوجها تكون في حالة حزن، وأسى على فقد شريك حياتها، فناسب ذلك أن تكون عدتها أطول – عادةً ، وغالبًا – من عدة المطلقة الرجعية، والتي قد تكون في حال نزاع مع مطلقها، ويراد إرجاعها لزوجها دون تأخير كبير؛ حتى لا يدخل أحد بينهما ليفسد رجعتها له، ولذا مُنع الزوج من إخراجها من بيتها، ومُنعت هي أن تخرج، وأما المتوفى عنها زوجها: فإن فراق زوجها لها كان بوفاة، وهو ما يبعث على الحزن، وتحتاج معه الزوجة لفترة مناسبة لتنسى حزنها، وتنطلق في حياتها.

وأما إن كانت الزوجة مطلَّقة ثلاثًا: فقد شرعت لها العدة لمعرفة براءة رحمها، وليس ثمة حق للزوج يُراعى هنا، بل هو المطلِّق لها، فيبُحث عن أقصر مدة لتنكح زوجًا آخر يعفها، وينفق عليها، وعلى أولادها.

  1. أن هذه الفترة هي أقصى ما يمكن أن يظهر حمل الزوجة فيه من زوجها، ومعلوم أن وجود الزوج المطلق الذي ينسب ولده له، غير الحال الذي لا يكون فيه موجودًا، بل ميِّتًا، فهو أدعى لأن تتهم الزوجة بما يطعن في عرضها، لو أنه تبين حملها فيما بعد.
  2. وقد ثبت في الطب الحديث أن دخول ماء غير ماء زوجها على رحم المرأة قبل هذه المدة – ما لم ينظف الرحم بولادة – يؤثر على المرأة بإصابتها بأدواء، وقد وجدت هذه الأدواء – والعياذ بالله – عند النساء الزانيات اللاتي يمكنَّ الرجال منهن باستمرار.
  3. وحتى لا تجرح أهل زوجها في عواطفهم، بخروجها من بيتها، أو بزواجها من آخر.

وبكل حال:

فمن المهم معرفة أن العبد لا يسعه إلا الاستجابة لما يأمره به ربه تعالى، وهو الخالق سبحانه العليم بما يُصلح الناس، وما يَصلح لهم.

وكذا معرفة أنه ليس دومًا تكون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة – أي غير الرجعية، وهي التي لعلها قُصدت في السؤال -، بل قد سبق بيان أن العكس قد يكون  في كثير من الحالات.

 

والله أعلم.

 

أطباء امتياز لا يستفيدون من الاختصاصيين فهل لهم رخصة في التخلف عن الدوام؟

أطباء امتياز لا يستفيدون من الاختصاصيين فهل لهم رخصة في التخلف عن الدوام؟

السؤال:

إن طبيعة دوامنا كأطباء امتياز في السنة التدريبية التي تلي التخرج تكاد تخلو من الفائدة العلمية، والعملية الضرورية – إلا ببعض الأقسام – لتهيئتنا لدخول مجال الإقامة، والاختصاص, حيث من المفترض أن يكون همٌ الكادر الطبي من أطباء الإقامة والاختصاصيين في المستشفى بأن يعلموننا المهارات السريرية، والإجراءات الطبية الأساسية، سواء كانت نظريًّا أو عمليًّا، لندخل الحياة المهنية ذات المسؤولية بثقة أكبر، إلا أننا بقسم النسائية والتوليد يقتصر تكليفنا بأعمال ليست من مهامنا كأطباء، كإرسال المريضة لقسم الأشعة للتصوير, وجلب وإرسال التقارير الطبية، والاستشارات, وكتابة التاريخ الطبي، والفحص السريري، بالإضافة لتقارير الخروج، والوصفات الطبية، والتي هي من مهام كادر التمريض، المراسلين، والمقيمين، الذين يوقعون بنهاية المطاف على ما نكتبه بالملفات، والوصفات عنهم! – يعني: نعمل ككتبة، ومراسلين -، ونادرًا ما نلتقي بالاختصاصيين لنستفيد من علمهم، وخبرتهم التي يتصدقون بها علينا إذا ما التقيناهم على عجل، فنكون فريسة سهلة لأطباء الإقامة، يستغلوننا كيفما يشاؤون، بدلا من الاستفادة، وتعلم الطب منهم؛ لأن الاختصاصيين أوكلوا أمرنا إليهم، ولنكون منصفين فإنهم يعرضون علينا أحيانا دخول غرفة العمليات، أو العيادات، ولكن لشخص واحد من المجموعة فقط، ناهيك عن ما نتعرض له من كشف للعورات بما أننا بهذا القسم.

سؤالي لفضيلتكم:

قد اتفقنا أنا وزملائي بأن نحضر ليوم، أو يومين بالأسبوع، ويوقع بعضنا لبعض؛ لأنه صراحة ليس هناك فائدة كما هو المفروض، بل الاستغلال؛ لأننا بلا أهمية، أو احترام من قبَلهم، ولا حتى من قبَل التمريض!، كما أن دوامنا قصير جدًّا لا يكاد يبدأ حتى ينتهي خلال 3 ساعات، والمسافة عن المستشفى بعيدة، ومواصلاتها صعبة، والأهم من ذلك كله: أن امتحانات دخول الإقامة تكاد تبدأ، وليس هناك وقت نضيعه بلا فائدة على حساب مستقبلنا، وتحديد طريق اختصاصنا، بالإضافة على أني لا أتقاضى أي راتب منهم، على عكس زملائي الآخرين الذين يتقاضونه – لا يتعدى بما يساوي الـ 500 ريال شهريًّا، وهو رمزيٌ خلال هذه السنة التدريبية، والوزارة غير ملزمة بتأديته، وقد وقعتنا على هذا الشرط إلا أنها تؤديه بفترات متفاوتة لكن بشكل كامل -، وما اضطرنا على هذا الفعل هو أنهم لا يعطوننا ورقة إثبات التدريب عندهم إلا بدوام شبه يومي، وهذا إن لم يحصل: يؤدي إلى إعادة تقديم التدريب عندهم مرة أخرى، والتأخر عن تقديم امتحان الإقامة، الذي يؤدى مرة كل السنة.

أرجو رأيكم الفاضل بهذا الموضوع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن شعور المسلم بالمسؤولية على أمر وُكل فيه، وفوِّض عليه: أمر تحث عليه الشريعة؛ فالأمانة عظيمة، سواء أكانت في أمر ديني، أو دنيوي؛ وخصوصًا في مثل هذه المهن المهمة – مهنة الطبيب – فلا شك أن هذه المهنة من أدق، وأخطر المهن التي ينبغي لمن دخل سلكها أن يقوم بحملها حق القيام؛ لما يترتب عليها من قيام على أبدان الناس بالتشخيص، والرعاية، والتطبيب، وهذا السؤال من الأخ السائل يدل إن شاء الله على وازع ديني.

 

ثانيًا:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ). رواه الترمذي ( 1264 ) وأبو داود ( 3535 )، وصححه الألباني في صحيح أبي داود “.

وهذا الحديث فيه قاعدة عظيمة من قواعد الدين، فالمسلم في أدائه للواجبات، وقيامه بالمعاملات: ينطلق من شرع الله, وليس من معاملة الناس له إن أحسنوا أحسن وإن أساؤوا أساء، بل يجعل نصب عينيه مخافة الله، ورضاه، ويراقب الله في عمله، قبل استشعار مراقبة الناس.

وإن من أداء الأمانة في العمل: الالتزام بوقت بدء الدوام، وانتهائه، وعدم الانشغال أثناءه بما هو خارج عنه، والقيام بالمسئوليات التي تناط به، وغير ذلك مما يختلف باختلاف طبيعة العمل.

وقد أُمر المسلم بإتقان عمله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ ) رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 24 / 306 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1113 ).

وإن من إتقان العمل: أن يؤديه على أحسن وجه، وأن يبذل فيه جهده وطاقته.

 

ثالثًا:

عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).  رواه مسلم ( 2553 ).

وهذه – أيضا – قاعدة أخرى من قواعد الدين، وميزان من موازين الشرع، فإذا أراد أن يعرف الإنسان حقيقة أمرٍ أنه من الخير أم من الشر، من البرِّ أم من الإثم: فلينظر إلى قلبه، فإن حاك الأمر في صدره، ولم يطمئن له، ورغب بإخفائه على الناس: فهو دليل على الشبهة، والكراهة، وفي حالات كثيرة: الإثم.

ونمثِّل لذلك بما سأل عنه الأخ السائل، فهذا الاتفاق على حضور بعض ” أطباء الامتياز ” والتوقيع عن الآخرين: لو اطلع عليه المسئول، هل يرضى بذلك؟ وإن رضي بذلك المسئول: فهل من صلاحياته أن يمشي الأمر ولا يُحاسب عليه؟.

وكيف يرضى المسلم أن يُصدَر له شهادة بأنه استكمل فترة معينة حصل فيها على العمل الميداني، والكشف السريري، وهو لم يفعل ذلك؟!.

وأما ما يَحدث من أطباء الاختصاص: فهو تقصير منهم في تعليمكم، وإرشادكم، لكنكم تستطيعون قضاء وقت دوامكم في النافع المفيد لمهنتكم، وذلك بالتجول على المرضى، وسؤالهم عن أحوالهم، والأعراض التي يشعرون بها، والوقوف بأنفسكم على الخدمات السريرية المقدمة لهم من الممرضين، بل حتى الطعام المقدَّم لهم يمنكم متابعته، والتأكد من صلاحيته في نفسه، وصلاحيته للمريض بحسب نوع علته، كما يوجد لكم من الأعمال الجليلة: المساهمة في علاج المرضى، والتسبب في شفائهم بإذن الله! وذلك بما يحدث لهم من ثقة، وطمأنينة، برؤية الأطباء، وسماع التطمينات منهم، ولسنا بالذي يخبركم بما يمكن للطبيب أن يعمله وهو يقضي وقته بين المرضى، فالأعمال كثيرة، وجليلة، ولا تستهينوا بها، وكلها قد لا يسعها وقت دوامكم، فكيف يكون منكم تفريط في أدائها، والقيام بها؟!.

نعم، يمكنكم تجنب حضور عمليات الولادة، وتجنب رؤية العورات؛ لأنه ليس ثمة ضرورة لذلك، على أن لا تضيع أوقاتكم في غير فائدة، وإشغالكم لأوقاتكم بما يزيد من علمكم في المهنة هو مما يمكنكم فعله وقت دوامكم، وذلك بقراءة أو سماع أو رؤية الجديد في عالم الطب.

فعلى ذلك: الواجب على المسلم أن يصبر على أداء الحق المنوط به؛ وأن يجعل مرضاة الله نصب عينيه؛ وأن يؤدي واجبه، بغض النظر عن أداء غيره, والعاقبة لمن اتقى الله، وخافه.

 

والله أعلم.

 

الرقية عن طريق سماع الشريط المسجل هل هي شرعية؟ وهل تدخل في ” لا يسترقون “؟

الرقية عن طريق سماع الشريط المسجل هل هي شرعية؟ وهل تدخل في ” لا يسترقون “؟

السؤال:

هل الاستماع للرقية من الجوال يدخل في الذين يسترقون، أو الذي يذهب فقط إلى الراقي، كما جاء الحديث الذي يقول: ( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عَنْ عبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ).

رواه البخاري ( 5378 ) – واللفظ له – ومسلم ( 220 ).

 

ثانيًا:

وقع في رواية ” مسلم ” لفظة ( لاَ يَرْقُون )، وقد حكم العلماء على هذه اللفظة بالشذوذ.

* قال شيخ الإسلام لبن تيمية – رحمه الله -:

ولم يقل ( لاَ يَرْقُون ) وإن كان ذلك قد روي في بعض طرق مسلم  فهو غلط؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقَى نفسه، وغيره، لكنه لم يسترق؛ فالمسترقي: طالب الدعاء من غيره، بخلاف الراقي لغيره؛ فإنه داعٍ له.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 448 ).

* وقال – رحمه الله -:

والفرق بين الراقي والمسترقي: أن المسترقي: سائل، مستعط، ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي: محسنٌ، نافع.

” المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 1 / 18 ).

ثالثًا:

فعلى ذلك: فالمكروه هو: طلب المسلم الرقية من غيره؛ لأن السين والتاء في لغة العرب بمعنى الطلب، فـ ( يَسْتَرْقُونَ ) يعني: يطلبون الرقية من غيرهم؛ أما إن رقى الإنسان نفسه، أو رقى غيره: فلا كراهة في ذلك.

 

رابعًا:

* وهل يعتبر سماع الرقية من الشريط من طلب الرقية؟.

الذي يظهر لنا أن سماع الرقية من الشريط ليست من باب الطلب؛ فعلى ذلك: لا يدخل من سمعها منه في قوله عليه الصلاة والسلام ( لاَ يَسْتَرْقُونَ ).

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُسأل عنه: هل يجوز أصلاً الرقية عن طريق سماعها بشريط تسجيل؟!.

الذي يظهر أن ذلك غير جائز، والقراءة بنية الرقية والعلاج غير متوفرة في شريط أصم! بل لا بدَّ للرقية من راقٍ، فهو أحد أركان الرقية الثلاثة، وقد توفر المرقي – وهو المريض -، والمرقي به – وهو القرآن -، لكن فقد الراقي! بل يمكن أن يقال فقد المرقي به؛ لأن تلك القراءة لم تكن بنية العلاج، ولو كانت كذلك فهي ليست للشخص الذي سمعها، ولذلك عدَّ علماء اللجنة الدائمة الرقية عن طريق الشريط من البدع المحدثة.

فقد سئلوا:

عند الرقية هل يجوز أن يضع الراقي يده على المريض، ثم يفتح المسجل، مستعينًا بالله، ثم بصوت القارئ فقط، حيث يوجد في الأسواق ( 4 ) أشرطة للتداوي بالقرآن، ودفع الحسد، ونحو ذلك؟.

فأجابوا:

الأصل أن الراقي هو الذي يباشر قراءة القرآن، وينفث على المريض من ريقه، ففي ” الصحيح ” عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ” أن أناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيٍّ من أحياء العرب فلم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لُدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تُقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلًا. فجعلوا لهم قطعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: ( وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم).

 

 

 

وفي ” الصحيح ” أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها “.

ولِمَا في مباشرة الراقي القراءة بنفسه من معانٍ تقوم في الراقي، لا بد من اعتبارها.

وعليه: فإن الرقية بفتح جهاز التسجيل: خلاف الأصل الشرعي، فالرقية بواسطة جهاز التسجيل: أمرٌ محدثٌ، لا يجوز شرعًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 85 – 87 ).

 

والله أعلم.

 

مشروع دعوي، هل يجوز اتخاذ آية قرآنية شعارًا له؟

مشروع دعوي، هل يجوز اتخاذ آية قرآنية شعارًا له؟

السؤال:

لقد قمت صحبة عدة إخوة من شباب المسلمين من مختلف أنحاء العالم ببعث مشروع يوظف التكنولوجيا الحديثة لخدمة الإسلام، وذلك من خلال إنشاء نظام تشغيل حواسيب مرفقًا بجملة من البرامج الإسلامية المفيدة كبرنامج أوقات الصلاة، وبرنامج عرض وتلاوة القرآن الكريم، وموسوعة كتب إسلامية …الخ، كل ذلك اعتمادًا على تقنيات البرامج الحرة، مما يجعل عملنا مرفوعًا عن مسألة ” حقوق النسخ “، وهو ما ييسر الحصول عليه ونشره بصفة مجانية، وقد اخترنا كاسم للمشروع ” سبيلي “، وكشعار الجزء الأول من الآية 108 من سورة يوسف: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني … )، إلا أن بعض الإخوة اعترض على اعتماد آية من القرآن الكريم كشعار لفريق العمل، فيما رأى البعض الآخر أن كتابة هذا الجزء من الآية، أو كامل الآية، أو أكثر من ذلك على شاشة الحاسوب عند فتحه، أو عندما يطلب من المستعمل إدخال اسمه، وكلمة العبور: رأى أن ذلك منهي عنه، قياسًا على النهي عن زخرفة المساجد، وكتابة الآيات فيها، أجبتهم – شيخي الكريم – أن الرأي الثاني هو قياس باطل؛ لغياب وجه الشبه، وأن الاعتراض الأول لم يؤيده نص من القرآن، أو السنَّة، أو أقوال العلماء، وأن أغلب الجمعيات القرآنية، أو الدعوية، أو الجهادية: تعتمد آية، أو جزءً من آية، كشعار لها، ولعملها، فلم يقتنعوا!.

الرجاء أن تفتونا في ذلك، أثابكم الله، وأن تبينوا لنا الحق، حتى نتبعه، ونبتعد عن الهوى، كما نرجو منكم الدعاء لمشروعنا بالنجاح، وأن يجعله الله في ميزان حسناتنا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.

ملاحظة: عملنا في نسخته الحالية يحمل اسم ” النسخة الإسلامية لأوبونتو “، وعنواننا على الشبكة هو: http://www.ubuntume.com/ar:start

وجزاكم الله عنَّا وعن المسلمين كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أخي الفاضل

أولًا:

جزاكم الله خيرًا على همتكم الطيبة، والعظيمة، على هذا المشروع، والذي يدل على حرصكم، ومحبتكم لخدمة الإسلام، والمسلمين.

ونسأل الله أن يجعل عملكم خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقكم، ويسدد خطاكم لإتمام هذا المشروع، وأن يجعله في ميزان حسناتكم.

ثانيًا:

الأصل في القرآن أنه كتاب هداية، وإرشاد، وتعليم، فقد أنزله الله لهذه الغايات العظيمة قال تعالى: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) المائدة/ 15، 16.

ولذا فالواجب تجاه القرآن هو العمل بأحكامه، والاهتداء بهديه، والتحلي بما حث عليه من أخلاق، وآداب.

ومن هنا فلم يكن من هدي السلف تعليق القرآن على الجدر، والحوائط، والمحاريب، وغيرها؛ لتعظيمهم لكتاب ربهم، ولعلمهم بالحكَم الجليلة من إنزاله.

 

ثالثًا:

وعلى ذلك: فالأولى للمسلم أن يجتنب اتخاذ آية من القرآن، أو جزءً من آية، لتكون شعارًا لمشروع، أو عمل دعوي.

وفي القول بالجواز فتح الباب أمام الأحزاب، والجماعات، والفرق الإسلامية، والنوادي الرياضية، والشركات التجارية، والمصانع، والوزارات، ليتخذ كل واحد من أولئك آية من القرآن يجعلها شعارًا له، وبذلك يُستعمل القرآن في غير ما أنزل من أجله، ويصير للدعاية، والإعلان، للأشخاص، والهيئات، كمثل من اتخذ شعارًا لمطعمه ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) البقرة/ من الآية 57! وشتان شتان بين معنى القائل، وكون القائل هو الله الممتن على خلقه برزقه لهم، مع استعمال الآية في طعام مصنوع، ويقدَّم بثمن، وهو من مخلوق مرزوق، مربوب.

وفي القول بالجواز فتح الباب أمام تحريف معاني الآيات ليوهم أصحاب الشعارات انطباقها عليهم، وأحيانًا: عليهم دون غيرهم، كمثل من رشَّح نفسه لانتخابات ” نيابية ” واتخذ شعارًا له في جملته الانتخابية، وهو قوله تعالى ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص/  من الآية 26، فانظر لهذا التحريف لمعنى الآية، وانظر كيف زكَّى نفسه، مع أن الآية في وصف ابنة الرجل لموسى عليه السلام، فأين ذلك النائب من موسى عليه السلام؟ وكيف يصف نفسه بالقوة والأمانة لشيء قادم، لا ماضٍ؟! ثم إن موسى عليه السلام لم يقل ذلك عن نفسه، بل قاله عنه غيره، وهكذا في سلسلة من الشعارات تتخذها الجماعات، والهيئات، وحتى الشركات، وكل واحد من أولئك ينتقي من القرآن ما يوافق هواه ليسوِّق لما يدعو إليه.

أما إطلاق اسم ” سبيلي ” على المشروع، أو أي كلمة أخرى، ولو كانت من القرآن الكريم: فلا نرى مانعًا، ولا حرجًا في ذلك؛ فالكلمة ليست آية.

 

 

رابعًا:

وأما الاستدلال على الجواز بما روي عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنْ بُيِّتُّمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ ” حم لَا يُنْصَرُونَ” ). رواه الترمذي ( 1682 ) وأبو داود ( 2599 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

فالجواب عليه:

  1. أن الشعار في الحديث ليس معناه ما يُقصد به في زماننا هذا، والذي سأل عنه الأخ السائل، بل الشعار في الحديث معناه: ” العلاَمة التي كانوا يتعارفون بها في الحرب ” كما قاله ابن الأثير الجزري، وغيره.
  2. أنه ليس في القرآن آية ” حم. لا يُنصرون “، وقد اختلف العلماء في أصل ذلك الشعار ما هو، كما اختلفوا في معناه، والذي يظهر أن العلامة التي كانت بينهم هي لفظة ” حم ” وحدها، وهي إشارة إلى ” السور ” التي تبدأ بهذين الحرفين؛ لما لها من شأن عظيم، وأن كلمة ” لا يُنصرون ” ليست من ذات الشعار.

* قال ابن الأثير الجزري – رحمه الله -:

قيل: معناه: ” اللهمّ لا يُنْصرون “، ويُريد به الخَبر، لا الدُّعاء؛ لأنه لو كان دُعاء لقال: ” لا يُنْصَرُوا ” مَجْزوماً، فكأنه قال: واللّه لا يُنْصَرُون.

وقيل: إنّ السُّوَر التي في أوّلها ( حم ) سُوَرٌ لَها شَأن، فَنَبَّه أنّ ذِكْرها لِشَرف مَنْزِلتها مما يُسْتَظْهَر به على اسْتِنْزال النَّصْر من اللّه.

وقوله ” لا يُنْصَرون “: كلام مُسْتَأْنَف، كأَنه حِين قال: قولوا ” حم “، قيل : ماذا يكون إذا قُلنا؟ فقال: لا يُنْصَرون.

” النهاية في غريب الأثر ” ( 1 / 446 ).

وأما من قال بالمنع قياساً على المنع من ” زخرفة المساجد “: فلا ندري وجه الشبه بينهما، إلا أن يكون قصده منعكم من ” زخرفة الآية “، وليس اتخاذها شعارًا لمشروعكم.

وننصح الإخوة الأفاضل: أن يجعلوا مكان تلك الآية: بيتًا من الشعر، أو حكمة سديدة، أو قولًا لأحد الأئمة، تدل على طبيعة المشروع، أو تحث على المشاركة فيه، أو دعمه.

وفقكم الله لكل خير، وسدد خطاكم.

 

والله أعلم.

 

التزام ابن أخيه بحفظ القرآن أثَّر سلبًا على تحصيله الدراسي فكيف يصنع أهله؟

التزام ابن أخيه بحفظ القرآن أثَّر سلبًا على تحصيله الدراسي فكيف يصنع أهله؟

السؤال:

آمل أن تكونوا بخير، وسؤالي يختص بحفظ القرآن، حيث يبلغ ابن أخي من العمر 12 عامًا, وبدأ في الحفظ منذ حوالي 4 أشهر، وهو يذهب للمدرسة، ثم يذهب للمسجد لمدة ساعتين ونصف من يوم الاثنين إلى الجمعة، والمشكلة التي نواجهها الآن أن مستواه بدأ يتأثر في المدرسة نتيجة لمقدار العمل، والضغط الذي يتعرض له, وهو يحاول أن يقوم بأداء الفروض المدرسية، وحفظ القرآن, وقد تدنت درجاته, وهو الآن تحت المستوى المطلوب الأمر الذي يقلقنا؛ لأن أمامه اختبارات هامة في السنة المقبلة ستؤثر على تحديد الكلية التي سيلتحق بها، فماذا نفعل في هذا الموقف؟ وقد قيل لنا إنه من الخطأ أن نقوم بإيقاف حفظه للقرآن، وعلى الجانب الآخر فإن تعليمه هام بالنسبة له حتى يحصل على درجات عالية ويلتحق بجامعة جيدة, ونحن نريد أن نتخذ أفضل القرار، لكننا في حيرة من أمرنا، فهل بوسعكم – رجاء – تقديم النصح في هذا الشأن، وتوضيح حكم الإسلام في هذه المواقف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن تربية الأبناء منذ صغرهم على الدِّين، وتحفيظهم كتاب الله، وتعليمهم سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم: من الواجبات التي افترضها الله على الوالدين، وهو من محاسن أفعال الأهل مع أولادهم، وهو مما ينتفعون بها دنيا، وأخرى، إن شاء الله.

فنشكر أبوي هذا الطفل، ومن يشجعه على حفظ كتاب الله، وتعلمه، ونسأل الله أن يكتب لهم الأجر يوم القيامة، فما أعظم أن يلقى الإنسان ربَّه وفي صحيفته أعمال دلَّ عليها، أو ساهم في وجودها.

ثانيًا:

ومما لا شك فيه: أن مقياس التفاضل عند الله هو بما يكتسبه المسلم من تقوى، وإيمان، وأعمال صالحة، وقد اختصَّ الله تعالى حافظ القرآن بخصائص عظيمة، وميزات رفيعة، في الدنيا، والآخرة، وللوقوف على بعضٍ من تلك الميزات: يُنظر في أجوبتنا الأخرى.

ثالثًا:

والأصل أن يوازن المسلم بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة، قال تعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) القصص/ 77.

قال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. انظر ” تفسير القرطبي ” ( 13 / 314 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ) أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القرُبات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة.

( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي: مما أباح الله فيها من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرك عليك حقًّا، فآتِ كل ذي حقٍّ حقَّه.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 253 ، 254 ).

فالمسلم يعمل لدنياه، كما يعمل لآخرته, وإن كان العمل للآخرة مقدَّمًا عند التعارض؛ لأن الحياة الأبدية، والخلود، ليس في الدنيا، بل في الآخرة، إما في جنة، أو في نار، ولذلك قيل: ” اعمَل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمَل لآخرتك كأنك تموت غدًا “.

رابعًا:

أن يجمع المسلم بين حفظ كتاب الله، وبين مراجعة الدروس المدرسية: أمرٌ ليس صعب المنال، ولكن يحتاج الأمر إلى ترتيب الوقت، وتنظيمه؛ فيجعل وقتًا للحفظ، ومراجعة القرآن, ووقتًا لمراجعة الدروس المدرسية,  ووقتًا للراحة, بل ووقتًا للترويح عن النفس، ويكون ذلك بعمل جدول للوقت، وتنظيمٍ لساعات يومه، مع مراعاة عدم الضغط، وعدم التشديد عليه.

خامسًا:

كما ينبغي مراعاة مستوى الحفظ، والذكاء، لدى الطفل، والشاب، فلا يُحمَّل أحدٌ فوق طاقته، وأكثر من وُسعه؛ ولعل هذا يكون السبب في تقصير ذلك الشاب في جانب، دون الآخر؛ فإذا كان في مقدوره حفظ  صفحة من القرآن يوميًّا: فلا يحمَّل حفظ وجهين، وهكذا؛ حتى يتسنَّى له وقت للواجبات المدرسية, وكذلك الأمر بالنسبة للواجبات المدرسة، فتحميله فوق طاقته يعرِّضه للضغط، والتشويش.

سادسًا:

عند تعارض الأولويات، وازدحامها: يقدَّم خيرُ الخيرين، ويدفع شرُّ الأشرين, وهذه قاعدة عامة عند تعارض المصالح، والمفاسد.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والرسل بُعثوا بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها, وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان, ودفع شرِّ الشرَّين بخيرهما.

” الجواب الصحيح ” ( 2 / 215 ).

 

 

وعلى ذلك: إذا كان ذلك الشاب لا يتم حفظ القرآن، وتكميل هذا الجانب الروحي إلا بنقصانٍ في الجانب الآخر الدنيوي: فتقديم هذا الجانب أولى، وأحرى.

 

* فالنصيحة لوالدي الطفل:

أن يَعملوا على تنظيم وقت هذا الغلام الشاب؛ وعليهم الجمع، والموازنة، بين حفظ القرآن وتحسين أدائه المدرسي، من غير إخلال بواحدٍ منهما، وإن ازدحمت المصالح: قُدِّم أعظمهما مصلحة، لدينه، ودنياه.

 

– والله هو الموفق، والمعين, ومنه يستمد الحول، والقوة.

 

والله أعلم.