الرئيسية بلوق الصفحة 123

كيف يتصرف مع والدته التي يعلم أن لها علاقات محرمة مع أجانب؟.

كيف يتصرف مع والدته التي يعلم أن لها علاقات محرمة مع أجانب؟.

السؤال:

لي أم، ومنذ صغري وأنا أراها تخون والدي، ونجد أعمالًا سحرية في غرفة نومهم، الخيانة مع أشخاص متعددين، والله إني أخاف عقاب الله وأنا أكتب، ولكن طفح الكيل؛ لأنه تبقى واحد من الأنجاس لا يزال على علاقة ببيتنا، وأبي قد توفي –  رحمه الله -، والآن أصغر إخواني يذهب يتنزه مع هذا الرجل وأولاده، ربما يحاول يكفر عن خطيئته، ولكني لا أحتمل وجوده، ورؤيته، ولا أستطيع أن أواجه أمي بحقيقته.

المهم: نشب نزاع بيني وبين أمي حول أخي الصغير، وخروجه معهم، والآن أنا مقاطع بيت أهلي؛ من أمي، وتصرفاتها المخزية، وتعلقها بالدنيا، فهي شخصية متسلطة جدًّا، والكذب، والخداع، والمراوغة لا تكلفها أي مجهود، أو تفكير، أنا تعبت من التفكير، كما أن لدي أخت سألت أحد المشايخ، فأجابها: بأنه ليس لها ما لباقي الأمهات، ومخالفتها لا يعد عقوقًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

      إن صحَّ ما تقول عن والدتك من إقامتها علاقات غير شرعية مع رجال أجانب: فإنها تكون قد عرَّضت نفسها لسخط الله، وعذابه، فإن كانت وقعت في الزنا: فإن وعيدها أعظم، وخاصة وأنها محصنة، وحدُّ الزانية المحصنة: الرجم بالحجارة حتى الموت، والإحصان يحصل بالدخول الشرعي على متزوجة، ولو مرة واحدة، ولذا فإن هذا حكمها سواء كان والدك على قيد الحياة، أم فعلت ذلك بعد وفاته.

      والسحر الذي رأيتَه في غرفة نومها: إن كان بفعلها، أو عن طريقها: فهي على خطر عظيم؛ لما للسحر من شر في ذاته، ومن شدةٍ في حكمه، سواء فعله الساحر بنفسه، أم قصد مسلمٌ ساحرًا ليسحر له أحدًا من الناس.

لذا يجب على أمك أن تتوب توبة صادقة، وعليك أن تعينها على هذه التوبة، وتحثها عليه، وترغِّبها إن هي تابت، وترهِّبها إن هي أصرت على فعلها، ومنكراتها.

ثانيًا:

وفد أخطأتَ بخروجك من البيت خطأً كبيرًا، بل كان الواجب عليك: البقاء في البيت لتحمي أمك، وأخاك الصغير، وأختك، من ذلك الذئب الجائع، ونعجب منك كيف فهمت أن علاقة ذلك الرجل بأخيك إنما هي لتكفير خطيئته بعلاقته المحرمة مع والدتك! فمثل هذا لا يُحسَّن به الظن، بل ينبغي أن يحترس منه بسوء الظن.

فنرى أنك أخطأتَ خطأً عظيمًا بهجرك للبيت، وأن الواجب عليك الآن الرجوع إليه، وأن تكون حاميًا له، ولأفراد أسرتك، من طمع الطامعين، وكيد الكائدين، وبقاؤك مع تحملك لتصرفات أمك خير بكثير من هجرك للبيت لتنفس عن نفسك، فاتق الله تعالى ربك، وأنت الآن صاحب مسئولية، فلا تقدِّم هوى نفسك بتخليك عن تلك المسئوليات، وكن خير حامٍ لأسرتك، فهم أحوج ما يكونون لك.

      وبخصوص ذلك الخبيث: فليس لك إلا مواجهته، وطرده من بيتكم، والطلب منه عدم زيارتكم، والقدوم إليكم، وليكن منك إقناع بذلك لأخيك، حتى يعلم أنه غير مرغوب فيه، فتُقطع رجله عن القدم إليكم، ولا ينبغي لك التهاون في هذا، وبحسب ما جاء في بياناتك أن عمرك ( 31 عامًا ) وهو عمر رجل يستطيع فرض سيطرته على بيته، فافعل ذلك ولا تتردد.

ثالثًا:

ومع ما تقوله من تصرفات والدتك: فإن حقها يبقى عليك في البرِّ، والتلطف في الكلام، وهذا هو الطريق المناسب لقلبها، وهدايتها، دون القسوة، والغلظة، ونرى أن من قال لك بسقوط حقها في البر والصلة أنه أخطأ، نعم، لا تعان على معصية، لكن يبقى برُّها على أولادها.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن امرأة مزوَّجة، ولها أولاد فتعلقت بشخصٍ أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها: سعَت فى مفارقة الزوج، فهل بقيَ لها حق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرًّا؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟.

فأجاب:

الواجب على أولادها وعصبتها: أن يمنعوها من المحرمات، فإن لم تمتنع إلا بالحبس: حبسوها، وإن احتاجت إلى القيد: قيَّدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمَّه، وأمَّا برُّها: فليس لهم أن يمنعوها برَّها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء، بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتلٍ ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك. “مجموع الفتاوى ” ( 34 / 177، 178 ).

فالمطلوب منك أخي السائل:

  1. الرجوع دون تردد إلى بيت أهلك.
  2. القيام على أمك وأختك وأخيك بالعناية، والرعاية، والدعوة بالحسنى.
  3. طرد ذلك الرجل الخبيث من بيتكم، ومن حياتكم.
  4. منع أمك من لقاء أحد من الأجانب، أو استضافتهم في بيتها، ولو أدى ذلك إلى تقييدها، وحبسها في البيت، على أن تدرس عواقب ذلك, واحتمال وقوع ضرر عليك جراء فعله.
  5. لا تمتنع من برها، ويحرم عليك عقوقها، فأحسن إليها، وتلطف معها، وأخرجها من بيئتها التي تعيش بها، وعرِّفها على أهل الفضل والعفاف، واذهب بها للعمرة، لعلها تغسل ذنبها، وتستغفر ربها، وتغيِّر حياتها للأفضل.
  6. داوم على دعاء الله تعالى لأسرته بالهداية، ولك بالتوفيق والإعانة.

 

والله أعلم.

كلمة في ” الانتخابات النيابية ” و ” الانتخابات الفرعية للقبيلة “

كلمة في ” الانتخابات النيابية ” و ” الانتخابات الفرعية للقبيلة ”

السؤال:

عندنا في الكويت جرت انتخابات مجلس الأمة, وبعض القبائل تقوم بانتخابات فرعية, يتم من خلالها تصفية عدد المرشحين من القبيلة الواحدة, فيتم تحديد عدد معين من أبناء القبيلة الواحدة للنزول لانتخابات مجلس الأمة, الذي من شأنه زيادة فرصة تمثيل القبيلة بعدد أكبر في المجلس, والقبيلة تلتزم التزاماً أدبيًّا بالتصويت فقط لمن نجح في الانتخابات الفرعية, ولكن لا تمنع القبيلة من التصويت لغيرهم, بالرغم من أن من يصوت لغيرهم قد لا يستطيع أن يجهر بهذا, والبعض يجهر بالقول أنه لم يلتزم. سؤالي: هل تعتبر هذه الانتخابات الفرعية من باب التعصب للقبيلة فتكون فرعًا من أبواب الجاهلية الحديثة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما يسمى بالمجالس النيابية في عالمنا العربي والإسلامي لا يكاد يكون له ذلك الأثر الذي من شأنه أن يوقف الفساد، وأن ينشر الفضيلة، بل ما تريده الحكومات -غالبًا – هو الذي ينفذ، وأصبح دور تلك المجالس فارغًا من جزء كبير من مضمونه، وهو محاسبة المقصرين، وكشف الفساد، وفضح أهله، وأصبح الدور المهم الذي يقوم به هو ” التشريع ” لما تريده السلطة، حتى صار في كثير من الدول أداة طيعة، يلبي رغبة الحكومة، ولا يحاسبها على تقصيرها، فضلًا أن يحاكمها، ويغيرها لعدم صلاحيتها.

ثم إن ما نراه من حال من يرشح نفسه لتلك المجالس يدعو للعجب، فهو يزكي نفسه في منشوراته، وهو يكذب في أطروحاته مما يعلم أنه لن يحقق شيئًا منها، ثم ما يحصل من شراء للأصوات، واتهام للآخرين من المنافسين، وما يبذل من أموال طائلة، وما يحدث من تعصب للحزب، والقبيلة، ومن تفريقها لأهل البلد، والمدينة، القبيلة، بل والبيت الواحد: كل ذلك – وغيره كثير – أمور لا يُنكرها أحد، وهي تتفاوت من دولة لأخرى، ومن مرشح لآخر، لكنها موجودة في مجملها لا تُنكر.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وأما الانتخابات المعروفة اليوم عند الدول: فليست من نظام الإسلام، وتدخلها الفوضى والرغبات الشخصية، وتدخلها المحاباة، والأطماع، ويحصل فيها فتن وسفك دماء، ولا يتم بها المقصود، بل تصبح مجالاً للمزايدات، والبيع والشراء، والدعايات الكاذبة. ” جريدة الجزيرة ” العدد 11358، 8 رمضان، 1424 هـ.

ومع هذا كله: فإن بعض علمائنا الأجلاء يفتي لأهل الخير من أهل العلم والخبرة بشغل تلك الأماكن – مع عدم تجويز شيء من الشرور والمعاصي السابق ذِكرها – حتى لا تكون حِكرًا على أهل الشر والفساد، ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله-، بل ذهب إلى وجوبها لمن يكون له تأثير فيها.

رأى ما قاله الشيخ – رحمه الله -، وكان غير مرتكب لإثم ذكرناه سابقًا، أو لم نذكره لكنه كذلك في حكم الشرع: فإن حكم الانتخابات الفرعية لقبيلته في حقه كحكم المجلس، سواء بسواء، وكما أنه لا يحل له انتخاب من لا يوثق بدينه وأمانته في المجلس: فإن الأمر كذلك في الانتخابات الفرعية، فليس لأن المرشَّح من حزبه، أو من قبيلته يقدَّم على غيره من أهل العلم والقوة والأمانة، بل ينبغي أن يكون الشرع هو ميزانه في الحكم على الأشخاص، وفي ترشيحهم لتلك المجالس وغيرها، من غير محاباة، ولا مداهنة.

* وتتمة لجواب الشيخ العثيمين الوارد في الجواب المحال عليه – وهو عن ” الانتخابات في الكويت ” –: * سئل الشيخ – رحمه الله -: الانتخابات الفرعية القبلية يا شيخ؟.

* فأجاب الشيخ – رحمه الله -:

كلُّه واحد، أبدًا، رشِّح من تراه أنه خَيْر، وتوكل على الله.

انتهى. ” لقاءات الباب المفتوح ” ( شريط رقم: 211، الوجه الثاني ).

 

والله أعلم.

سكن زوجته الأولى مِلك لها وهو واسع, فهل يجب على الزوج توفير مثله للثانية؟.

سكن زوجته الأولى مِلك لها وهو واسع, فهل يجب على الزوج توفير مثله للثانية؟.

السؤال:

منح والدها لضرتي منزلًا كبيرًا، وعندما تزوجني زوجي كانوا يسكنون بهذا المنزل الواسع، ومن التجربة سنتين: وجدتُ أن زوجي يميل للبيت الأول؛ بحكم العشرة بالطبع، ولتعوده على المنزل الواسع الكبير، وحديقة المنزل الغنَّاء، وأنا أسكنني بشقة صغيرة مقفلة لا يوجد بها منفس لي، ولم يتحرج أن يبقى عندها في يومي إلى بعد العشاء؛ بحجة أنه غير مستعد ليحبس نفسه بشقة معي، الأمر الذي أثَّر كثيرًا على نفسيتي، وطبعًا ما تحتاجه الفيلا أكثر بكثير من الشقة، وإن طلبت شيئًا: قال: معنى هذا لابد أحضر للاثنتين، فتلغى أشياء كثيرة أحتاجها، وهي لها كماليات، وحاليًّا أنا ببلد بعيدة عنه لظرف، فطلبت منه استئجار دور لي، خصوصاً أنه مدير بمكان كبير، ووظيفته مرموقة، وجميع أهله بفلل، وأجد أطفالي يندهشون عندما يدخلون الفلل من حولهم، وخفت أن تصبح الشقة لهم كحبس فيكرهون بيتنا أكثر، ويتعلقون بمنزل ضرتي، وطلبت منه دورًا، وهو عبارة عن ( 4 أو 5 غرف )، وله حديقة، مع أن راتب زوجي أكثر من ( 20000 ريال )، ولكنه يقول: هذا تصعيب عليَّ، وأنا ملتزم بأقساط لسيارات أولاده من الأولى، ما الحكم؟ هل يحق لي سكن أراه مريحًا وهو بطاقته ومستوى من حولنا، أم شقة؟ مع العلم عندي بالبيت طفلان منه، وصغر الشقة يمنعه من استقبال أحد بها، فأراني أبتعد أكثر عن الحياة الاجتماعية. أفتوني مأجورين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى على الزوج المعدد العدل بين نسائه في النفقة، والمبيت، والكسوة.

ثانيًا:

اتساع بيت الزوجة الأولى ليس بعذر للزوج لقضاء وقت الزوجة الأخرى فيه، بل يحرم عليه فعل ذلك، ولا يحل له الدخول في نهار الزوجة الثانية على الأولى إلا لحاجة، ولا يحل له الدخول في ليلتها على ضرتها إلا لضرورة.

ثالثًا:

ومن العدل الواجب على الزوج العدل في السكنى، فلا يحل له إسكان زوجة في فيلا، والأخرى في شقة صغيرة، وهذا التفاوت بين السكنين مما يُدخله في الظلم المحرَّم.

أما إذا كان الزوج يسكن في بيت إحدى زوجتيه، وكان واسعا فسيحًا: فلا يلزمه أن يجعل مثله لزوجته الأخرى؛ لأن السكن ليس له، وهذا ليس من الظلم، وليس واجبًا عليه إسكان الأخرى بمثل سكن الأولى.

وإن كان الزوج قادرًا، وقد أنعم الله عليه بالمال: فلا ينبغي له أن يضيِّق على الأخرى بإسكانها في شقة صغيرة، هو نفسه لا يطيق البقاء فيها، وليعلم أنها زوجته، وأولادها هم أولاده، وهو سكنه الذي يأوي إليه، ومن السعادة في حياة المرء اتساع البيت، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد (15409 ) عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ ) وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 3029 ).

فعلى الزوج أن يسعى في إسعاد نفسه، وزوجته، وأولاده بتوفير مسكن ملائم، وفسيح، لزوجته الأخرى، وقد أنعم الله تعالى بالمال، وإن الله يُحب أن يرى أثر نعمته على عبده، كما صحَّ بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا: حتى لا يجعل فروقات بين أولاده في مسكنهم، وراحتهم، وسعادتهم، وهو وإن كان غير واجب عليه – كما ذكرنا من قبل – لكنها نصيحة مطلع على أحوال بيوت المسلمين، ومن دراية بنفسياتهم، وبخاصة النساء الضرائر.

والخلاصة:

أنه لا يجب على زوجكِ توفير سكن واسع فسيح لكِ، إلا أن يكون هو صاحب المسكن الأول، لكنه يستحب له فعل ذلك، وهو سعادة له، ولأهله.

 

والله أعلم.

زوجته تسيء في تصرفاتها معه، وعنده منها أولاد فهل يطلقها؟

زوجته تسيء في تصرفاتها معه، وعنده منها أولاد فهل يطلقها؟

السؤال:     

سؤالي يتلخص في مشكلة مع زوجتي منذ سبع سنوات، وذلك أن زوجتي هي زوجة أخي – رحمه الله -، وله منها أربع بنات وولد، وأنا كان هدفي من الزواج منها هو رعاية الأيتام لا غير، مع أنها تكبرني بعشر سنين، أو تزيد, والمشكلة المستديمة في أمرين هما:

أولًا: كثرة ودوام الغيرة العمياء التي لا تمت إلى الحقيقة بشيء، بل تصل إلى حد الشك بي عندما أكلم أقربائي وغيرهم!.

والثاني: أنه إذا حدثت مشكلة أنّا نمكث متقاطعين لمدة لا تقل عن أسبوع، أو أسبوعين، وقد تمتد إلى الشهر تقريبًا, وللأسف أدخلنا من نريده أن يصلح بيننا ولكن لا فائدة، وهذه المشاكل التي تحصل – والله يا شيخ – تكون في كل شهر تقريبًا، وأنا يا شيخ – والله – إني قد حاولت أن أطلقها ثلاث مرات لأرتاح لكن الذي يحول بيني وبين ذلك هو حبي الشديد لأبنائي الثلاثة، وأبناء أخي, يا شيخ ما الحل مع هذه الزوجة العجيبة؟ فأنا – والله يا شيخ – أصبحت أبغضها بغضًا شديدًا، ولولا أولادي: لكنت قد طلقتها منذ فترة طويلة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا تعقل النساء الفرق بين الغيرة والشك والريبة، ولا يعقلن أن هذه الغيرة هي من هوادم زواجها، وتفكك أواصر أسرتها، فمتى تعقل النساء هذا؟.

وتلك الغيرة من زوج الأخ السائل هي سبيل تسلكه تلك الزوجة لتعدم الثقة بينها وبين زوجها، ولتخرب بيتها بيديها؛ فهذه الطريقة في التعامل مع الزوج تقضي على حبه لها، وتحل محلها البغض، وتقضي على رغبته في استمرار زواجها، وتعجل بانقضاء أجله.

والزوجة العاقلة هي التي تزن الأمور بموازين دقيقة، فلا تنكد على زوجها حياته، ولا تدخل في حياتها الشك والريبة تجاه تصرفاته الطبيعية، بل تسعى جاهدة لإحلال الثقة بينها وبينه، وإرساء قواعد المحبة والسعادة بينها وبينه؛ لتستقيم لها، وإلا فإنها يوشك أن تكون في سلك ” المطلقات “.

ثانيًا:

ووصيتنا للزوج أن يتمهل ولا يتعجل، فطبع النساء يختلف عن طبع الرجال، وليس يوجد مستمتع مع زوجته إلا مع عِوَج في أفعالها وتصرفاتها، يقل ويكثر بحسب دينها، وعقلها، وحسن تصرفها.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ, فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا, اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ, وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا, وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا “. رواه البخاري ( 3153 ) ومسلم ( 1468 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: ملاطفة النساء، والإحسان إليهن، والصبر على عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها. ” شرح مسلم ” ( 10 / 57 ).

فالذي نراه لك: أن تصبر على خلقها، وأن تسعى في إصلاحها، وزيادة علمها، وإيمانها، بتوفير ما يلزم لذلك من كتب نافعة ميسرة، وأشرطة، وصحبة صالحة، وأن تجعل من حسن تعاملك معها سببًا لذلك أيضًا، مع كثرة الدعاء.

واعلم أن الطلاق سبيل تفرق وتشتت للأسرة، وفيه ضياع للزوجة، وضياع للأولاد، غالبًا، وإن كثيرًا من الناس ليصبرون على سوء تصرفات نسائهم لأجل أولادهم، وفي صلاح أولئك الأولاد، وتنشئتهم على خير إعانة لوالدتهم على الطاعة، وضبط تصرفاتها، وهذا مشاهَد مجرَّب، فهذا ما نراه لك، وأما إن كنت لا تستطيع الصبر على تصرفاتها، وأنك ستظلمها، وتهضمها حقوقها: فطلقها، ولعلها ترعوي بعد الطلقة الأولى، أو الثانية، فإن استمرت على ما هي عليه، ولم تستطع التحمل فقد جعل الله في غيرها لك بدلًا.

 

والله الموفق.

زنت وستر عليها زوجها, فهل الأفضل أن يقام عليها الحد أم تتوب؟.

زنت وستر عليها زوجها, فهل الأفضل أن يقام عليها الحد أم تتوب؟.

السؤال:

أرجو منكم إعطائي الجواب الوافي الذي يبرِّد نار قلبي مما جنيتُ في حق ربي، ونفسي، وزوجي. لن أطيل بسرد القصة، علماً بأني تائبة، والله أتفكر كل يوم بما جنتْ يدي، أو كيف انسقتُ لتلك المعصية، لأني تربيتُ مع عائلة محافظة، متمسكة بالكتاب والسنة، أسألكم بالله أفيدوني.

كنت قد ارتكبتُ معصية يقام فيها حدٌّ، وزوجي علِم، وطلقني بدون فضح أمري، ثم أرجعني، وستر عليَّ, وقد اتفقنا على أن يقيم عليَّ الحد! فذهب لأحد الشيوخ، فقال له: استر عليها، ولتتب لربها، أَصلَح لها، وأنا من معرفتي بالدِّين علمتُ بأن الله يعذب الزاني في القبر، فهل إن تبت، وصلح أمري: فإني سأنال من عذاب ربي بعد موتي؟.

أرجوكم، أفيدوني بجواب وافٍ، فقد قرأتُ جميع الآراء والأحكام، ولم أعرف ما الصواب والخطأ، أرجوكم أفيدوني، فهل يجب أن أقيم الحدَّ, أم أن توبتي كافية, وأعيش ذليلة طيلة حياتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن كان من شيء نبدأ به جوابنا: فهو أن نذكر المسلمين والمسلمات بتقوى الله وطاعته، وأن يأخذوا العبرة والعظة من أحوال الناس، وأن لا يعتقدوا في أنفسهم البُعد عن الوقوع في الفواحش والمنكرات، وأن يبتعدوا عن الصحبة السيئة والمهيجات، وأن لا يجني الواحد منهم على نفسه بلذة تزول, وتبقى حسرتها وألمها حتى يلقى ربه، وليس كل واحد ممن عصى ربَّه يوفَّق لتوبة صادقة، ويأتي بحسنات ماحية.

ثانيًا:

ونثني بالثناء على الله تعالى وشكره أن وفقكِ للتوبة، وأن يسَّر لك أن ترجعي لصوابك، فليس كل من فعل معصية وُفق للتخلص منها، والتوبة بعد فعلها، وها قد وفقك ربك لتلك التوبة فاحمديه، واشكريه، وأكثري من الثناء عليه عز وجل، فلولا أن وفقك لها لما كنت تنعمين بها، وهذا لا يعني أن آلامها ستزول، بل مثل تلك الفواحش والمعاصي تُبقي أثرها في حياة فاعلها؛ لعلَّ الله يجعل بتلك الحسرة جدارًا مانعًا من إعادة الوقوع فيها، ولعلَّ ذلك الألم أن ينزل دمعة تطهر خبث النفس، ولعلَّ العذاب بعدها أن يُحدث طاعة يداوم عليها ذلك التائب ليصلح شأنه، وحاله، ويجدد العقد والعهد بينه وبين خالقه أن لا يعود لمثلها.

ثالثًا:

ونثلِّث بالثناء على ذلك الزوج الشهم الأصيل، والذي لم يفضح أمر زوجتك العاصية التائبة، وهذا إن دلَّ على شيء فيدل على عقل راجح، ودين متين، نسأل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء، وأن يهبه تعالى ستراً عليه في الدنيا والآخرة.

وأما هل يطلِّق زوجته أم لا؟ فالمسألة فيها تفصيل.

رابعًا:

ونقول للزوج الشهم الموفق: إن ما قاله ذلك الشيخ من الستر على زوجتك، وإصلاح حالها: هو المتعين، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقيم الحدَّ على من فعل ما يستوجبه به، بل الحدود لا يقيمها إلا الولاة الشرعيون، ومن يقوم مقامهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

قال العلماء: لا يستوفي الحدَّ إلا الإمام، أو من فوَّض ذلك إليه.

” شرح مسلم ” ( 11 / 193 ).

وليعلم الزوج والزوجة: أنه لو كان ثمة من يقيم الحدود الشرعية على فاعل المعصية التي تستوجب إقامة الحدّ: لما نصحناه بالذهاب للقاضي أو الحاكم ليقيم على زوجته الحد؛ وذلك لأن ستر العاصي على نفسه خير له من فضح نفسه، ولو كان بعد ذلك يقام عليه الحد المطهِّر، وإننا لننصح بما نصح به النبي صلى الله عليه وسلم، ونصح به الخليفة الراشد أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

ففي صحيح مسلم ( 1695 ) جاء ” ماعز ” يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ” طهِّرني “، قال له: ( ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ويؤخذ من قضيته – أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى – أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ، كما أشار به أبو بكر وعمر على ” ماعز “، وأن مَن اطَّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة: ” لو سترتَه بثوبك لكان خيراً لك “، وبهذا جزم الشافعي – رضي الله عنه – فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر. ” فتح الباري ” ( 12 / 124، 125 ).

خامسًا:

ونقول للأخت السائلة: إن باب التوبة مفتوح، وإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، واعلمي أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده، ويبدلها لهم حسنات إن هم صدقوا فيها.

قال الله تعالى: ( وإني لغفار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) [طـه/الآية 82 ]، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ].

وحتى تكون التوبة صحيحة: فلا بد من تحقيق شروطها، وهذه الشروط هي:

  1. الإقلاع عن الذنب.
  2. الندم على فعله.
  3. العزم على عدم العود إليه.

وإن تبتِ إلى الله تعالى، وأصلحتِ أمرك: فلن يكون عذاب لك، ولا عقاب، على ذلك الذنب، بل إن الله تعالى تفضَّل على عباده التائبين ووعدهم بتبديل سيئاتهم حسنات، فلا تجعلي للشيطان طريقاً إلى قلبك ليحول بينك وبين التوبة، واقطعي الطريق عليه في تيئيسك من رحمة الله تعالى، ولم يكتف عدو الله في إيقاع المسلمين في المعصية حتى يصدهم عن التوبة منها، فاحذري أشد الحذر، واعلمي أن فضل الله واسع، فليس عليك إلا أن تصلحي بينك وبين ربك، وهو تعالى يتولاك، ويسددك، ويوفقك، واعلمي أن التوبة ليست فيها ذلاًّ، إنما الذل في معصية الله، بل ستعيشين مع التوبة سعيدة، هنية، بذكر الله تعالى، وطاعته، بتوفيق منه وإعانة.

 

 

والله الموفق.

 

 

زنا شقيقه بامرأة وتزوجها, وهي حامل منه, فكيف يتصرف معه؟

زنا شقيقه بامرأة وتزوجها, وهي حامل منه, فكيف يتصرف معه؟

السؤال:

هل يجوز لي أن أُدخل أخي وامرأة أخي إلى بيتي بعد أن تبين أن أخي قد زنى بها، وأنجبت طفلة من الزنا, علمًا أن أخي عقد العقد الشرعي قبل أن تنجب، ولم يعقد العقد الشرعي بعد الإنجاب؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب، وإنه ليؤلمنا انتشار هذه الكبيرة بين الناس، وهوان أعراضهم على أنفسهم، وعلى أهليهم، وإنهم ليعاندون الشرع فيما جاء به من أحكام تحفظ عليهم أعراضهم، فراحوا يتساهلون في السفر، والاختلاط، والمماسة، والحديث، والمراسلة، والنظر، وكل هذه – وغيرها مما هو مثلها – من الطرق الموصلة للفاحشة.

وعلى أخيك والمرأة التي زنى بها التوبة الصادقة، والإكثار من الأعمال الصالحة والطاعات، ولعل الله أن يعفو عنهما بمنِّه وكرمه.

ثانيًا:

وبخصوص ما فعله أخوك: فاعلم أن جمهور العلماء أجازوا للزاني الزواج قبل توبته، وقد خالف في ذلك الحنابلة، فاشترطوا التوبة من الزاني والزانية لصحة زواجهما، وهذا الذي رجحناه في موقعنا هذا في عدة أجوبة.

والأمر الآخر: زواجها قبل استبراء رحمها من نطفة السفاح، وهو أمر محرَّم، لا يحل لها فعله، فيضاف إلى الشرط السابق، وفيه خلاف – كما في سابقه -، لكنَّ الجمهور هنا على اشتراط براءة رحمها قبل الزواج، وقولهم هو الصواب.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين:

أحدهما: انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا, فقضاء عدتها بوضعه، ولا يحل نكاحها قبل وضعه ….

والشرط الثاني: أن تتوب من الزنا.

وقال:

وإذا وجد الشرطان: حلَّ نكاحها للزاني، وغيره، في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو بكر، وعمر، وابنه، وابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، والثوري، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. ” المغني ” ( 7 / 108، 109 ).

والأمر الثالث: أن الطفل الذي تولَّد من ذلك السفاح لا يجوز نسبته للزاني، حتى لو تزوجها بعد ذلك، بل هو نتيجة علاقة محرَّمة، فيُنسب للأم، وخالف في ذلك بعض التابعين، وأيدهم شيخ الإسلام ابن تيمية، بشرط أن لا تكون المزني به فراشًا لزوج آخر، وأن يستلحقه الزاني بنسبه.

ونحن رجحنا قول الجمهور في عدة أجوبة، وبعض العلماء يرى أن الزاني إن استلحق ولد الزنا به، ولم تكن المرأة فراشا لأحد، ولم يزعم أنه من الزنا: أنه يكون ولده في أحكام الدنيا.

ثالثًا:

وقد ذكرنا التفصيلات السابقة لبيان أن المسائل المتعلقة بما فعله أخوك فيها خلاف بين العلماء، فإن كان سأل أحد العلماء وأخذ برأيه فيها: فلا حرج عليه، وإن لم يفعل: فنحن نرى أن يفسخ النكاح؛ لعدم توبتهما – كما يظهر -؛ ولأنه عقد عليها وهي حامل!، وعليهما التزام التوبة، وعدم نسبة الولد له، ولهما التزوج بعد ذلك بالشروط الشرعية المعروفة، من الولي، ورضاها.

وأما بخصوص علاقتك به: فإن كانا أظهرا التوبة والندم على فعلهما، وكان زواجهما ونسبتهما الولد له بناء على سؤال أحد أهل العلم: فلك أن تُدخله بيتك، وتزوره، وأما إن لم يُظهرا التوبة، وكانت أفعالهم من الزواج ونسبة الولد ليست بناء على فتوى أحدٍ من أهل العلم: فنرى أن تحذر منه، وتقاطعه، حتى يصوِّب أفعاله، ومثل هذه الأفعال أولى بأن تكون سببًا للهجر من كثير من قضايا الناس الدنيوية التافهة.

 

 

والله أعلم.

حليب المرأة غير المتزوجة هل ينشر المحرمية؟ وكيف تربي لقيطًا؟ ومعنى ” العرق دسّاس “

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يرزقكِ وزوجك الذرية الصالحة، وأن يجزيكم خير الجزاء على وقوفكم عند أحكام الشرع، وعلى اهتمامكم بالأيتام، وحب رعايتهم والعناية بهم، ونحن ندعو من يقرأ جوابنا هذا أن يخصكما بدعوة في ظهر الغيب، لعلَّ الله أن ينفعكما بها دنيا وأخرى.

ثانيًا:

وبخصوص تناول الحبوب التي تدر الحليب: فبالإضافة إلى تأكدكم من وجودها: نرجو التأكد من عدم تضرر الحليب بها، حتى لا يكون له تأثير سيئ على من يتناوله من أولئك الأيتام.

وأما من حيث الحكم الشرعي: فقد اختلف العلماء في حكم الحليب الذي يدر من امرأة غير متزوجة، أو من غير جماع وحمل، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينشر المحرمية، وقال آخرون إن العبرة بوجوده، لا بوجوده من زوج، فقالوا: بأنه ينشر المحرمية، وهذا هو الراجح، وهو قول الجمهور، ويكاد يتفق عليه الأئمة الأربعة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو قدر أن هذا اللبن ثاب لامرأة لم تتزوج قط: فهذا ينشر الحرمة في مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهي رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه: أنه لا ينشر الحرمة. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 51 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلًا: نشر الحرمة في أظهر الروايتين، وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يَحفظ عنه ابنُ المنذر؛ لقول الله تعالى: ” وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم “؛ ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء؛ ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان هذا نادراً: فجنسه معتاد. والرواية الثانية: لا تنشر الحرمة؛ لأنه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال. والأول: أصح. ” المغني ” ( 9 / 207 ).

* وقال الماوردي الشافعي – رحمه الله -:

لبن النساء مخلوق للاغتذاء، وليس جماع الرجل شرطًا فيه، وإن كان سببًا لنزوله في الأغلب، فصار كالبكر إذا نزل لها لبن فأرضعت به طفلًا: انتشرت به حرمة الرضاع، وإن كان من غير جماع. ” الحاوي في فقه الشافعي ” ( 11 /413).

وينبغي التنبيه على أمرين مهمين في هذا الباب:

الأول: أن يكون الطفل الرضيع دون السنتين، فإن كان عمره أكثر من ذلك: لم ينشر لبن المرأة التحريم.

والثاني: أن يرتضع خمس رضعات مشبعات، فإن ارتضع أقل من ذلك: لم يصر ولدًا في الرضاع لمن أرضعته.

عن عائشة أنها قالت: ” كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن “. رواه مسلم ( 1452 ).

ثالثًا:

– وأما لفظ ” العرق دسَّاس “: فقد جاء في روايات، لكنها بين ضعيف جدًّا، وموضوع، ومنها:

  1. ” أقلَّ من الدَّيْن تعش حرًّا، وأقلَّ من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك؛ فإن العِرق دسَّاس “.

وهو حديث ضعيف جدًّا، انظر ” السلسلة الضعيفة ” للألباني ( 2023 ).

  1. ” تزوجوا في الحجر الصالح؛ فإن العرق دساس “.

وهو حديث موضوع، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 3401 ).

وأما معنى الحديث: فباطل كذلك، وهو أنه إن كان ثمة خبث وسوء في أصول الزوجة فإنه قد يسري ذلك في الفروع!، وهذا ليس على إطلاقه، والحديث ليس صحيحًا أصلًا.

رابعًا:

وتربية الأيتام والقيام على العناية بهم من أجلّ الأعمال، ونحن نعلم حاجة الطفل اللقيط ليكون جزء من المجتمع بعد أن يكبر، ولا يتأثر سلبًا بسبب حاله، لكن هذا لا يجيز أن يُنسب لشخص بعينه، ويدخل في أسرة حاملًا اسمها؛ لأن في هذا اختلاطًا في الأنساب، وتحريم ما أحل الله، وإباحة ما حرَّم الله، ويمكن أن تعطيه الدولة اسمًا عامًّا لا يرجع لشخص بعينه، ويتربى عندكم على ابنكم في الرضاعة، ويمكن التورية عليه بأن أهله حصل لهم ” حادث ” – مثلًا – وبقي وحيدًا، أو ما يشبه ذلك من الأسباب, والتي تختلف من بلد لآخر، ومن بيئة لأخرى.

 

 

والله أعلم.

حكم قول: ” يا مَن أمْرُه بين الكاف والنون “؟.

حكم قول: ” يا مَن أمْرُه بين الكاف والنون “؟.

السؤال:

نرجو معرفة حكم قول: ” يا من أمره بين الكاف والنون “؟، وخاصة أنها كَـثُـرت على ألسنة الدعاة، فما حكمها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه الجملة لا يجوز قولها؛ لأن أمر الله تعالى يكون بـ ” كن “، قال تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ النحل / الآية 40 ]، وقال تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يـس / الآية 82 ].

فأمر الله تعالى يكون بقوله ” كن “، ومأموره يكون بعد ” النون “، إن كان يُراد تعديل الجملة لتوافق الشريعة، وإن تركَ استعمالها فهو أفضل، مع التنبيه على أن الأمر في هذه الجملة هو الأمر الكوني، وليس الأمر الشرعي.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ ) يعني: ما أمرنا فيما نريد أن يكون، ( إِلاَّ وَاحِدَةٌ ) أي: إلا مرة واحدة، بدون تكرار ( كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ ) بدون تأخر، سبحان الله، أمر الله عز وجل واحدة، لا تكرار، بسرعة فورية، أسرع ما يمكن أن يكون، كلمح للبصر، كن فيكون.

واشتهر عند العوام يقولون: ” يا مَن أمرُه بين الكاف والنون “، وهذا غلط، ليس أمر الله بين الكاف والنون، بل بعد الكاف والنون؛ لأن الله قال: ( كن فيكون )، بعد كن، فقولهم: ” بين الكاف والنون “: غلط؛ لأنه لا يتم الأمر بين الكاف والنون، بل لا يتم الأمر إلا بالكاف والنون، أي بعد الكاف والنون فوراً، كلمح بالبصر.

” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 294 )، و ” لقاء الباب المفتوح ” ( 186 / المقدمة ).

وفي ” شرح الأربعين النووية ” ( ص 76 ) قال:

وبهذه المناسبة: أودّ أن أنبّه على كلمة دارجة عند العوام، حيث يقولون: ” يا مَن أمره بين الكاف والنون “، وهذا غلط عظيم، والصواب: ” يا مَن أمره بعد الكاف والنون “؛ لأن ما بين الكاف والنون ليس أمرًا، فالأمر لا يتم إلا إذا جاءت الكاف والنون؛ لأن الكاف المضمومة ليست أمرًا، والنون كذلك، لكن باجتماعهما تكون أمرًا.

 

 

 

فالصواب أن تقول:

” يا من أمره – أي: مأموره – بعد الكاف والنون “، كما قال تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ يس / الآية 82 – 83 ]. انتهى.

 

والله أعلم.

 

نبذة عن ” القياس “، والرد على منكريه من الظاهرية

نبذة عن ” القياس “، والرد على منكريه من الظاهرية

السؤال:

يقول بعض الإخوة: إن القياس ليس من الدين، وإن أي حكم شرعي بني علي القياس فهو باطل، هل هناك أي دليل من السنة أو عن السلف على شرعية القياس مع التفصيل؟ وجزاكم الله عنا خيرًا إن شاء الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس في شرع الله تعالى من مصادر للوحي غير القرآن والسنَّة، فهما مرجع المسلمين في اعتقادهم، وأحكامهم، وقد أمرنا الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في تلقي الأحكام، لا غير، وأمرنا عند التنازع والاختلاف أن نرجع إلى الكتاب والسنَّة ليكونا حكمًا بين المختلفين.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) النساء / الآية 59 ]، وقال تعالى: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ الشورى / الآية 10 ].

وإذا علمنا أن القياس ليس من مصادر التشريع: فهو لا يناقض أنه وسيلة لإثبات الأحكام الشرعية التي تشترك مع المنصوص عليه بجامع العلة بينهما، وهذا لا يتناقض مع الآيات المذكورة؛ لأن القياس كان على وارد في نصوص الوحي، والشريعة لا تفرِّق بين متماثليْن، ومثله يقال في الإجماع، حيث لا إجماع إلا على نص من الوحي، فصارت مصادر التشريع: الكتاب والسنَّة، وأما الإجماع والقياس فمرجعهما إلى نصوص الوحي، فتسميتهما ” مصادر تشريع “: فيه نظر من حيث الاصطلاح، وقد وقع خلاف في مسائل في الإجماع والقياس، فأنَّى يكون مثل هذا مصدرا للتشريع؟!، والأصل في المصادر العصمة.

ثانيًا:

وأما نفاة القياس مطلقًا: فهم الظاهرية، وعلى رأسهم أبو محمد ابن حزم، وقد ساق الأدلة والأقوال الكثيرة على نفي القياس في الشرع مطلقًا، وقد ردَّ عليه أئمة التحقيق، وتتبعوا أدلته وأقواله بالرد والنقض، وبينوا أنه ليس كل قياس معتبر، كما لا يمكن رد القياس الصحيح المنضبط ونفيه من الشرع.

ومن الأئمة الذين تتبعوا أقوال الظاهرية بنفي القياس وردوا عليهم: الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه ” إعلام الموقعين “، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه ” أضواء البيان “.

* وبعد أن ساق الشنقيطي – رحمه الله – مجمل أدلة الظاهرية في نفي القياس ختم ذلك بقوله:

اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت: أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد.

أما القياس الفاسد: فهو الذي ترِدُ عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية، وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدِّين كما قالوا، وكما هو الحق.

وأما القياس الصحيح: فلا يرِد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضًا، ولا يناقض البتة نصًّا صحيحًا من كتاب، أو سنَّة، فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة: فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة، متعاضدة، متناصرة، يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح النصَّ الصحيح أبدًا.

وضابط القياس الصحيح هو: أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع، من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه، وكذلك القياس المعروف بـ ” القياس في معنى الأصل ” الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصًّا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك تستدل بها على جهل الظاهرية القادح، الفاضح، وقولهم على الله، وعلى رسوله، وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين، بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب، أو سنَّة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع، وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه.

فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة – رضي الله عنه -: من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لاَ يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبان “، فالنَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحُكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوِّش الفكر، فيمنع من استيفاء النظر في الحكم، فيكون ذلك سببًا لضياع حقوق المسلمين، فيلزم على قول الظاهرية – كما قدمنا إيضاحه -: أن النهي يختص بحالة الغضب، ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم، فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرًا أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع، أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب: فعلى قول الظاهرية: فحُكمُه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم: عفو، جائز؛ لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النَّبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشًا كتشويش الغضب أو أشد منه، كما لا يخفى على عاقل، فانظر عقول الظاهرية، وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم الصريح عن ذلك في صورة من صوره، وهي الغضب، بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص.

ومن ذلك: قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم، ويحكم بفسقهم، ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك، وأصلح، ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور.

فيلزم على قول الظاهرية: أن من قذف محصناً ذكراً ليس على أئمة المسلمين جلدَه، ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه؛ لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو!.

فانظر عقول الظاهرية، وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص.

ودعوى بعض الظاهرية: أن آية ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث، والذكور: من تلاعبهم، وجهلهم بنصوص الشرع، وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ )؟!، فهل يمكنهم أن يقولوا: إن الفروج هي الغافلات المؤمنات، وكذلك قوله تعالى:( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ )، وقوله تعالى: ( مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) كما هو واضح.

ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره، فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول، ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه: أن كل ذلك عفو؛ لأنه مسكوت عنه، فيكون الله – على قولهم – ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه، بصبه فيه من الآنية، وكذلك يأذن في التغوط فيها.

وهذا لو صدر من أدنى عاقل: لكان تناقضًا معيبًا عند جميع العقلاء، فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذاً بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص، وربما ظن الإنسان الأجر، والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب، كما قيل:

أمنفقة الأيتام من كد فرجها *** لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء، مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء، فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العوَر خاصة. فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به، فيكون ذلك عفوًا، وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح؛ لأن المفهوم من العوَر غير المفهوم من العمَى؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر، بخلاف العمَى فلا يطلق في ذلك، وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معًا، وبالجملة: فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء؛ لأنها مسكوت عنها.

وأمثال هذا منهم كثيرة جدًّا.

وقصدنا: التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع، والحكم، والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه يؤثر في الحكم. ” أضواء البيان ” ( 4 / 211 -214).

وننبه إلى أن مبحث الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – في الرد على نفاس القياس من الظاهرية استغرق عشرات الصفحات، ولا نستطيع نقل كلامه كله، فمن أراد زيادة الفائدة فيرجع إلى كتابه ” أضواء البيان ” ( 4 / 175 – 228 ).

 

والله أعلم.

حكم تعلم وتعليم العلوم النافعة والضارة، وحكم تعليم اختراق المواقع

حكم تعلم وتعليم العلوم النافعة والضارة، وحكم تعليم اختراق المواقع

السؤال:

هذا سؤال يتعلق بتعليم أحدهم علمًا, فيستخدمه الآخر فيما يغضب الله تعالى, فهل يأثم من علّمه هنا؟ مثال: فريق للبرمجة يجعلون دروسًا في الاختراق، فهل إذا قام أحدٌ – تعلم منهم – باستخدام ذلك العلم في إيذاء غيره من المُسلمين؛ هل يأثم من علّمه ذلك العلم؟ وهل يبرّؤه أن يقول: أبرأ إلى الله تعالى أن يستخدم أحدٌ ما سيتعلّم في إيذاء مُسلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يمكن تقسيم العلوم إلى قسمين: علوم نافعة، وعلوم ضارة، والعلوم النافعة قد تكون واجبة, وقد تكون مستحبة، وقد تكون مباحة، ومن أمثلتها: علوم الشريعة، والطب، والزراعة.

عَنْ عُثْمَانَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ “. رواه البخاري ( 4739 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 16 ):

لا خلاف بين الفقهاء في جواز الاستئجار على تعليم الحِرَف، والصناعات المباحة التي تتعلق بها المصالح الدنيوية، كخياطة, وحدادة، وبناء، وزرع، ونسيج، ونحو ذلك. انتهى.

الضارة: محرَّمة على الإطلاق، كعلوم السحر، والموسيقى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وأما السحر: فتعلمه وتعليمه والعمل به كفر بالله عز وجل يخرج من الملة؛ لقوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 48 ).

 

 

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 17، 18 ):

لا يجوز تعليم علوم محرمة، كالكهانة، والتنجيم، والضرب بالرمل، وبالشعير، وبالحمص، والشعبذة، وعلوم طبائع، وسحر، وطلسمات بغير العربية لمن لا يعرف معناها، وتلبيسات.

فتعليم كل ذلك: محرَّم، وأخذ العوض عليها حرام، بنص الحديث الصحيح في النهي عن ( حلوان الكاهن )، والباقي في معناه.

هذا، وليس من المنهي عنه تعليم وتعلم علم النجوم ليستدل به على مواقيت الصلاة، والقبلة، واختلاف المطالع، ونحو ذلك. انتهى.

هذا من حيث الإجمال، أما من حيث التفصيل: فقد ينقلب تعلم العلوم النافعة إلى ما يجعلها محرَّمة تعلُّمًا وتعليمًا، ومن ذلك:

  1. أن يطلب العلم النافع بقصد الشهرة والرياء.
  2. أن يتوصل بالعلوم النافعة إلى هدم الشريعة، والطعن بها، كمن يتوصل إلى كلام الفلاسفة ويعظمه، ويتوصل إلى أحكام الشريعة ويزدريها.
  3. أن يريد بالعلوم النافعة إيذاء الناس، وإفساد معايشهم, كمن يستعمل علم الطب والصيدلة ليجعل الناس محط تجاربه، وكم يقصد إفساد محاصيل الناس وزراعاتهم بوقوفه على خصائص النباتات والزروع والثمار، وكم يتوصل بعلوم الكيمياء إلى صناعة قنابل تدمر البشر والحجر والشجر بغير حق.

والملاحظ أن انقلاب حكم العلوم النافعة من الإباحة – أو الوجوب والاستحباب – إلى التحريم كان له سببان:

  1. طبيعة المتعلم، وخلُقه، ودينه.
  2. معرفة نيته وقصده.

فإذا علِم المعلِّم للعلوم النافعة أن ما يعلمه سيستعمله المتعلم فيما يضر الناس، ويؤذيهم، ويفسدهم: لم يحل له تعليمه، وإذا علم أن ما يعلمه سيستعمله في طرق المنكرات والمحرَّمات: لم يجز له تعليمه أيضًا.

ولنضرب على ذلك أمثلة:

أ. تعليم العلوم الشرعية:

يدور حكمه بين الوجوب والاستحباب والإباحة بحسب الفن، وبحسب المعلِّم، لكنه يصبح حرامًا إذا كان هذا التعليم لمستشرقين – مثلًا – يريدون النيل من الإسلام، أو لأهل التجسس الخبيث الذين سيستعملونه في ادعائهم طلب العلم للطعن في الإسلام وتشريه صورة أهله.

ب. تعليم فنون القتال:

وحكمه كسابقه، لكنه يحرم إذا كان تعليمًا لعصابات الإجرام، وللمفسدين في الشوارع.

ج. تعليم الرياضيات والعلوم المصرفية:

جائز في أصله، محرَّم إن كان لموظفي بنوك ربوية، أو محاسبين في مصانع خمور، أو شركات تأمين محرَّم.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

العلوم الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة، التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير: كانت خيرًا، وإن اتخذها وسيلة إلى شر: كانت شرًّا، فهي لا تُحمد لذاتها، ولا تُذم لذاتها، بل هي بحسب ما توصل إليه.

وهناك علوم أخرى، علوم ضارة، إما في العقيدة، وإما في الأخلاق، وإما في السلوك، فهذه محرمة، وممنوعة بكل حال.

* فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال، ومذمومة بكل حال، ومباحة، يتعلق الذم فيها، أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 158،وجها).

وبعد ذلك نقول:

إن تعليم اختراق المواقع والبريد الإلكتروني له حكم تعليم ” التجسس ” واستعمال أدواته وسلوك طرقه، فإنهما يستعملان لمعرفة المخبوء في بيوت الناس، وبلدانهم، وقد يُتوصل بهما إلى معرفة خصوصيات الناس التي لا يطلع عليها سواهم، وهذان الأمران قد تكون الحاجة إليهما ماسَّة وضرورية، إذا تعلق الأمر بمفسدين، أو كفار محاربين، وما شابههم، فجعْل الحكم عامًّا فيه حرج من جهة أنه قد يُتوصل بهما إلى ما هو حرام، كاطلاع المتعلم الفاسد على عورات المسلمين، والتنصت على أحاديثهم، والكشف عن خصوصياتهم.

* قال الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند – حفظه الله -:

واستثناء من ذلك فقد يكون التجسس مشروعا في أحوال معينة, كالتجسس على المجرمين، فقد لا يعرفون إلا بطريق التجسس، وقد أجاز الفقهاء التجسس على اللصوص وقطاع الطريق، وطلبهم بطريق التجسس عليهم وتتبع أخبارهم – انظر ” تبصرة الحكام ” لابن فرحون ( 2 / 171 ) -، وكذلك يجوز التجسس في حال الحرب بين المسلمين وغيرهم لمعرفة أخبار جيش الكفار وعددهم وعتادهم ومحل إقامتهم وما إلى ذلك.

وكذلك يجوز اختراق البريد الإلكتروني للمجرمين المفسدين في الأرض واللصوص وقطاع الطريق، لتتبعهم، ومعرفة خططهم وأماكن وجودهم، لقطع شرهم ودفع ضررهم عن المسلمين، وهذا موافق لمقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت بحفظ الدين والعرض والمال والنفس والعقل.

” وسائل الإرهاب الإلكتروني، حكمها في الإسلام، وطرق مكافحتها ” ( ص 10 – 12 ) باختصار.

لذلك: لا يمكننا القول بالجواز لكل أحد، بل الجواز منحصر في أشخاص معينين، أعلمُ، أو يغلب على ظني غلبة راجحة أنهم سيستعملونه في المباح أو الواجب، ولا مانع من أخذ العهد عليهم بعدم استعمال ما يتعلمونه في الحرام، وأما أن يكون التعليم عامًّا لكل أحد، ولكل أصحاب النيات المختلفة: فهذا ما لا نقوله به، ومن استعمله ممن يجوز لي تعليمهم في المحرَّم: فإنما حكمه من تعلم العلم الشرعي وكانت نيته للشهرة والرياء، وكمن تعلَّم الطب لكشف عورات النساء، فهذا بينه وبين ربه، ولا اطلاع لي عليه، فالإثم من جهتهم لا من جهة المعلِّم، فإن علمَ المعلِّم بنيتهم وحالهم فرضي واستمر: صار الإثم على الطرفين.

 

والله أعلم.