الرئيسية بلوق الصفحة 48

هل يجوز للمرأة أن تعلِّم الرجال والنساء بصوتها في موقع خاص بها؟

هل يجوز للمرأة أن تعلِّم الرجال والنساء بصوتها في موقع خاص بها؟

السؤال:

أنا طالبة مولعة بتعلم لغات العالم، وقد وضعت ” مدونة ” خاصة بتعلم اللغة التي أتعلمها، فأضع دروسًا صوتية فيها – بصوتي الحقيقي – دون تكلف أو مزاح أو خضوع في القول، ومدة الدروس – غالبًا – خمس دقائق، المدونة يدخلها الكثير من الزوار من الفتيات والفتيان، ويدرسون تبعًا لدروسي، ومَن لديه سؤال يسأل عن طريق رسائل الإيميل أو عن طريق وضع سؤال في المكان المخصص للأسئلة، ولكن عارضني زوجي وقال لي: ” صوت المرأة عورة، ولا يجوز أن تعلِّم رجالًا “، مع العلم أنه لا تواصل مباشر بيني وبينهم أبدًا، وأغلبية زوار الموقع هن النساء.

– الكثير استفاد منها، من مبتعثين ومن يسكن في ” كوريا ” أو ممن يريد تعلم اللغة.

الحمد لله لم تصلني مضايقات من أحد أو كلام سيء أو بذيء من أحد الزوار، بل كلهم يشكرون ويدعون لي بالخير.

سؤالي:

هل شرعًا محرم على المرأة ذلك؟ وبماذا تنصحوني في هذه الحالة؟ وإذا كنتُ امرأة أحب أن أفيد غيري دون طلب لشهرة أو سمعة ماذا عليَّ أن أفعل؟ هل أُبقي طموحي ومهاراتي حبيسة نفسي؟ أم ماذا أفعل؟.

زوجي يريدني أن أغلق ” المدونة “، وسأغلقها امتثالا لأمره، ولكني أريد أن أعرف أمر الله تعالى في مثل هذا الأمر.

مدونتي هي: ” … “.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله تعالى أن يجمع بينك وبين زوجك على خير، وقد رأينا في رسالتك حب الخير والنفع للناس، ورأينا فيها الاستعداد للامتثال لحكم الشرع، ورأينا فيها تقديم طاعة الزوج على رغبات النفس، وهذه أمور جليلة عند اجتماعها في شخص واحد، ونحن نوصي زوجك بكِ خيرًا.

 

ثانيًا:

وقد رأينا في ” مدونتك ” مخالفات شرعية، فقد ظهر لنا فيها صورة امرأة متبرجة أثناء الدعاية لساعة يد، كما ظهر لنا صورتان لرجلين مرسومتان باليد، وكلاهما من المحرمات.

ثالثًا:

صوت المرأة ليس بعورة، وفي الوقت نفسه لم يشرع للمرأة أن تؤذِّن، ولا أن تصلي بالرجال، ولا أن تخطب الجمعة والعيدين، ولا أن تسبح إن أخطأ الإمام بل تصفق، وكل ذلك حفاظًا عليها – وعلى من يستمع لها – صيانة وبُعدًا لها عن الفتنة.

ويكون صوتها عورة إن هي تكلمت على مسمع من الرجال الأجانب عنها بخضوع وتغنج، وهنا تكون الحرمة في إظهار صوتها.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

صوت المرأة نفسه ليس بعورة لا يحرم سماعه إلا إذا كان فيه تكسر في الحديث وخضوع في القول، فيحرم منها ذلك لغير زوجها، ويحرم على الرجال سوى زوجها استماعه؛ لقوله تعالى: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) الأحزاب/ 32.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 202، 203 ).

وقد ذكرنا أن أصل صوت المرأة ليس بعورة مع نقولات عن أهل العلم وذلك في أجوبتنا الأخرى فلتنظر.

ومن خلال ما سمعناه في مدونتك تبين لنا أنه ليس ثمة تكسر ولا تغنج في كلامك، وأنتِ غير معلومة العين لأحدٍ من الداخلين لمدونتك، ولكن قلوب الناس ليست سواء، وفتن هذا الزمان قد عصفت بالنساء والرجال حتى إن أحدهم ليفتن بأقل شيء، ولذا لا نرى للمرأة أن تُسمع صوتها للرجال إلا لضرورة، وليس تعليم اللغات من هذه الضرورة.

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

المرأة موضع قضاء وطر الرجال، فهم يميلون إليها بدافع غريزة الشهوة، فإذا تغنجت في كلامها: زادت الفتنة، ولذلك أمر الله المؤمنين إذا سألوا النساء حاجة أو متاعا أن يسألوهن من وراء حجاب، فقال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) الأحزاب/ 53، ونهى النساء إذا خاطبن الرجال أن يخضعن بالقول؛ لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، فإذا كان هذا هو الشأن والمؤمنون في قوة إيمانهم وعزته: فكيف بهذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان وقل المتمسك بالدين.

فعليكِ عدم مخالطة الرجال الأجانب، وعدم التحدث معهم إلا في حاجة ضرورية، مع عدم الخضوع واللين في القول؛ للآية المذكورة.

وبهذا تعلمين أن الصوت المجرد والذي ليس معه خضوع ليس بعورة؛ لأن النساء كنَّ يكلمنَ النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألنه عن أمور دينهن، وهكذا كنَّ يكلمنَ الصحابة في حاجتهن، ولم ينكر ذلك عليهن.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 203، 204 ).

 

رابعًا:

وبما أن زوجك قد طلب منك التوقف عن التعليم الصوتي فنرى أنك تستجيبين له، وقد رأينا عندك الاستعداد لهذا الأمر، وهو فعل تُحمدين عليه.

ونحن هنا يمكن أن نقترح ما نجمع به بين رغبتيكما، وهو أن يكون نشاطك في التعليم موجَّهًا للنساء فقط، وثمة غرف صوتية خاصة بالنساء يمكنك أن تؤدي رسالتك في تعليمهن وإفادتهن دون أن يكون حرج من زوجك في سماع الرجال، وبذا يتحقق لك ما أردتِ، ويزول عن زوجك الحرج في ظهور صوتك للرجال.

 

وهذا مثال لموقع كتابي وصوتي موثوق خاص بالنساء:

http://www.t-elm.net/moltaqa/

والإسلام لا يقف في وجه المرأة التي تريد نفع الناس وفق الضوابط الشرعية، والزوج لا ينبغي له أن يتسلط في قراراته.

 

– وقد قلنا في آخر جواب آخر:

أنّه لا ينبغي للزوج أن يستغل هذا الحق في إيذاء مشاعر زوجته، ومصادرة رأيها، والتعنت في حرمانها من رغباتها، بل عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يحرص على مشاورة زوجته ومحاورتها، وتبيين الحكم الشرعي لها، وتوفير البدائل المباحة التي تسعدها، وتنمي قدراتها، وتحقق شيئا من رغباتها. انتهى.

وعن الشيخ العثيمين رحمه الله أن للمرأة أن تدعو إلى الله وتعلم بنات جنسها، وأن مجالات عملها هو مجامع النساء، ولتدع مجامع الرجال.

 

والله أعلم.

حكم تزيين جدران المساجد وتعليق صورة القدس – وغيرها – في قبلتها

حكم تزيين جدران المساجد وتعليق صورة القدس – وغيرها – في قبلتها

السؤال:

نحن – يا شيخ – نعيش فتنة كبيرة بسبب تعليق ” صورة القدس ” في القبلة للمسجد، نريد فتوى على ذلك، هل نعلقها أم لا؟ نريد فتوى شرعية تبين ذلك، نطلب من حضرتكم السرعة في الإجابة قبل هذه الجمعة إذا سمحتم في ذلك.

لا ننسى شكركم، والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز للمصلين أن يجعلوا للشيطان طريقًا إليهم ليفتنهم في أخوتهم واجتماعهم فيفرِّق بينهم ويجعلهم أعداءً بعضهم لبعض، وبيوت الله تعالى لم تبنَ لمثل تلك الاختلافات والنزاعات، وإنما بُنيت لذِكر الله وإقامة شعائر دينه، فالواجب على عقلاء المصلين أن لا يسمحوا بالفرقة أن تكون بين أهل المسجد وعليهم السعي لحل ما يعترض أخوتهم وائتلافهم بعرض المسائل على أهل العلم الثقات ليفصلوا في مسائل النزاع، وأن تبقى بيوت الله تعالى بعيدة عن الشقاق والنزاع.

 

ثانيًا:

وبخصوص تعليق صورة القدس – أو غيرها – في قبلة المسجد: فإننا لا نرى جواز ذلك، لا في القبلة وفي أي مكان آخر في المسجد، ويجب أن تُصان بيوت الله عن مشابهة الكنائس وبيوت العبادة عند الكفار حيث يحرصون على تلوين الجدران وتزيينها وتعليق الصور والتحف في أرجاء تلك البيوت.

وقد روى البخاري في صحيحه – معلَّقًا – ( 1 / 171 ) – عن عُمَر بن الخطاب لما أمر بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ النبوي َقَالَ: ” أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ “.

والتحمير والتصفير إنما يكون في الجدران، وهو من الزينة والزخرفة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ ).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ” لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى “.

رواه أبو داود ( 448 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

 

 

وهذه الزخرفة هي التي تكون داخل المساجد على الجدران، فتبين أن الصحابة الأجلاء قد نهوا عن زخرفة المساجد وتزيينها بالتلوين لجدرانها، وبالنقش في جدرانها، وغير ذلك من أنواع وأشكال الزخرفة، ولا شك أن تعليق الصور في جدران المساجد ووضع البراويز بالآيات المزخرفة هو من الزخرفة والتزيين المنهي عنه في كلام الصحابة الأجلاء، فلا يخرج حكم تزيين جدران المساجد عن كونه بدعة أو مشابهة لأهل الكتاب وكلاهما منهي عنه في الشرع المطهَّر، ويشتد المنع إذا كانت تلك الزينة في قبلة المسجد؛ لإشغالها المصلي عن التدبر والخشوع في صلاته.

 

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 217 ، 218 ):

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يكره زخرفة المسجد بذهب أو فضة، أو نقش، أو صبغ، أو كتابة أو غير ذلك مما يلهي المصلي عن صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أمرت بتشييد المساجد ) والتشييد: الطلاء بالشيد أي: الجص، قال ابن عباس: ” لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى “، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)- رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني -، وروى البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أمر ببناء مسجد وقال: ” أكنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس “، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ” إذا حلَّيتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدبار عليكم “؛ ولأن ذلك يلهي المصلي عن الصلاة بالنظر إليه فيخل بخشوعه، ولأن هذا من أشراط الساعة. انتهى.

 

وقال الشيخ حسام الدين عفانة – أستاذ الفقه والأصول في ” كلية الدعوة وأصول الدين ” جامعة ” القدس ” – وفقه الله – بعد أن ساق طائفة من الأدلة على منع تعليق الصور في المسجد -:

أرى أنه لا يجوز تعليق الصور مهما كانت في قبلة المسجد، وكذلك تعليق اللوحات سواء كانت لوحات قرآنية أو مجلات حائط أو نحوها في قبلة المسجد وأمام المصلين؛ لأنها بالتأكيد تشغلهم عن صلاتهم، وينبغي – بشكل عام – تنزيه المسجد عن مثل هذه الأمور، فالمساجد ليست معارض ولا متاحف لتعليق الصور أو اللوحات الفنية أو الزخرفات المختلفة.

” فتاوى حسام الدين عفانة ” ( 1 / 177 ) – ترقيم الشاملة -.

 

 

 

ثالثًا:

وليَعلم كل من تسبَّب في إشغال المصلين عن صلاتهم أن له نصيبًا من الإثم بسبب مخالفته لحكم الشرع، ولإشغال قلوب المصلين عن صلاتهم.

 

* قال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

وفِرقة أخرى ربما اكتسبت المال من الحلال وأنفقت على المساجد، وهي أيضا مغرورة من وجهين:

أحدهما:

الرياء وطلب الثناء؛ فإنه ربما يكون في جواره أو بلده فقراء وصرف المال إليهم أهم وأفضل وأولى من الصرف إلى بناء المساجد وزينتها، وإنما يخف عليهم الصرف إلى المساجد ليظهر ذلك بين الناس.

والثاني:

أنه يصرف إلى زخرفة المسجد وتزيينه بالنقوش التي هي منهي عنها وشاغلة قلوب المصلين ومختطفة أبصارهم، والمقصود من الصلاة: الخشوع وحضور القلب، وذلك يفسد قلوب المصلين، ويحبط ثوابهم بذلك، ووبال ذلك كله يرجع إليه، وهو مع ذلك يغتر به،  ويرى أنه من الخيرات، ويعدُّ ذلك وسيلة إلى الله تعالى، وهو مع ذلك قد تعرض لسخط الله تعالى، وهو يظن أنه مطيع له وممتثل لأمره وقد شوش قلوب عباد الله بما زخرفه من المسجد، وربما شوَّقهم به إلى زخارف الدنيا فيشتهون مثل ذلك في بيوتهم ويشتغلون بطلبه، ووبال ذلك كله في رقبته؛ إذ المسجد للتواضع ولحضور القلب مع الله تعالى. ” إحياء علوم الدين ” ( 3 / 408 ).

 

وكنَّا قد ذكرنا هذا الحكم بأدلته، وذكرنا معه المنع من كتابة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في قِبلة المسجد – وأولى أن يكون هذا حكم تعليق الصور في قبلة المسجد – وذلك في جواب آخر، وخلاصته: أننا لا نرى جواز تعليق الصور عمومًا في المساجد، ويقوى المنع إذا كانت معلَّقة في قِبلة المسجد.

ونسأل الله لكم التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يكون ما ذكرناه هنا كافيًا لقطع النزاع بينكم، وأن لا يتردد الإخوة في نزع تلك الصورة أو اتخاذ قرار بعدم تعليقها؛ استجابة لحكم الشرع العام بترك التنازع ونبذ الفُرقة، وحكمه الخاص في عين المسألة.

 

والله أعلم.

 

من أصيب بأمراض نتيجة معصية هل تكون له كفارة؟ وهل إذا تاب أُجر عليها؟

من أصيب بأمراض نتيجة معصية هل تكون له كفارة؟ وهل إذا تاب أُجر عليها؟

السؤال:

كنت أمارس العادة السرية منذ 11 سنة، بحيث سبَّبت لي مجموعة من الأمراض، والآن – والحمد لله – تُبت إلى الله، فهل استمرار الآلام التي أشعر بها مأجور عليها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الخير للمسلم العاصي أن تعجَّل له عقوبته في الدنيا بما يصيبه به ربه تعالى من أمراض ومصائب في ماله أو بدنه، وهذا خير له من تأخير ذلك لعقوبته بها في الآخرة.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). رواه الترمذي (2396) وحسنه ، وصححه الألباني في “صحيح الترمذي “.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير: عجَّل له العقوبة في الدنيا، إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .

المهم: أن تعجل له العقوبة؛ لأن العقوبات تكفِّر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة وكفَّر الله بها عن العبد: فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه حتى يخرج من الدنيا نقيًّا من الذنوب، وهذه نعمة؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.

لكن إذا أراد الله بعبده الشر: أمهل له واستدرجه وأدرَّ عليه النِّعَم ودفع عنه النقَم حتى يبطر ويفرح فرحًا مذموما بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته، فيعاقَب بها في الآخرة، نسأل الله العافية.

فإذا رأيت شخصًا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدرَّ عليه النعَم: فاعلم أن الله إنما أراد به شرًّا؛ لأن الله أخَّر عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة.

” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 258 ، 259 ).

ولا شك أن الأمراض التي أصابتك – أخي السائل – بسبب فعلك للعادة السيئة هي من باب العقوبات على تلك المعصية، فاعلم أولًا أن من الخير لك ما حصل معك من إصابتك بها، ومن هنا قال قال الحسن البصري رحمه الله: ” لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك – أي : هلاكك – “.

  1. ومن فوائد إصابة المذنب بالمصائب أنها تذكره بربه تعالى، فربما تُحدث له توبة ورجوع إلى ربه تعالى، وربَّما تجعل منه عبدًا صالحًا طائعًا يعوِّض ما فاته من حياته بالأعمال الصالحة.

قال تعالى ( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم/ 41.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها.

هذه المذكورة ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) أي: ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجَّل لهم نموذجًا من جزاء أعمالهم في الدنيا.

( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عن أعمالهم التي أثَّرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم، فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. ” تفسير السعدي ” ( ص 643 ).

  1. واعلم – أخي السائل – أن إصابتك بتلك الأمراض قبل التوبة إن لم يصاحبها تسخط على الله تعالى وعلى قدَره: فإنها تكون مكفِّرة لما فعلته من ذنوب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ). رواه مسلم ( 2574 ).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ). رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) – واللفظ له -.

ولفظ البخاري: ( إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ).

  1. والصحيح من أقوال العلماء أن المصائب على العبد المذنب هي عقوبات تكفر السيئات ولا ترفع الدرجات ولا يُثاب عليها؛ لأن الثواب ورفعة الدرجة إنما تكون على الأعمال والطاعات لا على فعل الرب تعالى المجرد، فإن صبر واحتسب: أٌجر على فعله لا على مجرد مصيبته التي أصابته – إلا أن تكون المصيبة بسبب طاعة كما سيأتي -، وهذا قول أجلة مِن الصحابة كأبي عبيدة وابن مسعود رضي الله عنهما، وأجلة من العلماء المحققين كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والدلائل على أن المصائب كفارات: كثيرة، إذا صبر عليها: أثيب على صبره، فالثواب والجزاء إنما يكون على العمل وهو الصبر وأما نفس المصيبة: فهي من فعل الله لا من فعل العبد، وهي من جزاء الله للعبد على ذنبه وتكفيره ذنبه بها، وفي المسند ” أنهم دخلوا على أبى عبيدة بن الجراح وهو مريض فذكروا أنه يؤجر على مرضه فقال: ” ما لي من الأجر ولا مثل هذه ولكن المصائب حطَّة ” فبيَّن لهم أبو عبيدة رضى الله عنه أن نفس المرض لا يؤجر عليه بل يكفر به عن خطاياه.

” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 30 / 363 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وذكر عن أبي معمر الازدى قال: كنَّا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ” ألا إن السقم لا يكتب له أجر فساءنا ذلك وكبر علينا ” فقال: ” ولكن يكفر به الخطيئة “، فسرَّنا ذلك وأعجَبَنا.

وهذا مِن كمال علمه وفقهه رضي الله عنه؛ فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما تولَّد منها، كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة ” التوبة ” في قوله في المباشر من الإنفاق وقطع الوادي ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُم ) وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) فالثواب مرتبط بهذين النوعين.

وأما الأسقام والمصائب: فإن ثوابها: تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال في المصائب ( كفَّر الله بها من خطاياه )، وكذا قوله ( المرض حطة ) فالطاعات ترفع الدرجات، والمصائب تحط السيئات، ولهذا قال ( من يرد الله به خيراً يصب منه ) وقال ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه.

” عدة الصابرين ” ( ص 69 ، 70 ).

  1. وهذه الذنوب التي تكفرها المصائب والأمراض التي تكون عقوبات: يُحتمل أنها تكفِّر جميع الذنوب، والجمهور على أنها تكفر الصغائر فحسب.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – بعد شرح طائفة من الأحاديث كحديث (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ) -: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك – غالبًا – من ألمٍ بسبب مرض أو همٍّ أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث بن مسعود ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة. ” فتح الباري ” ( 10 / 108 ).

  1. وهذه الأمراض التي أُصبت بها والآلام التي تشعر بها تؤجر عليها بعد التوبة إن شاء الله، فالتوبة رفعت العقوبة وجاءت بالمثوبة، وهذا ما ذكره أهل العلم في المصائب والأمراض التي تكون بسبب طاعة وعبادة، فهي تكون ابتلاء والحالة هذه، بخلاف تلك التي تكون قبل التوبة فإنها عقوبة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والذين يُؤذَوْن على الإيمان وطاعة الله ورسوله، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال، وهم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم المهاجرين الأولين: فهؤلاء يثابون على ما يُؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظة الكفار، وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فَعَلَه ويقوم به، لكنها متسببة عن فعله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة.

” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 124 ).

 

والخلاصة:

أن ما أصابك من أمراض نتيجة معصية العادة السيئة يكون كفارة لذنبك، وأن هذا التكفير لتلك السيئات مشروط بعدم تسخطك على ربك تعالى في ذلك الحين، وأنك تؤجر على ما تشعر به من آلام وما أنت فيه الآن من أمراض بعد توبتك، فالإصابة بالأمراض قبل التوبة تكفر السيئات من غير أجور ولا ثواب، وبعد التوبة تؤجر على أمراضك وآلامك.

ونسأل الله تعالى أن يتمَّ عليك نعَمه، وأن يشفيك ويعافيك، ويثبتك على التوبة وأن يوفقك للمزيد من الأعمال الصالحة.

 

والله أعلم.

 

 

مات ابنه الصغير بمرض في بطنه فهل يكون شهيدًا ويشفع لسبعين من أهله؟

مات ابنه الصغير بمرض في بطنه فهل يكون شهيدًا ويشفع لسبعين من أهله؟

السؤال:

مات ابني في سن الثالثة والنصف بسبب التهاب الصفاق والذي أصيب به نتيجة ثقب في الأمعاء، فهل يعتبر ابني شهيدًا؟ وإذا كان كذلك ففي كم من أهله يشفع؟ هناك معلومات قليلة عن موت الأطفال، والآن أسأل الله أن يلهمني الصبر، وأن يجمعني به في الجنة، ولكنني بعد موته بقليل وفي بدء المصيبة كنت أتساءل كثيرًا وأعارض موته، فهل يعاقبني الله؟ وأنا أعتقد أن في موته عقابًا لي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يكتب لك أجرًا جزيلًا على مصيبتك بفقدك ابنك، وأن يخلفك خيرًا منه، والمؤمن يقابل ما يصيبه من ضرَّاء بالصبر والاحتساب، فإن فعل ذلك: كتب له الأجر، وإن سخط واعترض على قدر الله تعالى: أثم، فنرجو الله أن يصبِّرك على مصيبتك، وأن يرزقك الاحتساب عليها، واعلم أن نعَم الله تعالى عليك أكثر من أن تحصيها عدًّا فأنت عاجز عن شكرها قطعًا، وقد أعطاك الله تعالى أكثر مما أخذ منك، وما أخذه فهو له ليس لك، ولو عقلت معنى قول المؤمن عند المصيبة ” إنا لله وإنا إليه راجعون “: لتبين لك الأمر على حقيقته، وأنك أنت وما تملك بل والسموات وما فيها والأرض وما فيها: كلها لله تعالى، فهو خالقها ومالكها والمتصرف فيها.

واعلم أن حزنك لن يُرجع لك ابنك، فعليك أن تسأل الله تعالى دومًا أن يصبِّرك، واحذر من السخط على قدر الله تعالى فهو منكر ومحرَّم وله صور تُخرج صاحبها من الإسلام.

وانظر في أجوبتنا الأخرى لتقف على أجر من توفي له ولد فصبر عليه، وفي حكم التسخط على قدر الله تعالى وبيان موقف المؤمن من الابتلاء، وبيان كيف يعرف المصاب إن كانت مصيبته عقوبة أو ابتلاء لرفع درجاته.

ثانيًا:

وقد أكرم الله تعالى هذه الأمة في ثواب الشهداء في الآخرة فلم يجعله لمن يُقتل في المعركة فحسب، بل وجعله للمطعون – المقتول بمرض الطاعون -، والمبطون – المقتول بداء في بطنه -، وللغريق، وصاحب الهدم، وغيرهم، وهؤلاء يغسَّلون ويكفنون ويصلَّى عليهم في الدنيا، ولهم ثواب الشهداء يوم القيامة.

وذكرنا في جواب سابق أن الميت بسبب تعطل الجهاز الهضمي أنه من ضمن الشهداء الذين ينطبق عليهم وصف ” المبطون “، وهو ما نرجو أن يكون ابنك منهم فيحصل ثواب الشهداء في الآخرة، فجمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الصبي المقتول في المعركة مع الكفار له حكم الشهداء في الدنيا وله ثوبه في الآخرة – وذلك على القول بأن الصغار ستكون أعمارهم في الجنة ثلاثًا وثلاثين سنة -.

قال الشافعي – رحمه الله -:

وإن قُتل صغير في معركة أو امرأة: صُنع بهما ما يُصنع بالشهداء، ولم يُغسلا ولم يصل عليهما، ومن قتل في المعترك بسلاح أو غيره أو وطء دابة أو غير ذلك مما يكون به الحتف: فحاله حال من قتل بالسلاح.

وخالفَنا في الصبي بعضُ الناس فقال: ” ليس كالشهيد “، وقال قولَنا بعضُ الصحابة، وقال: الصغير شهيد ولا ذنب له فهو أفضل من الكبير.

” الأم ” ( 1 / 268 ).

 

ثالثًا:

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خصالًا لشهيد المعركة منها أنه يشفع لسبعين من أهله، والذي نراه أن هذه الخصال لا يشترك فيها شهداء الآخرة معهم بها، بل هي للنوع الأعلى والأسمى وهم شهداء الدنيا والآخرة – وهو ما رجحناه في جواب سابق.

عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ ). رواه الترمذي ( 1663 ) وصححه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

من اتصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطي مثل أجر الشهيد.

وقال :

فإن درجة الشهادة شيء وأجر الشهادة شيء.

” فتح الباري ” ( 10 / 194 ).

 

وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر، وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، وهذا – أي: المقتول في معركة ضد البغاة – لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه؛ فإن الشيء إنما يقاس على مثله.

” المغني ” ( 10 / 57 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

والشهداء أقسام، لكن أفضلهم شهيد المعركة في سبيل الله عز وجل، ومنهم المطعون، الموت بالطاعون، والمبطون الذي يموت بالإسهال في البطن، وصاحب الهدم الذي يموت بالهدم، يسقط عليه جدار أو سقف، وفي حكمه من يموت بدهس السيارات، وانقلاب السيارات، وصدام السيارات، هذا من جنس الهدم، وكذلك الغرق، كل هذه أنواع من الشهادة، لكن أفضلهم: شهيد المعركة، وهو الذي لا يُغسل، ولا يصلَّى عليه، أما البقية: فيُغسلون ويصلَّى عليهم، وإن كانوا شهداء.

أما الشفاعة: فقد جاء الحديث الصحيح في شهيد المعركة إذا كان صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، هذا جاء في شهيد المعركة، أما غيرهم: فالله أعلم، لهم فضل، ولهم خير، ولكن كونهم يشفعون في كذا، وكونهم يغفر لهم كل شيء: هذا محل نظر، يحتاج إلى دليل خاص، لكن لهم فضل الشهادة

” فتاوى نور على الدرب ” ( 4 / 338 ، 339 )، وأصله: ( شريط 613 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حديث: ( الشهيد يشفع في سبعين من أهله ) هل المراد به شهيد المعركة؟.

فأجاب:

هذا في المقتول في سبيل الله، وأما غيرهم من الشهداء: فليس لهم شفاعة، ولا أظن – أيضًا – أن أرواحهم في جوف طير خضر.

” شرح صحيح مسلم ” كتاب الجهاد ( شريط رقم 13 ).

والفرق بين أرواح الشهداء وأرواح المؤمنين في البرزخ:

  1. أرواحَ الشهداء في أجواف طير خُضر، وأما أرواح المؤمنين فهي على صورة طير.
  2. أرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت, ثم ترجع إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأما أرواح المؤمنين فإنها تعلَق – أي: تأكل – في شجر الجنة، ولا تسرح في الجنة كأرواح الشهداء.

ولعله أن يُستنى من أنواع الشهداء ممن يشترك مع شهيد المعركة في المنزلة والثواب: الميت بالطاعون؛ لأن له جراحًا تشبه جراح المقتول في المعركة.

عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْ الطَّاعُونِ فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا فَيَقُولُ رَبُّنَا انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ. رواه النسائي ( 3164 ) ، وحسنه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 10 / 194 ).

وزاد أحمد ( 28 / 396 ) : ( فَيُلْحَقُونَ مَعَهُمْ ).

وروى أحمد ( 29 / 198 ) عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ نَحْنُ شُهَدَاءُ فَيُقَالُ انْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا رِيحَ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ. وحسنه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 10 / 194 ) وانظر هناك تفصيل المستحق للأجر ممن يموت بالطاعون.

 

رابعًا:

ومع ما سبق فإننا نبشرك أن أطفال المسلمين لهم شفاعة عند الله لوالديهم، فنرجو أن يقبل الله شفاعة ابنك بك وبأمه، وأن تدخلوا الجنة جميعًا.

عن أبي حسان قال: قلتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قالَ: نَعَمْ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ – أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ بِيَدِهِ – كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا، فَلَا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ. رواه مسلم ( 2635 ).

 

والله أعلم.

حقيقة ما يسمَّى “أم الصبيان” أو “القرينة” ومدى نفع الذبح في دفع الأذى عن الجنين

حقيقة ما يسمَّى “أم الصبيان” أو “القرينة” ومدى نفع الذبح في دفع الأذى عن الجنين

السؤال:

إذا كانت المرأة عندها قرينة – أم الصبيان – هل ذبح العقيقة يفيدها في رد القرينة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما يطلق عليه ” أم الصبيان ” أو ” القرينة ” ويعنون به: التابعة من الجن، والتي تتسلط على المرأة الحامل فتسقط لها حملها: هذا من خرافات العامَّة وأوهامهم، وليس له وجود في الواقع.

وقد يقع إسقاط الجنين من أمه الحامل به بسبب سحرٍ قدَّر الله له أن يقع،  فالسحر إذا قُصدت به المرأة وجنينها بعد تخلقه، أو قُصد به الجنين وحده، أو قُصد به المرأة لئلا تلد – وقدَّر الله تعالى وقوع ذلك -: فإنه يكون له تأثير على الجنين، سواء بعد تخلقه، أو لئلا يتخلَّق تخلُّقًا كاملًا ويُولد.

وأما ما يُطلق عليه ” أم الصبيان ” أو ” القرينة ” وهي التابعة من الجن: فلا أصل لذلك.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عن الحجاب، وعن ” أم الصبيان ” – لعلها تقصد الحجاب من أم الصبيان- وتقول: إنها قرأت كلامًا طويلًا عن ” أم الصبيان ” مروي عن سليمان عليه السلام، وترجو من سماحة الشيخ التوجيه، وهل لهذه المسميات تأثير على الإنسان؟.

فأجاب:

فهذه الأشياء التي يقولها الناس عن ” أم الصبيان “: كلها لا أصل لها، ولا تعتبر، وإنما هي من خرافات العامة، ويزعمون أنها جنية مع الصبيان، وهذا كله لا أصل له.

وهكذا ما ينسبون إلى سليمان: كله لا أساس له، ولا يعتب ، ولا يعتمد عليه، كل إنسان معه ملك وشيطان كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، كل إنسان معه قرين ليس خاصًّا بزيد ولا بعمرو، فمن أطاع الله واستقام على أمره: كفاه الله شر شيطانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: وأنت يا رسول الله معك شيطان؟ قال: ( نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم )، أما ” أم الصبيان “: فلا أساس لها، ولا صحة لهذا الخبر، ولهذا القول.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 594 ).

 

ثانيًا:

والمرأة التي تريد الحفاظ على جنينها في بطنها، أو بعد ولادته: فعليها بالرقية الشرعية وقاية وعلاجًا، وقاية قبل أن يصيبه مكروه، وعلاجًا إن أصابه مرض، ولا يجوز استعمال الحجب والتمائم.

 

* وفي تتمة جواب الشيخ ابن باز السابق قال – رحمه الله -:

فلا يجوز اتخاذ هذه الحجب لا مع الصبي ولا مع الصبية ولا مع المريض، ولكن يُقرأ عليه الرقى الجائزة، والرقى الممنوعة هي التي رقى مجهولة أو رقى فيها منكر، أما الرقى بالقرآن العظيم وبالدعوات الطيبة: فهي مشروعة كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي أمَّته ، وقد رقاه جبرائيل عليه الصلاة والسلام وقال: ( لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا ).

 

فكون الصبي يُقرأ عليه إذا أصابه مرض أو الصبية يقرأ عليه أبوه أو أمه أو غيرهما بالفاتحة، بآية الكرسي، ( قل هو الله أحد )، المعوذتين، بغير ذلك، يدعون له بالعافية أو على المرضى يقرأ عليهم ويدعى لهم بالعافية، أو على اللديغ – كما قرأ الصحابة على اللديغ فعافاه الله -: كل هذا لا بأس به، هذا مشروع.

 

أما أن يقرأ عليه برقى شيطانية لا يُعرف معناه، أو بأسماء شياطين، أو بدعوات مجهولة: هذا لا يجوز، وكذلك الحُجُب التي يسمونها ” الحروز “، وتسمَّى ” الجوامع ” – ولها أسماء -: هذه لا يجوز تعليقها ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعليق التمائم وقال: ( من تعلق تميمة فلا أتم الله ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له).

وهذا وعيد فيه التحذير من تعليق الحجب، والحلقات، وأشباه ذلك مما يعلقه الجهلة، أو الخيوط تعلق على المريض أو على غيره، كل ذلك ممنوع.

 

ولا يجوز تعليقه من أجل ما يدعون أنه ” أم الصبيان “، ولا غير ذلك، ولكن الإنسان يتحرز بما شرع الله، فقد شرع لنا تعوذات، فإذا أصبح الإنسان وقرأ آية الكرسي بعد فريضة الفجر وقرأ ( قل هو الله أحد )، والمعوذتين، ثلاث مرات: هذا من التعوذات الشرعية، وهكذا إذا قال: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) ثلاث مرات، صباحًا ومساءً: فهذا من التعوذات الشرعية ….

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 594 ).

 

 

 

ثالثًا:

وقد ورد ذِكر ” أم الصبيان ” في حديث فيه أن الأذان في أذُن المولود والإقامة في أذنه الأخرى تنفعه في أن لا يصاب بـ ” أم الصبيان ” \، والحديث موضوع لا يصح \، فلا يصلح الاستدلال به على إثبات ما يسمَّى ” أم الصبيان ” \، وليس فيه مشروعية الأذان مع الإقامة في أذن المولود \.

عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حُسَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وُلِدَ لَهُ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ ).

رواه أبو يعلى في ” المسند ” ( 12 / 150 ).

قال الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 321 ): موضوع.

 

رابعًا:

وأما الجواب عن عين السؤال: فإننا لم نفهم مقصوده على وجه التحديد، وعندنا له احتمالات ثلاثة:

الأول: أنه عن جواز ذبح شاة – مثلًا – دفعًا لأذى القرينة، أو ” أم الصبيان “، أو دفعًا لعموم الشرور، وجلبًا لعموم النفع.

الثاني: أنه عن جواز ذبح شاة صدقة على الفقراء والمحتاجين بنية جلب الخير للجنين ودفع الأذى عنه .

الثالث: أنه عن ذبح عقيقة عن المولود التي تنجبه تلك الأم.

فإن كان المقصود هو الأول: فلتعلم تلك المرأة أنه لا يحل لها أن تذبح شيئًا لدفع أذى الجن، أو علاجًا من السحر، فليس ذبح الشياه وقاية من أذى الجن، ولا هو علاج لمن أصابه مسٌّ أو صرع أو سحر، وهو ما يطلق عليه عند كثيرين ” الفدو “.

فإن كان المقصود هو الثاني: وهو أن تلك الأم تريد أن تذبح شاة بنية الصدقة لتوزيعها على الفقراء والمساكين راجية أن تنتفع بتلك الصدقة في أن يحفظ الله تعالى جنينها: ففعلها جائز، ولا يتعين الذبح، بل كل صدقة يُرجى أن تكون نافعة لصاحبها في جلب الخير له ودفع الشر عنه، ولتنو بفعلها أولاً التقرب إلى الله ثم ترجو الأمر الآخر، فهو أفضل وأكمل.

 

وإن كان المقصود بالسؤال هو الثالث: وهو ذبح عقيقة عن المولود في يوم سابعه: فهذا من السنَّة، ونرجو أن يكون تطبيق تلك السنَّة نافعًا لذلك المولود، فيحفظه ربُّه تعالى من شرور الإنس والجن، ويقدَّر له بسبب تلك العقيقة خيرٌ عظيم، وقد ذكر هذا – وغيره – من حِكَم تشريع ذبح العقيقة عن المولود – شاة للأنثة وشاتان للذكر -.

 

 

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وأما العقيقة عن المولود: فشُرعت شكرًا لله تعالى على نعمته على العبد بحصول الولد .

وضوعف الذَّكَر على الأنثى إظهارًا لمزيته؛ ولأن النعمة به أتم، والسرور به أوفر، وتفاؤلًا بأن هذه العقيقة فادية للمولود من أنواع الشرور، وإدلال على الكريم برجاء هذا المقصد، وتتميمًا لأخلاق المولود، كما في الحديث: ( كل مولود مرتهن بعقيقته ).

– قيل: مرتهن عن الشفاعة لوالديه.

– وقيل: مرتهن محبوس عن كماله حتى يعق له.

وحسبك من ذبيحة هذه ثمرتها.

فالعبد يسعى في تكميل ولده وتعليمه وتأديبه، ويبذل الأموال الطائلة في ذلك، وهذا من أبلغ الطرق إلى هذا التكميل، والله الموفق.

” إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأيسر الطرق والأسباب “( ص 92، 93) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.

 

 

مشكلة ” عدم الحياء ” وكيف يمكن التخلص منها وكيفية تحقيق خلق الحياء

مشكلة ” عدم الحياء ” وكيف يمكن التخلص منها وكيفية تحقيق خلق الحياء

السؤال:

أنا فتاة تعاني من مشكلة ” عدم الحياء “، وهذا أمر يزعجني كثيرًا ويشغل بالي، والسبب في ذلك: أني كنت من قبل فتاة ضالة، لم أكن أصلي ولا أقرأ القرآن ولا ذكر ولا ولا، وكان لي رفقة كان كل وقتنا يذهب في الحديث عن المطربين والمطربات أخبارهم وعن العلاقات مع الشباب ومشاهدة الأفلام المليئة بالمشاهد الساخنة، فترتب عن ذلك أن أصبحت فتاة شهوانية، ووسط كل هذا كان من الصعب عليَّ السيطرة على غريزتي، فكنت ألجأ إلى العادة السرية عن طريق الخيال الجنسي دون أن ألمس جسدي بشيء، كان الأمر يقتصر على الخيال فقط، ولم أكن أعرف خلالها أن هذا الفعل حرام، فكما تلاحظون إن العيش في هذه الظروف من الطبيعي ألا يكون لدي حياء، لكن الآن بعد أن منَّ الله عليَّ بالهداية واستقمت بدأت بالصلاة وحفظ القرآن وإشغال علاقتي بالله، لاحظت أن عدم الحياء لا يزال بداخلي أي أني يمكن لي أن أذهب إلى طبيب رجل ليفحصني ولو في أماكن خاصة من جسدي دون أن أشعر أن هذا الفعل حرام أو لا يجوز.

الخلاصة: أريد أن أكون فتاة حيية، كيف السبيل إلى ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن شكواك – أيتها الأخت السائلة – من عدم وجود الحياء في حياتك، وبحثك عن الوسائل التي تستطيعين تحقيق ذلك الخلق: ليدل – إن شاء الله – على صدق في الالتزام وحب في الانقياد لشرع الله تعالى، فالمعاناة هذه لم تصدر منن فراغ، بل هي دالة – إن شاء الله – على خير دفين تستطيعين – بإذن الله – إخراجه ليكون درة في يديك وتاجًا على رأسك.

 

ثانيًا:

واعلمي – أيتها الأخت السائلة – أن الحياء نوعان: منه ما هو جِبلِّي غرسه الله تعالى في نفوس أصحابه، ومنه ما هو مُكتسب يستطيع المرء تحصيله وتحقيقه، ولولا وجود هذا النوع الثاني لما رأيتِ الشرع حثَّ على الحياء، ولما ذكر فضائله وثوابه.

 

 

 

ثالثًا:

وتستطيعين – بإذن الله – تحقيق خلق الحياء في حياتك إذا استطعتِ تحقيق ما نوصيك به وما ندلك عليه، ومن ذلك:

  1. تقوية الإيمان بالله تعالى، فكلما قوي إيمانك ازداد حياؤك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ). رواه البخاري ( 24 ) ومسلم ( 36 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسمِّي إيمانًا كما يُسمَّى الشيء باسم ما قام مقامه.

” فتح الباري ” ( 1 / 74 ).

  1. استشعار نِعَم الله تعالى الجليلة عليك، فمن شأن التفكر في تلك النعَم أن يولِّد حياء من الله عظيمًا أن يكون منك مثل تلك الأفعال المناقضة للحياء، فهل يُشكر الله بما وهبه لك من نعمة الجمال أن تعرضيه على الأجانب؟! وهل من شكر نعمة الصحة والعافية في البدن أن يُكشف على رجل أجنبي؟! والمسلم مقصِّر أصلًا في شكر نعَم الله تعالى عليه، وهو يعجز عن إحصائها فكيف له أن يشكرها؟! فهل يصلح أن يكون مع هذا التقصير في الشكر شيء من المعاصي التي نهاه ربُّه تعالى عنها؟.

قال الجنيد – رحمه الله -:

الحياء: رؤية الآلاء، ورؤية التّقصير فيتولّد بينهما حالة تسمّى: الحياء.

– انظر: ” مدارج السالكين ” ( 2 / 259 ، 260 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد يتولد الحياء مِن الله مِن مطالعة النِّعَم، فيستحيي العبدُ مِن الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 51 ).

  1. استشعار مراقبة أحدٍ من النَّاس ممن ترين فيهم الصلاح والتقوى عند فعل أي شيء يخدش الحياء أو يناقضه.

عَنْ سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: ( أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ).

رواه الإمام أحمد في ” الزهد ” ( 46 )، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” (741).

 

 

  1. اتخاذ القدوة الصالحة فيمن حقق خلق الحياء، ومصاحبة الخيِّرات الحييات من النساء.

ويكفيك قدوتان: أحدهما من الرجال! والآخر من النساء:

القدوة الأولى: هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: ” كَانَ النَّبيُّ صلَّى الله عَلَيهِ وسلَّم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ – أي: البكر – في خِدْرِهَا “.

رواه البخاري ( 5751 ) ومسلم ( 2320 ).

والقدوة الثانية: ابنة الرجل الصالح في ” مَدْين “.

قال تعالى – واصفًا مشيتها لما جاءت لموسى عليه السلام -: ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) القصص/ 25.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: كانت مستتَرة بكُم دِرْعها.

وقال ابن أبي حاتم: … : قال عمر رضي الله عنه: ” جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَع خَرَّاجة ولاَّجة ” هذا إسناد صحيح.

قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجَسور، ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النُّوق: الشديدة. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 228 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهذا يدل على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإنَّ الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء. ” تفسير السعدي ” ( ص 614 ).

وفي صحبة الحييات من النساء قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير.

” مدارج السالكين ” ( 2 / 260 ).

  1. تذكر القبر واليوم الآخر والحشر والصراط، فإن المسلم إذا علم أن حاله سيصير إلى دنيا أخرى يحاسبه ربه تعالى على ما فعل في دنياه: منعه ذلك من اقتراف السيئات، ودفعه ذلك إلى تحقيق خلق الحياء من ربِّه تعالى.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ” الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ: تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ) رواه الترمذي ( 2458 ) مرفوعاً للنبي صلى الله عليه، والأصح أنه موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه.

  1. التفكر في أسماء الله التي من معانيها مراقبة العبد ورؤيته له واطلاعه على أحواله، كأسمائه تعالى: الشهيد، والرقيب، والعليم، والبصير.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

العبد متى علِم أنَّ الرب تعالى ناظر إليه: أورثه هذا العلم حياءً منه يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 264 ).

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد قال بعض السلف: خفِ الله على قدْر قُدرته عليك، واستحي منه على قدْر قُربه منك. ” فتح الباري ” ( 1 / 75 ).

قال حاتم الأصم – رحمه الله -:

تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملتَ: فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمتَ: فاذكر سمع الله منك، وإذا سكتَّ: فاذكر علم الله فيك.

” سير أعلام النبلاء ” ( 11 / 485 ).

وفيما ذكرناه كفاية، والمطلوب منك الآن أن تبدئي بعلاج نفسك وتهذيبها وتحقيق ما ذكرناه لك من الوصايا، وسترين أثر ذلك على نفسك وفي حياتك، ونسأل الله تعالى أن يعجِّل لك الخير.

 

والله أعلم.

 

 

 

رشَتْ مجموعته الدراسية مدرِّسَهم خمْرًا من غير علمِه فهل يعيد الفصل الدراسي؟

رشت مجموعته الدراسية مدرِّسهم خمرًا من غير علمه فهل يعيد الفصل الدراسي؟

السؤال:

أنا شاب مسلم أحاول إرضاء الله تعالى بقدر ما أستطيع، وأدرس في إحدى الجامعات في ” بنجلادش “، تخصصي في ” إدارة الأعمال ” حيث تتطلب الدراسة منّا في غالب الأحيان أن نكون على شكل مجموعات لإعداد المشاريع والتقارير وبالتالي فإن الدرجات لا تُرصد إلا وفقا على حسن الأداء في المجموعة، بما يقضي أنه لا يمكن للشخص أن ينجح في المادة إذا كان يعمل بشكل فردي، وما أن يدخل الشخص ضمن مجموعة حتى لا يمكنه الخروج منها إلى نهاية الفصل الدراسي، لذلك ينبغي على الشخص أن يحرص على اختيار المجموعة المناسبة منذ البداية، وهذا ما أحاول فعله باستمرار.

في بداية هذا الفصل انضممت إلى إحدى المجموعات بعد أن تأكدت من أن جميع أعضائها جيدين فيما يبدو للناظر، ودارت عجلة الأيام وكنت أسمع بعض الإشاعات بين الطلاب من أن هناك مِن المدرسين مَن يمكن أن يرتشي بقنينة خمر! لإعطاء درجات مميزة للطلاب، ولكني لم آبه لذلك، وواصلت العمل الدؤوب في دراستي ومشاريعي.

وقد كُلف كل واحد في المجموعة بعمل محدد، وبالتالي فقد كلفنا شخصا بطباعة التقارير والأوراق، وكان كل واحد منّا يدفع جزءً من المال مقابل الطباعة، وخلال هذه المرحلة لم أكن على علم بما يخطط له بقية أفراد المجموعة من الحصول على درجة مميزة، فقد كانوا يخططون لشيء سيء ولا علم لي بذلك، وكانوا يجمعون المال المرة تلو المرة من أجل الطباعة لكن على ما يبدو أنها كانت تجمع لغرض آخر، ألا وهو رشوة المدرس المشرف على المجموعة بقنينة خمر! بدأت أشك بشكل أكبر عندما جاءوا في نهاية ” الفصل الدراسي ” وطلبوا منيّ مبلغا كبيرا لطباعة التقرير النهائي والذي في العادة لا يمكن أن يكلف كل هذه التكلفة، ولكن مع هذا ظلت الثقة بهم قائمة ولم أتصور أنهم يمكن أن يقدموا على مثل هذا الفعل، ولو كنت أعلم أنهم من هذا الصنف لما انضممت إليهم منذ البداية.

ولكن للأسف تحول الشك إلى يقين وتأكد الخبر، وأنا الآن مغتاظ جدّا ولم أعد آبه لشيء من الدرجات، فكل ما يقلقني أنني أغضبت الله وكنت طرفاً لتمويل هذا الفعل المشين.

سؤالي هو: ما العمل الآن؟ هل ألغي هذا ” الفصل ” وأعيد دراسته في الفصل القادم مع مدرس آخر ؟ وكيف أتوب ؟ شاكراً نصحكم.

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، ونشكر لك حرصك على الاستقامة على دين الله تعالى، وعدم الوقوع في الإثم، وقد أثلجت صدرنا بموقفك المشرف في آخر رسالتك وأنك على استعداد لإعادة الفصل الدراسي مع مدرس آخر، وهو يدل – إن شاء الله – على صدق عندك في السؤال لكي تستجيب لا لمجرد الاستفسار.

* والذي نراه في موضوعك:

  1. أنه ليس عليك إعادة الفصل الدراسي؛ لسببين:

أ. لعدم تعلق الرشوة المدفوعة من قبل مجموعتك بنجاحك في الفصل الدراسي، فأنت ذكرت أنك عملت بنشاط في دراستك ومشاريعك، فأنت مستحق – والحالة هذه – ما وضعه ذلك المدرس المرتشي لك من درجات.

ب. لعدم علمك بما خططت له مجموعتك ونفذته من الاتفاق مع الدرس المرتشي ورشوته، وما كنتَ تدفعه من مال إنما كان – في اعتقادك – من أجل مصروفات طباعة البحوث ومتعلقاتها.

  1. يجب عليك نصح أفراد تلك المجموعة بحرمة ما فعلوا، فالرشوة من كبائر الذنوب لو كانت مالا فكيف أن تكون خمرة محرَّمة وشربها من كبائر الذنوب؟!.
  2. ويحرم عليك مشاركتهم في الدراسة معهم في الفصل القادم إلا أن يعلنوا توبتهم من فعلهم المحرَّم ويعزموا صادقين على عدم العودة له.
  3. يجب عليك الذهاب للمدرس المرتشي ذاك ونصحه بحرمة طلبه للرشوة، وحرمة شربه للخمر، وإياك أن تخجل من هذا الأمر، فهو صاحب باطل وجريء في باطله وأنت صاحب حق فلتكن شجاعا في الحق الذي عندك بمواجهته بحرمة فعليْه، فإن أصرَّ على منكراته ومعاصيه ولم يُظهر ندما ولا أسفا على فعله: فنرى أن تبلِّغ عنه إدارة الجامعة، وليس شرطا أن تُظهر نفسك وأن تعرِّف بحالك عند إبلاغهم، ويكفيك أن تعطيهم حقائق معينة تدل على صدق كلامك، ولتكن المسئولية بعد ذلك على تلك الإدارة، والمهم أن ذمتك تبرأ بالنصح له، فإن لم تكن استجابة منه: فبالتبليغ عن ذلك الفعل المشين للإدارة المسئولة.

 

ونسأل الله أن يعينك على طاعته وأن يوفقك لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

هل تتنازل عن شرط عدم إدخال القنوات الفضائية في المتقدم للتزوج بها؟

هل تتنازل عن شرط عدم إدخال القنوات الفضائية في المتقدم للتزوج بها؟

السؤال:

فتاة يتيمة في منتصف العشرين، متدينة، ومن عائلة محافظة، أرغب في الزواج من متدين، ويا حبذا لو كان طالب علم شرعي، لكن جميع من تقدم لخطبتي أناس عاديون من ناحية الدِّين، مثلا: يصلي وخلوق ولكن يسمع أغاني أو يجلب القنوات الفضائية لبيته، عندما يتقدم لخطبتي أشترط عدم جلب القنوات الفضائية، فعندما يسمع الخاطب هذا الشرط يذهب ولا يعود، هل أكتفي بكون الخاطب مصليّا وعلى خُلُق أم أصر على شرطي خاصة وأن عمري لم يعد يسمح بوضع شروط؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

من بلغ الحلُم من الذكور والإناث لا يقال له ” يتيم “، وليس له – كذلك – أحكام اليتم. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ). رواه أبو داود ( 2873 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “، وبعض العلماء يصححه موقوفا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

* قال البغوي – رحمه الله -:

وقوله: ( لا يُتم بعد احتلام ): اليتيم: اسم الصغير لا أب له، له سهم من الخُمس، فإذا بلغ: زال عنه اسم اليتيم، فلا يستحق ما يستحق بمعنى اليتم، والمراد من الاحتلام: البلوغ.  ” شرح السنة ” ( 9 / 200 ).

ثانيا:

واشتراط الأخت السائلة في المتقدم لها للزواج بها أن يكون متديِّنًا أمرٌ طيب، وتُشكر على اشتراطها هذا، وتعان عليه، ويُدعى لها بالتوفيق لتحقيقه.

ولا نرى أن تتنازل المرأة عن اشتراط التدين في الزوج، وليس شرطا أن يكون طالب علم، والمهم أن يبتعد عن المحرمات ويحقق الواجبات، ولا شك أن التدين درجات، ويمكن لها قبول المسلم الملتزم بترك المحرمات وفعل الواجبات وعنده من المروءة والرجولة والغيرة ما يصلح أن يكون زوجا يحافظ على عرضه ويغار عليه.

وفي كل الأحوال لا ينبغي للأخت المسلمة أن تقبل زوجا من يتهاون بالصلاة أو يريدها تختلط بالرجال أو يكون مُطلقا العنان لبصره وسمعه في مشاهدة واستماع المحرَّمات.

فإذا كان شرط الأخت السائلة على المتقدمين أن لا يكون في بيتهم قنوات فضائية كتلك التي تنشر الفساد المرئي والمسموع: فنِعم الشرط، ولتستمر عليه، وأما إن كان قصدها يشمل القنوات الإسلامية: فلا نرى أن تشترط هذا، بل عليها أن تتنازل عنه؛ حيث أن ما يُعرض في تلك القنوات ليس مما يحرم على المسلم مشاهدته وسماعه، فلا وجه لذلك الشرط أن يُطلب تحقيقه من المتقدم لها للزواج.

وقد يسَّر الله تعالى في زماننا هذا ” رسيفرات ” مبرمجة على استقبال القنوات الإسلامية والمباحة الهادفة، وفي تلك القنوات تُعرض الأخبار والمحاضرات والبرامج النافعة من غير أن يقع المسلم في مخالفة شرعية، وهذا من نِعَم الله علينا، ومن البدائل التي تقطع الطريق على من يتذرع بإحضار قنوات أخرى تعرض الفساد والمنكر.

ثالثا:

ولتتنبه الأخت السائلة – وغيرها من مثيلاتها – فإنه ليس كل من يوافق على شروطك في الالتزام بالطاعة وعدم فعل المنكر أنه سيلتزم به! فقد يظهر كثير من أولئك الرضا بالشروط والموافقة على ما تريده المخطوبة ثم يكون مُخفيا لنقض تلك الشروط وهتكها، والأصل أن يُسأل عن استقامته والتزامه قبل أن يتقدم للزواج، لا أن يُجعل الميزان في استقامته ما يوافِق عليه من شروط، وقد حدثت مآسي كثيرة لكثير من الملتزمات بسبب عدم التنبه لهذا الأمر، فمنهن من ضعفن وانسقن وراء أزواجهن بما أرادوه وفعلوه من معاصٍ، ومنهن من تعرضن للضرب والأذى، وأحسنهن حالا من طُلِّقن من أولئك العصاة الفجَّار.

نعم، في بعض الأحيان قد تتوفر قرائن قوية على احتمال تأثير المرأة المتدينة على المتقدم لها في ترك بعض المعاصي والاستقامة على طاعة الله أكثر، فهنا قد نقول لها بأن تقبل به زوجا إن رأت ذلك التأثير ممكنا، فقد يكون ليِّن الجانب محبّا للخير وتكون هي قوية الاستقامة لها حظ من المنطق والعقل، فهنا قد ينجح مشروع الموافقة على من خفَّت استقامته على أمل أن ينجح التأثير عليه، وقد يظهر أثر ذلك التأثير في فترة ما قبل الدخول، والأفضل – والحالة هذه – أن يتم تمديدها قليلا، على أن لا يكون اتخاذ مثل ذلك القرار للمرأة وحدها، بل تشاور فيه العقلاء من أهلها.

 

– ونسأل الله تعالى أن يرزقك زوجا صالحا ويهبك ذرية طيبة وأن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

شربت ابنتها مادة ” التنر ” ثم ماتت فماذا يترتب عليها أو على زوجها؟

شربت ابنتها مادة ” التنر ” ثم ماتت فماذا يترتب عليها أو على زوجها؟

السؤال:

أرجو إفادتي في هذه المسألة وهي حصلت لي قبل سنين:

كانت عندي ابنة عمرها عشرة شهور، وكنت أعاني من الأرق الشديد، لا أستطيع أنام في الليل، وكنت سهرانة إلى الصباح، وعندما أردت أن أنام استيقظت ابنتي من النوم، فجلست معها إلى الساعة التاسعة صباحا، ثم أيقظت زوجي من النوم وقلت له: أنا لا أستطيع أن أواصل أكثر من ذلك أريد أن أنام قم واجلس مع البنت، وقام من النوم ووصيته على أن يحافظ عليها وأن يحرص على إغلاق باب الحمام والمطبخ إذا دخل فيها – وقد أغلقتها أنا بنفسي قبل أن أنام – وعملت لها الرضاعة لأنه لا يعرف يعملها ثم دخلت إلى الغرفة حتى أنام، وكان كل شيء على ما يرام، وبعد – تقريبًا – ساعة أيقظني زوجي من النوم يريد أن أعمل رضاعة أخرى، فقمت من عزِّ النوم وكنت زعلانه ومتضايقة من قلة النوم والأرق والتعب وعملت الرضاعة ورجعت للغرفة، ولا أدري هل تركت باب المطبخ مفتوحًا أم أغلقته، وبعد تقريبًا ساعة صحيت على صرخة زوجي بأن ابنتي دخلت المطبخ وكانت تحبي ووجدت علبة فيها قليل من ” التنر ” وشربت منه، وأغمى عليها، وبعد تنويمها في العناية المركزة يوم وليلة تعدت مرحلة الخطر وخرجت من العناية المركزة، وتنومت في الغرفة العادية، وسمح لنا الدكتور بإطعامها، وبعد ما أطعمتها انتكست حالتها ورجعت للعناية المركزة، وعملوا لها التنفس الصناعي، وبعد أربعة أيام توفيت.

على رغم أنني محافظة على النظافة والترتيب وعلى أن يكون كل شيء بعيدًا عن طفلتي، وكنت أنظر إلى كل البيت وأسأل نفسي هل يوجد شئ فيه خطر على ابنتي حيث أن حركاتها سريعة وكثيرة، لكن سبحان الله غفلت عن هذه العلبة التي كانت بها ” التنر “، وقدَّر الله وما شاء فعل.

وكنت أعاتب زوجي وأقول له: ألم أوصك أن لا تتركها وتنتبه لها؟ فقال: إنه لم يتركها لكن بعد أن أعطاها الرضاعة وقاربت على النوم دخل الحمام – وأنتم بكرامة – ولم يتأخر، كلها لحظة حدث فيها ما حدث، وكنت أسأله أنت تركت باب المطبخ مفتوحًا أم أنا من تركه؟ ويقول: لا أدري.

والسؤال:

هل علينا ذنب فيما حدث؟ وإذا كان هناك ذنب ما كفارته؟ وهل الكفارة عليَّ أو على والدها؟.

نفع الله بكم.

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يعوضكم خيرًا مما أخذ منكم، ونسأله تعالى أن يجعله لكما فرطاً وشفيعًا يوم القيامة، ونوصي كل من يقع له مثل هذا بالصبر والاحتساب والاسترجاع حتى ينالوا الأجر والثواب على ذلك الابتلاء العظيم.

كما لا ينبغي أن يكون ما يقع من مثل هذا سببًا في تفرق الأسرة، بل ليكن ما حصل درسًا لكي يتجنب الوالدان حدوث مثل ذلك – لا قدَّر الله – مرة أخرى.

 

ثانيًا:

والحكم المترتب على وفاة ابنتكم يرجع أمره إلى الطب، فإن تبين للأطباء أن شربها لمادة ” التنر ” هو السبب الرئيس لموتها: فتترتب أحكام القتل الخطأ في المسألة، وإن تبين لهم أنها شُفيت من أثر شربها للتنر، وأن الوفاة حصلت بسبب آخر: فلا تترتب أحكام القتل الخطأ في وفاتها.

 

ثالثًا:

فإن تبين لكم بتقرير الأطباء أن وفاة ابنتكم كان بسبب شربها لمادة ” التنر “: فالذي يظهر لنا أن على الأم تحمل كفارة قتل الخطأ، وأن عليها صيام شهرين متتابعين مقابل تفريطها في حفظ تلك المادة بعيدًا عن متناول طفلتها، فالمعلوم أن تلك المادة لا مكان لها في ” المطبخ “، فالكبير قد يقع في الخطأ فيشربها أو يضعها في الطعام!، ولو فرض ضيق البيت ولم يوجد لها مكان إلا فيه: فليس مكانها حيث يمكن تناولها من طفلة يحبو على الأرض!.

والذي ظهر لنا أن الزوج لم يكن على علم بوجود تلك المادة في المطبخ؛ بدليل أنك أوصيته بغلق باب الحمَّام أيضًا، وفي ظننا أنه لو عرف بوجود تلك المادة – بل وأنت كذلك – لكان الأسهل عليه رفعها بدلًا من الحرص على إغلاق باب المطبخ كاملاً من أجلها.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

منذ حوالي 19 تسعة عشر عاماً كان عندي طفلة عمرها حوالي سنة أو سنة ونصف تقريبًا، وكانت مريضة وكانت أختها الكبيرة وضعت ” قاز ” في الفانوس، وبقي قليلا منه في الوعاء الذي كانت تعمل به، وأتت عليه تلك الطفلة الصغيرة وشربت منه، ولست أنا متأكدة هل الطفلة شربت منه أم لا؟ لكنها وجدت آثار ” القاز” – الكاز – على ملابسها، وبعدها توفت تلك الطفلة بيومين أو ثلاثة، وقد قال الطبيب الذي عرضت عليه: إن الكبد محروقة، هل عليَّ إثم أنا أم الطفلة أم لا؟ إذا كان عليَّ شيء فكيف أعمل؟.

فأجابوا:

إذا ثبت أن وفاة الطفلة بسبب شرب ” القاز “: فإن على أختها إذا كانت بالغة سن التكليف وقت تركها للوعاء الذي فيه ” القاز ” كفارة قتل الخطأ؛ لثبوت تسببها في قتل أختها لتفريطها في ترك ” القاز ” في متناول هذه الطفلة، والكفارة: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجدها أو لم تستطع: فإنها تصوم شهرين كاملين متتابعين ستين يومًا، وعليها التوبة من ذلك، أما إذا لم تكن في ذلك الوقت بالغة فليس عليها كفارة.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 21 / 368، 369 ) .

كما ويترتب على ذلك القتل الخطأ دية تُدفع لورثة المتوفاة – ما عدا الأم؛ لأن القاتل خطأً لا يرث من مال المقتول ولا من ديته، وهو قول الجمهور – وهو الأب في هذه الحال، والدية قيمة خمسين من الإبل؛ لأن دية الطفلة كدية المرأة، وتكون الدية على العاقلة، إلا أن يعفو عنها الأب، فتسقط حينئذٍ عن العاقلة.

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

دية الطفل المقتول خطأ بعد ولادته حيا كدية الرجل، ودية الطفلة المقتولة خطأ بعد ولادتها حية كدية المرأة وهي على النصف من دية الذكر.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 21 / 245 ، 246 ).

 

والله أعلم.

 

ما هي وظيفة القرين من الجن؟ وهل له تأثير في الاستحاضة والمرور أمام المصلي؟

ما هي وظيفة القرين من الجن؟ وهل له تأثير في الاستحاضة والمرور أمام المصلي؟

السؤال:

سمعنا – يا شيخنا – عن ” القرين ” وأنه لا يتعدى إلا الوسوسة، ولكن هناك أثر كبير يبين دور ” القرين ” وتفلته بالأذى مثل الاستحاضة للصحابيات، فلو كان بهنَّ مسٌّ أو عين لكان أوصاهن رسول الله وبيَّن أن بهن أذى من سحر أو مس، ولكن اكتفى صلى الله عليه وسلم بأنها ركضة من الشيطان، وأيضا الأثر ” فإن معه القرين “، وأيضًا الأثر لابن عمر عندما دخل الى إهله وكانوا يضعون الخيط فوق عيونهم، وأيضا الأثر في عمر بن الخطاب عندما كان يسحب الشيطان – وأظنه القرين – ثوبه حين صلاته لأن الشيطان المنفلت المنطلق لا يقرب ابن الخطاب رضي الله عنه.

فما هو قولكم رحمكم الله وبارك الله فيكم – شيخنا ووالدنا -؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القرين هو الشيطان الموكَّل بكل إنسان لإغوائه وإضلاله، وقد جاء ذكر ذلك في القرآن والسنَّة الصحيحة.

 

ثانيًا:

والذي يتبين من النظر في أدلة الكتاب والسنَّة أن لا عمل للقرين إلا الوسوسة والإغواء والإضلال، وبحسب قوة إيمان العبد يضعف كيد الشيطان القرين، وأنه ليس ثمة عمل آخر للشيطان حسي، وتنتهي مهة هذا القرين بموت المسلم، ولا ندري عن مصيره بعدها.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما هو القرين ؟ وهل يرافق الميت في قبره؟.

فأجاب:

القرين هو شيطان مسلَّط على الإنسان بإذن الله عز وجل، يأمره بالفحشاء وينهاه عن المعروف، كما قال عز وجل: ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )، ولكن إذا منّ الله سبحانه وتعالى على العبد بقلب سليم صادق متجه إلى الله عز وجل مريد للآخرة، مؤثر لها على الدنيا: فإن الله تعالى يعينه على هذا القرين حتى يعجز عن إغوائه.

ولذلك ينبغي للإنسان كلما نزغه من الشيطان نزع فليستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أمر الله، قال الله تعالى: ( وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).

 والمراد بنزغ الشيطان: أن يأمرك بترك الطاعة، أو يأمرك بفعل المعصية، فإذا أحسست من نفسك الميل إلى ترك الطاعة: فهذا من الشيطان، أو الميل إلى فعل المعصية: فهذا من الشيطان، فبادر بالاستعاذة بالله منه: يعذك الله عز وجل.

وأما كون هذا القرين يمتد بأن يكون مع الإنسان في قبره: فلا، فالظاهر – والله أعلم – بمجرد أن يموت الإنسان يفارقه؛ لأن مهمته التي كان مسخرًا لها قد انتهت، إذ أن ( الإنسان إذا مات  انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) – رواه مسلم -.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / 427  ، 428 ) وقد صوَّبنا بعض الكلمات من الأصل وهي مادة صوتية من ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 315 ).

 

ثالثًا:

وكل ما خالف ما ذكرناه سابقًا من عمل القرين ليس ثمة ما يدل على أنه من عمله، وهذا ما سبَّب خللًا في فهم المسألة عند الأخ السائل، والأمور التي ذكرها ليست كلها سواء، فالشيطان الذي يوسوس للإنسان في صلاته ليس هو القرين، بل هو شيطان خاص لهذا الأمر، وقد سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم ” خِنْزَب ” – بفتح الخاء أو كسرها -، وليس هو الذي يعقد على قافية المسلم قبل نومه ثلاث عُقَد – كما في الصحيحين -، وليس هو الذي يبول في أذن من نام الليل كله حتى أصبح – كما في الصحيحين -، وهكذا في مسائل كثيرة، فكل أولئك جنود لإبليس – على الراجح – ابتلى الله تعالى بهم المسلمين، وأمرهم بالاستعاذة منهم، واتخاذهم أعداء، وأما القرين فله الوسوسة والإغواء لا غير.

 

رابعًا:

ولا دليل على أن الاستحاضة من فعل القرين، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم سبب دم الاستحاضة بعدة أشياء، وهي:

  1. ( هَذَا عِرْقٌ ) رواه البخاري ( 321 ) ومسلم ( 334 ) من حديث عائشة رضي الله عنها.
  2. ( هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ ) رواه أبو داود ( 296 ) من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها، والحديث صححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  3. ( رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ عِرْقٌ انْقَطَعَ أَوْ دَاءٌ عَرَضَ لَهَا ) رواه أحمد ( 45 / 602 ) من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صححه محققو المسند.
  4. ( رَكْضَةٌ مِنْ الرَّحِمِ ) رواه النسائي ( 209 ) من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
  5. ( رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ) رواه الترمذي ( 128 ) وأبو داود ( 287 ) من حديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها، والحديث حسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ولا تنافي بين الروايات، فدم الاستحاضة يخرج من عرق انفجر في أدنى الرحم، والمرأة االمستحاضة يلبَّس عليها الأمر فتظنه حيضًا وتترك الصلاة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( رَكضة من الشيطان ) وقوله ( هذا من الشيطان ) فإن كان على ظاهره: فليس فيه ما يدل على أنه فعل القرين؛ لما سبق بيانه من اختلاف الشياطين وأعمالهم، وإن كان على المعنى الآخر فهو من القرين؛ لأنه داخل في التلبيس والوسوسة، ويكون العرق انفجر بسبب داء عرَض للمرأة بسبب من الأسباب المعروفة في عالم الطب.

قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله: ( إنما هي ركضة من ركضات الشيطان ) أصل الركض: الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به: الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتصيب برجلها، والمعنى: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وأضيف النسيان إلى الشيطان كما في قوله تعالى: ( فَأنسَاهُ الشَّيطَانُ ذكرَ رَبِّهِ ).  وقيل: هو حقيقة، وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقهاَ.

” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 69 ).

 

خامسًا:

ومما يصلح أن يكون من فعل القرين – احتمالًا قويًّا – هو ما ذكره الأخ السائل من دفع القرين للمقترن به ليمرَّ بين يدي المصلي، فقد جاء النصٌّ الصحيح على هذا أنه من فعل القرين، وهذا ليس خارجًا عمّا ذكرنا من أعمال القرين من الوسوسة والتزيين والإغواء.

عن أَبِى سَعِيدٍ الخدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ فِى نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ). رواه البخاري ( 3100 ) ومسلم ( 505 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ ).

رواه مسلم ( 506 ).

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد اختلف في معناه:

فقيل: المعنى: أن معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك، وهو اختيار أبي حاتم، وغيره ، ويدل عليه: حديث ابن عمر: ( فإن معه القرين ).

وقيل: المراد: أن فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني، وغيره. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 676 ).

والمراد بأبي حاتم في كلام ابن رجب: هو الإمام ابن حبَّان صاحب الصحيح، فقد بوَّب على الحديث بقوله ” ذكر البيان بأن قوله صلى الله عليه وسلم ( فَإِنّمَا هُو شَيْطَان ) أراد به: أن معه شيطانًا يدله على ذلك الفعل، لا أن المرء المسلم يكون شيطانًا. ” صحيح ابن حبان ” ( 6 / 133 ).

 

سادسًا:

ولم نقف على ما أورده الأخ السائل عن ابن عمر وأبيه رضي الله عنهما، ولا يخرج الأمر عما ذكرناه، فما فيه من وسوسة وتزيين للباطل وإغواء فهو من القرين، وما عداه من الأمور الأخرى فمن غير القرين من الشياطين من جنود إبليس.

 

والله أعلم.