الرئيسية بلوق الصفحة 56

هل يدرِّس الطلاب خلاف ما عندهم في منهجهم الدراسي؟ونصيحة بكتب علمية وتربوية

هل يدرِّس الطلاب خلاف ما عندهم في منهجهم الدراسي؟ونصيحة بكتب علمية وتربوية

السؤال:

أنا معلم قرآن في أحد المساجد – مرحلة ابتدائية – أقدم أسبوعيّا درسا تربويّا وعلميّا، ولكن عندما أطرح مسائل فقهية في الصلاة أو غيرها: أجد أن المناهج التعليمية تنص على قول ما وأنا آخذ بقول عالم يخالف هذا القول، هل أقدِّم ما أعمل به أم أقول لهم بما يكون لديهم في المناهج الدراسية بحيث لا يكون هناك لبس على الطالب – مع أن بعض الأعمال سنَّة -؟.

وماذا تنصحونني به من كتب ومراجع علمية وتربوية بحيث أنني أزداد علما شرعيّا ومعرفة بالواقع التربوي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أحبك الله الذي أحببتنا من أجله، ونسأله تعالى أن يثيبك على ما تقدم من خير وعلم وتربية للطلاب، وخاصة وهم في المرحلة الابتدائية، مرحلة التأسيس، وسن الحفظ، فاستثمار ذلك من خير ما ينشغل به الدعاة والمصلحون.

وننصحك بنصيحة غالية من الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله موجهة لك ولأمثالك من معلمي التلاميذ في سن مبكرة، إذ يقول:

إن على المعلِّم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفيمن ولاَّه الله عليهم من التلاميذ، وأن يحرص غاية الحرص أن يمثل أمامهم بالأخلاق حتى يكون قدوة صالحة:  (ومن سنَّ في الإسلام سنّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ). – رواه مسلم -.

وإنني أقول للمعلِّمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنِّهم، إنَّ المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به: فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام هذا المعلم، كيف يعلِّمنا شيئا ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به، لا تستهن يا معلما بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغارا؛ فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة. ” كتاب العلم ” ( ص 110 ).

ثانيًا:

والمناهج التعليمية في المملكة العربية السعودية قائمة على العلم الشرعي المتين، ومرجع المسائل المتبناة إلى الأدلة من الكتاب والسنَّة، والذي قام على تأليفها علماء ثقات أجلاء، فلهذا، ولكون الطلاب في المرحلة الابتدائية، ولكون المسائل من الفروع الفقهية، ولكونها في غير الفرائض والمحرمات: لا نرى لك أن تذكر شيئا من المسائل مخالفا لما هو عندهم في منهاجهم؛ لما سيسببه ذلك من إرباك عندهم، وخلط بين ما يسمعونه منك، ويسمعونه من أستاذهم في المدرسة، وعقول هؤلاء في هذه السن لا تحتمل مثل هذا التضاد، وليسوا هم على ضلال حتى ترى أنه يجب عليك إخبارهم بما تتبناه من مسائل، وليس ما تتبناه أصلا من اليقين الذي لا شك فيه أو خلاف حوله، فنرى أنه يسعك عدم إخبارهم ما تراه مخالفا لما عندهم من المناهج، وليس هذا من كتم العلم بحال، بل هو من الدِّين، والعقل، والمصلحة.

ثالثا:

وإذا أردت الوصية بكتب علمية تزداد منها علما مؤصَّلا: فعليك بكتب السلف الصالح من المتقدمين، ونوصيك – على وجه الخصوص – بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله؛ ففيه خير عظيم وعلم نافع.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – وهو الخبير بكتب الشيخين رحمهما الله -:

يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات حديثًا؛ لأنّ بعض المؤلفين حديثًا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنه سطحيّ، قد ينقل الشيء بلفظه، وقد يحرِّفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء.

فعليك بالأمهات كتب السلف؛ فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف؛ لأن غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني، كثيرة المباني، تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها بسطر أو سطرين، لكن كتب السلف تجدها هينة، لينة، سهلة، رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى.

ومِن أجلِّ الكتب التي يجب على طالب العلم أن يحرص عليها: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله.

” كتاب العلم ” ( ص 68 ، 69 ).

وأما الكتب التربوية: فننصحك بالكتب بما يأتي:

  1. كتاب ” علم النفس الدعوي ” دراسات نفسية تربوية، للدكتور عبد العزيز بن محمد النغيمشي.
  2. كتاب ” الدليل العملي للمعلمين والمعلمات ” للدكتور راشد بن حسين العبد الكريم.
  3. كتاب ” أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية ” للدكتور الدكتور عبدالحميد الزنتاني.
  4. كتاب “ تربية المراهق في رحاب الإسلام ” محمد الناصر وخولة درويش.

 

والله أعلم.

طائفة من مسائل متنوعة في ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “

طائفة من مسائل متنوعة في ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ”

السؤال:

أعلم أنه ينبغي على الشخص أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع اسمه، ولكن ماذا لو سمع لقبًا من ألقاب الاحترام والتبجيل التي تطلق عليه صلى الله عليه وسلم مثل: الطيب، أو الحبيب، أو كما يطلق هنا في الهند ” حضور “؟ فهل تلزم الصلاة هنا أيضًا؟ وماذا لو سمع ضمير الغائب المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا لو رأى الشخص اسم النبي صلَّى الله عليه وسلم مكتوبًا كتابةً هل يصلِّي عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه مسائل متنوعة في أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها الإجابة على أسئلة الأخ السائل وزيادة، نسأل الله أن ينفع بها:

  1. على المسلم أن يجمع للنبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والتسليم؛ لقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب/ 56.

قال الإمام النووي – رحمه الله -:

إذا صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم: فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما، فلا يقل ” صلى الله عليه ” فقط ، ولا ” عليه السلام ” فقط.

” الأذكار ” ( ص 117 ).

  1. اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عندما يُذكر اسمه، فذهبت طائفة منهم إلى وجوب الصلاة عليه، وقال الجمهور بأنه مستحب، وهو الصواب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد اختُلف في وجوبها كلما ذُكر اسمُه فقال أبو جعفر الطحاوي وأبو عبد الله الحلِيمي: تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وقال غيرهما: إن ذلك مستحب وليس بفرض يأثم تاركه. ” جلاء الأفهام ” ( ص 382 ).

والراجح: الاستحباب، ويدل على نفي الوجوب وجوه:

أحدها: أنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم اكثر من أن يُذكر؛ فإنهم كانوا يقولون: ” يا رسول الله ” مقتصرين على ذلك، وربما كان يقول أحدهم ” صلى الله عليك “، وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذِكره: لأنكر عليهم تركها.

الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذُكر: لكان هذا من أظهر الواجبات ولبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمَّته بيانًا يقطع العذ، وتقوم به الحجة.

الثالث: أنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يُعرف أن أحدًا منهم قال به، وأكثر الفقهاء – بل قد حكي الإجماع – على أن الصلاة عليه ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق – كما تقدم – فكيف تجب خارج الصلاة؟!.

الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائمًا: لوجب على المؤذن أن يقول ” أشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم “! وهذا لا يُشرع له في الأذان فضلا أن يجب عليه.

الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه، وقد أمر السامع أن يقول كما يقول المؤذن، وهذا يدل على جواز اقتصاره على قوله ” أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله “، فإن هذا مثل ما يقول المؤذن.

السادس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله ” وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله ” اتفاقًا…. .  انتهى.

نقلناها مختصرةً من ” جلاء الأفهام ” ( ص 393 ، 394 ).

  1. ومما لا شك فيه أن القول بالاستحباب لا ينافي القول بالوجوب لمرة واحدة في العمر، ولا نظن مسلمًا لم يصلِّ في حياته على نبيه صلى الله عليه وسلم، فالمصلون لا تخلو صلاتهم من الصلاة على نبيهم، وخارج الصلاة لا تخلو حياة مسلم من الصلاة على نبيهم صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرَّة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي، قال عياض: وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.

” جلاء الأفهام ” ( ص 382 ).

  1. وقد اختلف العلماء في مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأول في الصلاة على قولين:

القول الأول: مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الشافعي وابن حزم رحمهما الله، وقد اختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز والألباني رحمهما الله.

القول الثاني: أنه يقتصر على قراءة التشهد إلى الشهادتين، ولا يزيد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول جمهور الفقهاء، وقد اختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

  1. واختلف أهل العلم في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، وذلك على أقوال: فالجمهور على استحبابها، وقيل بأنها ركن، وقيل بأنها واجبة، وهو ما رجحناه في جواب سابق.
  2. سماع اسمه صلى الله عليه وسلم ” أحمد ” أو أو أي صفة تدل عليه مثل ” المصطفى “، أو ” خاتم النبيين “، أو ” سيد المرسلين “: كل ذلك له حكم سماع اسمه صلى الله عليه وسلم ” محمد “، فيصلَّى عليه عندما تُذكر.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فينبغي للمؤمن أن يتبع ذِكره – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة عليه، فإذا قال: ” قال رسول الله ” يقول: ” صلى الله عليه وسلم “، وإذا قال: ” عن رسول الله “، يقول: ” صلى الله عليه وسلم “، وإذا مرَّ ذِكره وهو يسمع: صلَّى عليه – عليه الصلاة والسلام -. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 373 ).

  1. سماع الضمير العائد على النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقام سماع الاسم الصريح.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الناس إذا أراد أن ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا يقول: ” قال صلى الله عليه وسلم “، ولا يقول ” قال الرسول صلى الله عليه وسلم ” أو ” قال محمد صلى الله عليه وسلم ” ففي مثل هذه هل يقال ” آمين ” أم يقال ” صلى الله عليه وسلم “؟.

فأجاب:

هنا لا شك أن الضمير في ” قال ” يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر: أن الضمير كالمذكور، فعليه: يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل ( رغم أنف امرئٍ ذُكرتَ عنده فلم يصلِ عليك ).

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. لا فرق بين سماع الاسم أو الصفة للنبي صلى الله عليه وسلم وبين قراءة ذلك في صحيفة أو كتاب؛ إذ القراءة لها حكم السماع.

قال النووي – رحمه الله -:

يستحب لقارئ الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذَكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة.

” الأذكار ” ( ص 117 ).

ومما يقوي أن القراءة لها حكم السماع: أن من بلغه كتاب فيه سلام عليه أنه يجب عليه الرد عليه بلسانه.

 

 

وقال – رحمه الله -:

قال الإمام أبو سعد المتولي وغيره: إذا نادى إنسانٌ إنسانًا من خلف ستر، أو حائط، فقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتابا فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسل رسولًا وقال: سلِّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول: وجب عليه أن يردَّ السلام، وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضًا أنه يجب على المكتوب إليه رد السلام إذا بلغه السلام. ” الأذكار ” ( ص 247 ).

  1. يكفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد الذي يتكرر اسمه كثيرًا: يكفي أن يصلى عليه مرة واحدة.

قال الإمام الترمذي – رحمه الله -:

ويروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلَّى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس: أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس.

” سنن الترمذي ” ( 5 / 550 ).

قال المباركفوري – رحمه الله -:

” ما كان في ذلك المجلس ” أي: ما دام كان في ذلك المجلس.

” تحفة الأحوذي ” ( 9 / 372 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وأما بالنسبة لمن يسمع ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يكرر قراءة الحديث في المسجد أو في المدرسة أو في المعهد: فهذا إذا صلَّى عليه أول مرة: كفى، كما قال أهل العلم فيمن تكرر دخوله إلى المسجد أنه إذا صلى تحية المسجد أول مرة وهو عارفٌ من نفسه أنه سيتكرر دخوله: فإنه يكتفي بذلك.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. من أمَّن على من صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم: فله حكم وأجرالصلاة عليه؛ لأن الصلاة دعاء وليست ثناء.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ثم إن المدرس غالبًا يقول: ” قال النبي صلى الله عليه وسلم ” أو ” عن النبي صلى الله عليه وسلم “، وهذا القائل إذا قال ” صلى الله عليه وسلم “: فإنه يكون قد دعا الله أن يصلِّي على نبيه فوظيفة المستمع في مثل هذا: أن يقول آمين، ويكون قوله ” آمين ” كقوله ” صلى الله عليه وسلم “؛ لأن الداعي والمؤمِّن كليهما داعيان كما قال الله تعالى عن موسى ( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) قال الله تعالى: ( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فتمت دعوتكما أي الداعيين قال أهل العلم وكان موسى يدعو وهارون يؤمن.

وعليه: إذا سمعت قائلًا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم فقلت آمين فكأنما قلت ” صلى الله عليه وسلم “؛ لأنك أمنت على دعاء المتكلم.

نعم، إذا كان الإنسان يظن أن هذا المتكلم قال ” صلى الله عليه وسلم ” جريًا على العادة ولم يستحضر الدعاء: فحينئذٍ نقول: السامع يقول ” صلى الله عليه وسلم ” ولا يؤمِّن إذا علم أن قول هذا المتكلم ” صلى الله عليه وسلم ” درجت على لسانه بدون قصد، فكأنه لم يدع بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو علم أن المتكلم إنسانٌ فطنٌ وأنه كلما قال ” صلى الله عليه وسلم ” يشعر أنه يدعو الله بأن يصلِّي على نبيه ويسلم: فإنه يكتفي بقول ” آمين “.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. إذا سمع المصلي الإمام يقرأ قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب/ 56: فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إن وقف الإمام في القراءة أو أراد الركوع، استحبابًا، وأما إن قرأها المصلي نفسُه: فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان في صلاة فرض أو نافلة.

روى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 2 / 211 ) عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم – أي النخعي -: أسمع الرجل وأنا أصلي يقول: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي )، أأصلي عليه؟ قال: نعم، إن شئت.

وعن الحسن – أي: البصري – قال: إذا قال الرجل في الصلاة: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ): فليصل عليه.  انتهى.

وقال المرداوي – رحمه الله -:

لو قرأ آية فيها ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كان في نفل فقط: صلَّى عليه، نص عليه، وهذا المذهب، جزم به ابن تميم وقدَّمه في ” الفروع ” وقال: وأطلقه بعضهم.

قال ابن القيم في كتابه ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “: المنصوص: أنه يصلي عليه في النفل فقط.

وقال في ” الرعاية الكبرى ” و ” الحاوي “: وإن قرأ آية فيها ذِكره صلوات الله وسلامه عليه: جاز له الصلاة عليه، ولم يقيداه بنافلة، قال ابن القيم: هو قول أصحابنا.  ” الإنصاف ” ( 2 / 80 ).

  1. وللوقوف على معنى الصلاة والسلام عليه: انظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

هل يجوز له ربط لحيته ليكف عن نفسه أذى سخرية الناس من طولها؟

هل يجوز له ربط لحيته ليكف عن نفسه أذى سخرية الناس من طولها؟

السؤال:

لقد أعفيت لحيتي – والحمد لله – اتباعا لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، لكني أعمل في شركة غير مسلمة، وسبحان الله فإنه يُنظر إلى اللحية غير المهذبة باحتقار ليس فقط بين غير المسلمين لكن أيضا بين المسلمين ( ربما لأن العلماء لم يقوموا بأداء واجبهم بإخبار الناس بالحكم الشرعي للحية وهم أنفسهم يهذبون لحيتهم بل أنهم حتى يقومون بحلاقة جزء منها ) ولكي أتجنب الأذى ولكي أتدبر أمر لحيتي: جمعتُها معاً برباط مطاطي، وطويتها تحته حتى تبدو أقصر ومهذبة، وهذه الطريقة مفيدة في الألعاب الرياضية أيضا؛ لأنها تجمع اللحية، وتقلل من فرص الإمساك بها وسحبها، والآن يبدو أن هناك حديثاً يمنع ربط اللحية لكن قال أحد الإخوة إن ربط اللحية في هذا الحديث يشير إلى الربط بسبب وجود اعتقادات خرافية، فما هو فهم العلماء الصحيح للحديث ورأيهم فيمن ربط اللحية دون أسباب خرافية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يعفو عنا وعنك، وأن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى، وأن يكتب لك أجر حبك لسنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم واتباعك لها.

ثانيا:

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

ثالثًا:

والاستهزاء والسخرية من الكفار متوقع، وليس بعد الكفر ذنب، لكن من يفعل ذلك من المسلمين فليعلم أنه يلحق بأولئك الكفار فيصير مثلهم! وقد أجمع أهل العلم على أن الاستهزاء والسخرية بشيء من شعائر الله تعالى الثابتة كفر مخرج من الملَّة، فليتنبه أولئك المستهزئون لأنفسهم وليحافظوا على دينهم ولا يضيعوه اتباعا للهوى والشيطان وإرضاء لشياطين الإنس.

قال الله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ . وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) التوبة/ 64 – 66.

 

 

* قال أبو بكر الجصاص – رحمه الله -:

فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه؛ لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا لعبا، فأخبر الله عن كفرهم باللعب بذلك.

وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك: ” أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات ” فأطلع الله نبيَّه على ذلك، فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جِدٍّ، أو هزل.

فدلَّ على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر، ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر مِن فاعله.

” أحكام القرآن ” ( 4 / 348 ، 349 ).

رابعًا:

واعلم أن الحديث الذي تشير إليه في المنع من ربط اللحية هو:

عن رُوَيْفِعَ بْنِ ثَابِتٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ ). رواه أبو داود ( 36 ) والنسائي (5067) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

ونبشرك أن ما ذكره العلماء في تفسير المنع الوارد في ربط اللحية لا ينطبق على السبب الذي ربطتها من أجله، وأما أقوال العلماء في شرح الحديث فإليك النقل الموثق عنهم:

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

قوله: ( أن من عقد لحيته ) عقد اللحية اختلف العلماء في تفسيره:

منهم من قال: عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّرا وتجبّرا، ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.

والقول الثاني: المراد به عقد اللحية في الصلاة؛ لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة؛ لأنه يدل على عدم الخشوع.

القول الثالث: أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد، يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف.

نعم، لا بأس أن اللحية تصلح، وأنها تُنظّف، وأنها تُكرم، لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف. ” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ” ( ص 152 ).

 

 

 

ولا تخرج تفسيرات العلماء عن هذه التفسيرات، فانظر ” شرح السنة ” ( 11 / 28 ) للإمام البغوي، ” معالم السنن ” ( 1 / 27 ) ، ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 178 ).

 

وبه يتبين أنه لا حرج في ربط لحيتك لما ذكرتَه من سبب، ولا يدخل ما تفعله في النهي الوارد في الحديث، وبما تفعله تدفع عن نفسك أذى الاستهزاء والسخرية.

 

وننصحك – أخي السائل – بالخروج من بيئتك لبيئة تستطيع فيها إظهار شعائر دينك، وتجد فيها على الحق أعوانا، واحذر من الاستجابة للضغط فتحلق اللحية أو تخففها فكلاهما من المحرَّمات.

 

والله أعلم.

 

 

أصيبت بمرض نفسي ثم قتلت نفسها فهل تعد منتحرة؟

أصيبت بمرض نفسي ثم قتلت نفسها فهل تعد منتحرة؟

السؤال:

لديَّ سؤال يتعلق بالانتحار، حيث قامت إحدى صديقات أسرتنا بالانتحار، لكن ذلك لم يكن بسبب أمر محدد، حيث أنها كانت تعاني من اضطراب ضغط ما بعد الصدمة، وبالرغم من أنه يبدو كضغط عادي فإنه يمكن أن يؤثر على المخ سلبا ويقنعه بفعل أشياء لم يكن الشخص ليفعلها وهو في حالته الطبيعية كما لو أنه يتحكم فيها تقريبا، فهل تكون مع من انتحروا بسبب فقدهم الأمل؟ أم أن حكمها يكون مختلف لوجود اضطراب عقلي، نفسي، في رأسها؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق ) رواه أبو داود ( 4403 ) والترمذي ( 1423 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 ).

فإلى أية جماعة ينتمي من انتحر بسبب معاناته من اضطراب نفسي  كاضطراب ضغط ما بعد الصدمة؟ إلى المذنبين أم إلى من رفع القلم عنهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب، توعد الله تعالى عليه بالعقوبة الغليظة، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا: عُذِّب به في الآخرة.

وما يصيب المسلم من أمراض عضوية، كالسرطان، أو نفسية، كالاكتئاب، ولا يستطيع الصبر عليها: لا يبيح له أن يقتل نفسه.

 

ثانيا:

قد يصاب المسلم بأمراض نفسية أو عضوية فتؤثر في عقله تأثيرا بالغا حتى لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فمثل هذا إن حصل منه قتل لنفسه: فلا يكون مع المذنبين الواقعين في كبيرة الانتحار، بل يكون معذورا؛ وذلك لوجود عارض من عوارض الأهلية تمنع من مخاطبته بالتكاليف الشرعية، وعليه: فلا يؤاخذ في الذنوب التي يقترفها مما تكون بينه وبين ربِّه، وأما ما يفعله مما يترتب عليه حقوق للآخرين: فإن لهم المطالبة بها من أوليائه.

وعليه: فإذا كان ما أصاب صديقة أسرتك من اضطراب نفسي قد أثَّر على عقلها فلم تعد تدري ما تقول أو تفعل: فيكون لها حكم من أصيب بالجنون، وتكون معذورة غير آثمة في قتل نفسها؛ لرفع قلم السيئات عنها وهي في تلك الحال.

عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظْ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حتَّى يَكْبُر، وَعَن المَجْنونِ حتَّى يعْقِل – أَوْ يَفِيق … َ – “. رواه أبو داود ( 4392 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 99 ) – في تعريف الجنون -:

وأما في الاصطلاح: فقد عرفه الفقهاء والأصوليون بعبارات مختلفة منها:

– أنه: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرا.

– وقيل: الجنون اختلال القوة المميزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها, وأن تتعطل أفعالها.

– وعرَّفه صاحب البحر الرائق بأنه: اختلال القوة التي بها إدراك الكليات.  انتهى.

* وأما من حيث الأحكام المترتبة على تصرفات من به جنون: فقد جاء في ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 101 ):

الجنون من عوارض أهلية الأداء، وهو يزيلها من أصلها, فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية; لأن أساس أهلية الأداء في الإنسان: التمييز والعقل, والمجنون عديم العقل والتمييز.

ولا يؤثر الجنون في أهلية الوجوب; لأنها ثابتة لكل إنسان, فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب; لأن أهليته للوجوب هي حياته الإنسانية.

وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية: يؤديها عنه وليه، فإذا جنى على نفس أو مال: يُؤاخذ ماليّا لا بدنيّا, ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتص منه, لقول علي رضي الله عنه: ” عمد الصبي والمجنون خطأ “، وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير. انتهى.

وأما إن كان ذلك الضغط النفسي على صديقة أسرتكم لم يكن له تأثير على عقلها، وإنما هي آثار نفسية، وتدري معه ما تقول وما تفعل، وتميز بين الحسن والقبيح، وتفرق بين الخطأ والصواب: فلا تكون معذورة بقتل نفسها، بل هي مؤاخذة على فعلها، ونسأل الله أن يعفو عنها، وأن يخفف على أهلها مصيبتهم ويؤجرهم عليها.

 

والله أعلم.

 

حكم الاشتراك في برنامج ” الحياة الثانية ” – ” Second Life ” -؟

حكم الاشتراك في برنامج ” الحياة الثانية ” – ” Second Life ” -؟

السؤال:

انتشر في الآونة الأخيرة برنامج اسمه ” Second Life “، وهو عباره عن عالم ثلاثي الأبعاد يحاكي الواقع في كل شيء، وفيه كل ما يخطر وما لا يخطر في بال البشر.

سؤالي: ما حكم الدخول إلى هذا البرنامج بالنسبة للمسلمين؟ نحن لا نتكلم عن إيجابياته ولكن عن سلبياته بالنسبة للمسلمين من تكوين العلاقات المحرمة بين الجنسين، والحوار بينهم بالصوت والزواج والطرفان يكونان غرباء، وإقامة الزنى الإلكتروني بحجة أنهم متزوجون وإنجاب الأطفال، وغير الملابس الخليعة وبيوت الدعارة وتضييع الأوقات بالساعات والصلوات وغيرها والأماكن – أو ما يسمَّى ” land ” – القذرة، والرقص الماجن، والغناء، والكثير، والجميع يعتبر ذلك غير محرَّم بحكم أنها مجرد لعبة، ولا أحد يعرف من أنت، إلا من رحم ربي.

فهل هذا حرام أم حلال شرعا؟.

نرجو الرد سريعا؛ لأن الشباب والبنات المسلمين بدأوا بالدخول لهذا البرنامج، وبدأ بالانتشار بينهم.

نرجو التركيز على سلبياته وما يحدث بين الشباب والبنات المسلمين، وتوجيه النصيحة لهم، والتنبيه من خطر هذا البرنامج الذي أعتبره كارثة بل طامة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يعيش الغرب حالة من الضياع النفسي والخواء الروحي في كثير من أفراده، ومن غير الغريب على من يعيش على تلك الشاكلة أن يبتدع كل يوم ما يظن أنه يملأ خواءه الروحي وأنه يعالج به ضياعه النفسي، فليس ثمة دين رباني يتمسكون به، وليس ثمة أخلاق فاضلة يتخلقون بها، فتفككت أسرهم، وضاع شبابهم، وانحرفت نساؤهم، حتى صار ” الكلب ” أوفى للأسرة من أولادها! وحتى غدا الشذوذ الجنسي مسيطرا على أذهانهم وتفكيرهم، فانتشر اللواط والسحاق في مجتمعاتهم، وصنعوا الدمية الجنسية ليفرغوا شهواتهم فيها، وبكل حال فإن من يطلع عن كثب على أحوال الأسر والأفراد والمجتمعات يجزم أنهم بلغوا الحضيض، وأنهم يعيشون بلا هدف سامٍ، ويقضون على ساعات حياتهم بكل حلال وحرام حتى ينتهي بهم الأمر إلى حفرة يُدفن فيها.

 

 

وما قلناه آنفًا ليس عجيبًا ممن تخلى دينه ورضي باللّادينية أو بدين محرَّف قائم على تأليه البشر، لكن العجيب أن نرى فئامًا من المسلمين ترضى بذلك الحال أن يكون حالها، وتتخذ من ذلك المجتمع قدوة له يسير على نهجه حذو القذة بالقذة، فما أعظم كفران هؤلاء لنعمة الله تعالى عليهم بالإسلام، والله المستعان.

 

ثانيا:

وبرنامج ” الحياة الثانية ” لا يخرج في هدف إنشائه عما قلناه سابقا، والمراد منه ابتداء التحلل من القيود الدينية والأخلاقية وحتى القانونية، ولذا جعلوا شعاره “العالَم عالمك، والخيال خيالك “! فيدخل فيه المشترك باسم مستعار ويفعل ما يحلو له من المعاصي والموبقات وتضييع عمره في الإدمان على الخيال والأوهام.

والذي نجزم به – بعد الاطلاع على الموقع وعلى كثير مما كتب فيه وعنه -: أنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يشترك فيه؛ لما يحتويه على مفاسد كثيرة، ومنها:

  1. تضييع العمر في عالم الوهم والخيال، ويقتل المشترك في ذلك البرنامج بين 4 إلى 10 ساعات يوميًّا! ولك أن تتفكر في حال ذلك الواهم الذي قتل تلك الساعات من عمره كل يوم كيف سيكون مسلما جادّا في حياته الحقيقية، وكيف سيؤدي واجباته الشرعية، وكيف سينجح في تكوين أسرة ونشر الفضيلة والخير في حياته الواقعية.
  2. ومن أعظم المفاسد في ذلك البرنامج السيء ما يحتويه على أماكن العهر والفساد كأماكن الرقص، وبيوت الدعارة، وممارسة الرذيلة بشراء مجسمات للأعضاء الجنسية ليمارس بها تلك الفاحشة! وشراء المرأة الثياب الشفافة والمثيرة لإغراء الزبائن بفعل الفاحشة، ومن هنا اتجهت صرخات العقلاء حتى في العالم الغربي لمحاربة هذا الفساد في ذلك البرنامج؛ لوقوع كثير من الأطفال في قبضة مافيا الجنس إما لإثارتهم في فعل الفاحشة أو اصطياد أولئك الأطفال في شبكات دعارة في واقعهم الحقيقي.

وقد قالت تلك الجهات الأمنية والاجتماعية والنفسية أن العالم الافتراضي الذي سيعيشه الطفل في ذلك البرنامج يمكن له نقله إلى عالم الواقع إذا ما اعتاد على تلك المشاهد وتلك الممارسة، وللمؤسسات البريطانية والألمانية صرخات تحذير من هذا البرنامج وأثره السيء على الأطفال، ولعلَّ هذا أن يخرس تلك الألسنة التي تسخر من علماء المسلمين الذين يحذرون من الآثار السيئة للبرامج والألعاب الحديثة, وأنهم ضد الجديد، وأن هذه البرامج والألعاب فيها الخير والشر، وإنما يقول هذا من لا يعرف آثار تلك البرامج، ولم يعان ما يعانيه أهل الاختصاص من أضرارها.

 

 

 

  1. في البرنامج مجال واسع للمحادثة مع النساء وتكوين العلاقات المحرمة.
  2. في البرنامج صرف للمسلم عن حياته الواقعية، وتفريط في واجباته الملقاة على عاتقه، من كسب، وبر والدين، وتربية أولاد، وطلب علم، ودعوة إلى الله.
  3. في البرنامج أثر على العقيدة من جهات كثيرة ابتداء من ” اسم البرنامج “، فالحياة الثانية في الإسلام هي الحياة البرزخية، وهي ما سيعيشه المسلم من الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة، وهناك يكون إما منعما أو معذَّبًا، وجاء هذا البرنامج السخيف ليعرض ” الحياة الثانية ” بتصورات صانعيه ، فتُصرف الأذهان والعقول والأبدان للعيش داخل ذلك العالم الافتراضي في تلك الحياة الثانية، فيضيِّع المسلم بذلك حياته الدنيوية الأولى، والثانية، بل والثالثة وهي الحياة في الجنة.

وفي البرنامج دعوة للأديان والمذاهب الباطلة، ففيه الكنائس، والمعابد، وأوكار الماسونية، وهو باب فتنة قد يقع فيه ذلك الواهم الذي يعيش في عالمه الخيالي فيصير حقيقة في عالمه الواقعي.

  1. وكل من قال إنه لا أثر للدخول في تلك الحياة الخيالية على واقع حياة الداخل فهو جاحد للحقيقة، وهذا من أخطر ما في البرنامج – وقد سبقت الإشارة إليه – وهو أن يترجم ذلك المشترك حياته الثانية الخيالية لواقع عملي في حياته الدنيوية الأولى، ونحن نعجب من ذلك القائل فهل يظن أن المشترك هو حقيقة في تلك الحياة الافتراضية؟! بل إنه في حياته الواقعية الحقيقية، فتعرفه على امرأة ورؤيته للباسها المثير ثم كشفها عن عورتها وتمكينه من معاشرتها ألا يظن ذلك الجاحد أن الذي يتأثر حقيقة هو بدن المشتركين الواقعي الحقيقي؟ وكيف سيصرِّف شهوته الحقيقية؟! لا بد له إما أن يمارس الزنى، أو اللواط، وفي أدنى الأحوال سيمارس العادة السرية السيئة، وقل مثل ذلك في لعب ” القمار “، والذهاب إلى الشواطئ التي تكشف فيها العورات، وغير ذلك من المحرمات، فهذا البرنامج السخيف يؤثر في واقع ذلك المشترك، ثم هو سيجرؤه على فعل ذلك في عالمه الواقعة لأن المتعة ستكون ناقصة في حياته الثانية! وكاملة – في نظره – في حياته الأولى.
  2. يمكن لهذا البرنامج أن يسبب أمراضا نفسية للمشترك فيه؛ فإنه في ” الحياة الثانية ” حر طليق، يلبس ما يشاء، يصاحب من يشاء، يفعل ما يشاء، بل يطير إلى أين شاء، ثم إذا انتهى من البرنامج رجع لحياته الواقعية فاصطدم بالحقيقة وأن عليه واجبات، وأنه مقيَّد بدين أو بخلق أو بعادات أو بقانون، وأن ما كان يفعله في تلك الحياة لن يستطيعه في حياته الواقعية، فهو هناك متزوج وهنا أعزب، وهو هناك آمر وهنا مأمور، وهو هناك يطير وهنا ليس عنده سيارة، وهكذا سيصطدم بالواقع مما قد يسبب له انفصاماً في الشخصية، وأمراضًا نفسية قد تؤثر في بدنه فتصبح معها أمراضا عضوية، أو قد يقوده ذلك إلى الانتحار، ولعله من أجل ذلك أنشأت ” جامعة كاليفورنيا ” مقرًّا لها في برنامج ” الحياة الثانية ” من أجل دراسة مرض ” انفصام الشخصية “!.

وعليه:

فالذي نراه أنه لا يجوز لعامة المسلمين الاشتراك في ذلك البرنامج، ولا الدخول في عالمه، وإذا كان ثمة من يزعم أننا بحاجة لمن يعرِّف أولئك بالإسلام: فنقول له: إن ذلك التعريف والتعليم يكون لأهل العلم والمعرفة، وليس من قبل فرد واحد بل من مجموعة، والذي نعلمه أنه يوجد من يقوم بهذه المهمة هناك، فلا داعي لجعل ذلك ذريعة لدخول عامة المسلمين للدعوة إلى الله، وليلتفتوا إلى حياتهم الأولى الحقيقية، وليدْعوا أهليهم وجيرانهم وأقرباءهم، وليهتموا بأولادهم، وليدَعوا الأشخاص الافتراضيين لمن يعرف حالهم، ويعرف كيف يدعوهم، فالمنع للعامة هو المتعين، ولا نستطيع إجراء الحكم على دعاة مجتهدين، أو مواقع إسلامية لتخوض غمار تلك التجربة وتقوم بالدعوة وتعريف الناس بدين الإسلام.

 

والله أعلم.

 

 

الحكمة من خلق الملائكة، والفرق بين هداية التوفيق وهداية الإرشاد

الحكمة من خلق الملائكة، والفرق بين هداية التوفيق وهداية الإرشاد

السؤال:

ماذا كانت الحكمة من خلق الملائكة؟ هل خُلقوا لا لشيء سوى لمتعة الخلق أم للاختبار والتمحيص؟ وهل عندما خلق الله إبليس كان يعرف نهايته ومستقبله في الأرض؟ وهل لم يستطع الله خلق إبليس على الهدى الذي أراده له؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يتم إيمان المسلم حتى يثبت لربه تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك، ومما ثبت لله تعالى من الأسماء ” الحكيم “، ومما ثبت له من الصفات ” الحكمة “، فلم يخلق الله تعالى خلقًا إلا لحكمة، ولم يشرع شرعاً إلا لحكمة، وليست عقول الخلق قادرة على فهم تلك الحكم أو بعضها، فالشرع يأتي بما تحار به العقول لا بما تحيله العقول، ولا يعني هذا تحريم التأمل لمعرفة الحكم في خلق الله تعالى وفي تشريعه، وقد ذكر الله تعالى لنا بعض حكم خلق وتشريعه، وأخفى عنَّا بعضها، والمسلم يعتقد في أفعال ربه الحكمة البالغة، ولا ينبغي أن يجعل للشيطان عليه مدخلًا أن يوجد في خلق الله تعالى أو تشريعه ما هو عبث خال من الحكمة.

ثانيًا:

وليس من حكمة خلق الملائكة: الاختبار والتمحيص؛ لأن الله تعالى قدَّر أن يكون ذلك في بعض خلقه دون بعضه الآخر، فما كان من خَلَقه فيه العقل والشهوة هو من أهل الاختبار والتمحيص، دون من خُلِق بشهوة دون عقل كالحيوان ، ودون من خُلق بعقل دون شهوة كالملائكة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فإن الله سبحانه خلق خلقَه أطوارًا، فخلق الملائكة عقولًا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضي شيئًا من الآثار والطبائع المذمومة، وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها وخلق الثقلين الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها، وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء، وهم المعرضون للثواب والعقاب، ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة خلق واحد ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، وموجب الربوبية، ومقتضى الإلهية.

” طريق الهجرتين ” ( ص 203 ).

 

ثالثًا:

والملائكة الكرام خلقٌ من خلق الله تعالى، عبادٌ مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون، يكلفهم ربهم تعالى بما يشاء، وإذا علمتَ تلك الوظائف والأعمال التي يقوم بها أولئك الخلق الكرام فهي الحكمة من خلقهم، ومجمل هذه الأعمال والوظائف ثلاثة:

الأولى: عبادة الله تعالى، وتمجيده، وتعظيمه، وتسبيحه.

قال تعالى: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ) الأنبياء/ 20، وقال تعالى – على لسان الملائكة الكرام -: ( وَإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ) الصافات/ 165، 166.

عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ). رواه الترمذي ( 2312 ) وابن ماجه ( 4190 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

الثانية: القيام بأمر خلق الله تعالى وملكوته تعالى بإذن ربهم وتكليفه.

فمن الملائكة مكلفون بحمل العرش وعددهم ثمانية، ومنهم مكلفون بتبليغ الوحي، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم ملائكة الأرزاق، وهكذا في سلسلة أعمال جليلة كلفهم بها الرب سبحانه وتعالى.

الثالثة : القيام بأمر بني آدم بإذن ربهم وتكليفه.

فمن الملائكة من يحرس بني آدم، ومنهم من يسجل أعمال بني آدم، ومنهم مكلفون بقبض الأرواح، ومنهم المكلف بسؤال الميت في قبره، والمستغفر للمؤمنين، وهكذا في سلسلة أعمال جليلة تتعلق بابن آدم.

رابعًا:

وأما قولك ” وهل عندما خلق الله إبليس كان يعرف نهايته ومستقبله في الأرض؟ “:

فإن كنت تقصد بقولك ” كان يعرف ” أي: إبليس: فلا يظهر هذا، وليس ثمة ما يدل عليه.

وإن كنت تقصد به الرب سبحانه وتعالى:

فإنه – أولًا – لا يقال في حق الله تعالى ” يعرف ” بل يقال ” يعلم “؛ لأن المعرفة يسبقها جهل، وعلم الله تعالى لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان.

ثم اعلم أنه لا يصح إسلام العبد إلا أن يؤمن أن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ فكيف يخطر ببالك مثل هذا السؤال إن كنت مسلمًا؟! ألست تقرأ قول الله تعالى ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) سبأ/ 3، وقوله تعالى ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) الطلاق/12، وقوله ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) المجادلة/ 7، وقوله ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الحديد/ 3؟! فأين أنت عن هذه الآيات ومئات مثلها، ومئات من الأحاديث؟!.

ولولا سؤالك الآخر بعد هذا لقلنا إن المقصود في قولك ” كان يعرف ” يعود – جزمًا – على ” إبليس “، ولذا جعلنا الأمر محتملًا، ونرجو أن لا يخيب ظننا بك، وأنك لم تقصد بسؤالك الرب سبحانه وتعالى.

خامسًا:

وأما قولك ” وهل لم يستطع الله خلق إبليس على الهدى الذي أراده له؟ “: فهذا أيضًا منك عجيب، فإن كنتَ مسلماً فكيف آمنتَ برب عاجز؟ وكيف آمنت – إذًا – بربٍّ خلق الملائكة عبادًا طائعين فكان ما أراد الله تعالى منهم؟.

وقد ذكرنا لك في أول الجواب كيف اختلف خلق إبليس وآدم عن خلق الملائكة، فكان الملائكة مكلفين بما لا يمكن أن يكون منهم عصيان لربهم تعالى؛ لعدم وجود شهوة في خلقهم، وكان خلق الجن والإنس بخلاف ذلك، لذا عصى آدم ربَّه تعالى، وعصى إبليس ربَّه تعالى، فكان من آدم التوبة فحصل له من الحال أعظم مما كان قبل، وحصل من إبليس الجحود والإصرار على المعصية.

واعلم أن كل من ضلَّ عن سواء السبيل ممن هو معرَّض للعقوبة يوم القيامة أنه قد جاءه الهدى، وأنه هو الذي أباه واستكبر عن اتباعه، فهداية الدلالة والإرشاد قد وصلتهم، وأقام بها الله تعالى الحجة عليهم، لكنهم أبوا الانقياد لها واتباعها، فحصل منهم الضلال، كما قال تعالى – في شأن ثمود – ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) فصلت/ 17.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ( فَهَدَيْناهُمْ ) المراد بالهدى فيه: هدى الدلالة والبيان والإرشاد، لا هدى التوفيق والاصطفاء.

والدليل على ذلك: قوله تعالى بعده: ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى )؛ لأنها لو كانت هداية توفيق: لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى العمى.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروه عليه، وتعوضوه منه ….

( وَأَما ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ) أي: بينَّا لهم طريق الحق، وأمرناهم بسلوكها، وطرق الشر ونهيناهم عن سلوكها، على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) أي: اختاروا الكفر على الإيمان بعد إيضاح الحق لهم. ” أضواء البيان ” ( 7 / 19 ).

 

وهو عين ما حصل مع إبليس، حيث هداه الله تعالى هداية الإرشاد، لكنه استحب الكفر على الإيمان الذي كان عليه، فاستحق اللعنة وسوء الدار.

 

ونوصيك أيها السائل بطلب العلم، وبمعرفة ما ينفعك في دينك وقربك من ربك عزَّ وجل، وابذل وقتك في حفظ القرآن وأكثر من النظر في أحاديث نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واطلع على تراجم سلف هذه الأمة وعلمائها، وسترى – بإذن الله – خيرًا كثيرًا، فساعات العمر أنفس من أن نضيعها فيما لا نفع فيه، والعمر محدود أن نفرط فيه فيما قد يضرنا يوم نلقى ربنا تعالى.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز تعمد الإتيان بعمرة يومي الاثنين أو الخميس؛ لأن الأعمال تُعرض فيهما على الله؟

هل يجوز تعمد الإتيان بعمرة يومي الاثنين أو الخميس؛ لأن الأعمال تُعرض فيهما على الله؟

السؤال:

حكم من يقول سآتي بعمرة يوم الخميس أو الاثنين لكي يرفع عملي وأنا أعتمر، والحديث خصص بالصيام، فما الحكم في ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذا القائل قد أخطأ خطأ بيِّنًا؛ وذلك لاعتقاده بوجود فضل لعمرة يوم الاثنين أو الخميس، وهو ظن خطأ، وفهمه للحديث ليس صوابًا، وسيأتي توضيح مقصوده قريبًا.

وهذا الذي يريد تأخير العمرة من الجمعة إلى الاثنين، أو من الثلاثاء إلى الخميس: إنما يخالف حثَّ الشريعة المطهرة بالمسارعة بالخيرات، والمسابقة بالأعمال الصالحة.

قال تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) آل عمران/ 133.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ). رواه مسلم ( 118 ).

ومن جهة أخرى: فإنه قد ذهل ذلك القائل عن أمرٍ مهم وهو أنه ثمة رفع للأعمال كل يوم مرتين، فتَرفع الملائكةُ عملَ الليل في النهار، وعملَ النهار في الليل، فكيف يضيِّع على نفسه فرصة رفع عمل صالح ويؤجله إلى ما لا فضل خاص به؟! ثم إن أداءه للعمرة يوم الجمعة يعني رفعها لله تعالى، ثم تُعرض عليه عز وجل يوم الاثنين، فالرفع للأعمال أولًا، ثم يكون العرض.

عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ).

رواه مسلم ( 179 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) وفي الرواية الثانية ( عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار ) فمعنى الأول – والله أعلم -: يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده، ومعنى الرواية الثانية: يُرفع إليه عمل النهار في أول الليل الذي بعده، ويرفع إليه عمل الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الملائكة الحفظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل، والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 3 / 13 ).

وقال المباركفوري – رحمه الله -:

قال ابن الملك وهذا لا ينافي قوله عليه السلام ( يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) للفرق بين الرفع والعرض؛ لأن الأعمال تُجمع في الأسبوع، وتُعرض في هذين اليومي .

” تحفة الأحوذي ” ( 3 / 375 ).

 

ثانيًا:

وأما الحديث الوارد في عرض الأعمال يوم الاثنين والخميس: فنذكر نصَّه وما يدل عليه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ).

رواه الترمذي ( 747 ) وحسَّنه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن صيام يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ قَال: ( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ).

رواه أبو داود ( 2436 ) والنسائي ( 2358 ) وابن ماجه ( 1740 ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود  “.

فالحديث لا يعني بحال أن يؤخر المسلم قيامه بالأعمال الصالحة ليوم الاثنين أو الخميس، لا الصيام، ولا غيره من الأعمال، لكن لمَّا كان عرض الأعمال على الله تعالى في هذين اليومين لم يُرِد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخليهما من عملٍ يستغرق اليوم كله، وهو لا يدري متى بالضبط تُعرض تلك الأعمال على الله، وليس مثل الصوم عبادة تستغرق اليوم كلَّه، لذا بادر إلى الصيام واستحبه فيهما.

قال الشيخ أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

( فأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم ) أي: طلبًا لزيادة رفع الدرجات، قال في ” اللمعات “: لعله إنما اختار الصوم لفضله، ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ماعداه من الأعمال. انتهى.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 7 / 85 ).

 

 

وهذا الفضل للصيام في هذين اليومين لا يعني البتة تأخير الصيام حتى يجيئا، بل ثمة حث من الشرع على الصوم على مدار أيام الأسبوع إلا ما نهت عنه الشريعة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ).

رواه مسلم ( 1028 ).

أليس في هذا الحديث حثٌّ على الصيام من غير تخصيصه بيومي الاثنين والخميس؟ فيتبين أن ما فهمه ذلك القائل هو بعيد عن الصواب.

والمسلم إذا علم أن عمله يُرفع إلى الله تعالى كل يوم مرتين فإنه يحرص على أن لا يكون فيه سوء وشر، ويحرص على إتقانه وتكثيره، وهكذا إذا علم بموعد عرض الأعمال على ربه تعالى فإنه يُصلح أعماله ويكثرها، وينقيها من السوء والشر، وهذا ما يُستفاد من الحديث، وهو معنى لا نكاد نسمعه ونقرؤه من المتحدثين والوعاظ.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

( هذه الأحاديث ) تدل على فضل صوم الاثنين والخميس، وأنهما يومان عظيمان، تُعرض فيهما الأعمال على الله، فينبغي الإكثار فيهما من الخير، ومن الخير: صيامهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامهما إلا أن يشغله شاغل. ” شرح رياض الصالحين ” ( شريط رقم 10 ).

ومما يدل على أهمية إنقاء الأعمال من الشر والسوء وقت عرضها على الله تعالى ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ). رواه مسلم ( 2565 ).

– اركوا: أي أخِّروا.

وفي لفظ:

( تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ … ).

فصار في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأعمال تُعرض على الله تعالى يومي الاثنين والخميس فائدتان: الإكثار من الطاعات، وإنقاء الأعمال مما يشوبها من السوء والشر.

 

 

ومما يقوي ذلك ويؤيده:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ ).

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 16 / 191 ) وحسنه المحققون.

قال عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله – في أوجه معنى الحديث -:

ويحتمل وهو أقرب: أن الحكم بعدم القبول يؤخَّر إلى ليلة الجمعة في العشية المذكورة، فإن رجع إلى الحق وتاب: قُبل العمل عشية الخميس، وإلا رُدَّ.

وفيه إشارة إلى أن الشخص ينبغي له تفقد نفسه في تلك العشية ليلقى ليلة الجمعة على وجه حسن. ” فيض القدير ” ( 2 / 541 ).

وقال – رحمه الله -:

( إن أعمال العباد تعرض ) زاد في رواية ( على رب العالمين ) ( يوم الإثنين ويوم الخميس ) فليستح عبدٌ أن يَعرض على من أنعم عليه مِن عمله ما نهاه عنه.

” فيض القدير ” ( 2 / 540 ).

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وكان ” إبراهيم النخعي ” يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله عز وجل ….

كان ” الضحَّاك ” يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رُفع من عملي.

يا من عمله معروض على مَن يعلم السرَّ وأخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير.

السقم على الجسم له ترداد *** والعمر ينقص والذنوب تزاد

ما أبعد شقتي ومالي زاد *** ما أكثر بهرجي ولي نقاد

” لطائف المعارف ” ( ص 127 ).

– وقد قلنا في جواب سابق:

” وقد دلت أحاديث عرض الأعمال على الله تعالى: على الترغيب في الازدياد من الطاعات في أوقات العرض “. انتهى.

والخلاصة:

أننا نحث أنفسنا وإخواننا المسلمين على الازدياد من الطاعات كل يوم، وخاصة يومي الاثنين والخميس، والدعوة هنا لإكثار الأعمال الصالحة لا تأسيس أعمال خاصة فيهما، إلا الصوم؛ لما نصَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكرناه من حكمة ذلك، مع التنبيه على عدم تأخير الطاعات متعمدًا لذينك اليومين، وليكن على بالنا أن الأعمال ترفع إلى الله تعالى كل يوم مرتين، فليكن منَّا إتقان لها مع إخلاص.

 

والله أعلم.

ماذا يجوز ويستحب للمسلمين فعله في الأعياد؟ وحكم ” العيدية “

ماذا يجوز ويستحب للمسلمين فعله في الأعياد؟ وحكم ” العيدية ”

السؤال:

  1. من المعتاد بين مسلمى الغرب فى العيد أن يقوموا بإعطاء مال إلى صغار العائلة، كما لو قلنا إن هناك عائلة تتكون من زوج وزوجة و 5 أبناء ( 2 من الأبناء متزوجان ولديهما أطفال ) ولهذا يقوم الزوج والزوجة بإعطاء عيدية ( وهى الكلمة التى يقومون باستخدامها ) إلى أبنائهما الخمس، كما يقومون بإعطاء أحفادهما، ومن المفترض أن يقوم ابناهما المتزوجان بإعطاء عيدية إلى صغار أسرة زوجاتهم، وإلى أبناء وبنات الإخوة، فهل مفهوم إعطاء العيدية جائز فى الإسلام أم أنه بدعة ويجب تجنبها؟.
  2. أرجو أن تسدونى النصح حول كيفية احتفال الأسرة بالعيد ( ومع خالص احترامى فأرجو ألا تذكروا ” لا تفعلوا أيًّا من المحرمات كالذهاب إلى الأماكن المختلطة والسينمات …إلخ ” فهذه الأمور لن يتم فعلها ) هل بوسعكم تقديم أمثلة على النحو الذى يجب أن يكون عليه العيد عند المؤمنين؟ وما هي الأنشطة التى يجب أن يشاركوا فيها؟ وهل يجوز للزوج والزوجة الخروج معًا وتناول وجبة لذيذة فى أحد الأماكن؟ وكيف يحتفل علماء الدين يبوم العيد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إعطاء الصغار والكبار ما يسمَّى ” العيدية ” – وعادة يكون مبلغًا من المال – لا حرج فيه، وهو من محاسن الأخلاق، وجميل العادات، لكن ننبه على أمور قد تخفى في المسألة:

  1. مراعاة العدل في الإعطاء، فلا يصلح إعطاء بعض الأبناء دون الباقين، ولا بعض الأخوات دون الباقيات؛ لما يسببه ذلك من إيغار الصدور، وإيقاع الحسد والبغضاء في الأسرة الواحدة.
  2. لا يلزم إعطاء قدر المبلغ نفسه لكل أفراد الأسرة، بل يراعى في ذلك الأعمار، فيُعطى للكبير ما لا يعطى للصغير، ويُعطى للمتزوج ما لا يعطى للأعزب، والعدل الذي ذكرناه أولًا في اشتراكهم جميعهم في الإعطاء لا تساويهم في مبلغ العيدية.
  3. مراقبة الأولاد الصغار في مجالات صرف العيديات التي يأخذونها من أهلهم وأقربائهم؛ لأنه تكثر في الأعياد الخروج لأماكن اللهو، واللعب بألعاب فيها ميسر وقمار، وتفتح النوادي والسينمات أبوابها، فيحتاج الأولاد لمراقبة إنفاق أموالهم.

 

 

ثانيًا:

وأيام العيدين أيام فرح وسرور، ولا يجوز للمسلم أن تمر عليه أيام العيد كغيرها من الأيام ، ومما يجوز فعله أو يستحب في العيدين:

  1. الاغتسال:

ولم يثبت فيه شيء مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه صحَّ عن بعض الصحابة.

عن زاذان قال: سأل رجلٌ عليًّا رضي الله عنه عن الغسل قال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: ” لا، الغسل الذي هو الغسل “، قال: ” يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر “. رواه الشافعي في ” مسنده ” ( ص 385 ) ومن طريقه البيهقي في ” سننه ” ( 3 / 278 )، وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 176 ).

  1. لبس ثياب جديدة يتجمل بها.

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ.

رواه البخاري ( 906 ) ومسلم ( 2068 ).

الخلاق: الحظ والنصيب.

وبوب عليه البخاري بقوله: ” باب في العيدين والتجمل فيهما “.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وهذا يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع كان مشهورًا.

” المغني ” ( 2 / 370 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادا بينهم .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 67 ).

وقال الشوكاني – رحمه الله -:

ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التجمل للعيد: تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للعيد، وقصر الإنكار على من لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريرًا. ” نيل الأوطار ” ( 3 / 349 ).

وهو ما جرى عليه العمل عند الصحابة رضي الله عنهم وأهل العلم.

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وخرج البيهقي بإسناد صحيح عن نافع أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه . ” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 68 ).

وهذا التزين في الثياب حتى لو لم يخرج المسلم به للصلاة، وحتى الأطفال والنساء.

قال ابن رجب – رحمه الله -:

وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة، والجالس في بيته، حتى النساء، والأطفال .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 72 ).

وقال بعض أهل العلم إنه من كان معتكفًا فيخرج للعيد بثياب اعتكافه، وهو قول مرجوح.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

السنَّة في العيد أن يتجمل سواء كان معتكفًا أم غير معتكف.

” أسئلة وأجوبة في صلاة العيدين ” ( ص 10 ).

  1. التطيب بأحسن الطيب.

وقد صح عن ابن عمر أنه ” كان يتطيب يوم الفطر “، كما في ” أحكام العيدين ” للفريابي ( ص 83 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد .

واستحبه الشافعي .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 68 ).

وتحذر النساء أن تخرج من بيتها في ثياب زينة، وتحذر من أن تخرج وهي متطيبة، لكن تتزين وتتطيب لزوجها وللنساء ولأهل بيتها ومحارمها.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 116 ):

ويستوي في استحباب تحسين الثياب والتنظيف والتطيب وإزالة الشعر والرائحة الكريهة: الخارج إلى الصلاة، والقاعد في بيته؛ لأنه يوم الزينة فاستووا فيه، وهذا في حق غير النساء  .

وأما النساء إذا خرجن: فإنهن لا يتزين، بل يخرجن في ثياب البذلة، ولا يلبسن الحسن من الثياب، ولا يتطيبن؛ لخوف الافتتان بهن، وكذلك المرأة العجوز، وغير ذوات الهيئة، يجري ذلك في حكمها، ولا يخالطن الرجال بل يكن في ناحية منهم.

انتهى.

  1. التكبير.

ويسنُّ لكم التكبير حتى وأنتم في بيتكم مع أسرتكم، في كل وقت، وأدبار الصلوات.

ففي عيد الفطر: يبتدئ التكبير من رؤية الهلال؛ لقوله تعالى: ( وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ )، وإكمال العدة يكون بغروب الشمس من ليلة العيد، وانتهاؤه: إذا خرج الإمام للخطبة.

وفي الأضحى: يبتدئ التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر عصر أيام التشريق وهو الثالث عشر من ذي الحجة.

  1. الزيارات.

ويستحب لكم في العيد زيارة الأقارب والجيران والأصدقاء.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة زيارة والدها أبي بكر لها – كما سيأتي -، وقيل إن ذلك من حكَم تغيير الطريق في الرجوع من مثلى العيد.

مخالفة الطريق:

ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري ( 943 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في الحكَم من ذلك -:

وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات وقيل ليصل رحمه.

” فتح الباري ” ( 2 / 473 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 117 ):

ونقل في ” فتح الباري ” في الحكمة من مخالفته صلى الله عليه وسلم الطريق يوم العيد أقوالًا منها: ليزور أقاربه من الأحياء والأموات، ولم يضعِّفه كما فعل مع بعضها، ومثله في ” عمدة القاري “. انتهى.

  1. التهنئة:

وهي من شعار الأعياد، وتكون بأي لفظ شرعي مباح، وأفضلها ” تقبل الله منا ومنكم “، وما أشبه ذلك من عبارات التهنئة.

عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك.

وحسَّن الحافظ إسناده في ” فتح الباري ” ( 2 / 446 ).

وسئل مالك رحمه الله: أيُكره للرجل أن يقول لأخيه إذا انصرف من العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك، ويرد عليه أخوه مثل ذلك؟ قال: لا يكره.

” المنتقى شرح الموطأ ” للباجي ( 1 / 322 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: ” تقبل الله منا ومنكم “، و ” أحاله الله عليك “، ونحو ذلك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا ابتدئ أحدًا، فإن ابتدرني أحدٌ أجبته؛ وذلك لأن جواب التحية واجب.

وأما الابتداء بالتهنئة: فليس سنَّة مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نُهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة.

” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 253 ).

  1. التوسعة في الطعام والشراب.

فيستحب لكم التوسعة في الطعام والشراب وأكل اللذيذ والطيب من الطعام، وشرب الشراب المباح، سواء كان ذلك في بيتكم، أو خرجتم للأكل في مطعم خارج البيت، وغير خافٍ عليك أنه لا يجوز أن يكون ذلك في مطعم تدار فيه كؤوس الخمور، ولا مطعم تصدح الموسيقى في أرجائه، ولا أن يكون بحيث يرى الأجانب نساءكم، ولذا فنفضل أن يكون لكم خرج إلى برٍّ أو رحلة إلى بحر، تسمتعون فيها أكثر، وتبتعدون عن المخالفات الشرعية.

عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ). رواه مسلم ( 1141 ).

  1. اللهو المباح.

ولا مانع من أخذ الأسرة في رحلة برية أو بحرية، أو زيارة أماكن جميلة، أو ذهاب إلى مكان فيه ألعاب، كما لا مانع من أن الاستماع للأناشيد الخالي من المعازف.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: ” مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ” فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: ( دَعْهُمَا ) فَلَمَّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا قَالَ ( تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ ( دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: ( حَسْبُكِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاذْهَبِي ).

رواه البخاري ( 907 ) ومسلم ( 829 ).

وفي رواية:

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ ( لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ ).

” مسند أحمد ” ( 50 / 366 ) وحسَّنه المحققون وجوَّد الألباني إسناده في ” السلسلة الصحيحة ” ( 4 / 443 ).

 

 

وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذا الحديث في صحيحه بقوله: ” باب الحراب والدَّرَق يوم العيد “.

وبوَّب عليه النووي رحمه الله بقوله : ” بَاب الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى.

وفيه: أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين.

” فتح الباري ” ( 2 / 443 ).

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ويفعل في هذا العيد أيضًا أن الناس يتبادلون الهدايا يعني يصنعون الطعام ويدعو بعضهم بعضًا، ويجتمعون ويفرحون، وهذه عادة لا بأس بها؛ لأنها أيام عيد، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه لما دخل على بيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وذكر الحديث -.

وفي هذا دليل على أن الشرع – ولله الحمد – من تيسيره وتسهيله على العباد: أن فتح لهم شيئًا من الفرح والسرور في أيام العيد.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 16 / 276 ، 277 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 166 ):

تتأكد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل به لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، كما أن إظهار السرور في الأعياد شعار هذا الدين، واللعب والزفن في أيام العيدين مباح، في المسجد وغيره، إذا كان على النحو الوارد في حديث عائشة رضي الله عنها في لعب الحبشة بالسلاح . انتهى.

 

ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح أعمالنا، وأن يهدينا وإياكم لما فيه الخير لديننا ودنيانا.

 

والله أعلم.

 

ما الطريقة المثلى لدعوة المتصوفة لطريق أهل السنَّة والجماعة؟

ما الطريقة المثلى لدعوة المتصوفة لطريق أهل السنَّة والجماعة؟

السؤال:

كيف نقوم بدعوة الصوفيين حتى يهتدوا لطريق الحق؟ وما هي الآيات والأحاديث التي يمكن أن نستعين بها كأدلة في دعوتنا لهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال جيد، وهو يدل على عقل وافر، ورحمة بالمسلمين، فما أحوجنا إلى من يدلنا على الطرق المناسبة لدعوة المنحرفين عن سواء السبيل.

والصوفية كلمة يدخل تحتها ألوان وأصناف من العقائد والمناهج، غالبها ضلَّ سواء السبيل، وهم درجات في الانحراف والضلال، وهم أحوج من مرضى الأبدان للعلاج، فكيف السبيل لدعوتهم والسير بهم نحو طريق الهداية؟ هذا ما سنعرفه في النقاط الآتية:

  1. لا ينبغي أن يقوم بدعوة أولئك المتصوفة إلا من يملك العلم الكافي من الشرع، وخاصة العلم بأحوال المتصوفة وعقائدهم؛ وذلك خشية من أن يُنكر ما هو حق عندهم، أو يقبل ما هو باطل في الشرع، كما أن العلم واقٍ من الانسياق وراء شبهاتهم والتأثر بها، بإذن الله.
  2. ومع العلم الكافي عند ذلك الداعي لا بدَّ من أن يتحلَّى بالخلق الرصين، فيكون في قلبه رحمة على أولئك المخالفين، ورغبة قوية في هدايتهم.
  3. فإذا جمع ذلك الداعي تلك الصفات: فحتى ينجح في دعوته فإن عليه أن يدعوهم بالحسنى، فلا يقسو في العبارة، ولا يتجهم في المقابلة، بل يحنو ويعطف عليهم، ويتودد لهم بالهدايا والإكرام بما يتيسر له.
  4. ومن الضروري في دعوتهم عدم التعرض لرموزهم وأئمتهم بالطعن والتجريح، بل يُمدح الأنبياء والمرسلون أمامهم، ويُثنى على الصحابة والتابعين، ويبيَّن فضل ومنزلة الأئمة الأربعة وكبار العلماء من سلف هذه الأمة، ويفضَّل ذِكر بعض الأئمة الذين عُرفوا بالمنهج المستقيم ممن ينسب إليهم المتصوفة مثل إبراهيم بن أدهم، وعبد القادر الجيلاني، وهذا الأمر سيكون في ذهنه قاعدة من الأشخاص المتفق على عدالتهم وفضلهم، وهم قاسم مشترك بين الداعية وبين المدعوين، فالملاحظ على عامة المتصوفة أنهم لا يذكرون الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من سلف الأمة، ويُراد من رموزهم تجهيلهم بهم، فلنكرَّ على قواعد أولئك بالذِّكر الحسن لأئمة الهدى، ومصابيح الدجى.
  5. يفضَّل في الداعية أن يذكر قواعد الإسلام الكلية، وعقائده الناصعة الجلية، في بداية دعوة أولئك المتصوفة، وأن يبتعد عن النقد لعقائدهم ومناهجهم مباشرة، وإن من شأن تلك القواعد الحقَّة أن تهدم قواعد الباطل والجهل، وكلما قوية قواعد الحق، وازداد أولئك علمًا بالشرع ساهم ذلك في التخلص من رواسب الباطل والضلال.
  6. وندعو الدعاة الأفاضل إلى قطع الطريق أمام رموز أولئك المتصوفة وذلك بالإكثار من ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته، وشمائله؛ إذ يُكثر أولئك الرموز كثيرًا من الطعن بعلماء أهل السنَّة والجماعة بأنهم لا يحبُّون النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصلون عليه! وهذا كذبٌ رخيص، لكنه مصدَّق – وللأسف – عند عامة أولئك المتصوفة، فليكن التكذيب لتلك المزاعم بالواقع العملي.
  7. كما ندعو الدعاة الأفاضل للإكثار – حتى من غير دعوة أولئك المتصوفة – من الحديث عن القلوب، وأحوالها، ومن الكلام في الرقائق، فما أحوجنا حقّا لترقيق قلوبنا بمواعظ القرآن والسنَّة وكلام سلف هذه الأمَّة، وهذا الطريق سلكه أهل البدع من المتصوفة فسلبوا قلوب العوام حتى تعلقت قلوبهم بذلك المنهج، وذلَّت أبدانهم لخدمة رموز المتصوفة.
  8. وقد يسَّر الله تعالى في زماننا هذا دعاة أفاضل من أهل السنَّة والجماعة برزوا للناس في الفضائيات، فأحبهم الناس وتعلقت بهم قلوبهم، فليستثمر هذا بذِكر اعتقاد أولئك الدعاة ومنهجهم، وإهداء المتصوفة أشرطتهم وكتبهم، وهذا طريق سهل يسير على إخواننا الدعاة، وثمرته نافعة قريبة بإذن الله تعالى.
  9. وعلى الدعاة تجنب دلالة أولئك المتصوفة على كتب تطعن صراحة في أئمة التصوف، أو تسخر من منهجهم ومن كرامات رموزهم – المزعومة -، فأول الأمر يكون ذلك ثقيلا على النفس، فإذا اطمأنَّ الداعية إلى مقابله وأنه صار مهيئا لتقبل الحق بمرارته فليدله على الكتب التي تنقض اعتقاد التصوف المنحرف عن الحق، وليُسمعه الأشرطة التي تبيُّن الحق بدلائله الصريحة.
  10. وليُكثر الداعية من الدعاء بصدق وإخلاص أن يهدي الله ضالَّ المسلمين، وليحرص على مشاورة أهل العلم من أهل الخبرة بدعوة المبتدعة، وليبق على اتصال بهم، حتى لا يُعجب بنفسه فيهدم ما بنى، أو حتى يُعان أصلاً على البذر.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه لإصلاح الناس وأن ييسر أمركم وأن يكف عنكم الشر والأذى والضرر.

وننصح بالاطلاع على هذه المجموعة الطيبة من توجيهات الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في الدعوة إلى الله، وتراها هنا:

  1. أهمية الدعوة إلى الله ” مقطع صوتي “:

https://binbaz.org.sa/audios/951/%D8%A7%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

  1. الدعوة إلى الله فرض كفاية ” فتوى “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/2322/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D8%B1%D8%B6-%D9%83%D9%81%D8%A7%D9%8A%D8%A9

  1. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية الجميع ” مقطع صوتي “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/2147/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%83%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D9%89%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9

  1. الدعوة إلى الله وأثرها في المجتمع ” فتوى “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/19769/%D8%A7%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B4%D9%88%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9

  1. وصية للشباب والدعاة بالحكمة في الدعوة إلى الله ” مقطع صوتي “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/15265/%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

 

والله أعلم.

يسأل لماذا خلقنا؟ ولماذا أمرنا بالعبادة؟ ولماذا نُبتلى بسبب الحرب بين الله والشيطان؟

السؤال:

لقد قاومت هذه الأسئلة لمدة طويلة حتى أنني لا أملك من الشجاعة ما يمكنني أن أتكلم به مع إمام مسجدنا، وأظن أنه ليس لديه ما يصبر به عليَّ، وكذلك من المعرفة ما يمكنه أن يجيب على تلك الأسئلة، أرجو أن تبذلوا قصارى جهدكم للإجابة على أسئلتي، وشكرًا.

لماذا خُلقنا؟ وكذلك لماذا خلق الشيطان؟ وإن كان الرب لا يحتاج إلى عبادتنا فلماذا خلَقَنا وأمرنا بعبادته؟ ولماذا يحتاج الله لصلواتنا لتعظيمه وهو الرب سبحانه وتعالى؟.

وإذا كانت هناك حرب بين الله والشيطان فلماذا نحن نعاني بسببها؟ ألا يجب على الله والشيطان أن يسووا تلك الحرب بينهم بأنفسهم بينما يغرينا الشيطان ونُبتلى ونُختبر من الله دون أي سبب؟ لماذا ينال بعض الناس الفضائل وينال الآخرون المثالب؟ بعضهم يولدون أغنياء وآخرون فقراء، البعض مشوهون والآخرون مكفوفون، البعض أصحاء والآخرون مرضى، لماذا لا ننال كلنا الفضائل كالآخرين؟ إذا لم يكن الله عادلاً فكيف يتوقع  منَّا أن نكون منصفين عادلين؟! أليست قسوة من الله أن يخلقنا ثم يتسبب لنا في الألم والجوع والمشقة … إلى غير ذلك؟ وكيف يتسلى في حين يبتلينا نحن بل ونقع في الضلال وذلك عن طريق أحد مخلوقاته ألا وهو الشيطان؟ وإذا أصغينا للشيطان واستسلمنا لإغراءاته فكيف نعاقب على ذلك؟ ولماذا يجب علينا ألا نسأل من أين أتى الله؟ ففي القرآن يأمرنا الله بالتأمل والتفكر في خلقه وكذلك في ذاته، وإذا كان الله خلقني وكذلك خلق عقلي وأنا أستخدمه لأتأمل في قوته وعجائبه ومن أين حصل على تلك القوة: كيف يكون هذا معصية؟.

أشك بدرجة عالية أنك تستطيع أن تجيب على أسئلتي، ولكني قد أخرجتها من داخلي، ولكن على الأقل حاول أن تجيب ولو على بعضها.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

سننطلق معك في إجابة مسائلك من خلال ” بطاقتك الشخصية ” التي ذكرتَ فيها أنك ” مسلم “، ومن خلال كلماتك التي سطرتها أعلاه، فأنت ذكرت في كلامك ألفاظ ” الله ” ” الرب سبحانه وتعالى ” وذكرت ” أن الله خلقنا ” و ” خلق الشيطان “، وفي آخر كلامك قلت ” وأسأل الله أن يرزقني وكل المسلمين المعرفة والحكمة “.

ونحن نقول لك: هذا الرب الذي تؤمن به إلها وخالقا وتعتقد أنه يملك خزائن السموات والأرض ألا تعتقد أنه حكيم بأفعاله ؟! فعجيب منك اعتقادك به تلك الاعتقادات ثم تعترض على بعض أفعاله ظانّاً أنها ظلم أو أنها عبث! وهذا غاية في الجحود والضلال.

ودعنا نسألك سؤالا راجين منك الإجابة بصدق، لو أنك فتحت جهازك ” الحاسوب ” من الداخل فرأيت تلك القطع المرصوصة فيه، ورأيت الأسلاك عن اليمين والشمال: ألا تسلِّم لتلك العقول التي صنعته بالعلم، والإبداع؟ ثم هل سيخطر في بالك أنه ثمة ” قطعة ” في الجهاز وُضعت ” عبثًا ” وأنه يمكنك إزالتها وطرحها من الجهاز؟ نظن أنه لست بفاعل ذلك، وأنك ستسلم أنه لم توضع قطعة فيه إلا لسبب وأن صانعيه لم يجعلوا فيه شيئًا يمكن طرحه وإزالته من غير أن يؤثر على عمل الجهاز، ونظن أن هذا هو واقع كل عاقل، فهل يا ترى تسلم بالعلم الإبداع لعقول مخلوقة علمها مستمد من تعليم الله لها، وتسلم لها بالحكمة في صنع الأشياء وأنها قد وضعتها في مكانها الصحيح، ثم لا يكون منك ذلك الاعتقاد وذلك التسليم لرب العالمين الذي خلق الكون كله، جعل فيه الإنس والجن، والصحيح والسقيم، والفقير الغني، والعزيز والذليل؟! وهل تظن أن قطعة في جهاز من بشر مخلوق لها حكمة في وجودها في مكانها وكل ذلك من رب العالمين لا حكمة فيه؟!.

– وانظر في الحكم الجليلة من خلق السموات والأرض وخلق البشر وخلق الجانّ في أجوبتنا الأخرى.

ثانيًا:

قلتَ: ” ولماذا يجب علينا ألا نسأل من أين أتى الله؟ “.

والجواب:

أن هذا السؤال متناقض في نفسه، فكيف يكون ” الله ” ثم تسأل من أين أتى؟! فالله تعالى هو الأول وليس قبله شيء – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم – ولو كان قبله شيء، أو كان ثمة من جاء به: لم يكن ربّاً ولا إلهًا، ولرجعنا للذي قبله، حتى نصل إلى الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الله تعالى، فهل تظن أنه بسؤالك ستنحل عقدٌ وتزول إشكالات؟! إن الله الذي نعبده ( لم يلد ولم يولد ) وهو ( الأول فليس قبله شيء ) وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن مثل سؤالك ذاك وأنه ليس له مصدر إلا الشيطان، وأنه لا يزال يتدرج في وساوسه حتى يصل بصاحبه إلى الشك في وجود ربه تبارك وتعالى وفي ألوهيته، ولك أن تتأمل في سؤالك ” مِن أين أتى الله “؟ وهذا – بالضبط – ما يريد الشيطان أن يوصلك إليه لتقطع إيمانك بالله تعالى فتصير ملحدًا متشككًا في وجوده عز وجل.

عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ). رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ).

– وفي لفظ عند مسلم ( 134 ): ( فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله ).

ففي هذا الحديث بيان مصدر هذه الأسئلة وهو الشيطان، وبيان طريقة علاج وسوسته وكيده بالانتهاء والكف عن الانسياق وراء هذه الوساوس، وبالاستعاذة بالله من الشيطان، وبإعلان الإيمان بالله تعالى.

ثالثًا:

وقولك ” وإذا كانت هناك حرب بين الله والشيطان فلماذا نحن نعاني بسببها؟ ألا يجب على الله والشيطان أن يسووا تلك الحرب بينهم بأنفسهم بينما يغرينا الشيطان ونُبتلى ونُختبر من الله دون أي سبب؟ “: في غاية الوقاحة والجهل، وسواء كنت مسلمًا أم كافرًا: فإن هذا الكلام لا يقوله إلا ملحد، لا يؤمن بالله تعالى ربًّا، ولا ندري أي إسلام تعتنقه وأنت تقول مثل هذا الكلام وتعتقد أن الشيطان ندٌّ لله تعالى وأنه ثمة حربٌ بينهما وأن عليهما أن يسويا الأمور بينهما؟! ولو أنك لم تعرِّف على نفسك بأنك مسلم لكان لنا جواب آخر معك إن كنا سنجيبك، لكن أن تعرف نفسك بأنك مسلم ثم يصدر منك هذا الكلام وغيره: فهذا الذي نتعجب منه، فأي ربِّ تؤمن به حتى تظن أن الشيطان الرجيم ندٌّ لله تعالى وداخل في حرب معه؟! ألا تعلم إن كنت مسلمًا- بل ويهودي أو نصراني – أن الله تعالى قد طرد الشيطان من الجنة، وأنه تعالى هو الذي أمهله ليعيش هذه المدة الطويلة؟ ألا تعلم أن الله تعالى قد جعل كيد الشيطان ضعيفًا وأن أتباعه إنما يتبعون أهواءهم وهو لم يكن صاحب سلطان عليهم بل ما كان منه إلا دعوتهم للضلال والكفر والفجور فما كان منهم إلا اتباعه؟ وهل تعلم أن الشيطان لا يعتقد في نفسه ما تعتقده أنت وغيرك ممن ألحد في ألوهية الله تعالى؟! نعم، إن الشيطان يعتقد الله تعالى هو ربُّ كل شيء، وأن مالك الملك، فلذا توجَّه إليه تعالى بربوبيته يطلب منه أن يمهله وأن يؤخر أجله، بينما ثمة كثير من الناس عبدوا شجرًا وحجرًا واعتقدوا في الأموات والأصنام أنها تهب الحياة وتسلبها من الناس!.

فإن كنتَ مسلمًا فاعلم أن ما قلته هو إلحاد برب العالمين، وإن كنت ملحدًا فليس لنا إلا أن ندعوك إلى الإسلام والتوحيد، ونقيم بذلك الحجة عليك.

رابعًا:

وقولك ” لماذا ينال بعض الناس الفضائل وينال الآخرون المثالب؟ بعضهم يولدون أغنياء وآخرون فقراء، البعض مشوهون والآخرون مكفوفون، البعض أصحاء والآخرون مرضى، لماذا لا ننال كلنا الفضائل كالآخرين؟ إذا لم يكن الله عادلاً فكيف يتوقع  منَّا أن نكون منصفين عادلين؟! أليست قسوة من الله أن يخلقنا ثم يتسبب لنا في الألم والجوع والمشقة … إلى غير ذلك؟ “: يؤكد لنا أنك ملحد، تريد فقط أن تتخذ هذا المنبر لتسب الله تعالى.

والله أعلم.