الرئيسية بلوق الصفحة 409

هل الحج يكفر حتى ترك الصلاة؟

الحج عن الغير, هل يغفر ذنوب الذي لم يحج وبخاصة ذنب ترك الصلاة.سواء كان الذي لم يحج أوصى بذلك أو لم يوص. وهل يغفر ذنب الذي يحج عن نفسه وبخاصة ذنب ترك الصلاة؟. نرجو منكم إجابتنا مع الأدلة ورأي العلماء في ذلك.
الحمد لله
أولاً :
قولك في مرتين (خاصة ذنب ترك الصلاة ) فهو تركيز منك على أن الصلاة تركها ذنبه عظيم عند الله وهو كذلك ، فقد أجمع الصحابة على كفر تارك الصلاة ، وذهب قوم إلى أن تارك الصلاة ليس بكافر ، ولكن الصحيح أن تارك الصلاة كافر مرتد .
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ” .
رواه الترمذي ( 2545 ) والنسائي ( 459 ) وابن ماجة ( 1069 ) .
قال الوادياشي :
رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ولا نعرف له علة
” تحفة المحتاج ” ( 1 / 575 ) .
وعن أبي سفيان قال : سمعت جابراً يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ” .
رواه مسلم ( 116 ) .
فعليه ذهب عامة الصحابة إلى تكفير تارك الصلاة ، ومن السلف : عبد الله بن شقيق ، وإبراهيم النخعي ، وإسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، وعبد الله بن المبارك ، والحكم بن عتيبة … وغيرهم .
وهي أول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة ، فإن صلحت : صلح عمله كله ، وإن فسدت : فسد عمله كله .
ولكن سواء أكان تارك الصلاة كافراً أو غير كافر فإنه بالتوبة أصبح من المسلمين ، فإن تاب وحجَّ نرجو أن تكون ذنوبه كله مغفورة إلا ما كان من حق العباد .
وإن كان تارك الصلاة غير كافر – على مذهب العلماء الآخرين – : فإن الله تعالى يغفر للحاج الذي يحج حجاً مبروراً .
عن أبي هريرة : ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ فقال : الإيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور ” .
رواه البخاري ( 26 ) ومسلم ( 83 ) .
والحج المبرور معناه :
1- أن يكون من مالٍ حلال .
2- أن يبتعد عن الفسق الإثم والجدال فيه .
3- أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية .
4- أن لا يرائي بحجه ،بل يخلص فيه لربه .
5- أن لا يعقبه بمعصية أو إثم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ” .
رواه البخاري ( 1449 ) ومسلم ( 1350 ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” .
رواه البخاري ( 1683 ) ومسلم ( 1349 ) .
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” … وأن الحج يهدم ما كان قبله ” .
رواه مسلم ( 121 ) .
فإن حج المسلم حجاً لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه ، وجاء بما أوجبه الله عليه ، ولم يقترف بحجه المحرمات : فعسى أن يكون هذا الحاج ممن حج حجاً تغفر له ذنوبه عند الله كلها إلا الحقوق التي للعباد ، فإن الله تعالى لا يغفرها حتى يُرجع للناس ما عليه من الحقوق المادية والعينية كالأمانة والرهن والدين وما أشبه ذلك ؛ وذلك لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها .
قال ابن حجر :
قوله : ” رجع كيوم ولدته أمه ” : أي بغير ذنب ، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك ، وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري .
قال الطيبي : الفاء في قوله ” فلم يرفث ” : معطوف على الشرط ، وجوابه : رجع ، أي : صار ، والجار والمجرور : خبر له ، ويجوز أن يكون حالا ، أي : صار مشابها لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه ا.هـ وقد وقع في رواية الدارقطني المذكورة : ” رجع كهيئته يوم ولدته أمه ” .
وقال في موضع آخر :
وقوله : ” كما ولدته أمه ” ، أي : عاريا من الذنوب ، وللترمذي من طريق ابن عيينة عن منصور : ” غفر له ما تقدم من ذنبه ” .
” فتح الباري” ( 4 / 20 ) .
ثانياً :
أما الحج عن الغير ففيه أقوال :
1. قال بعضهم : يجب الحج عن الميت أوصى بذلك أو لم يوص لأن الحج حق مادي كما أنه حق شرعي وإذا مات المسلم وجب على ورثته رد الحقوق المادية إلى أصحابها والحج أحدها، مستدلين بأحاديث نذكر منها هذا الحديث :
عن ابن عباس رضي الله عنهما : ” أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ” .
رواه البخاري ( 1754 ) .

ودل على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم يوص ؛ لأن الدين يجب قضاؤه مطلقا ، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة ونحوها ، وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي
” سبل السلام ” ( 2 / 182 ) .
2. وقال آخرون : يستحب الحج عن الغير ولا يجب :
قال القرطبي :
وقال ابن حبيب : جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج وأن يحج عنه ولده وإن لم يوص به ويجزئه إن شاء الله تعالى .
” تفسير القرطبي ” ( 4 / 152 ) .
وقال القرطبي – أيضاً – :
” أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ” ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات ، ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالديْن ، وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين : لم يجب على وليه قضاؤه من ماله ، فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه ، ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها ” لا يستطيع ” ومن لا يستطيع لا يجب عليه ، وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة ، فلا يجوز
” تفسير القرطبي ” ( 4 / 152 ) .
ويشير القرطبي إلى رواية حديث الخثعمية وفيه : ” إن أبي لا يستطيع أن يقوم على الراحلة أفحج عنه ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم .
والحديث في الصحيحين .
3. وقال بعضهم : لا يحج أحد عن أحد أوصى أو لم يوص :
قال ابن حجر :
فروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح : لا يحج أحدٌ عن أحدٍ ، ونحوه عن مالك والليث ، وعن مالك أيضا : إن أوصى بذلك : فليحج عنه ، وإلا فلا .
” فتح الباري ” ( 4 / 66 ) .
وفسَّر بعض العلماء معنى كلام الإمام مالك أنه لا يحج أحد عن أحد أي : أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه .
قال الشنقيطي :
واعلم أن ما اشتهر عن مالك مِن أنه يقول : لا يحج أحدٌ عن أحدٍ معناه عنده : أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض ، والمعضوب عنده ليس بقادر ، وأحرى الميت ، فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية …
” أضواء البيان ” ( 5 / 104 ، 105 ) .
4. وقال بعضهم : يحج عنه إن أوصى ، وإن لم يوص فلا يحج ، وهو قول مالك كما قال ابن حجر فيما نقلناه عنه سابقاً .
5. وقال بعضهم : لا يحج عنه إن فرط في الحج في حياته .
قال القرطبي :
ولهذا قال علماؤنا : أن من مات ولم يحج وهو قادر ، فالوعيد يتوجه عليه ولا يجزئ أن يحج عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد والله أعلم .
وقال سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه .
” تفسير القرطبي ” ( 4 / 154 ) .
والوعيد المشار إليه في كلام القرطبي هو : قوله تعالى { ومن كفر فإن الله غنيٌّ عن العالمين } .
6. وقال بعضهم : يجوز الحج عن الميت وإن فرط بالحج .
قال ابن حجر :
وقال ابن العربي : حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس للإنسان إلا ما سعى رفقاً من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقا .
” فتح الباري ” ( 4 / 70 ) .
فقوله : ” باستدراك ما فرط فيه المرء ” يدل على أن المفرط في الحج يجوز الحج عنه .
والصحيح من الأقوال هذه – والله تعالى أعلم – هو : جواز الحج عن الميت أوصى بذلك أم لم يوص ، ولو كان مفرطاً .
قال الشنقيطي رحمه الله :
وقد قدَّمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فوراً ، وعليه فلو فرَّط وهو قادر على الحج حتى مات مفرِّطاً مع القدرة : أنه يُحجُّ عنه من رأس ماله إن ترك مالاً ؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته ، فكانت ديْناً عليه ، وقضاء ديْن الله : صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال : ” فدَيِْن الله أحق أن يُقضى ” .
أما من عاجله الموت قبل التمكن : فمات غير مفرِّط : فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه ولا دَيْن لله عليه ؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته ، ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها .
” أضواء البيان ” ( 5 / 104 ) .
ومن فتاوى اللجنة الدائمة :
إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوب الحج : وجب أن يُحجَّ عنه من ماله الذي خلَّفه سواء أوصى بذلك أم لم يوص .
وإذا حجَّ عنه غيره ممن يصح منه الحج وكان قد أدى فريضة الحج عن نفسه : صحَّ حجه عنه وأجزأ في سقوط الفرض عنه .
عبد العزيز بن باز ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد الله بن غديان ، عبد الله بن قعود
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 100 ) .
ثالثاً :
أما هل يحصل غفران الذنوب للحاج أم المحجوج عنه ؟ : فالصحيح أن الأجر يقع لهما لعموم قوله : ” من حج ” فلم يبين أنه حج عن نفسه أو عن غيره .
قال الإمام ابن حزم :
عن داود أنه قال : قلت لسعيد بن المسيب : يا أبا محمد لأيهما الأجر أللحاج أم للمحجوج عنه ؟ فقال سعيد : إن الله تعالى واسع لهما جميعا .
قال أبو محمد – يعني ابن حزم – : صدق سعيد رحمه الله .
” المحلى ” ( 7 / 61 ) .

والله أعلم

أداء من لا يستطيع الحج للعمرة

كنت أفكر في تقديم تذكرة سفر لأداء العمرة لأحد الأقارب. لكن أحد الأقارب قال: بما أن الحج ليس واجبا على هذا الشخص, فإنه لا يجب عليه أن يعتمر. وكنت أقصد أن الحج محدد الوقت (باليوم والشهر) بينما العمرة يمكن تأديتها في أي وقت من العام. وأن كون هذا الشخص لا يستطيع تأدية الحج, فإن ذلك لا يمنعه من تأدية مناسك العمرة. وإذا نظرنا إلى صيام رمضان, فإذا لم يتمكن الشخص من الصيام خلال الشهر لسبب مقبول شرعا, فإن ذلك لا يمنعه من صيام أي يوم آخر خلال أيام السنة, وإن كان ذلك صيام نافلة. هل صحيح أن الشخص إذا لم يتمكن من تأدية الفريضة, فإنه يجب عليه ألا يؤدي النافلة (من جنس ذلك العمل)؟ ما أعلمه هو أن هذا النقاش لا ينطبق على الصلاة لأنه لا يجوز للمسلم أن يُفوّت الفريضة ويؤدي نافلة فقط بدلا عنها, لكن بخصوص الحج والعمرة, فقد كانت أرى الموضوع يخالف ذلك. أرجو أن تجيب على سؤالي مستدلا بالقرآن والحديث ما أمكن ذلك.
وجزاك الله خيرا.
الحمد لله
لقد ورد إلينا هذا السؤال بنفس الصيغة والقصة ، وقد أجبنا عليه هناك ونزيد هنا قليلاً تتمة للجواب على آخر السؤال :
أولاً :
أخطأ من قال لك : إنه لا يجوز للرجل فعل العمرة قبل الحج ، كون هذا مما لا دليل عليه ، بل هو جائز ، فقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذلك إجماع العلماء .
والدليل على ذلك :
عن عكرمة بن خالد : سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن العمرة قبل الحج ، فقال : لا بأس، قال عكرمة : قال ابن عمر : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج …”. رواه البخاري ( 1684 ).
عن أبي إسحاق قال : سألت مسروقاً وعطاء ومجاهداً فقالوا : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج ، وقال : سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين . رواه البخاري ( 1689 ) .
قال الشافعي :
أخبرنا مالك عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أنه قال : والله لأن أعتمر قبل أن أحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة ، فقلت للشافعي : فإنا نكره العمرة قبل الحج .
قال الشافعي : فقد كرهتم ما رويتم عن ابن عمر أنه أحبه منها ، وما رويتم عن عائشة أنها قالت :
” خرجنا مع رسول الله فمنَّا مَن أهلَّ بعمرة ، ومنَّا مَن جمع الحج والعمرة ، ومنَّا مَن أهلَّ بحج ” ، فلم كرهتم ما روي أنه فعل مع النبي صلى الله عليه وسلم وما ابن عمر استحسنه ؟ وما أذن الله فيه من التمتع ؟ إن هذا لسوء الاختيار والله المستعان . ” الأم ” ( 7 / 269 ) .
وقال ابن عبد البر :
وقد قال الله عز وجل : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة / 196 ] ، فبدأ بالحج قبل العمرة وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج . ” التمهيد ” ( 2 / 81 ) .
فهذا الذي قاله ابن عبد البر فيه نقل الإجماع عن العلماء ، بل قد قال أوضح من ذلك :
عن عبد الرحمن بن حرملة : أن رجلا سأل سعيد بن المسيب فقال : أعتمر قبل أن أحج ؟ فقال سعيد : نعم، قد اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يحج ” مالك في الموطأ – ( 768 ) – يتصل هذا الحديث من وجوه صحاح ، وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه كلهم يجيزون العمرة قبل الحج لمن شاء ، لا بأس بذلك عندهم ، وكلهم يقول : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتمر قبل حجته . ” التمهيد ” ( 20 / 13 ) .
وقال النووي :
أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج ، سواء حج في سنته أم لا ، وكذا الحج قبل العمرة واحتجوا له بحديث ابن عمر ” أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج ” رواه البخاري ، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجته ” ، وكان أصحابه في حجة الوداع أقساماً : منهم من اعتمر قبل الحج ، ومنهم من حج قبل العمرة كما سبق .
” المجموع ” ( 7 / 168 ) .
قلنا : لا دليل صحيح ينهى عن العمرة قبل الحج ، ولكن هناك حديث غير صحيح في المسألة، ولعل صاحبك الذي نهاك عن تقديم المساعدة للذي يريد العمرة قبل الحج قد استدل به وإليك الحديث وقول العلماء فيه :
عن سعيد بن المسيب : أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج ” . رواه أبو داود ( 1793 ) .
قال ابن حزم :
أما حديث ابن المسيب ففي غاية الوهي والسقوط ؛ لأنه مرسل عمن لم يسم ، وفيه أيضا ثلاثة مجهولون أبو عيسى الخراساني وعبد الله ابن القاسم وأبوه ففيه خمسة عيوب . ” حجة الوداع ” ( ص 485 ) .
وقال ابن قدامة :
فإن قيل : فقد روى أبو داود بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر فشهد عنده : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن العمرة قبل الحج ” ، قلنا : هذا حاله في مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كحال حديث أبي ذر بل هو أدنى حالاً فإن في إسناده مقالاً . ” المغني ” ( 3 / 125 ) .
وقال الشوكاني :
وقال أبو سليمان الخطابي : في إسناد هذا الحديث مقال ، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته وجوز ذلك إجماع أهل العلم ولم يذكر فيه خلافا . انتهى .
” نيل الأوطار ” ( 5 / 58 ) .
ثانياً :
بالنسبة للتطوع قبل أداء الفرض من جنس العمل : فإن الصحيح هو الجواز إذا كان وقت الفريضة متسعاً ، فقضاء رمضان – مثلاً – يمكن قضاؤه خلال العام إلى آخر يومٍ من شعبان ، وعليه : فلا مانع من صيام بعض النوافل خلال العام ، وخاصة ما لا يمكن إداركه في غير يومها ، كصيام عرفة وعاشوراء ، وأما التطوع بلا سبب شرعي لتخصيصه قبل قضاء ما عليه من الصوم : فإن هذا مما لا يفعله عاقل ، ومن هنا قال أبو بكر رضي الله عنه : لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى فريضة .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
… فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء ، وهل يصح لو صام ؟
المذهب – أي : الحنبلي – : لا يصح التطوع قبل القضاء ، ويأثم .
وعلَّلوا : أن النافلة لا تؤدى قبل الفريضة .
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك ما لم يضق الوقت ، وقال : ما دام الوقت موسَّعاً فإنه يجوز أن يتنفل كما لو تنفل قبل أن يصلي ، فمثلاً : الظهر يدخل وقتها من الزوال وينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله ، فله أن يؤخرها إلى آخر الوقت ، وفي هذه المدة يجوز له أن يتنفل ؛ لأن الوقت موسَّع .
وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب ، وأن صومه صحيح ، ولا يأثم ؛ لأن القياس فيه ظاهر .
… والجواب عن التعليل الذي ذكره الحنابلة أن نقول : الفريضة وقتها في هذا الحال موسَّع ، فلم يفرض عليَّ أن أفعلها الآن حتى أقول إنني تركت الفرض ، بل هذا فرض في الذمة وسَّع الله تعالى فيه ، فإذا صمت النفل فلا حرج … ” الشرح الممتع ” ( 6 / 448 ) .

والله أعلم

متى يذبح الحاج؟

إذا ذهب حاج لتأدية مناسك الحج, هل يجب عليه أن يذبح “قربانا”؟ وهل يذبح أيضا في بلده؟
الحمد لله
1. الحج له ثلاثة أنواع : الإفراد ، والتمتع ، والقِران .
عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يُهلَّ بعمرة فليهل ، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل ، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة فمنهم من أهل بعمرة ومنهم من أهل بحجة ، وكنت ممن أهل بعمرة فحضت قبل أن أدخل مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : دعي عمرتَك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلِّي بالحج ، ففعلت ، فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأردفها فأهلت بعمرة مكان عمرتها فقضى الله حجها وعمرتها ، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم .
رواه البخاري ( 1694 ) ومسلم ( 1211 ) .
2. وليس في الإفراد – وهو الحج وحده من غير عمرة قبله – ذبح .
3. وأما التمتع : ففيه ذبح ، وهو دم شكران ، يشكر فيها الحاج ربَّه تعالى على أن شرع له هذا النسك، وفيه يجمع الحاج بين العمرة والحج ، ويتحلل بينهما ويتمتع بالطيب واللباس والجماع .
عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله … رواه البخاري ( 1606 ) ومسلم ( 1227 ) .
4. وأما القِران : ففيه ذبح ، وهو ما يأتي به الحاج من بهيمة الأنعام – الغنم والبقر والإبل – من الحلِّ قبل أن يُحرم ، والفرق بين المتمتع والقارن : أن القارن لا يتحلل بعد الانتهاء من عمرته ، فيظل على إحرامه إلى حين الثامن من ذي الحجة وهو يوم دخوله في نية الحج .
وهذه صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تمنى أنه لم يسق الهدي ليجعلها عمرة ويتمتع .
عن حفصة رضي الله عنهم قالت : قلت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت ؟ قال : إني لبَّدت رأسي وقلَّدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج . رواه البخاري( 1610 ) ومسلم( 1229 ).
عن عروة أن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا ” . رواه البخاري ( 6802 ) ومسلم ( 1211 ) .
5. وكلا المتمتع والقارن يذبح يوم النحر ، وهو يوم العيد .
عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي … فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه .. . رواه البخاري ( 1606 ) ومسلم ( 1227 ) .
6. وليس على أحدٍ من الحجاج ذبحٌ في بلده ، إذ الذبح من المناسك ، وهو لا يكون إلا في مكة ، وحتى لو كان على الحاج ذبح لوقوعه في محظورات الحج فإنه لا يذبح في بلده بل يكون ذبحه في منى أو مكة .
قال عبد العظيم آبادي : ويجوز ذبح جميع الهدايا في أرض الحرم بالاتفاق ، إلا أن مِنى أفضل لدماء الحج، ومكة – لا سيما المروة – لدماء العمرة ، ولعل هذا وجه تخصيصهما بالذكر ، كذا في ” المرقاة ” .

والله أعلم

حكم لبس النقاب للمرأة أثناء الإحرام! تبيه مهم.

السؤال:

حججت واعتمرت في العام الماضي ، كنت أعلم أن النقاب لا يجوز ، ومع هذا فكان علي أن أتنقب لأنه كان كثير من الناس حولي وقت الحج ، قيل لي بأن ما فعلتُه كان خطأ وأنني كان من المفترض أن أغطي وجهي بشيء آخر ، ماذا يجب أن أفعل الآن لأصحح هذا الخطأ ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

لبس النقاب من محظورات الإحرام ، ويمكن للمرأة أن تغطي وجهها أمام الأجانب بعد الإحرام بشيء من الثياب تسدله من أعلى رأسها على وجهها .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم … ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ” . رواه البخاري ( 1741 ) .

قال ابن قدامة :

وجملة ذلك : أن المرأة  يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه ، لا نعلم في هذا خلافاً إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها ، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافاً .

قال ابن المنذر : وكراهية البرقع ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة ، ولا نعلم أحداً خالف فيه ، وقد روى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ” ، فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها ، روي ذلك عن عثمان وعائشة ، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ، ولا نعلم فيه خلافاً ، وذلك لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه ” رواه أبو داود والأثرم ؛ ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها ، فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة … المغني ” ( 3 / 154 ) .

وفِعل إحدى محظورات الإحرام عمداً لعذر : يوجب الفدية وهي : إما صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة ، وليس عليه إثم لوجود العذر في فعله للمحظور .

 قال الشيخ ابن عثيمين :

وإذا فعل المُحرم شيئاً من المحظورات السابقة من الجماع أو قتلِ الصيد أو غيرهما فله ثلاث حالاتٍ :

الأولى : أن يكون ناسياً أو جاهلاً أو مُكرَهاً أو نائماً ، فلا شيء عليه ، لا إثم ولا فدية ولا فساد نسك ؛ لقوله تعالى : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَـفِرِينَ } ، وقوله : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } …

الثانية : أن يفعل المحظور عمداً لكن لِعُذرٍ يبيحُه ، فعليه ما يترتب على فعل المحظور ، ولا إثم عليه ؛ لقوله تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضري الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .

الثالثة : أن يفعل المحظور عَمداً بلا عُذرٍ يبيحه ، فعليه ما يترتب على فعله مع الإثم

” مناسك الحج والعمرة ” ( الفصل الخامس / محظورات الإحرام ) .

 

والله أعلم.

 

سفر المرأة التي ليس لها محرم

سفر المرأة التي ليس لها محرم

السؤال:

والدتي مطلقة منذ 15 سنة وليس لها أبناء ذكور وليس لها محرم ، ابنتها تعيش في مدينة تبعد 85 ميلاً عن مدينتها وهي تقريباً مدة ساعتين ،فهل يجوز لها أن تسافر بالحافلة بمفردها لزيارة ابنتها؟ جزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

” لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم ” ، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حكم واضح بيِّن ، ولو كان سفرها إلى العمرة أو الحج فإنه لا بدَّ أن يكون معها محرم ، فإن لم يوجد فلا تُعد مستطيعة ويسقط عنها فرض الحج.

وهذا الحكم إنما هو فيمن قطعت مسافة يتعارف الناس بينهم أنها سفر ، فإن كانت المسافة دون ذلك ، ولا يعدُّ قاطعها مسافراً : فإنه يجوز لها الذهاب وحدها بشرط أن تكون الطريق آمنة .

وأكثر الفقهاء على أن قطع ( 83 ) كيلاً يعد سفراً ، لذا لا نرى للأخت السائلة أن تسافر وحدها هذه المسافة من الجهتين : جهة كونها سفراً وجهة أنها غير آمنة ، ويمكن لابنتها أن تزور أمها إن كان معها محرم ، أو تنتظر إلى أن ييسر الله لها محرَماً تزور معها ابنتها .

 

والله أعلم.

زكاة الفطر هل تدفعه في البلد الذي صامت به

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الموضوع
حول زكاة الإفطار ما حكم من صام خمسة عشرة يوماً من شهر رمضان في بلده و أتم صيام الأيام الأخيرة من الشهر في بلد آخر (لقضاء مناسك العمرة في البيت الحرام -وهي امرأة) ..كيف تدفع زكاة الفطر هل يدفع عنها في بلدها أم تدفع عن نفسها في البلد المتواجدة فيه ؟ علماً أنها أرملة وهي تتكفل بأخي المتزوج وله طفلان صغيرا السن وبي وأختي الغير متزوجة .
الجواب
الحمد لله
تفرق زكاة الفطر في البلد الذي وجبت على المكلف فيه ، سواء أكان ماله فيه أم لم يكن ؛
لأن الذي وجبت عليه هو سبب وجوبها ، فتفرق في البلد الذي سببها فيه ، فإذا كان من هم أولى بالإعطاء في بلد المزكي من حيث حاجتهم وفقرهم أو من حيث قرابتهم ورحمهم : فإنه يجوز دفعها إليهم .
وقد سئل الشيخ عبد الله الجبرين عن نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر فقال :
لا يجوز ذلك إلا إذا لم يوجد في البلد فقراء ، و قد ذكر العلماء أنها تتبع البدن ، فيخرجها في البلد الذي تدركه ليلة العيد و هو فيه ، و لو كان سكنه و أهله في غيره ، كمن يصوم آخر الشهر بمكة ، فإنه يخرجها هناك ، و أهله يخرجون عن أنفسهم في موضعهم الذي يوجدون فيه ليلة الفطر ، فإن لم يوجد في بلده فقراء من أهلها ، و عرف فقراء في بلد آخر جاز نقلها إلى أقرب بلدة يعرف فيها من هم من أهل الاستحقاق ، و قيل : يجوز إلى أبعد منها إذا كانوا أشد حاجة أو لهم رحم وقرابة .
انتهى

والله أعلم

هل يجوز للمسلمة أن تدفع زكاة الفطر عن والدها؟

هل يجوز للمسلمة أن تدفع زكاة الفطر عن والدها؟

السؤال:

هل يجوز للمسلمة أن تدفع زكاة الفطر عن والدها؟

الجواب:

الحمد لله

زكاة الفطر واجبة على الوالد بنفسه وعلى ابنته بنفسها –  أيضاً – ، ولا تجب على الوالد عن ابنته ، ولا على الابنة عن أبيها –  على الصحيح من أقوال أهل العلم – .

قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله – :

الصحيح : أن زكاة الفطر واجبة على الإنسان بنفسه ، فتجب على الزوجة بنفسها ، وعلى الأب بنفسه ، وعلى الابنة بنفسها ، وهكذا ، ولا تجب على الشخص عمَّن يمونه من زوجة وأقارب ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ، الذكر والأنثى ، والحر والعبد ، والكبير والصغير من المسلمين “. رواه البخاري ( 1432 ) ومسلم ( 984 ).

فهو يدل على أن زكاة الفطر فرض على كل مسلم في نفسه دون غيره ، قال الله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولو وجبت زكاة الفطر على الشخص نفسه وعمن يمونه فإنه سوف تزر وازرة وزر أخرى ، لكن لو أخرجها عمن يمونهم وبرضاهم : فلا بأس بذلك ولا حرج ، كما أنه لو قضى إنسانٌ ديْناً عن غيره وهو راضٍ بذلك : فلا حرج . ” الشرح الممتع ” ( 6 / 155 ، 156 ) .

فإذا دفعت الابنة الزكاة عن والدها بإذنه : فلا حرج ، وأما إذا دفعت بغير إذنه : فإنها لا تُجزئ إلا إذا رضيَ بعد أن تُخرجها الابنة وهو ما يُعرف بـ ” تصرف الفضولي ” ؛ والأصل : أنه لا بدَّ من نيَّة عند الإخراج أو التوكيل .

قال الشيخ محمد العثيمين  رحمه الله – :

من أخرج عمن لا تلزمه فطرتُه : فإنه لا بدَّ من إذنه ، فلو أن زيداً من الناس أخرج عن عمرو بغير إذنه : فإنها لا تُجزئ ؛ لأن زيداً لا تلزمه فطرة عمرو ، ولا بدَّ فيها من نيَّة إما ممن تجب عليه أو من وكيله ، وهذا مبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء يسمونها ” تصرف الفضولي ” بمعنى أن الإنسان يتصرف لغيره بغير إذنه ، فهل يبطل هذا التصرف مطلقاً ، أو يتوقف على إذن ورضى الغير ؟

هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم ، والراجح : أنه يُجزئ إذا رضي الغير  – وساق الشيخ حديث أبي هريرة مع الشيطان في حفظ الزكاة… والشاهد من ذلك : أن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز هذا التصرف من أبي هريرة وجعله مجزئاً مع أن المأخوذ منه زكاة ، وأبو هريرة وكيل في الحفظ ، لا وكيل في غيره .

” الشرح الممتع ” ( 6 / 165 ) .

فإن كان الوالد فقيراً وكانت الابنة ملزمة بالإنفاق عليه : فإنه يجب عليها إخراج زكاة الفطر عن والدها ولو لم يأذن أو لم يرض ، وهو قول الحنابلة والشافعية والمالكية .

قال الإمام مالك : يؤدي الرجل عن أبويه إذا ألزم نفقتهما زكاة الفطر .

وسئل عن الأبوين إذا كان على الابن أن ينفق عليهما لحاجتهما أتلزمه أداء زكاة الفطر عنهما ؟ فقال : نعم . ” المدونة ” ( 1 / 390 ) .

وقال النووي :

وعلى الولد فطرة والده وإن علا بشرط أن تكون نفقته واجبةً عليه , فإن لم تكن نفقته واجبةً عليه لم يلزمه فطرته . ” المجموع ” ( 6 / 77 ) .

 

والله أعلم.

يريد الأصناف المستحقة للزكاة مع الدليل

السؤال:

من الذي يستحق الزكاة؟ هل هناك حديثاً أو آيات من القرآن توضح ذلك؟ أحد الأخوة يدفع الزكاة ولا يعرف إن كان من يأخذها يستحقها أم لا ولذلك فإنه يريد أن يطبع الآية أو الحديث ويعطيها للناس مع أموال الزكاة لكي يعرفوا هل هم يستحقون أم لا هل يمكنه أن يفعل ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

الذين يستحقون الزكاة يسمون مصارف الزكاة وهم ثمانية وقد بينتهم الآية الكريمة في قوله تعالى { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } [ سورة التوبة / 60 ]

قال شارح العمدة : ولا يجوز صرفها إلى غيرهم لأن الله سبحانه خصهم بها بقوله [إنما] : وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه .

” العدة ” ( ص 189 ).

ولكن لا يعني هذا أن توزع الزكاة على جميع هؤلاء فلو دفعها إلى بعضهم أو أحدهم جاز، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف.

[ أما الفقراء والمساكين ]:

*  قال ابن كثير – رحمه الله – :

وإنما قدم الفقراء هاهنا : لأنهم أحوج من البقية – على المشهور – ؛ لشدة فاقتهم ، وحاجتهم . ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 165 ) .

* وقال شارح العمدة:

فأما الفقراء والمساكين فهم صنفان وكلاهما يأخذ لحاجته لمؤنة نفسه والفقراء أشد حاجة لأن الله سبحانه بدأ بهم والعرب إنما تبدأ بالأهم فالأهم .

ولأنه سبحانه قال { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } [ سورة الكهف / 72 ] ، فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها ، … فدل على أن الفقر أشد فالفقير : من ليس له ما يقع موقعاً من كفايته من كسب ولا غيره ،  والمسكين: الذي له ذلك ، فيعطى كل واحد منهما ما تتم به الكفاية .

” العمدة ” ( ص 189 ) .

– [ العاملين عليها ]: أي الجباة الذين يجمعون الزكاة أومن يقوم مقامهم ممن يستخدمون في جمعها.

– [ المؤلفة قلوبهم ]: منهم من يعطى الزكاة ليسلم أو يعطاها ليحسن إسلامه أو من رؤساء العشائر والقبائل الذين تخشى شرورهم فيعطون منها ليكفوا شرهم ويؤمن خيرهم.

– [ وفي الرقاب ]: وهم العبيد والإماء والأرقاء يعطون ليعينوا أنفسهم على الحرية وهم المكاتبون، أو يُشترون ويعتقون.

– [ الغارمون ]: الذين أكلت الديون أموالهم لإصلاح أنفسهم في مباح.

– [ وفي سبيل الله ]: وهم المقاتلون في سبيل الله ممن ليس لهم أجور على قتالهم.

– [ ابن السبيل ]: وهو الغريب الذي انقطعت به الحبائل والوسائل فيعطى ليبلغ أهله أو يتقوى به على سفره وإن كان غنياً في قومه.

 

ثانيا:

ينبغي على دافع الزكاة أن يتوخى الحق فلا يعطي الزكاة لمن لا يستحقها ولا يدفعها لغير هذه الأصناف فإن فعل فهي عبادة باطلة عند أهل العلم يجب أن يعيدها وتعتبر الأولى صدقة من الصدقات.

* قال الشيخ ابن عثيمين:

فلا يجوز صرف الزكاة في بناء المساجد ولا في بناء المدارس ولا في إصلاح الطرق ولا غير ذلك ؛ لأن الله فرضها لهؤلاء الأصناف فقال { فريضة من الله والله عليم حكيم} [ سورة التوبة /60]. ” الشرح الممتع ” ( 6 /219 ) .

فإن كان لا يعرف قوماً يستحقونها من هؤلاء: اجتهد فيما يغلب على ظنه ثم دفعها إلى من رجح عنده أنه من أهل الزكاة فإن لم يتبين له ذلك دفعها إلى رجل ثقة يعرف قوماً يستحقونها، حتى ولو كانوا في بلدٍ آخر.

 

ثالثًا:

أما طبع الآية أو الحديث وجعله في كيس الزكاة ليعلم القوم أصحاب الاستحقاق ثم ينظروا إن كانوا من أولئك فهذا فيه تفصيل:

  • إن كانوا قومًا لا يعلمون من يستحق الزكاة من غيره فما أظنهم إن كان بهم الجهل بهذا الحد أنهم سيفقهون الآية لأنهم لو كانوا من أولئك لكانوا ممن يعلمون مصارف الزكاة.
  • إن كانوا يعلمون ذلك وتريد أن تذكرهم بأن لا يستحلوا المال إن لم يكونوا من أهل الاستحقاق وعليهم إعادته فهذا فيه تفصيل أيضًا:
  • قد يجرح شعورهم هذا الصنيع ويحسبون أنك تمن عليهم بالصدقة ولا يجوز إتباع الصدقات بالمن والأذى لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن  والأذى } [ سورة البقرة / 262 ].
  • إن كانوا ممن لا يؤثر في شعورهم هذا لامتنعوا من أخذها ابتداءً وما أظن أن أحدًا يمد يده إلى الصدقة من غير حاجة ثم يتورع إذا قرأ الآية. والراجح: ألا تفعل هذا وأن تستفسر عن أصحاب الحاجات بالسؤال عنهم ولو سألتهم أنفسهم.

والله لا يكلف النفس فوق ما وسعت.

هذا ما نراه مناسبًا.

 

والله أعلم.

هل يجوز إعطاء المال والزكاة للسيد؟

هل صحيح أنه لا يجوز إعطاء المال أو الزكاة أو أي شيء للسيد؟
الحمد لله
أولاً :
فكرة أن هناك أسياد أو أولياء اختصهم الله بشيء دون البشر ، أو أن لهم منزلة دون غيرهم من الناس فكرة مجوسية مبدؤها أن الله يحل في أناس اختارهم واصطفاهم من دون البشر ، وكان الفرس يعتقدون هذا المعتقد في ملوكهم الأكاسرة ، وكانت هذه الروح تنتقل من ملك إلى آخر من ملوكهم وفي أحفاده من بعده ، وتسربت هذه الفكرة المجوسية إلى المسلمين عن طريق الشيعة الرافضة ـ الذين كانوا في أصولهم مجوسا ـ فأدخلوا هذه الفكرة إلى المسلمين ، وهو أن الله اختص بعضا من البشر بمنزلة دون الناس وهي منزلة الإمامة والولاية فهم يعتقدون في علي بن أبي طالب وأحفاده من بعده هذه الفكرة ، وأضافوا إلى ذلك مراتب عندهم كمرتبة الأسياد والآيات وتسربت هذه الفكرة إلى بعض طوائف المتصوفة الضالة كفكرة الأبدال والأقطاب .
ومن هذا المنطلق بما أن هذا السيد أو الولي له هذه المنزلة وهذه الدرجة فهم أدرى بمصالحنا وينبغي لنا أن نوكلهم أمورنا وشؤوننا لأنهم أفضل منا، وبالتالي هم أولى بإعطاء الزكاة لهم .
والصحيح : أن الواجب في الزكاة أن تعطى لمن سمى الله في كتابه إذ يقول : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } [ التوبة / 60 ] .
والأفضل في مذهب الحنابلة أن يتولى المسلم توزيع زكاته بنفسه ؛ للفقراء الذين يعرفهم في بلده ويبدأ بأرحامه ، فإن لم يتيسر له ذلك يعطيها لرجل يثق في دينه من أهل الصلاح ويعلم يقينا أن هذا الرجل أمينا ويتحرى بالصدقات الفقراء والمساكين لا كما يفعل هؤلاء من استخدامها في أغراضهم الشخصية .
وإن في إعطاء هؤلاء الأسياد هذه الزكاة إعانة لهم في نصرة مذهبهم ، فلا يجوز شرعا إعطاء الزكاة لهم.
وانظر في تفصيل الفكرة المجوسية كتاب “نشأة الفرق الإسلامية ” لعبد الرحمن المحمود ( ص 34 ) .
ثانياً :
إن لفظة ” سيد ” جاءت في الشرع على عدة معانٍ ومنها : صاحب مِلك اليمين ، والمطاع ، والزوج ، والمتولّي لقبيلة أو جماعة كثيرة ، وليس من بينها اللقب الذي يختص بمن كان من نسل النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلق عليهم ” الأشراف ” أحياناً ، هذا في حال أن يكون اللقب منطبقاً على من يستحقه وإلا فإنا رأينا أعاجم – بل غالبهم الآن كذلك – يدَّعون أنهم ” أسياد ” وقد علم العقلاء من الناس كذب هذه الدعوى ، وأن من كان من نسل النبي صلى الله عليه وسلم فهم من العرب أباً عن جد ، لكنه الإدعاء لأكل أموال الناس بالباطل اقتفاءً لأثر من قبلهم من اليهود والنصارى الذين قال الله في حقهم { يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان لَيأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله } [ التوبة / 34 ] .

والله أعلم

يأخذون كوبونات في الغرب تعطى للفقراء وهم ليسوا كذلك؟!.

السؤال:

في الولايات المتحدة بعض المسلمين يطلبون كوبونات للأغذية وهذه الكوبونات تعطيها الحكومة للفقراء الذين لا يوجد لديهم المال الكافي ، أولئك الناس يخفون معلومات حساباتهم في البنوك ليكونوا من مستحقي هذه الكوبونات، عندما أنصحهم يقولون بأن هذا ليس بحرام لأنهم لا يأخذون معونات من أي بلد إسلامي . فهل هذا صحيح ؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

لا يجوز لكم الإقامة في بلاد الكفر إلا بعذر شرعي وبشروط شرعية ، وقد سبق بيان هذا مراراً …

ثانياً :

أخذ الكوبونات من أي جهة ادَّعاء بأنه من المستحقين لها ، وسواء كانت الجهة بلداً مسلماً أم بلداً كافراً ؛ لأن المدَّعي في مثل هذه الحال يدخل في حكم ” الكاذب ” وشهادة ” الزور ” ، وقد حرَّم الله تعالى ورسوله الكذبَ وشهادة وقول الزور :

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ” . رواه البخاري ( 33 ) ومسلم ( 59 ) .

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدِّيقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّاباً ” . رواه البخاري ( 5743 ) ومسلم ( 2607 ) .

عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ – ثلاثا – قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئا فقال : ألا وقول الزور وشهادة الزور ، قال : فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت . رواه البخاري ( 2511 ) و ( 5631 ) ومسلم ( 87 ) .

وهو كذلك من أكل أموال الناس بالباطل :

قال الله تعالى : { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة / 188 ] .

ثالثاً :

الواجب على المسلمين التنزّه عن هذه الأفعال المشينة والتي لا تسيء فقط لأنفسهم بل تسيء كذلك لدينهم ، فيكون فعلهم هذا سبباً للطعن في دينهم والنَيْل منه من قِبَل الكفار .

والله تعالى قد أثنى على من كان فقيراً ولا يطلب الناس ولا يسألهم ، قال تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ البقرة / 273 ] فكيف يكون حال من لم يكن فقيراً ولا محتاجاً ثم هو يَسأل الناس ، فهل سيكون محل مدح وثناء؟

 

والله أعلم.