الرئيسية بلوق الصفحة 15

دفع الالتباس (2) أ.د. سلمان بن نصر الدايه

20 صفر 1447هجرية
14 أغسطس 2025 ميلادية
كتبه
عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة- سابقا
✍️ أ.د. سلمان بن نصر الدايه

[تنبيه: جميع الحواشي في نهاية المقال]

دفع الالتباس (2)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
أفاد بعض الأفاضل أن انتقاد ساسة وقادة المقاومة في غزة أثناء جهادهم لعدوهم خيانة ونفاق.
أقول وبالله التوفيق: هذه جرأة منفكة عن مراقبة الله؛ فإن المؤمن قوي الإيمان من يراقب الله في أقواله وأعماله، مستحضرا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أي: مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه(1).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: 61] يخبر تعالى عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكونهم، وفي ضمن هذا الدعوة لمراقبته على الدوام؛ فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ صغير أو كبير ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكره الله تعالى؛ فإنه مطلع عليكم، عليم بظواهركم وباطنكم ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما يغيب عن علمه وسمعه وبصره ومشاهدته ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه(2).

وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] أي: ما يتكلم من كلام يخرج من فيه، وما يعمل من عمل إلا عنده ملك حافظ يكتب قوله وعمله، معد مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه(3).
وقوله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم؛ بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تعالى(4).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في جزء حديثه: (… وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ‌مِنْ ‌سَخَطِ ‌اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)(5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (… وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، ‌الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ ‌الْعَيْبَ)، وفي رواية: (الْعَنَتَ)(6).

بعد هذا التذكير أقول: هل يبعد أن يعلن بعض العلماء والساسة والمفكرين تخطئة حادثة السابع من أكتوبر، وتخطئة إصرار الساسة وقادة المقاومة على مواصلة جهادهم رغم الحصار المطبق، والعزلة الدولية، ومحدودية النكاية في الحربي، وفداحة تدمير الحربي لثلاثة أرباع قطاع غزة، وتقتيله عشرات الألوف من الغزيين، وتمثيله بعدد أكبر منهم، وأسره لآلافهم، ومجاعة أفقدتهم صوابهم؛ هل يبعد أن يعلنوا تخطئتهم ببواعث صالحة بعيدة عن الخيانة والنفاق، إلا أن تكون أيها الأخ الكريم محدثا، فحدثت أنهم جميعا خونة ومنافقون؟!
وأما عن قوله: لا يوجد في التاريخ من يعترض على القادة أثناء لقاء عدوهم؛ فهذا نفي تعوزه الدقة؛ فإن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنكرا على خالد بن الوليد رضي الله عنه اجتهاده فيمن ظنهم مشركين حربيين وكانوا مسلمين وذلك في سرية بني جذيمة؛ «قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغني، كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، ‌قد ‌قتلت ‌قاتل ‌أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَ اللهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ)»(7).

وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنهما، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله ‌لا ‌أقتل ‌أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ)( 8 ).
وثبت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، … وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، …، وإنما عزله لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، فلما بلغ كتاب عمر إلى أبي عبيدة.. أخفاه وتركه مصلحة بالناس على حالته، فعلم خالد بذلك، فعتب على أبي عبيدة حيث لم يعلمه بالعزل، وقال: والله؛ لو تولى علي عبد.. لسمعت وأطعت(9).
وعزل عمر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما ركب بالأجناد البحر، رغم تأييده بالكرامة؛ حيث يبس البحر من تحت أقدامهم يومئذ، ونجوا جميعا؛ لانزعاجه أن يقتحم القائد بجنده الأخطار مرجحا سلامتهم على أمل دوام تأييده بكرامة؛ قال ابن كثير رحمه الله: “ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي؛ اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه”(10).
فإن قلت: هذا إمام المسلمين، فله حق في إثبات من شاء وعزل من شاء، وبدء الحرب وإنهائها، وتضييقها وتوسيعها، وليس للعالم أن يعترض على سياسة قائد جنده.
أقول: هذا حق ما لم يكن القائد طائشا هجاما، وثمة قراءة أخرى للأثرين؛ أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما عظم الخطر من قائد الجند على مصلحة الأجناد؛ بادر إلى عزله، وإن العالم إذا رأى مفسدة عظيمة قد أتت على جل بلده؛ لضعف في الشوكة، وعدم في الإمداد، وخلل في فهم الجهاد، وتخلف ظاهر لمقصده؛ لا يسوغ له أن يسكت، سيما مع ضآلة النكاية في الحربي، وفداحة نكاية الحربي في أهل القطاع حتى فتن الكثير منهم في دينهم وأخلاقهم؛ فكانت من بعضهم الردة، وقتل النفس، والسرقة، والغصب، والأثرة، والزنا، والربا، والاحتكار، وأمراض النفس والعضو.

ولله در الشافعي رحمه الله قال: «ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ‌ثقة ‌في ‌دينه، شجاعا في بدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها غير عجل، ولا نزق.. ولا يحمل المسلمين على مهلكة بحال، ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا(11) تحته، ولا دخول مطمورة(12) يخاف أن يقتلوا، ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها، ولا غير ذلك من أسباب المهالك، فإن فعل ذلك الإمام؛ فقد أساء ويستغفر الله تعالى.. ولا يأمر القليل منهم بانتياب الكثير حيث لا غوث لهم.. وإذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه؛ فلهم أن لا يفعلوه -أي: ألا يطيعوه-»(13).
فهذا توجيه للأجناد عبر الأجيال أن القائد يتعين عليه توخي الأصلح لرعيته في مناحي حياتهم، ولو بدا للرعية تعسفه أو زيغه وضلاله، أو تهوره واندفاعه، أو عجزوا عن امتثال أمره؛ لم تلزمهم طاعته.
وفي الختام أسأل الأخ الكريم: إذا علمت أن غزة محاصرة من جهاتها الأربع، وأنها كتلة من البشر والبنيان، وأنها تستورد كل شيء من عدوها، وأنها جاهدت عدوها الحربي قريب عقدين من الزمن، وفي كل مرة يمنى أهل قطاع غزة بقتل وتدمير وتهجير، دون أن يتحقق لهم هدف من أهداف جهادهم، ولم يزالوا في حصار من حين أسر الجندي شاليط إلى أيامنا هذه؛ فعلى ماذا يعول الساسة والقادة والعلماء أمثالك؟! وما الذي تنتظرون؟!
على أن قتالنا لعدونا كفاحا متعذر؛ لضآلة ما عندنا من الشوكة وعظم ما عنده، وأن المجاهد لا يمكنه أن ينال من عدوه إلا على حين غرة مع الاستتار والتخفي، ثم ينتهي إلى نفقه المتخذ تحت البيوت وبعض المشافي والمؤسسات؛ ليكون جل أهل القطاع ترسا للقادة والأجناد، وقد اعتمدوا هذا سبيلا لجهادهم على توقع أن الحربي تمنعه أخلاقه من أن يضرب البيوت المأهولة بالناس، وعندئذ يأمن الناس والأجناد، وفي الحروب الأخيرة أراهم عدوهم خلاف ما يتوقعون؛ فهل الرأي عندكم وعند السادة العلماء الإصرار على هذه الطريقة التي أتت على ثلاثة أرباع القطاع، وتوشك أن تأتي على ربعه الآخر؟ إن هذا والله لشيء عجاب!!
والله أسأل الهدى والرشاد، والفرج العاجل لأهلي في القطاع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

(1) السعدي/تفسيره(ص163).
(2) السعدي/تفسيره(ص367).
(3) مجد مكي/تفسير المعين(ص519).
(4) السعدي/تفسيره(ص457).
(5) أخرجه: البخاري/ صحيحه(٦١١٣)(5/ ٢٣٧٧).
(6) حسن، أخرجه: الطبراني/المعجم الصغير(835)(2/ 89).
(7) ابن هشام/السيرة النبوية(2/ 431).
(8) أخرجه: البخاري/صحيحه(4339)(5/ 160).
(9) الطيب بامخرمة/ قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر(1/ ٢٧٦).
(10) انظر: ابن كثير/البداية والنهاية(7/97).
(11) الشدخ: كسر الشيء الأجوف، ومعناه هنا: يخاف أن ينهدم عليهم الحصن، أو تسقط عليهم بعض حجارته فتكسر عظامهم تحته.
(12) المطمورة: الحفيرة تحت الأرض، وهي بلغتنا المعاصرة: الخندق أو النفق.
(13) الشافعي/الأم(4/ 178).
https://www.facebook.com/share/p/1AwXEvxW7F/

أيها المشايخ اتقوا الله ولا تفتنوا المسلمين في دينهم

أيها المشايخ اتقوا الله ولا تفتنوا المسلمين في دينهم

مع كل مواجهة يصعد الخطاب (الإسلامي) التعبوي، الذي يسعى إلى رفع المعنويات، وتأكيد البشارات، وتنزيل الوعود الإلهية على نوازل بعينها، فإذا جاءت النتائج بالعكس لاذ بعض هؤلاء المشايخ بالصمت، والبعض الآخر راح يذكّر بسنن الله تعالى في (الابتلاء) و(التمحيص)، وأن الله تعالى (إذا أحب قوما ابتلاهم).

أما الشباب المثقف فسيغرق في دوامة من الأسئلة (أين تلك الوعود الإلهية)؟ وكيف تتغلب (التكنلوجيا) على تلك (المسلمات الإيمانية)؟ونحو ذلك من الأسئلة التي تقوده إلى الشك وربما الإلحاد.

أرسل لي أحد الإخوة منشورا للأخ الدكتور نايف بن نهار يذكر فيه أن بعض (القياديين) من (الإخوان) و (السلفية)قد صاروا (ملحدين يخفون إلحادهم)! وينقل هذا عن دراسة علمية قامت بها إحدى الباحثات وهي بنت الدكتور المعروف حامد قويسي.


اليوم زرت أستاذنا الدكتور حامد وتحاورنا طويلا في هذا الموضوع، وأبدى استغرابه من تكرار المشايخ لمثل هذا الخطاب دون وعي بمخاطره والتي قد تصل إلى حد الإلحاد -والعياذ بالله-.
أضاف الدكتور -حفظه الله- أن ابنته الباحثة (ولاء) مهتمة في هذا المجال، وقد أصدرت كتابا عن حالة الإيمان في صفوف المعتقلين المسلمين على أثر بعض الأزمات، والكتاب يقع بحدود 260 صفحة، وقد أهداني نسخة منه.
وبهذا الصدد نتذكر تقرير قناة الجزيرة عن تحول بعض الشباب المسلم إلى الإلحاد بعد أحداث رابعة في مصر، (انظر المرفق).

 

 

 

 

 

على الصعيد الشخصي أذكر حالتين لقياديين اثنين من الإسلاميين، صارحني أحدهم بأنه الآن 50٪ مؤمن و50٪ ملحد، والآخر طلب مساعدتي في إرجاع ابنه إلى الإسلام، وهو يذكر أن ابنه كان متحمسا للدعوة ومن شباب المساجد العاملين.

أطلعت أخي الدكتور حامد على نماذج من المنشورات التي يتبناها اليوم بعض المشايخ مثل (نحن لا نشك بوعد الله في نصره لأهل غز-ة وإنما نترقبه فقط) و (هذا وعد الله، وهذا وعد ترامب، فأي الوعدين يتحقق؟) و (الرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن الطائفة المنصورة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وأنهم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، فالنصر متحقق يقينا ولا يشك فيه إلا منافق).
ضرب الدكتور كفا بكف وقال: ماهذا التألي على الله، وعلى رسول الله، وماذا لو جاءت النتائج بخلاف هذا – لا قدر الله-.
لقد حذرت سابقا في منشور مستقل عن خطورة تنزيل الأخبار الغيبية على حوادث معينة، ورفع المعنويات إنما يكون بوعد الله الأخروي (الشهادة والجنة)، وأما المجازفة بمثل هذا التألي فضرره أكبر من نفعه.
سألت أحد هؤلاء: هل هناك طائفة أولى بنصر الله من صحابة رسول الله ؟ فلماذا خسروا في أحد؟ قال: لأنهم ارتكبوا خطأ. قلت ومن أدراك أن هذه الجماعة أو تلك لم ترتكب خطأ؟
إننا ندعو لإخواننا في كل مكان بالنصر والفرج ونرجو من الله ذلك، لكننا لا نتجرأ على الله ولا نتألى عليه سبحانه وتعالى.
أما القول بأن مجرد الثبات هو نصر، وأننا نقصد بالنصر رضا الله والجنة، فعليكم أن تبينوا هذا المفهوم للنصر من البداية، ولا توقعوا الناس في هذه الفتنة.

محمد عياش الكبيسي

ما هو الحل لإنهاء مذبحة غزة الكبرى؟

 

في ظل حالة القتل الهستيري المتوحش للبشر في غزة فإن السؤال المطروح هو ،،،

ما هو الحل لإنهاء مذبحة غزة الكبرى؟

  • مذهب قيادات المقاومة الفلسطينية!

انشغلت كثير من قيادات المقاومة الفلسطينية بالذود عن أنفسها والدفاع عن قراراتها، ولا تزال مشغولة ببناء حصانة لها اليوم وفي المستقبل إزاء ما حصل ولا يزال يحصل في غزة ويمتد بسرعة إلى الضفة !!

فيما الشعب الفلسطيني يحترق بالصواريخ الأمريكية وبالأيادي الإسرائيلية المنفذة للمشروع الصهيوصليبي كل صباح ومساء!

  • مذهب علماء الجماعات وكتاب الحركات!

وفيما يزداد قتل الفلسطينيين من خلال سياسة التجويع التي تعبر عن حقيقة وجوهر أخلاق الحضارة الغربية، لايزال كثير من علماء الجماعات وكتاب الحركات مشغول جدا بتمجيد وتقعيد وتأكيد صوابية قرار عملية 7 أكتوبر وجعل معارك الطوفان معصومة وبلا أية أخطاء، وهو جهد المتألق مادام خارج فلسطين وبعيدا عن غزة يرفل في النعيم، وفي كل مرة يؤكد المؤكد!

  • واقع الشعب الفلسطيني والهلاك المستمر!

وبين هذا وذاك يموت ويحترق البشر والشجر والحجر ويتلف الشعب الفلسطيني وتتراجع إنسانية الإنسان وتتغير أخلاقه في سياق حروب الجوع وبدافع غريزة البقاء، أمام لعبة الجوع التي يشبع بها المشروع الإسرائيلي شبقه!

– أسئلة فلسطين الخاطئة!

أولا وقبل كل شيء لابد من توضيح الاشتباك الحاصل على مستوى الفكر والسياسة والأخلاق، حيث اختلطت الأسئلة الصحيحة الموضوعية بالموهومة والعاطفية، وبينهما تداخلت أبجدية الأفكار حتى تراجعت أولوية الإنسان!

تصحيح الفكر والنظر ووجوب التوقف عن الخبل!

إن الأسئلة المحرجة المطروحة تحمل عناوين كبيرة ومضامين غير منسجمة ولا هي متطابقة!

إن المعركة القائمة اليوم في غزة ليست حربا بين طرفين ولا هي معركة تحرير، بل هي حرب قذرة بين احتلال متوحش وشعب أعزل، يروم فك الحصار والحصول على الشراب والطعام والأمن والأمان.

أما السلاح المتوفر فهو لا يكفي ولا يجدي للدفاع عن غزة وناسها، ولذلك فالناس يقتلون كل ساعة وعلى سبيل التسلية والتندر، علاوة على أن يكون سلاحا قادرا على إنجاز مشروع التحرير!

أما قضية الأسرى فهي مهزلة كبرى، حيث يستخدمها الطرف الإسرائيلي ويستثمرها ببراعة كبرى، فيما تهوي بأكوام من القتلى من أبنائنا وبناتنا وشيوخنا بعد تهجير وتفريغ مقصود وممنهج.

– شرط التحرير.

إن تعافي شعوب المنطقة العربية المحيطة بفلسطين وتبدل أوضاعها السياسية هو شرط التغيير الموضوعي، وحتى ذلك الحين يبقى على أهل الأرض المباركة واجب مشاغلة العدو الإسرائيلي من خلال حفظ الإنسان المسلم والمحافظة على الديمغرافيا العربية الفلسطينية على أرض فلسطين، وذلك باعتبارها الخامة والرصيد.

وأما الحقيقة المغيبة بفعل صوت الرصاص ورائحة البارود، فهي أن فلسطين الشعب والقضية قد وقعت في الفخ، وهي الآن في ورطة تاريخية كبرى وخارج سكة التحرير!

والسؤال يقول كيف يكون الخلاص؟

قبل الجواب لابد أن نعترف بأننا لا نملك حرية الاختيار الآن، فقد وقعت فلسطين في الفخ وهو عميق جدا وضيق بحجم البئر، ولذلك فإننا لم نعد في مرحلة الاختيارات، الأمر الذي وضعنا من الناحية الشرعية والأخلاقية والسياسية في الاختيار بين شر الشرين، فلم يعد خيار الخير في اللحظة الراهنة متاحا ولا هو مطروحا بين أيدينا!

  • وبدون العودة لما اقترحته من حلول ومعالجات عاجلة منذ الأسبوع الأول لعملية 7 أكتوبر -وقد مضى زمانها وانتهى وقتها- أقول:

1/ يجب على القيادات السياسية لغزة وللمقاومة أن تتوقف عن الردح والعويل واتهام شعوب الأمة وجماعاتها وعلمائها بالخذلان، فهذا لعمري ظلم وابتزاز غير أخلاقي ولا هو موضوعي، ومن كان منكم رجلا شجاعا وسوي التفكير، فليخرج على الإعلام ويعلن حقيقة حكام طهران وليلعن ملالي إيران الذين أوقعوا بنا في الفخ بعد ارتباطكم بهم الآثم والحرام.

2/ الابتعاد في جانب التفكير عن الحكومات، حتى وإن كانوا داعمين أو لكم مستضيفين، وسواء كانوا عربا كقطر والمخابرات المصرية، أم عجما كملالي إيران أولاد الحرام، فجميعهم أمام أمريكا وإسرائيل بلا إرادة مستقلة ولا قدرة على طرح خياراتكم الحقيقية، بل هم مدخل للعبث والتطويل، وأما إن وجد بين أحدهم وإسرائيل حالة احتراب فهي معركة نفوذ مؤقت وليست معركة وجود.

3/ الدعوة لمؤتمر عربي إسلامي تشارك فيه تركيا وعلماء المسلمين -من غير المطبلين- كما وتشارك فيه منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة رام الله، وذلك ليتحمل الجميع مسؤوليته في قرار تاريخي ينقذ ما تبقى من الرصيد البشري في غزة، ويعطل الزحف اليهودي حول مدن الضفة والساعي لخنق الأقصى.

4/ إعداد ورقة سياسية وعسكرية واقتصادية وشرعية تناقش أشكال الشر الراجحة والممكنة لأجل إختيار أقلها في كل جانب ومنحى، وذلك بالتعاون مع الحاضرين وبعض المؤثرين والضامنين.

5/ تنفيذ ما يتفق عليه بقرار الأغلبية مهما كان مرا، لأجل الحفاظ على من تبقى من خامة النصر وما تبقى من الأرض.

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 10/8/2025

حرمة تقاضي الأطباء نسبة من المختبرات والصيدليات

حرمة تقاضي الأطباء نسبة من المختبرات والصيدليات

وثمة أمر خطير وغاية في التحريم في أفعال هؤلاء الأطباء، وهو طلبهم لأشعة وفحوصات ليس بحاجة لها المريض، وهذا نصب واحتيال وأكل مال بالحرام، وأمر أخطر وأشد حرمة وهو ادعاء مرض فيه كذبا وزورا والطلب من فني الأشعة والمختبر أن يثبت وجوده ليقوم الطبيب بمعالجة لمرض غير موجود! وأحيانا كثيرة يقوم بجراحة أو تنظير على أساس وجود “زائدة” أو “مرارة” ويكون الأمر مجرد “مغص” يزول مع الوقت أو بأدنى سبب طبيعي.

فهذه صفوة المجتمع ومن أقسم على الأمانة، فكيف حال من دونهم؟!.

لا يفتي أهلُ الدثور لأهل الثغور -تحليل ودراسة-

لا يفتي أهلُ الدثور لأهل الثغور -تحليل ودراسة-
الدكتور حميد نعيجات
مقدمة:

في خِضَم الأحداث المتتالية والمؤلمة التي تمرُّ بها أمة الإسلام، وكان لها أثر ظاهر على استقرارها، ومسَّت جوانبَ أساسيّة من أمنها وأمانها في حياتها، برزت حقيقةٌ شرعيّة بحاجة لدراسة وتمييز، ورغم قيام العلماء من فجر الإسلام بواجبهم الشرعيّ في البيان وعدم الكتمان، إلا أنَّ ارتباطَ هذه الحقيقة بأحداث عامّة تخلَّلتها فتن وأهوال ومحَن أملَت بعض المواقف والتصرُّفات صدَرت عمن شارك فيها دون أن يكتمل النظر الشرعيّ فيها حينَها، وتولى أهلُ الأهواء كِبَر تحريكها تارة، والمشاركة فيها أخرى، والتحريض عليها تارات، وبقيت بسبب ذلك بعضُ الشبهات تُثار بين الفينة والأخرى، تتراوح بين أصل صحيح أُسيء فهم معناه، أو هوى أعمى صاحَبَه وأهواه، أو خَلْط بينهما صَرَفَه عن الحقّ وأرداه.

ومما كان له الأثر الواضح على جملة من الفتن في الأمّة أفعالٌ وأقوال رُويت عن بعض السلف أساء أهلُ الأهواء استعمالها، وحرَّفوا صياغَتها، وأنزلوها فوق منزلتها، وعارضوا بها الشريعةَ وأدلتَها، وشاركهم بعضُ المنتسبين للعلم الصحيح دون التحقيق فيها والتفطّن لمواطن الخلَل منها، فأوقع كثيرًا من عوامّ المسلمين وغير المتخصّصين في ويلات الأحداث، فكانوا لها وقودًا؛ ومن ذلك الأثر المروي عن ابن عُيَينة وغيره: (إذا اختلفتم في أمرٍ فانظروا ما عليه أهلُ الجهاد)، فقد استُدلّ به لمقولة: (لا يفتي أهلُ الدثور -أو القصور- لأهل الثغور)، وتعاد صياغتها بألفاظ مختلفة تؤدّي نفسَ المعنى مثلَ قولهم: (لا يفتي قاعِد لمجاهدٍ)، و(لا شأن لربّات الحِجال بمعارك الرجال)، ويزيد بعضُهم غلوًّا وضلالًا فينسب لابن تيميةَ زورًا وبهتانًا عبارةَ: (أخطاء أهل الثغور خيرٌ من صواب أهل الخدور)، وهي جزء من تغريدات شهيرةٍ ملأت وسائلَ التواصل واغترّ بها الكثير.

فعملًا بما يَهدف إليه مركز سلف للبحوث والدراسات من كشف الشبهات وتبيينها ورد الأباطيل وتفنيدها رأينا أن نتناول هذه المقولة بالدراسة العِلمية ومقارنتها بنصوص الكتاب والسنة وقواعد العلوم الشرعية، وبيان مدى صلتها بالأثر المذكور.

مركز سلف للبحوث والدراسات

أولا: نصُّ الأثر وتخريجُه والحكم عليه:

قال ابن القيم رحمه الله: (من خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد -رواية المروزي عنه، رواية أبي بكر أحمد بن عبد الخالق عنه، رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن سالم الحنبلي، رواية أبي الحسين أحمد بن عبد الله السوسنجردي- قال المروزي: … قرئ عليه -يعني الإمام أحمد-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، قال: الذي قال ‌سفيان: إذا اختلفتم في شيء ‌فانظروا ‌ما عليه ‌أهل ‌الثغر؛ يتأوَّل الآية)([1]).

وهذا إسناد صحيح، رواتُه ثقات مشاهير. وعبارةُ الإمام أحمد رحمه الله: (الذي قال سفيان…) فيها -والله أعلم- إشارةٌ لتصحيحه لفظةً على أخرى.

وروى ابن أبي حاتم([2]) هذا الأثر عن أبيه، عن يعقوب بن إسحاق البغدادي، عن حماد قال: سمعته يقول: قال لي ابن عيينة:… اختلفوا فيه… وأهل الثغور؛ فإن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. وفي هذا المتن نقصٌ، وظاهر عبارته يفيد أن هناك غيرَ أهل الثغور ممن يُرجع إليهم عند الاختلاف، ويبدو أيضًا أن في السند تحريفًا؛ فيعقوب وحماد الواردان في الإسناد لم أعرفهما.

ورواه أيضًا ابن عدي([3]) عن الحسين بن بندار بن سعد، عن الحنبلي الحسن بن أحمد الإسفرائيني، عن أحمد بن حنبل به، ولفظه: (فانظروا ما عليه أهل الجهاد). وفي السند شيخُ شيخِ ابن عديّ لم أجد له ترجمة.

ورواه الثعلبي([4]) عن ابن فنجويه، عن ابن شنبة، عن عبد الله بن محمد بن وهب، عن إبراهيم بن سعيد، عن سفيان بن عيينة به. وفي السند متَّهمان بالوضع.

ثانيا: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} دراسة تحليلية:

ذكر المفسرون لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] عدةَ أقوال في معنى {جَاهَدُوا} بما خلاصته أن كلمة الجهاد أوسعُ من معناها الاصطلاحي الذي هو بمعنى القتال في سبيل الله، وإن كان هذا المعنى داخلا فيها دخولًا أوَّليًّا؛ لأنه ذروة سنام الإسلام، حتى إن الطبري رحمه الله لم يذكر سواه في تفسير الآية([5]).

ويتضح هذا من جهتين:

الجهة الأولى: أن الآية نزلت في مكة قبل فرضِ جهاد القتال على الراجِح من أقوال العلماء، قال الزركشي: (كل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنيّة سوى ‌العنكبوت… واختلفوا في آخِر ما نزل بمكة؛ فقال ابن عباس: ‌العنكبوت… فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة وعليه استقرت الرواية من الثقات)([6]). واستثنوا العشر الآيات الأولى، قال ابن عطية: (هذه السورة ‌مكّية إلا الصدر منها العشر الآيات؛ فإنها ‌مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وفي هذا الفصل اختلافٌ، وهذا أصح ما قيل فيه)([7]). ورجحه الزرقاني بقوله: (والتحقيق أن سورة ‌العنكبوت ‌مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها فإنها ‌مدنية، وهي التي ذكر فيها المنافقون)([8]).

ومن قال: إنها مكية كلّها أجاب عن ذكر المنافقين فيها، قال ابن عثيمين: (لا إشكال؛… يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسّبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله U في سورة ‌العنكبوت: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ}، وهي ‌مكية وعليه فلا إشكال)([9]).

فإذا كانت السورة كلها مكية فالمراد بالجهاد معناه الأوسع، ويدخل فيه القتال استعدادًا وتأهّبًا، وإذا كانت العشر الأولى فقط مدنية فالمراد بالجهاد هو القتال، ولا يمنع دخول غيره؛ فالعموم حاصل في الحالين، كلٌّ باعتبار، ويوضَّحه الجهة الثانية.

الجهة الثانية: أن تفسير {جَاهَدُوا} ليس خاصّا بالقتال، ولذلك لخص ابن عطية معاني الجهاد المروية عن السلف بقوله: (قال ‌السدي وغيره: ‌نزلت هذه الآية قبل ‌فرض ‌القتال؛ قال الفقيه الإمام القاضي: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عامّ في دين الله وطلب مرضاته… ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله U وهو الجهاد الأكبر، قاله الحسن وغيره)([10])، وقال صديق حسن خان: (ظاهر الآية العموم، فيدخل تحته كلّ ذلك، قال النسفي: أطلق المجاهدة ولم يقيّدها بمفعول، ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين)([11]).

فالجهاد في الآية هو مطلق المجاهدة، وأعظمُها القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته، ولا وجه لتخصيصها بأهل الثغور دون غيرهم معنى وفعلًا وثوابًا، أو إخراج العلماء غير المتواجدين في الثغور من أقسام المجاهدة، فهي قسيمة لقتال العدو، وتندرج جميعُها تحت مُقَسَّم واحد هو المجاهدة، وخلاف هذا خطأٌ ظاهر يأباه عمومُ الآية وتفسيراتُ السلف المتعدّدة.

ثالثا: قوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} دراسة تحليلية:

إنّ فهم المراد من قوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} موقوفٌ على ما سبق من تفسير {جَاهَدُوا}؛ فإذا كان الجهاد يشمل كل أنواع المجاهدة؛ فإن هداية السبيل تكون لجميع من جاهد في سبيل الله بأيّ نوعٍ؛ ولذلك تعدّدت تفاسير العلماء لقوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} بحسب ذلك؛ فقيل:

1- (الَّذِينَ جَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ لِنُصْرَةِ دِينِنَا… لنثبتنَّهم على ما قاتلوا عليه، وقيل: لنزيدنهم هدى، وقيل: لنوفقنَّهم لإصابة الطريق المستقيمة).

2- وقيل: (الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ الْعَمَلِ بِهِ)، وقيل: (الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي إِقَامَةِ السُّنَّةِ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ الْجَنَّةِ).

3- وقيل: (الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي طَاعَتِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ ثَوَابِنَا)([12]).

وقد أوضح ابن القيم رحمه الله هذا المعنى فقال: (عَلَّقَ سبحانَه الهدايةَ بالجهادِ؛ فأكملُ الناسِ هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهادِ جهادُ النفس وجهادُ الهوى وجهادُ الشيطان وجهادُ الدُّنيا؛ فمنْ جاهدَ هذه الأربعةَ في الله هداه الله سُبلَ رضاهُ الموصلة إلى جنَّتِهِ، ومن تركَ الجهادَ فاتَهُ من الهُدى بحسب ما عطَّلَ من الجهاد، قال الجنيدُ: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبةِ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُل الإخلاص، ولا يتمكَّنُ من جهادِ عدوِّهِ في الظاهرِ إلَّا من جاهدَ هذه الأعداءَ باطنًا؛ فمن نُصِر عليها نُصِرَ على عَدُوِّهِ، ومن نُصِرَتْ عليه نُصِرَ عليه عدُوُّهُ)([13]).

رابعًا: ما المراد بأهل الثغور في الأثر؟

المقصود بهذه المسألة تحديدُ من يعتبر قوله مِن الناس عمومًا، ومِن أهل الثغور خصوصًا؛ إذ لا شك أن الجهاد في سبيل الله بالنفس والرباط على الثغور من أعظم القربات، ولكن الفتوى والقول في دين الله يحتاج إلى أهليّة علميّة، ولا يجوز للمرء القول على الله بغير علم ولو كان أعبدَ الناس وأقومَهم بأمر الله؛ فقد يكون العبد صالحا تقيًّا مجاهدًا لنفسه ومقاتلا في سبيل الله، ولكن لا يؤخذ عنه العلم لأنه ليس أهلا له، فضلا عن ترجيح قوله، ولهذا اهتمّ العلماء ببيان شروط المفتي، ولم أجد من اشترط كونَه من أهل الثغور حتى يُفتي في مسائل الجهاد([14]).

فمما ورد في عموم المجاهدة على الطاعات وترك المعاصي ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي الزناد قال: (‌أدركت بالمدينة مائة كلهم ‌مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث؛ يقال: ليس من أهله)([15]). يوضحه ما روي عن مالك رحمه الله قال: (لقد ‌أدركتُ في هذا البلد -يعني المدينة- مشيخةً، لهم فضل وصلاح وعبادة يحدِّثون، ما سمعتُ من أحد منهم ‌حديثًا قط)، قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟! قال: (لم يكونوا يعرفون ما يحدِّثون)([16]). فعدم الأهلية العلمية تمنع الفتوى ولو كان لصاحبها أهليةُ فضل وصلاح وعبادة وأمانة.

ومما ورد في الجهاد خاصّة ما روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناءً عنهم، فقال: «من أحب أن ‌ينظر ‌إلى ‌رجل ‌من ‌أهل ‌النار فلينظر إلى هذا»، فتبعه رجل، فلم يزل على ذلك حتى جرُح، فاستعجل الموتَ، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعمل -فيما يرى الناس- عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل ‌النار…»([17]). فليس كل من حضر قتالا مشروعًا مجاهدًا في سبيل الله، ولا يلزم من حضوره صحةُ كلِّ أفعاله بنصّ هذا الحديث، ولذلك ورد في الحديث قول الراوي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرَّجُلُ الَّذِى ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأعْظَمَ النَّاسُ ذلِكَ؛ قال القاضي عياض: (أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما دلّ على سوء عُقباه وخاتمته، وسوء سريرته بكونه ‌من ‌أهل ‌النار، وخبره صادق لا شك فيه، وكان ظاهره غيرَ ذلك من نصر الدين وحسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه ‌من ‌أهل ‌النار ليزداد يقينًا وبصيرة)([18])، وقال أبو العباس القرطبي: (وإنما كان ذلك لأنَّهم نظروا إلى صورةِ الحال، ولم يعرفوا الباطنَ ولا المآل)([19])؛ ولذلك تعجّبوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه سؤال ‌تعجب؛ إذ ‌المعلومُ أن ‌الصادق لا ‌يُستثبت، فكيف يجعل قوله حجة على أهل الاختصاص بالعلم الشرعي الموثوق بدينهم وعلمهم ولو لم يحضروا ساحة المعركة أو يوجدوا بالثغور؟!

خامسا: نماذج من رجوع أهل الثغور (شيوخا وفقهاء) لأهل العلم:

إنّ التاريخ الإسلاميّ مليء بنماذج من رجوع أهل الثغور من العلماء خاصّة -فضلا عن عوام المسلمين- لإخوانهم من أهل العلم الموثوق بهم الذين كان لهم لسان صدق في الأمة، حتى إن أجوبتهم دُوِّنت في كتب يُفصح عنوانها عن هذه الحقيقة، ولعل أشهر مثال وأقدمه كتاب: (رسالة لأهل الثغر بباب الأبواب) لأبي الحسن الأشعري، وقد بدأ جوابه لهم بقوله: (أيها الفقهاء والشيوخ من أهل الثغر بباب الأبواب)([20])، وهذا نصّ مهمّ وعزيز في بابه، وأن أهل الثغر -وكانوا شيوخًا وفقهاء- رجعوا إلى من يوثق بعلمه، رغم بُعد المسافة بينهما، وهي حوالي 6000 كم (من داغستان إلى بغداد)، يؤكّده أن المجاهِد قد يكون مخالفا للشرع في جهاده كما قال ابن تيمية: (المجاهد قد يكون عدلا في سياسته وقد لا يكون، وقد يكون فيه فُجور كما قال النبي r: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم»)([21])، فكلٌّ من أهل الثغور وأهل العلم مجاهِد في مجاله، وكل منهما قد يكون مصيبًا محسنًا وقد يكون مخطئًا مسيئًا، والترجيح بينهما يكون بالحجة والدليل العلمي، ومصداق هذا في عصرنا الحزبُ المسمَّى زورًا وبهتانًا: حزب الله، الذي انخدع به كثير من العوام وجملة من أهل العلم المعاصرين؛ بحجة أنه يمثل ما يسمَّى محورَ المقاومة، فدافعوا عنه، حتى رأوا عينَ اليقين ما علِمه غيرُهم من العلماء قبلهم علمَ اليقين، قال الشيخ القرضاوي: (وقفتُ ضدَّ المشايخ الكبار في السعودية داعيًا لنصرة حزب الله، لكن مشايخ السعودية كانوا أنضجَ مني وأبصرَ مني؛ لأنهم عرفوا هؤلاء على حقيقتهم)، فصار حينئذ أشدَّ إنكارًا وتحذيرًا من هذا الحزب؛ فقال: (… حقيقة حزب الله وشيعته الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله… هم كذبة… حسن نصر الشيطان وحزب الطاغوت)([22])، فمن ظهر له الحقّ ابتداءً من أصحاب البصيرة العلمية أو لاحقا من أصحاب البصيرة الواقعية لا يجوز له السكوتُ عن أهل الثغور إذا كان فيهم ما يخالِف شرعَ الله مع مراعاة ضوابط الفتوى وطريقتها والمصالح والمفاسد؛ أما السكوت المطبِق أو التأييد المطلَق بحجّة أنهم أهل الثغور فهو يناقض الميثاقَ الذي أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب من وجوب البيان.

وفي تاريخنا المعاصر وثورة التحرير المجيدة في الجزائر استفتى المجاهدون الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله -وبينهما ما يقارب 6000 كم كذلك- في مسألة علمية هي من صميم الجهاد العمَلي وأدقّ مسائله الاجتهادية التقديرية، فكان جوابه رحمه الله: (الفرنساويون… إذا استولوا على واحد من الجزائريين ليعلمهم بالذخائر والمكامن، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر فيخبرهم أنّ في المكان الفلاني كذا وكذا، جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحِر مخافة أن يضربوه بالشرنقة، ويقول: أموت أنا، وأنا شهيد، مع أنهم يعذبونهم بأنواع العذاب، فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون فيجوز…إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة، وهو مقتول ولا بد)([23]). ويلاحظ هنا مراعاة الشيخ رحمه الله لجانبين في فتواه: الجانب الشرعي العلمي، والجانب الواقعيّ الجهاديّ، فذكر تعارض أمرين شرعا: قتل الإنسان نفسه، وإخبار العدو بالمكامن والذخائر، لا سيما إذا كان الأسير من الأكابر، مع تيقن شيء واحد أن الأسير مقتول ولا بدَّ، فاختار الشيخ أخفَّ الأضرار؛ فرغم أنه لم يكن في الثغور استطاع -بفضلٍ من الله ومِنة، ثم ببصيرته العلمية، وصدق السؤال وتوضيح الحال من المجاهدين الصادقين- الوصولَ لحكمٍ يُرضي اللهَ وينفع المجاهدين، وهذا هو الأصل في الأمة الإسلامية التعاونُ على البر والتقوى والتآزر والتآخي والولاء والبراء، وليس إحداث فجوات بين العلماء الربانيين والمجاهدين المرابطين، ولم ينقطع سؤال المجاهدين والمرابطين لأهل العلم، ويصعُب استقصاء فتاوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وغيرهم من علماء المسلمين في مسائل الجهاد فرادى أو في مجامعهم الرسمية.

سادسًا: علاقة أهل الثغور بالعلم بين الماضي والحاضر:

إنّ المتأمّل في الأثر المروي عن ابن عيينة وغيره يحتاج للرجوع إلى سياقه الزماني والمكاني لفهم حيثياته ومناطاته (تنقيحًا وتخريجًا وتحقيقًا)، حتى يتمكّن من تحقيق هذا المناط تحقيقًا صحيحًا، ولا يقع في تناقض بين حقائق الشريعة اليقينية والمنهجية العلمية الصحيحة، والأثر المروي عن بعض السلف له سياقاته واعتباراته، كي لا يقع في فهم خاطئ يجرُّ إلى مفاسد كثيرة، ويتضح ذلك بوجوه:

الوجه الأول: أن ثغور المسلمين في الفترة الزمنية التي قيل فيها الأثر وامتدت من بداية فترة الخلفاء الرشدين حتى الدولة العباسية -كما سيأتي- كانت عامرة بأهل العلم والفضل من الصحابة والتابعين وكبار علماء الأمة؛ وكانوا يتناوبون عليها، قال ابن تيمية: (ما زال خيار المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم من الأمراء والمشايخ يتناوبون الثغور لأجل الرباط، وكان هذا على عهد أبي بكر وعثمان أكثر، حتى كان عبد الله بن (كذا) وغيره مرابطين، وكان عمر من يسأله عن أفضل الأعمال إنما يدله على الرباط والجهاد، كما سأله عن ذلك من سأله، كالحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأمثالهم، ثم كان بعد هؤلاء إلى خلافة بني أمية وبني العباس، ولهذا يذكر من فضائلهم وأخبارهم في الرباط أمور كثيرة)([24]). وبيَّن طريقتهم في إعمار هذه الثغور موضّحًا وجود كبار العلماء في هذه الثغور القريبة والبعيدة معا، ففي تمام كلامه قال: (كان أصحاب مالك كابن القاسم ونحوه يرابط بالثغور المصرية… كان عبد الله بن المبارك يَقدُم من خراسان فيرابط بثغور الشام، وكذلك إبراهيم بن أدهم ونحوهما، كما كان يرابط بها ومشايخ([25]) الشام كالأوزاعي وحذيفة المرغشي ويوسف بن أسباط وأبي إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين وأمثالهم… وطرسوس كانت من أسماء الثغور، ولهذا تذكر في كتب الفقه، وتولَّى قَضاءها أبو عُبيد الإمامُ وصالح بن أحمد بن حنبل وغيرهما)([26])، بل قال: (لهذا كثر ذكر طرسوس في كتب العلم والفقه المصنفة في ذلك الوقت؛ لأنها كانت ثغر المسلمين حتى كان يقصدها أحمد بن حنبل والسري السقطي وغيرهما من العلماء والمشايخ للرباط)([27]). فالثغور وأهلها سابقًا ليست كالثغور وأهلها في العصر الحاضر، فقد كان فيهم العلماء الأجلاء، محدثون وفقهاء، عباد وأتقياء، قضاة وأمراء، ومن علو كعبهم وعظيم شأنهم صاروا يُذكرون في كتب الفقه، ويُعتنَى بأقوالهم وترجيحاتهم، وأحكامهم في قضائهم، في هذا السياق ذكر ابن تيمية قول ابن المبارك وأحمد؛ لأنه يتكلّم عن واقع معيَّن اقتضى ذلك، وليس حكمًا عامًّا مرتبطًا بمكان خاص يُناط الحكم به، ففي تتمة كلامه: (وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}).

الوجه الثاني: أن بلاد الثغور كانت من حواضر الإسلام بكل مقوِّمات الدولة المسلِمة، بل احتلَّت من ذلك المكانةَ المرموقةَ، قال ابن تيمية واصفًا حال الثغور وقتئذ: (كانت الثغور معمورةً بالمسلمين علمًا وعملًا، وأعظم البلاد إقامة بشعائر الإسلام وحقائق الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كل من أحبّ التبتل للعبادة والانقطاع إلى الله وكمال الزهد والعبادة والمعرفة يدلونه على الثغور)([28])، وكانوا يستوطنون فيها كما فعل أحمد بن حرب الذي (كَانَ فاضلا ورعا، ورحل عَنِ الموصل إِلَى ثغر أَذَنة رغبةً فِي الجهاد، فأوطن هناك)([29])، فهذه هي الثغور الوارد فيها الأثر.

الوجه الثالث: أحكام الثغور أمور نسبيّة تختلف باختلاف سكّانها وصفاتهم، والمقصود هنا زيادة بيان ما في الوجهين السابقين، وهو أن مدح الثغر أو عكسه ليس مرتبطا بالمكان فقط، بل بصفات وحال أهله، قال ابن تيمية: (كون البقعة ثغرا للمسلمين أو غير ثغر هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها؛ بمنزلة كونها دار إسلام أو دار كفر أو دار حرب أو دار سلم أو دار علم وإيمان أو دار جهل ونفاق؛ فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتهم)([30])، وعليه فإنّ الأثر المروي يجب أن يُنظر إليه في ذلك الإطار الذي قيل فيه، فهو يختلف باختلاف سكان الثغر وصفاتهم، فمن أراد أن يعمّم الكلام أو يقيس الشاهد على الغائب فليراع هذه القاعدة فهي مهمّة جدًّا، وهذا ما يستوجب على طلاب العلم قراءة الآثار قراءة متفحّصة بمراعاة مناطاتها، وليس بالنظر لألفاظها فقط دون فقهٍ في سياقاتها؛ فسهولة الوصول للمعلومة الذي أتاحته التقنية الحديثة لا يجعل العلم حمًى مستباحًا لكل أحد بضغطة زرٍّ، بل هناك مفاوز أخرى يجب قطعُها بالجهد البشري في النظر بمراعاة قواعد الشريعة، مع المنهجية والأمانة العلميتين، والخشية من الله والتجرّد من العواطف غير المنضبطة بالشرع.

يؤكّده أن وضع الثغور لم يستمرّ على ما كان، بل حدث فيه تغيُّر في ذلك الزمان المبكر، ولهذا اختلف الحكم حينها؛ ففي تتمة كلام ابن تيمية قوله: (فلما كان في أثناء المائة الرابعة اضطرب أمر الخلافة وصار للرافضة والمنافقين وغيرهم دولة وملك… وصار جبل لبنان ونحوه دولة بين النصارى والروافض ليس فيه من الفضيلة شيء، ولا يشرع بل ولا يجوز المقام بين نصارى أو روافض يمنعون المسلم عن إظهار دينه)([31]).

سابعًا: قول أهل الثغور بين الاستشهاد والقبول والردّ والمخالفة:

لا شكَّ أن قول أهل الثغور له ميزة على غيره إذا صدَر من أهله، وقد استشهد علماء الإسلام بقولهم في مواطن أصابوا فيها الحقَّ وكان لهم ميزة فيه، فقد أخرج ابنُ عدي الأثر في مقدمة كتابه (الكامل في الضعفاء) ونقل عقِبَه عن شيخه الحسين بن بندار قولَه: (أجمع ‌أهل ‌الثغر أن اللفظية كلّهم الجهمية)([32]). ومن أقوال أهل الثغور التي رجَّحها بعضُ علماء المالكية على قول إمام المذهب ما ذكره ابن عبد البر رحمه الله فقال: (قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ: لَا أَرَى أَنْ يُسْهَمَ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ…؛ فَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ… واختاره مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ الْمَالِكِيُّ، وَقَدْ قَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ الثُّغُورِ يُسْهِمُونَ لِفَرَسَيْنِ…)([33]).

وفي المقابل إذا كان لأهل الثغور أقوال مخالفة كتب فيها علماء الأمصار، وردُّوا عليهم ونصروا الحقَّ، بل وهجروا بعضَهم، قال الخطيب البغدادي: ‌(أحْمَد بن حَرْب المَوْصِليّ… تكَلَّم في مَسْألةِ اللَّفظ الّتي وقَعَت إلى أهْلِ الثُّغُور([34])/ فقال فيما ذُكِرَ لي [بِقولِ]([35]) مُحَمَّد بن دَاوُد المِصِّيْصيّ، فهَجَرهُ عليّ بن حَرْب لذلك، وتَرَكَ مُكَاتبَتَهُ)([36])، وأخَذَت هذه المسألةُ بُعدًا أكبر، فوقع اشتباه فيها حصل بسببه فتنة بين كبار علماء أهل السنة في ذلك العصر: البخاري والذهلي ومن سانده، فبعد (موت أحمد وقع بين بعض أصحابه وبعضهم وبين طوائف من غيرهم بهذا السبب، وكان أهل الثغر مع محمد بن داود المصيصي شيخ أبي داود يقولون بهذا، فلما ولي صالح بن أحمد قضاء الثغر طلب منه أبو بكر المروذي أن يظهر لأهل الثغر مسألة أبي طالب([37])؛ فإنه قد شهدها صالح وعبد الله ابنا أحمد والمروذي وفوران وغيرهم)([38]). وأوضح شيخ الإسلام سبب خطأ أهل الثغور وتقديم قول أهل الأمصار (العراق) على قولهم فقال: (أهل خراسان لم يكن لهم من العلم بأقوال أحمد ما لأهل العراق الذين هم أخصّ به، وأعظم ما وقعت فتنة اللفظ بخراسان، وتعصّب فيها على البخاري -مع جلالته وإمامته- وإن كان الذين قاموا عليه أيضا أئمةً أجلاءَ، فالبخاري رضي الله عنه من أجلّ الناس)([39]).

ثامنًا: ضوابط التعامل مع أثر (عليكم بأهل الثغر) وأمثاله:

تبيَّن من خلال العرض السابق أن الأثر ليس على إطلاقه، ولا يمكن أن يُتّخذ قاعدة عامّة أو مطلقة؛ فقد يُعمل به أحيانًا وفقَ ضوابط وسياقات خاصّة، وقد لا يُعمل به أخرى لا سيما عند الإطلاق وعدم التفصيل، وكان هذا منهجَ أهل العلم قديمًا وحديثًا من أهل الثغور وغيرهم، وأختِم هذه الورقة العلمية بذكر تنبيهاتٍ وضوابطَ علميةٍ في التعامل مع هذا النوع من الآثار:

الأول: بين الأثر المرويّ وإطلاقات بعض المغرضين بونٌ شاسعٌ كالذي بين الإسلام والباطل الذي يقابله؛ لأن الأقوال المروَّج لها تهدم الإسلام من أساسه وتخالف القرآن في لفظه ومعناه بالردّ لله ورسوله، وسؤالِ أهل الذكر، والميثاق الذي أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب، كما تُصادم السنةَ النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين والتاريخ الإسلامي، فجميعها يؤكد على دور أهل العلم في الفتوى لجميع الأمة، وضرورة الرجوع إليهم سواء كانوا في الثغور أو في غيرها، والألفاظ المبتدعة في هذه المقولة أو المحرفة من الأثر تفوح منها رائحة الحزبية المقيتة وتعمُّد الإضلال وتبرير الانحراف والضلال؛ لذلك لا يرفع لكلامهم رأسٌ لظهور بطلانه، وينظر للأثر في سياقه ومختلف حالاته.

الثاني: مجال العمل بالأثر هو حالات خاصّة وطارئة، تلتبس فيها الأدلة ويحتاج لترجيح بينها، أو تتداخل فيها المصالح مع المفاسد ولا يمكن الجزم بحكم الله في الواقعة، كما سبق عن الشيخ ابن إبراهيم في تأييده فعل المجاهدين لرجحان المصلحة العامة على الخاصة.

ويؤكد ابن القيم رحمه الله المسار الصحيح لاستعمال الأثر وحيثياته فيقول: (إنَّ الصادق يتحرَّى في سلوكه كلِّه أحبَّ الطُّرق إلى الله، فإنّه سالكٌ به وإليه، فيعترضه طريقان لا يدري أيّهما أرضى لله وأحبُّ إليه… فإن تساوى عندهم الأمران، قدَّموا أرجحهما مصلحةً. ولترجيح المصالح رُتبٌ متفاوتةٌ؛ فتارةً تترجَّح بعموم النفع، وتارةً تترجَّح بزيادة الإيمان، وتارةً تترجَّح بمخالفة النفس، وتارةً تترجَّح باستجلاب مصلحةٍ أخرى بها لا تحصل من غيرها، وتارةً تترجَّح بأمنها من الخوف من مفسدةٍ لا تؤمَن في غيرها؛ فهذه خمس جهاتٍ من التّرجيح، قلَّ أن تُعدَم واحدةٌ منها… فهذا نهاية ما في مقدور الصَّادقين، ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ولهذا قال الأوزاعيُّ وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيءٍ فانظروا ما عليه أهل الثغر -يعني أهل الجهاد- فإنَّ الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا})([40]).

الضابط الثالث: العلاقة بين الجهاد والمجاهدة هي علاقة تكاملية ومتلازمة، وقد يحصل بينهما تعارض؛ فكلما كانت مجاهدة النفس مجاهدةً صحيحة وفق المنهج الرباني القائم على الكتاب والسنة واتباع سلف الأمة الصالحين الذين جاهدوا في الله حق جهاده وزكاهم رّب العزة بقوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ}؛ كان جهاد العدو والقتال في سبيل الله أيسرَ والنصر عليه أقرب، ومن الجهاد جهاد النفس على اتباع أوامر الله وإن كان يعارضها داعي الجِبِلَّة من عدم الرضا بالهون والمذلَّة؛ قال ابن عثيمين: (كلنا يعرف كيف كانت شروط صلح الحديبية، حتى قال عمر بن الخطاب t: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟! قال: «بلى»، قال: فلم نرضى الدَّنِيَّةَ في ديننا؟! فظن هذا خِذلانًا، لكن الرسول r لا شك أنه أفقه من عمر t… وإن كان ظاهر الصلح أنه خذلان للمسلمين، وهذا يدلنا على مسألة مهمة، وهي: قوة ثقة المؤمن بربه، فهذا محمد رسول الله r في هذه الحال الحرجة يقول: «وهو ناصري»، وفي قصة موسى… قال: كَلَّا، ما يُمكِن أن نُدرَك، {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}؛ سيهديني لشيء يكون فيه الإنقاذ، وبالفعل حصل الإنقاذ لموسى u وقومه، وحصل هلاك فرعون وقومه)([41])، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله معارضة الحال للأمر الشرعيّ عند أرباب الأحوال فقال: (تعرِض لهم أحوالٌ لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدَّم، فلا يجدون بدًّا من القيام بأحكام الأمر، ولا بدَّ أن يحدث لهم نوع اعتراضٍ خفيٍّ أو جليٍّ بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، فيحزنون لوجود هذه المعارضة، فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أنَّ المصلحة في حقِّهم ذلك وحمدوا عاقبته حزنوا على تسرُّعهم إلى المعارضة([42])، فالتسليم لداعي العلم واجبٌ([43])، ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل، فيحزن على بقيتها فيه)([44])؛ فعلى المؤمن تعلُّم التعامل مع هذه المعارضات التي تعرض له -من مقتضيات الطبيعة البشرية- فيستصحب بيان النبي صلى الله عليه وسلم وموافقة الصديق رضي الله عنه في الاستسلام لمقتضى النص الشرعي، كما يستصحب موقف الفاروق رضي الله عنه بالاستغفار لمعارضته ابتداء، ويبقى هذا الفقه الصحيح والسلوك القويم منهجًا متبعًا في حياة المسلمين؛ فليس كلّ قتال ممدوحًا، وليس كل تارك له مخذِّلًا أو خائنًا، وهذا ما قرَّره الشاطبي رحمه الله عند كلامه على أوصاف العالم الذي يؤخذ قوله فقال: (الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ رَبَّاهُ الشُّيُوخُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ؛ لِأَخْذِهِ عَنْهُمْ، وَمُلَازَمَتِهِ لَهُمْ؛ فَهُوَ الْجَدِيرُ بِأَنْ يَتَّصِفَ بِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ السَّلَفِ الصَّالِحِ… وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ ‌عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ… فَهَذَا مِنْ فَوَائِدِ الْمُلَازَمَةِ، وَالِانْقِيَادِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاطِنِ الْإِشْكَالِ؛ حَتَّى لَاحَ الْبُرْهَانُ لِلْعِيَانِ)([45]).

الخاتمة:

بعد هذا العرض لمقولة: (لا يفتي أهلُ الدثور لأهل الثغور) وما شابهها، ومقارنتها بالأثر المروي عن بعض السلف: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغر)، مع نصوص الكتاب والسنة وقواعد العلم الشرعي ومنهج الاستدلال عند أهل السنة والجماعة، يتبين أن لا علاقة بين الأثر والمقولة المذكورة، وأنها لا تخلو من ضلال ظاهر، وقلب لحقائق الدين، ومعارضة صريحة للكتاب والسنة والسيرة النبوية العملية والتاريخ الإسلامي والمنهج العلمي السليم، ولذلك لم يقل بصِيَغها المنشورة أحدٌ من أهل العلم المعروفين من السابقين والمعاصرين، ولم تُذكر ضمن القواعد الفقهية أو الأصولية أو مناهج البحث العلمي لمعارضتها لكل ذلك وغيره، فالفتوى تؤخذ من أهلها وهم العلماء الذين أخذ الله عليهم ميثاق بيان الكتاب وعدم كتمانه، والله أمر بسؤال أهل الذكر، ولا فتوى لغيرهم مهما بلغ من الإيمان والتقوى والصلاح ومجاهدة الهوى والنفس والشيطان وجهاد الأعداء وقتالهم، فإن الفتوى منصب شرعيّ له أدواته وضوابطه، ومن فقَد هذه الأدوات والضوابط فواجبه كما قال ابن القيم: (إِذَا لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ أَهْلِيَّةٌ قَطُّ فَفَرْضُهُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَقَوْلُ النَّبِيِّ r: «أَلَا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إنَّمَا ‌شِفَاءُ ‌الْعِيِّ ‌السُّؤَالُ»([46]))([47])، وأما كون المجاهدة والجهاد له أثر على الهداية وإصابة الحق فهو من جهة ليس خاصًّا بجهاد الأعداء، بل يشمله وغيره من أنواع المجاهدة، ومن جهة أخرى ليس على إطلاقه، بل هو أمر يُستأنس به في حالات خاصّة -سبق بيانها- ولا يهدم به قاعدة الشريعة المطردة في سؤال أهل العلم، ولو اشتُرط جهاد العالم حتى يفتي في مسائل الجهاد للزم منه الكفر الصريح وتعطيل العقل الصحيح؛ لأن مقتضاه أن لا يفتي في الحيض والنفاس إلا حائض نفساء، وهكذا في الزواج إلا متزوّج، بل في الكفر والإلحاد إلا كافر ملحِد، وفي البدعة إلا مبتدع، وهكذا دواليك بمقتضى نفس العلَّة، وهذا مُحالٌ، ولم يقل به أحد يَعرف ما يخرج من رأسه.

والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) بدائع الفوائد -ط. عطاءات العلم- (2/ 1023). وفي ط. دار الكتاب العربي (3/ 110): (‌فانظروا ‌ما عليه أهل التقوى)!

([2]) تفسير القرآن العظيم (17452).

([3]) الكامل في الضعفاء (1/ 185).

([4]) الكشف والبيان (21/ 93).

([5]) تفسير الطبري (18/ 444)، وذكر غيرُه أقوالا أخرى مسنَدة إلى أصحابها؛ انظر: تفسير ابن أبي حاتم (9/ 3084)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (4/ 174).

([6]) البرهان في علوم القرآن (1/ 188، 194)، وانظر أقوال السلف في تفسير البغوي (6/ 256).

([7]) تفسير ابن عطية (4/ 305).

([8]) مناهل العرفان (1/ 198).

([9]) تفسير ابن العثيمين (148).

([10]) تفسير ابن عطية (4/ 326).

([11]) فتح البيان في مقاصد القرآن (10/ 219).

([12]) تفسير البغوي (6/ 256).

([13]) الفوائد (59).

([14]) يوجد مبثوثا في كتب أدب الطلب والآداب الشرعية عموما أو كتب الفقه والحديث لا سيما في بعض المقدمات.

([15]) مقدمة صحيح مسلم (1/ 15).

([16]) ينظر: تحرير علوم الحديث (1/ 252).

([17]) صحيح البخاري (6128).

([18]) إكمال المعلم (1/ 395).

([19]) المفهم (1/ 318).

([20]) رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب -ت: الجنيدي- (74-75).

([21]) مجموع الفتاوى (4/ 13).

([22]) وقال د. عصام تليمة -مدير مكتب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ القرضاوي سابقا-: (إن علماء السنة جميعا خُدعوا في حزب الله). انظر: موقع الشيخ يوسف القرضاوي.

([23]) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم عبد اللطيف آل الشيخ (6/ 207-208).

([24]) جامع المسائل (5/ 356-257).

([25]) كذا، ولعلها بدون الواو.

([26]) مجموع الفتاوى (27/ 53).

([27]) جامع المسائل (6/ 358).

([28]) جامع المسائل (5/ 358).

([29]) ينظر: تهذيب الكمال (1/ 289).

([30]) مجموع الفتاوى (27/ 54).

([31]) مجموع الفتاوى (27/ 55).

([32]) الكامل في الضعفاء (1/ 185).

([33]) الاستذكار (5/ 74).

([34]) وهذا يؤكد أن أهل الثغور ليسوا بمنأى عن الخطأ أو مخالفة السنة على وجه الإطلاق.

([35]) في المصدر: (يقول)، والمثبت هو الأقرب المناسب للسياق.

([36]) المتفق والمفترق (1/ 175-176).

([37]) يعني إنكار الإمام أحمد نقلَ أبي طالب عنه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.

([38]) مجموع الفتاوى (12/ 207).

([39]) المصدر السابق (12/ 208).

([40]) مدارج السالكين (2/ 176-177).

([41]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (25/ 318).

([42]) هذا حال الأوَّابين كالفاروق رضي الله عنه حين قال: (مَا ‌زِلْتُ ‌أَصُومُ ‌وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأَعْتِقُ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا) مسند أحمد (31/ 217) وحسنه محققوه .

([43]) وهو حال أهل التعبُّد المطلق، وبه نال أبو بكر الصديق رضي الله عنه منزلة الصديقية، فقد نقل النووي عن العلماء قولهم -بعد الاعتذار لفعل عمر رضي الله عنه وتوجيهه-: (وأما جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه لِعُمَرَ بِمِثْلِ جَوَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ ‌مِنَ ‌الدَّلَائِلِ ‌الظَّاهِرَةِ ‌عَلَى ‌عَظِيمِ ‌فَضْلِهِ وَبَارِعِ عِلْمِهِ وَزِيَادَةِ عِرْفَانِهِ وَرُسُوخِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزِيَادَتِهِ فِيهِ كُلِّهِ عَلَى غَيْرِهِ رضي الله عنه) شرح صحيح مسلم (12/ 141)، وانظر: منهاج السنة (8/ 407).

([44]) مدارج السالكين (2/ 178).

([45]) الموافقات (1/ 143).

([46]) أخرجه أحمد (3056) وحسنه محققوه.

([47]) إعلام الموقعين (5/ 137).

20 صفر 1447 هـ – 14 أغسطس 2025 م
إصدارات مركز سلف

من قلب قطاع غزة، ومن يخبركم بغير هذا الواقع فهو مغيَّب

كلام مهم جداً ركزوا فيه واعملوا اشارة للوفد المفاوض..

اللي بفكر من الخارج إن غزة بقي فيها شيء، بكون غلطان.
للأسف، نحن نعيش هنا ونقول لكم: غزة انتهت.

رفح مُسحت واحتُلّت، والشمال كذلك.
خان يونس لم يتبقَ منها إلا بضعة أمتار غرباً.

مدينة غزة حوصرت خلال الأسبوعين الماضيين في مناطق محدودة غرباً، وبعض الأحياء في الوسط.
جميعنا الآن نجلس في بضعة أمتار!

تخيلوا! أقول لكم هذا الكلام وغزة بالأصل كلها، من شمالها إلى جنوبها، مساحتها 365 كيلومتر مربع فقط – يعني بحجم “حارة” في أي دولة!
فما بالكم الآن، وقد احتُلّ 70٪ من المدينة؟

يصرّ البعض على تصوير غزة وكأنها إمبراطورية، ليبرر كل ما يُرتكب بحقها من وحشية وهجوم بربري.

وأقولها للمرة الأولى:
لا يمكن بعد اليوم أن تصمد غزة، ولا حتى مقاتلوها الذين تتغنون بهم، وقد خذلتموهم لعامين!

استُشهد الآلاف، ومن تبقى يقاتل ببضعة أسلحة خفيفة في مواجهة ترسانة العالم كله!

أما من يقول إن إسرائيل تهدد باحتلال مدينة غزة كوسيلة ضغط، فأقول له:
إسرائيل فعلياً تسيطر على غزة كلها، بما فيها المدينة.
أنا أعيش غرب المدينة، قرب البحر، وأقولها بوضوح:
ما يفصلني عن الآليات العسكرية هو فقط “قرار”، متى جاء ستصل الدبابات إلى الشاطئ.

لا أقول هذا الكلام لإحباطكم، فلا يوجد إحباط أسوأ مما نعيشه فعلاً.
أتحدث حتى تصل رسالتي للوفد المفاوض، والله إني لكم ناصح.

كفى، تمسكوا بوقف الحرب. ما دون ذلك، قولوا “جاهزين”.

لا تنخدعوا بكلام جمهوركم وداعميكم من الخارج، فهم لا يعرفون شيئاً، يصفقون للإبادة ويشجعون على التضحية.

هم أصلاً خذلوكم قبل أن يخذلونا، والحرب أثبتت أنه لا ظهر لكم ولا دعم من الخارج.
كل الشعارات كانت فارغة، وحين بدأ الجد ترككم الجميع للمحرقة.

حتى أبناء الحركة أنفسهم في داخل فلسطين – كالضفة مثلاً – خذلوا حركتهم أشد الخذلان.

حتى الكلمة بخلوا بها على حركتهم خوفاً أن تُسحب منهم قطعة “برجر”!

أي شيء الآن، أي شيء، لن يكون أصعب مما نعيشه.
أقوى أسلحة العالم هدّت حيل أطفالنا ونسائنا.
نحن محاصرون في قطعة أرض صغيرة، نعيش ليالينا بألم، وأراذل القوم يتمتعون بقتلنا جواً وبحراً وبراً.

قدّموا كل شيء، بكل معنى الكلمة.
لأنكم إن لم تفعلوا، سيحدث ما يريده الاحتلال، ولكن بشكل أبشع بكثير.

حتى أنتم، أصحاب القرار، لن تفهموا معنى أن تُحاصر مع أطفالك في منطقة صغيرة، والأحزمة النارية تحيط بك.
لن تعرفوا هذا الرعب.

لم يتبق لكم وقت للتفكير.
عليكم أن تقدموا كل شيء، مهما كان الثمن، المهم أن يقف هذا الجنون.

سيقول البعض: “نتنياهو لا يريد وقف الحرب”.
أعلم..لكن هذا ما كان في السابق، لكنه اليوم، مستعد لوقفها بشرط واحد “أن يُعلَن نصره، وأن تقبل الحركة بصفقة انهزامية جداً.

نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:

* إما *صفقة انهزامية* ينجو بها من تبقى من أهل غزة.
* أو *محرقة جديدة* يخرج منها نتنياهو رافعاً شارة النصر، بعد أن خسرنا كل مدينة غزة بركامها.

حتى لو لم يعجب كلامي أحد، فأنا ابن غزة، أخاف عليها وعلى ناسها أكثر منكم، أعيش فيها، وأعرف ما يحدث على الأرض.
وللأسف، نحن انهزمنا منذ وقت، ولا عيب في ذلك فالعرب مش فقط خذلونا بل دعموا من يقتلنا بكل بجاحة!؟

سيكتب البعض آيات قرآنية ومواقف من سيرة الأولين.
أختصر عليكم:
أنا أحفظ سيرة الأولين، وأؤمن بإرادة الله وقدره ونصره لعباده المؤمنين.
لكن “الجهل والدروشة” قد تودي بأمة كاملة إلى الهلاك، حتى لو كانت صالحة!

هل أحدثكم عن أنبياء وأمم مؤمنة هُزمت بل مُسحت؟
نعم، لأن الأرض ليست للجزاء، بل للابتلاء.
والنصر ليس بالضرورة جزاءً للمؤمنين الصابرين.

“بلغت القلوب الحناجر”..
نحن عشنا ما هو أشد من هذه الآية، منذ عامين!
أنا، مثلاً، قلب طفلتي وزوجتي وصل لحناجرهم ألف مرة بهذه الحرب، أما قلبي، فلم ينزل أصلاً من حنجرتي منذ عامين خوفاً على أحبابي.

تلك الآية نزلت في النبي وصحابته بعد شهر واحد من حرب سيوف بين رجال ورجال.
وليس مثلنا اليوم، حرب أقوى الطائرات والدبابات على أطفال ونساء وكبار سن تُلقى عليهم حزامات نارية لم تُلقَ على أحد في العصر الحديث!

ختاماً: الدين ليس مفصولاً عن العقل.
بل الحكمة ضالة المؤمن.
وعادي جداً أن ينهزم المؤمن الجاهل، وينتصر الكافر العاقل.

لا وقت للمجاملات الآن، وإن كان يعزّ عليّ ما أقول، لكنها الحقيقة المرة:
(لم يتبقّ شيء.. كل شيء انتهى)

أحدثكم وأنا أعيش غرباً، وقذائف الآليات التي تُطلق من الشرق والوسط تهزّ روحي.
ليس خوفاً على نفسي، فمن يعرفني يعلم أنني لا أخاف،
لكن ضعفاؤنا أرهقوا أرواحنا.

سيقول البعض:
“هل سيترككم الاحتلال بعد أن تعلنوا انهزامكم؟”
أقولها للمرة الأولى:
نعم، سيتركنا، لأسباب يطول شرحها..

طالما أخذت الضمانات التي تطلبها منذ عامين وهي ضمانات وقف الحرب، تنازل عن كل شيء، لأنه في الواقع لا شيء الآن يحمينا من صواريخ شبه نووية، وعربدة واستباحة للدماء غير مسبوقة!؟ ماذا سيفعل الاحتلال أكثر، هل مثلاً سيقتلنا بنووي ..يااااه هذا والله ما نتمناه، ذبحوا قلوبنا قهراً منذ عامين، نرجوا الموت والله نطلبه من قلوبنا..

والله، القبر أرحم لنا من هذه الحياة.
باطن الأرض أأمن لنا من سطحها.
ما نعيشه ويعيشه أطفالنا ونساؤنا من رعب، لا يرضى به الله ولا رسوله، ولا مؤمن عنده ذرة إيمان.

أوقفوا الحرب، ونقبل جميعنا أن ندفع ضريبة الاستسلام، لعل الله يوماً يحدث أمراً، ويخلصنا من هذا الاحتلال بارداته.

كلام موجع لكنه واقع، ورأيت أن الأمانة تقتضي أن أقول ذلك..

سامي مشتهى.

إيداع في بنك وأخذ زيادة على قدر معدل التوجيهي

إيداع في بنك وأخذ زيادة على قدر معدل التوجيهي
#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
يعرض بعض البنوك على أولياء الأمور أن يودعوا (١٠٠ دينار) لمدة شهر، ثم يعيدها البنك ومعها زيادة تساوي معدل ابنك في التوجيهي (مثال: معدل ٩٤٪ يعيد لك ١٩٤ دينارًا).
فما حكم هذا؟

الجواب:
هذا التعامل ربا محرم؛ لأنه في حقيقته قرض بزيادة مشروطة، وينطبق عليها “كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا”، وهي قاعدة شرعية متفق عليها.
قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-:
“وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط “.
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
“أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا”.
والزيادة المضمونة –سواء كانت كبيرة أو صغيرة، أو ربطت بمعدل أو شرط آخر– هي من صور الربا الصريح الذي نهى الله ورسوله ﷺ عنه.
قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة/٢٧٥].
والله أعلم
كتبه:
إحسان العتيبي أبو طارق
٢١ صفر ١٤٤٧ هـ، ١٥/ ٨/ ٢٠٢٥

تعليقا على جرأة فيصل بن قزار الجاسم (مجموعة من الرّدود العلمية)

تعليقا على جرأة فيصل بن قزار الجاسم:
ردود كل من:
١. الشيخ أ.د سلمان بن نصر الداية
٢. الشيخ د. أحمد محمد النجار
٣. الشيخ بدر بن علي العتيبي
٤. الأستاذ مضر أبو الهيجاء
٥. الاستاذ حسن المدني
===

20 صفر 1447هجرية
14 أغسطس 2025 ميلادية
كتبه
عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة- سابقا
✍️ أ.د. سلمان بن نصر الدايه

[تنبيه: جميع الحواشي في نهاية المقال]

دفع الالتباس (2)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
أفاد بعض الأفاضل أن انتقاد ساسة وقادة المقاومة في غزة أثناء جهادهم لعدوهم خيانة ونفاق.
أقول وبالله التوفيق: هذه جرأة منفكة عن مراقبة الله؛ فإن المؤمن قوي الإيمان من يراقب الله في أقواله وأعماله، مستحضرا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أي: مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه(1).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: 61] يخبر تعالى عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكونهم، وفي ضمن هذا الدعوة لمراقبته على الدوام؛ فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ صغير أو كبير ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكره الله تعالى؛ فإنه مطلع عليكم، عليم بظواهركم وباطنكم ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما يغيب عن علمه وسمعه وبصره ومشاهدته ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه(2).

وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] أي: ما يتكلم من كلام يخرج من فيه، وما يعمل من عمل إلا عنده ملك حافظ يكتب قوله وعمله، معد مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه(3).
وقوله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم؛ بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تعالى(4).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في جزء حديثه: (… وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ‌مِنْ ‌سَخَطِ ‌اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)(5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (… وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، ‌الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ ‌الْعَيْبَ)، وفي رواية: (الْعَنَتَ)(6).

بعد هذا التذكير أقول: هل يبعد أن يعلن بعض العلماء والساسة والمفكرين تخطئة حادثة السابع من أكتوبر، وتخطئة إصرار الساسة وقادة المقاومة على مواصلة جهادهم رغم الحصار المطبق، والعزلة الدولية، ومحدودية النكاية في الحربي، وفداحة تدمير الحربي لثلاثة أرباع قطاع غزة، وتقتيله عشرات الألوف من الغزيين، وتمثيله بعدد أكبر منهم، وأسره لآلافهم، ومجاعة أفقدتهم صوابهم؛ هل يبعد أن يعلنوا تخطئتهم ببواعث صالحة بعيدة عن الخيانة والنفاق، إلا أن تكون أيها الأخ الكريم محدثا، فحدثت أنهم جميعا خونة ومنافقون؟!
وأما عن قوله: لا يوجد في التاريخ من يعترض على القادة أثناء لقاء عدوهم؛ فهذا نفي تعوزه الدقة؛ فإن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنكرا على خالد بن الوليد رضي الله عنه اجتهاده فيمن ظنهم مشركين حربيين وكانوا مسلمين وذلك في سرية بني جذيمة؛ «قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغني، كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، ‌قد ‌قتلت ‌قاتل ‌أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَ اللهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ)»(7).

وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنهما، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله ‌لا ‌أقتل ‌أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ)( 8 ).
وثبت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، … وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، …، وإنما عزله لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، فلما بلغ كتاب عمر إلى أبي عبيدة.. أخفاه وتركه مصلحة بالناس على حالته، فعلم خالد بذلك، فعتب على أبي عبيدة حيث لم يعلمه بالعزل، وقال: والله؛ لو تولى علي عبد.. لسمعت وأطعت(9).
وعزل عمر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما ركب بالأجناد البحر، رغم تأييده بالكرامة؛ حيث يبس البحر من تحت أقدامهم يومئذ، ونجوا جميعا؛ لانزعاجه أن يقتحم القائد بجنده الأخطار مرجحا سلامتهم على أمل دوام تأييده بكرامة؛ قال ابن كثير رحمه الله: “ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي؛ اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه”(10).
فإن قلت: هذا إمام المسلمين، فله حق في إثبات من شاء وعزل من شاء، وبدء الحرب وإنهائها، وتضييقها وتوسيعها، وليس للعالم أن يعترض على سياسة قائد جنده.
أقول: هذا حق ما لم يكن القائد طائشا هجاما، وثمة قراءة أخرى للأثرين؛ أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما عظم الخطر من قائد الجند على مصلحة الأجناد؛ بادر إلى عزله، وإن العالم إذا رأى مفسدة عظيمة قد أتت على جل بلده؛ لضعف في الشوكة، وعدم في الإمداد، وخلل في فهم الجهاد، وتخلف ظاهر لمقصده؛ لا يسوغ له أن يسكت، سيما مع ضآلة النكاية في الحربي، وفداحة نكاية الحربي في أهل القطاع حتى فتن الكثير منهم في دينهم وأخلاقهم؛ فكانت من بعضهم الردة، وقتل النفس، والسرقة، والغصب، والأثرة، والزنا، والربا، والاحتكار، وأمراض النفس والعضو.

ولله در الشافعي رحمه الله قال: «ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ‌ثقة ‌في ‌دينه، شجاعا في بدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها غير عجل، ولا نزق.. ولا يحمل المسلمين على مهلكة بحال، ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا(11) تحته، ولا دخول مطمورة(12) يخاف أن يقتلوا، ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها، ولا غير ذلك من أسباب المهالك، فإن فعل ذلك الإمام؛ فقد أساء ويستغفر الله تعالى.. ولا يأمر القليل منهم بانتياب الكثير حيث لا غوث لهم.. وإذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه؛ فلهم أن لا يفعلوه -أي: ألا يطيعوه-»(13).
فهذا توجيه للأجناد عبر الأجيال أن القائد يتعين عليه توخي الأصلح لرعيته في مناحي حياتهم، ولو بدا للرعية تعسفه أو زيغه وضلاله، أو تهوره واندفاعه، أو عجزوا عن امتثال أمره؛ لم تلزمهم طاعته.
وفي الختام أسأل الأخ الكريم: إذا علمت أن غزة محاصرة من جهاتها الأربع، وأنها كتلة من البشر والبنيان، وأنها تستورد كل شيء من عدوها، وأنها جاهدت عدوها الحربي قريب عقدين من الزمن، وفي كل مرة يمنى أهل قطاع غزة بقتل وتدمير وتهجير، دون أن يتحقق لهم هدف من أهداف جهادهم، ولم يزالوا في حصار من حين أسر الجندي شاليط إلى أيامنا هذه؛ فعلى ماذا يعول الساسة والقادة والعلماء أمثالك؟! وما الذي تنتظرون؟!
على أن قتالنا لعدونا كفاحا متعذر؛ لضآلة ما عندنا من الشوكة وعظم ما عنده، وأن المجاهد لا يمكنه أن ينال من عدوه إلا على حين غرة مع الاستتار والتخفي، ثم ينتهي إلى نفقه المتخذ تحت البيوت وبعض المشافي والمؤسسات؛ ليكون جل أهل القطاع ترسا للقادة والأجناد، وقد اعتمدوا هذا سبيلا لجهادهم على توقع أن الحربي تمنعه أخلاقه من أن يضرب البيوت المأهولة بالناس، وعندئذ يأمن الناس والأجناد، وفي الحروب الأخيرة أراهم عدوهم خلاف ما يتوقعون؛ فهل الرأي عندكم وعند السادة العلماء الإصرار على هذه الطريقة التي أتت على ثلاثة أرباع القطاع، وتوشك أن تأتي على ربعه الآخر؟ إن هذا والله لشيء عجاب!!
والله أسأل الهدى والرشاد، والفرج العاجل لأهلي في القطاع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

(1) السعدي/تفسيره(ص163).
(2) السعدي/تفسيره(ص367).
(3) مجد مكي/تفسير المعين(ص519).
(4) السعدي/تفسيره(ص457).
(5) أخرجه: البخاري/ صحيحه(٦١١٣)(5/ ٢٣٧٧).
(6) حسن، أخرجه: الطبراني/المعجم الصغير(835)(2/ 89).
(7) ابن هشام/السيرة النبوية(2/ 431).
(8) أخرجه: البخاري/صحيحه(4339)(5/ 160).
(9) الطيب بامخرمة/ قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر(1/ ٢٧٦).
(10) انظر: ابن كثير/البداية والنهاية(7/97).
(11) الشدخ: كسر الشيء الأجوف، ومعناه هنا: يخاف أن ينهدم عليهم الحصن، أو تسقط عليهم بعض حجارته فتكسر عظامهم تحته.
(12) المطمورة: الحفيرة تحت الأرض، وهي بلغتنا المعاصرة: الخندق أو النفق.
(13) الشافعي/الأم(4/ 178).
https://www.facebook.com/share/p/1AwXEvxW7F/
===

مناقشة موقف الشيخ #فيصل_قزاز من النقد زمن الحرب

بقلم: د. أحمد محمد الصادق النجار 

يُثار هذه الأيام سؤال مهم: هل يجوز نقد القيادات المقاومة زمن الحرب، خاصة إذا كان القتال مع الكفار أو أن هذا النقد يُضعف الصف ويُعد خيانة أو نفاقًا؟؟
وقد عبّر الشيخ فيصل قزاز عن موقف مانع من النقد وجعله من باب الخيانة والنفاق، معتبرًا أن هذا النقد لا يُعرف في تاريخ المسلمين إلا من الخونة والمنافقين.

قال:”لا يعرف في تاريخ المسلمين أن حربًا قامت بين المسلمين والكفار ووقف عالم من علماء المسلمين ينتقد المسلمين والحرب قائمة، بل لا يعرف هذا إلا من الخونة والمنافقين…

وإذا أردنا مناقشته:
.أولا: من حيث التأصيل الشرعي

النهي عن نقد المسلمين زمن الحرب ليس حكمًا مطلقًا عند علماء أهل السنة، بل هو مقيّد بحال تحقق الجهاد الشرعي واستكمال شروطه وانتفاء موانعه، مع رجحان المصلحة في السكوت
* أما إذا كان القتال فاقدًا لشروطه الشرعية، أو محققًا لمفسدة أكبر، فإن بيان الحكم الشرعي يصبح واجبًا، ولو في زمن الحرب، بشرط أن يكون بأسلوب منضبط يراعي المصلحة ويدرأ المفسدة.

ثانيا: من حيث الاستقراء التاريخي

الاستقراء الذي يذكره الشيخ فيصل غير مكتمل؛ فالتاريخ الإسلامي شهد حالات نقد وتصحيح زمن الحرب إذا كان القتال غير مستوفٍ لشروطه.

ومن ذلك ما جرى زمن اجتياح التتار لدمشق، حيث خرج كثير من الناس يستغيثون بالأموات، فأنكر العلماء ذلك رغم أن العدو على الأبواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولِما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا…”

فهذا المثال يدل على أن النقد زمن الحرب قد يكون مشروعًا إذا كان الهدف إصلاح المسار وتصحيح الفعل قبل المضي فيه.

ومن هنا، يجب أن نفهم أن من ذمّ الإقدام على قتال لم تكتمل حقيقته الشرعية، لم يذمه لأنه قاتل الكفار أو شارك في جهاد مستوفٍ لشروطه، بل ذمه؛ لأنه أقدم على فعل ناقص الشروط، ترتّب عليه ضرر عام ومفسدة راجحة لا تقرّها الشريعة…

وأما رميه لمخالفيه بتهم التخذيل والخيانة والنفاق فهو تعد ظاهر ولم يراعِ المعنى الذي اعتبرته الشريعة في النهي عن التثبيط والتخذيل في جهاد وجد سببه وتحقق شرطه، وهو:التأثير السلبي المباشر والراجح على سير الجهاد في ساحة المعركة.[انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (12/217)]
فما كان ضرره على الجهاد في ميدان القتال عظيماً، مُنع منه شرعاً.
أما ما كان ضرره مرجوحاً ومصلحته راجحة، أو كان الشروع في القتال خطأً لعدم تحقق شرطه الشرعي – ولو كان جهاد دفع – فإن التصحيح واجب؛ حماية للأرواح والمصالح الشرعية.
ومن المعلوم أن أغلب من يتكلم عن أحكام الابتداء والاستمرار ممن يرى وجوب النصرة هو بعيد عن ساحة المعركة، وهو إنما يتكلم عن حكم فقهي، ويرد على شبه أهل الضلال…

والذي يؤسفني -حقيقة- الحال الذي وصل إليه الشيخ فيصل قزاز بسبب خصوماته مع بعض المشايخ، فضيع البوصلة… واستغل مقالاته أهل الانحراف لضرب مشايخ أهل السنة…

http://abuasmaa12.blogspot.com/2025/08/blog-post_13.html
===

https://t.me/modar_abualhayjaa/8231

إضاءات شرعية منهجية فلسفية أخلاقية ،،،

نظرية النقد وحقيقة الخذلان بين الكنيسة والقرآن!

القسم (1)

إن كل من يمضي في طريق الدعوة إلى الله مستهدفا رفع مستوى الوعي الجمعي لدى النخب والعوام لابد وأن يجد في الطريق أشواكا ومفاهيم مغلوطة تعيق النبات الطيب، الأمر الذي يوجب بذل جهد دعوي عقلي فكري كبير يستند إلى الوحيين لاقتلاعها أولا ثم زراعة المفاهيم والتصورات السليمة في محلها.

منطق الكنيسة وسلوك الرهبان كيف يتسلل لخطاب الشريعة!

تبنت الكنيسة منهج التلقين والتقليد، ورفضت منهج النظر العلمي والعقل المتجرد والتدبر الرسالي، كما مارس رهبان الكنيسة دور محاكمة الناس واتهام نياتهم ووصفهم بالخطيئة والخذلان، حتى وصل بهم الحال لسلوك إجرامي يجر أصحاب العقول والنظر إلى المقصلة حيث تقطع الرقاب!

إن منهج الكنيسة الضال وسلوك الرهبان اللاأخلاقي في وأد العقول ومنعها من النظر والتدبر يستهدف قتل الإدراك ووأد الإبداع ومنع الوعي من التمدد، وذلك حرصا على بقاء هيمنة الكنيسة وسلطة الرهبان الحصرية والمعصومة!

لقد نحى الإسلام منحى مختلفا عن منحى الكنيسة وسلك فيه العلماء والدعاة سلوكا مضادا لسلوك الرهبان، وما ذلك إلا إنعكاس للتصور القرآني وللوحي الرباني الذي نزل به جبريل الأمين على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والذي جاء مرسلا للعالمين.

التصور الإسلامي في وجوب النظر والتدبر.

إن المتدبر لكلام الله المحفوظ بين دفتي القرآن الكريم يجد عددا لا يحصى من الآيات التي تدعو للنظر والتفكر والتدبر وعقل الأمور والمراجعة والفرز بين الصحيح والسقيم وما يحقق المصالح وما يجلب المنافع، ومثل هذا متوفر في حديث من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، كما يتجسد هذا السلوك المنهجي في مدرسة محمد حيث تخرج منها الصحابة المعدلين بنص القرآن، ولذلك فإن السيرة زاخرة بصور تبرز فاعلية عقول الصحابة في نقاش قضايا الشأن العام سواء في حياة النبي أو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

التخلف في التصور والسلوك في واقع حركات التغيير الإسلامي المعاصر!

وفي نظرة واسعة لواقعنا المعاصر اليوم تبرز حالة التدني العلمي وخفوت التفكير وضعف النظر، ومما أسهم في هذا ويعززه بعض المقولات الرائجة التي تستهدف كبح النظر والتفكر والتدبر، كالقول لا يفتي قاعد لمجاهد، أو لا يفتي أهل الدثور لأهل الثغور، علما بأن تاريخ المذاهب الفقهية يعكس صورة مخالفة بالكلية، لاسيما عند عمداء ورواد المذاهب الأوائل الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة!

وقد أسهم سلوك بعض الوعاظ القاصرين أو الدعاة المنغلقين الذين هم لأحزابهم متعصبين، أو بعض العلماء الذين هم عن واقع الحال وتفاصيله مغيبين وفي خطابهم ومقارباتهم عن الواقع منفصلين، بتعزيز هذا التخلف العلمي وترسيخه وصبغ أتباعهم به، مكتفين بالشحذ النفسي والعاطفي دون إعمال عقل وتدبر ونظر، وهو ما أنتج مسلما معاصرا يملك قلبا مليئا بالمشاعر فقيرا بالعقل.

غياب تفعيل السمع والنظر المتفكر والعاقل مدخل لعمى البصيرة.

ولقد نبه القرآن لمسألة عمى البصيرة وغياب الإتعاظ والاعتبار مخاطبا كفار قريش بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ سورة الحج:46، وفي الآية الكريمة دعوة لإعمال النظر والسمع والتفكر والإعتبار المبني على حقائق عالم الشهادة، والذي بإنكاره يتجسد عمى البصيرة!

سلوك الرهبان في الخطاب الإسلامي المعاصر أنتج النموذج القاصر بين الأتباع!

وكما ساق رهبان الكنائس العلماء بالأمس إلى المقاصل وقطعوا رؤوسهم بعد تجريمهم أمام العوام، وذلك بغية ترهيب العقول ومنع سيادة وتمدد الوعي المبني على النظر في حقائق الواقع ووعي حقائق الدين، قاد كثير من الدعاة العاطفيين اليوم ووعاظ المساجد وبعض علماء الحركات والتنظيمات الإسلامية، كل من يفكر وينظر ويعقل ويتدبر قضايا الأمة العربية والإسلامية بعقل حر -يعكس معنى التوحيد لله والتجرد في النظر لمصالح الناس- إلى المقصلة وقطعوا رأسه بشكل معنوي بين الناس، مطلقين أحكامهم المغلفة بغلاف شرعي جاهل وفاقد للأخلاق والمروءة -في حال الاختلاف- حيث يصفون هذا بالمنافق والآخر بالعميل والخائن وغيره بالمتصهين مستهدفين إسقاطه بين الناس، ومعطلين الدعوة القرآنية للسمع والنظر والتفكر والتدبر، في صورة لم تشهدها جميع المدارس والمذاهب الفقهية الإسلامية السنية، والتي توفر فيها من مسائل الخلاف ما ملأ بطون الكتب التراثية المحفوظة!

ظاهرة منع النقد والاتهام بالخذلان المعاصرة في ميزان القرآن الكريم والسنة المطهرة!

تابع القسم (2)

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 15/8/2025
https://t.me/modar_abualhayjaa/8241

إضاءات شرعية منهجية فلسفية أخلاقية ،،،

نظرية النقد وحقيقة الخذلان بين الكنيسة والقرآن!

القسم (2)

ظاهرة منع النقد والاتهام بالخذلان المعاصرة في ميزان القرآن الكريم والسنة المطهرة!

لاشك بأن حجم الإخفاقات التي منيت بها التجارب والحركات الإسلامية في مجالات الدعوة والتغيير الحركي والتحرير القتالي الجهادي خلال قرن مدعاة للتوقف والنظر والمراجعة بهدف التصويب، وذلك اقتداء بالمنهج القرآني الذي لم يترك منعرجا ومفصلا هاما ومؤثرا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي معارك الصحابة الكرام والمعدلين إلا وأنزل الله فيه عتابا وتصويبا وإرشادا وتقريعا أثناء المعارك وبعدها، وذلك بحق خير الخلق بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

وفيما يشير القرآن لصور كثيرة في نصح ومراجعة ونقد وتوجيه سلوك الصحابة الكرام قبل المعارك وخلالها وعقبها، يصر بعض الدعاة القاصرين اليوم على حرمة توجيه النقد الناصح للمسلمين وهم في حالة جهاد، مما يتسبب في تدحرج وتعاظم كرة الأخطاء التي لا يلحظها إلا من هم في الميدان حاضرون، أو في الواقع المحيط بنظر واسع وبعقول حرة -غير حزبية- يتمتعون وبها يتفكرون ويتدبرون، وهي ترجمة لمطلب الوحي كما جاء في كتاب الله العزيز!

جدلية النقد وفق التصور الإسلامي!

إن الجدلية في السلوك النقدي الناصح لمن هم في الميادين يقوم على أرضية الإنتماء الواحد الموجب لتكامل الأدوار، لا التنازع والتباغض، وهو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره )، وقد بين حديث من لا ينطق عن الهوى وجوب نصرة المسلم لأخيه وهو على حال الظلم وفي طريق الخطأ، وذلك بالأخذ على يديه ومنعه، فما فائدة هذا الانتصار والانحياز إذا لم يكن في وقت الفعل وزمان دورانه وعند احتدام الصراع؟

وبكلمة أقول: أوليس الظلم المقصود عندما يمس الجماعة وترتد مآلاته على عموم الناس أولى من الظلم الذي لا تجاوز نتائجه حال الأفراد؟

النظر والنقد المفضي للعلم وفق التصور القرآني.

إن أول آية نزلت على النبي الأمي محمد بن عبدالله كانت سورة العلق، يقول سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ العلق:1.

ليس عجبا أن تكون أول كلمة يوحى بها للنبي محمد صلى الله عليه هي كلمة اقرأ، ففي ذلك دلالة على منهج علمي عظيم هو شكل وجوهر وطابع هذا الدين، وهي حقيقة لم يدركها علمانيو العرب بعد أن شوهها المستشرقون، وجسدتها بعض مقولات وسلوكيات المسلمين المعاصرين!

إن القراءة والعلم والتعلم واكتساب كل حق مرتبط بعالمي الغيب والشهادة مفض لا محالة لتشكيل عقل نقدي يفرز الصحيح من السقيم معتمدا على الوحي ومنسجما مع سنن الكون ومعتبرا لواقع الحال، وبدون هذا كله لا يمكن أن يستقيم حال العقل ولا يكتمل رشده المسؤول.

كما أن أمر الله العليم الخبير لنبيه الكريم بالقراءة هو منهج قرآني لعموم الموحدين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ما عززته آيات كثيرة تستنكر على العباد غياب النظر والتفكر والتدبر والمراجعة المفضية للعدول والجنوح للحق وما هو أهدى سبيلا.

مدرسة النبي المعلم ونموذج الصحابة الأتباع.

إن نموذج الصحابي الفرد والجماعة جسد من خلال تناوله لقضايا الأمة ومسائل الشأن العام حالة فريدة في حيوية عقل المسلم في المنشط والمكره وفي العسر واليسر كما في الحرب والسلم، وما ذلك إلا نتيجة لاصطباغ الصحابة بمفاهيم وتصورات الوحي الإلهي قرآنا وسنة والذي عاينوه في سلوك وتناول النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم لقضايا الشأن الإسلامي العام -لاسيما في ما اختلفوا فيه وقت السلم وزمن الحرب-، وهو كذلك نتيجة لتجردهم ونزاهتهم عن العصبية لغير الحق، وانحيازهم لما ينفع الناس خارج إطار الفريق والحركة والحزب.

فتنة العناوين الصحيحة وسلوك العقول القاصرة!

نجح الغرب الصليبي المتصهين في الإستفادة من صواب بعض المشاريع والأعمال الإسلامية كما استفاد من أخطائها، حتى أنه تبنى الترويج لبعض أعمالها عبر وسائله ودعمها ليحصل على ثمرات أكبر وأسرع في تدمير الكينونة الإسلامية الجمعية وتعثير مسار انعتاقها ونهضتها، غير عابئ بالمكاسب الجزئية التي يمكن أن يحصلها المسلمون باعتبارها لا تحدث منعرجا ولا تبدل واقع الأمة ولا تصنع وقائع فارقة في مصلحة الأمة وشعوبها، بقدر ما يستفيد منها الخصم نتيجة امتلاكه لنظر متفكر وعقل مسؤول ومتدبر.

نموذج القاعدة في الجمع بين العناوين الصحيحة والسلوكيات الخاطئة والمقاربات المدمرة!

برع تنظيم القاعدة في الإعلاء والإعلان عن أهداف إسلامية صحيحة ومشروعة كالقيام بواجب عودة وتمكين الدين في المجتمع والدولة، كما دغدغ مشاعر كل المكلومين في فلسطين وكل المتحرقين في العالم الإسلامي لتحرير الأقصى، فما الذي حدث وكان؟

تابع القسم(3)

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 15/8/2025