الرئيسية بلوق الصفحة 41

هل ينتظر حج القرعة الأقل تكلفة أم يحج بتكاليف أعلى في وقته الحالي؟

هل ينتظر حج القرعة الأقل تكلفة أم يحج بتكاليف أعلى في وقته الحالي؟

السؤال:

أدَّخر مبلغا للحج منذ أعوام، ولكن هذا المبلغ في حدود حج القرعة، هناك استغلال من قبَل شركات السياحة ليصبح الحج السياحي بمصر ضعف حج القرعة، يوجد استطاعة بتوفير الفَرق على حساب بعض المتطلبات المستقبلية وإن كانت غير أساسية، فهل لي أن أنتظر حج القرعة لإحساسي بالاستغلال من قبَل تلك الشركات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحج من أركان الإسلام العملية، وقد أوجبه الله تعالى على المستطيع مرة في العمر، قال تعالى: ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) آل عمران/ 97 .

وهو واجب على الفور، على الصحيح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، فهو قول أبي حنيفة ومالك في المشهور عنه، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، والمزني من الشافعية، وهو قول داود الظاهري، وبه يقول طائفة من علمائنا المعاصرين.

 

ثانيا:

وإنما يجب الحج على المستطيع، وهو الذي يكون صحيح البدن، ويملك من المال الزائد عن نفقاته الأصلية ونفقات أهله ما يستطيع السفر والرجوع من حجه.

وقد لا يستطيع الغني صحيح البدن في زمننا هذا الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج لما اتفق عليه من سفر عدد محدد من كل بلد، وقد ذهبت بعض الدول لاعتماد طريقة الأقدم في الميلاد، ودول أخرى ذهبت لاعتماد طريقة القرعة، فصار هذا الأمر داخلا في الاستطاعة الشرعية، فمن لم يكن سنُّه يؤهله للحج على حسب ترتيب بلده، أو لم يظهر اسمه في القرعة: لا يعدُّ مستطيعا، إلا أن يملك وسيلة أخرى مباحة لا يأخذ بها حق غيره فيكون حينئذٍ من المستطيعين.

 

ثالثا:

وعليه: فإذا كان الأخ السائل ليس عنده قدرة مادية للحج السياحي: فلا يعدُّ مستطيعا، وأما إن كان يملك من المال ما يستطيع دفعه لذلك النوع من السفر السياحي دون أن يؤثِّر في نفقة من تلزمه نفقتهم من أهله وغيرهم: فنرى أنه مستطيع، ويجب عليه اختيار الحج السياحي لأداء فريضة الحج.

ثم إن هذا هو أنسب له من انتظار حج القرعة من وجوه أخرى – عدا احتمال وفاته -، منها:

  1. أنه الآن مستطيع بدنا، وقد يظهر اسمه في القرعة في وقت لا يكون حينها مستطيعاً السفر ببدن.
  2. أنه قد تأتيه مشكلات وموانع تحول بينه وبين ذهابه للحج.

ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعجل للحج، وأخبر أنه قد تحصل موانع تمنع القادر الآن من القدرة لاحقا.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ ). رواه أبو داود ( 1732 ) وحسنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وبيَّن بعض الحكَم من هذا التعجل فقال: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ )  رواه ابن ماجه ( 2883 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

  1. أن حج القرعة قد تصل تكاليفه لاحقا إلى حد الحج السياحي الآن، والناظر في هذا الأمر في دول العالَم يجده واقعيّا، فلا تزال تكاليف الحج تزداد عاما بعد آخر.

 

لذلك كله: نرى أن على الأخ السائل التعجل في الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج عن طريق ” الحج السياحي ” إذا كان يملك من القدرة المالية ما يستطيع دفعه في ذلك النوع من السفر من غير أن يؤثر على نفقة أهله وأولاده ومن تلزمه نفقتهم؛ لأنه يكون بذلك مستطيعاً شرعا، فيجب الحج عليه على الفور، وما ذكرناه من أسباب أخرى لعلها تحثه على المسارعة وعدم تأخير حجه لوقت ظهور اسمه في القرعة.

 

والله أعلم.

 

يرغب بالتزوج من امرأة باكستانية متدينة وأهلها يريدونها فلسطينية من أجل القضية!

يرغب بالتزوج من امرأة باكستانية متدينة وأهلها يريدونها فلسطينية من أجل القضية!

السؤال:

أنا شاب بريطاني من أصل فلسطيني، ولكني لا أحمل إلا الجنسية البريطانية، وأنا أدعو إلى الله في هذه البلاد بقدر ما أستطيع طاعة لله عز وجل ومن أجل أن أشعر بالارتباط لديني وجنسيتي الأصلية، كما أني على وشك أن أكمل دراستي الجامعية في مجال الطب، وأنوي بإذن الله تعالى أن أتزوج في أقرب فرصة، وقد وجدت الفتاة المناسبة التي وجدت فيها التدين والشخصية الرائعة بالإضافة إلى بعض المواصفات الأخرى التي أبحث عنها، وأحب أن أشير هنا إلى أني لست من الشباب الذين يؤمنون بـ ” الحب قبل الزواج “، لذلك ليس بيني وبين هذه الفتاة أي نوع من أنواع التواصل إلى أن يأذن الله بالزواج.

ولكن هناك مشكلة تعترض طريق زواجي من هذه الفتاة، هذه المشكلة هي أن والدايَّ يرفضان فكرة الزواج بها؛ وذلك لأنها من أصول باكستانية، ويقولان: إنه يجب عليّ أن أتزوج فتاة فلسطينية لكي أشعر بانتمائي، ولأننا في حرب هناك في ” فلسطين ” ونحن بحاجة إلى أن نكثر نسلنا قدر الإمكان، ويريان أن زواجي بفلسطينية هو نوع من أنواع النصرة للفلسطينين والجهاد ضد الصهاينة، كما أنهم يقولون إن زواجي بفتاة غير فلسطينية من شأنه أن يؤثر في أولادي فينشؤون نشأة منفصمة غير ملتفتين إلى قضيتهم الأصل، ألا وهي قضية ” فلسطين “، كما أن تربية والدتهم ستؤثر عليهم فينشؤون على غير حمل هموم القضية الفلسطينية، وأن هذا سيكون فيه خدمة غير مباشرة للمخططات الصهيونية في طمس الهوية الإسلامية والفلسطينية.

قد يكون في هذا الكلام شيء من المنطق ولكن هذه الفتاة لطالما كانت متحمسة للقضية الفلسطينية، ولطالما شاركت في فعاليات لدعم القضية، إذًا فلست أرى أن مانعًا من أن أتزوجها، كما أنني أخاف إن أنا انصعت لكلام والداي وتزوجت من يرونه هم فعند ذلك سأشعر أني تزوجت من لا أريد ومن لا رغبة لي بها، حتى وإن سلمتُ لوالدي بهذا الشرط فسأجد صعوبة في تطبيق بقية شروطهما التي يشترطانها في أبوي من سأتزوجها، فإنهما يشترطان أن لا يكون أبواها مطلقيْن! وأن يكونا متعلميْن! وأن يكون لدى والدها عمل مرموق! إلى آخره من المظاهر الاجتماعية الجوفاء التي لا تمت إلى لب موضوع الزواج بصلة.

إنني أحب والداي ولا أريد أن أغضبهم، لكن في الوقت ذاته أرى أنه قد طال البحث عن زوجة وأظنني وجدت ضالتي في هذه الفتاة، ففيها كل ما أبحث عنه من تدين إلى جمال إلى قوة شخصية، أسئلتي هي:

– أيحق لوالداي أن يرفضا زواجي بهذه الفتاة لا لشيء إلا لأنها من أصل باكستاني وليست فلسطينية حتى وإن كانت متدينة؟ وهل يحق لهما أن يجبراني على عدم الزواج بها؟.

– إنهما يهدداني بقطع علاقتي بهما ونبذي من الأسرة نهائيًّا إن لم أتزوج بفلسطينية، ويقولان إن لم أفعل ذلك فسأكون قد عصيتهما، فهل يجوز لهما هذا؟.

– هل يُشترط للرجل رضا والديه لكي يتزوج طالما أنه وجد من يَرضى دينها وخلقها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يختلف المسلمون في وجوب بر الوالدين، والإحسان إليهما بالقول والفعل، والأوامر بذلك في الكتاب والسنَّة معلومة مشهورة، ومنها قوله تعالى ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) لقمان/ 15، وقوله تعالى ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) الإسراء/ 23.

ولكن ليُعلم أن القاعدة في طاعة الوالدين الواجبة هي: ” أنه تجب طاعتهما فيما فيه نفع لهما ولا ضرر على الولد فيه “، ولو كانت الطاعة الواجبة مطلقة في كل شيء – أي: في ما فيه منفعة للولد ولا مضرة فيه على الأب -: لحصل في هذا مفاسد كثيرة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الابن لا يلزمه طاعة أبيه في شيء لا ضرر على أبيه فيه وللولد فيه منفعة، ولو قلنا: إنه يلزم الابن أن يطيع والده في كل شيء حتى في ما فيه منفعة للولد ولا مضرة فيه على الأب: لحصل في هذا مفاسد.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 641 ).

 

ثانيًا:

واختيار الزوجة ليس مخاطبًا به آباء الأزواج ولا أمهاتهم، بل المخاطب به هو الزوج نفسه، فهو الذي قيل له ( ولا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) البقرة/ 221، وهو الذي قيل له ( فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ )- رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ) – ولا يتعدى دور الوالدين عن الاستشارة في الاختيار لا الاختيار نفسه فضلًا عن إجبار الابن عليه.

وإذا كان الطعام والشراب لا يُختلف في أنه لا يجوز إجبار الوالدين ابنهم على نوعهما: فالزواج أولى وأحرى بالحكم.

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ليس لأحدِ الأبوين أن يُلزم الولد بنكاح مَن لا يريد وأنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحدٍ أن يلزمه بأكل ما ينفِر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى؛ فإن أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول: يؤذي صاحبه كذلك، ولا يمكن فراقه.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 30 ).

 

ثالثًا:

وقد يعترض الوالدان على اختيار ابنهما لامرأة لينكحها بسبب ديني كأن تكون لا تصلي أو تكون متبرجة أو يكون لأهلها سمعة سيئة ويخشون من القرب منهم وغير ذلك مما يشبه هذه الأسباب: فنرى – حينئذٍ – أنه يجب على الابن طاعة والديه في عدم اختيار تلك الزوجة، بل كل عاقل لو أمر الزوج بترك التزوج بها: فإنه لا يسعه مخالفة ذلك، فأمر الوالدين أحرى بالتنفيذ.

وأما إن كانت أسباب رفض الوالدين دنيوية مثل كونها غير جميلة، أو من غير قبيلة أهله، أو كون والديها مثقفين أو أغنياء: فكل هذه الأسباب لا تُلزم الابن بطاعة والديه، بل له الخيار في اختيار من تناسبه من ذوات الدِّين، وله الرضوخ لاختيار والديه والنزول عند رغبتهما إن شاء.

* قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

لا يجوز أن يجبر الوالد ابنه على أن يتزوج امرأة لا يرضاها، سواء كان لعيب فيها ديني أو خَلقي، وما أكثر الذين ندموا حين أجبروا أولادهم أن يتزوجوا بنساء لا يريدونهن، يقول: تزوجها لأنها بنت أخي، أو لأنها من قبيلتك، وغير ذلك، فلا يلزم الابن أن يقبل، ولا يجوز لوالده أن يجبره عليها.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 640 ).

 

وخلاصة الجواب عن أسئلتك:

  1. لا يحق لوالديك أن يرفضا زواجك بتلك الفتاة لأنها من أصل باكستاني وليست فلسطينية، ولا يحق لهما أن يجبراك على عدم الزواج بها.
  2. لا يجوز لهما أن يهدداك بقطع علاقتهما بك ونبذك من الأسرة إن لم تتزوج بفلسطينية، ولا تكون عاصيًا لهما إن خالفت رأيهما.
  3. لا يُشترط للرجل رضا والديه لكي يتزوج طالما أنه وجد من يَرضى دينها وخلقها.

 

 

رابعًا:

والذي ننصحك به أنه إن لم تكن متعلقاً بتلك الفتاة، وأمكنك اختيار غيرها من ذوات الدين ممن يرضى عنها أهلك فهو أفضل؛ لأنك تجمع بذلك بين تحقيق رغبتك ورغبتهما، وإن كان قلبك متعلقًا بها أو رأيت غيرها ممن لا توافق شروط أهلك فترفق بإقناعهما ولا تقطع حبل الصلة بينك وبينهما ووسِّط من أهل الخير والعقل من يحاول إقناعهما بتحقيق رغبتك وبتخطئتهما في شروطهما القاسية.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل من حق الفتى أن يختار شريكة حياته بنفسه، أم والداه هم اللذان يجبرانه على أن يأخذ فتاةً معينة، فمثلًا: والدي يصر على أن يزوجني من ابنة عمي، وليس لي رغبةٌ فيها ، هل عدم طاعة الوالدين في هذه الحالة تعتبر من العقوق؟.

فأجاب:

لا يلزمك؛ لأن النكاح أمره عظيم، فإذا كانت المرأة لا تناسبك: فإنه لا يلزمك، ( إنما الطاعة في المعروف )، لكن تستسمح والديك بالكلام الطيب والأسلوب الحسن حتى تلتمس أنت ووالداك امرأة ً تناسبك، فإن الزواج من امرأة لا تناسبك ولا تريدها: يضر ولا ينفع، خسارة، فالواجب على والديك أن لا يجبراك على امرأةٍ لا تريدها، والواجب عليك أن تستسمحهما، وأن تستعمل معهما الرفق والكلام الطيب حتى لا تقع بينك وبينهما شيء من العقوق، والفرقة، والاختلاف.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 911 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز تدريس أولادنا في مدرسة إسلامية بٌنيت بقرضٍ ربويٍّ؟

هل يجوز تدريس أولادنا في مدرسة إسلامية بٌنيت بقرضٍ ربويٍّ؟

السؤال:

هل يجب على المسلمين أن يرسلوا أطفالهم إلى مدرسة إسلامية تم بناءها بقرض ربوي ( فائدة ) من البنك؟ وهذه المدرسة هي المدرسة الإسلامية الوحيدة بالمدينة، ولهذا فليس هناك بديل إسلامي آخر.

وبالمناسبة: فإن هذه المدرسة الإسلامية تعاني من بعض المشاكل ولم تسِر على ما يرام منذ افتتاحها ربما بسبب الربا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أوجب الله تعالى على الوالدين العناية بأولادهم ذكورا وإناثا، وليست العناية محصورة بالطعام والشراب واللباس بل ثمة ما هو أهم من ذلك وأولى أن يكون له نصيب في اهتمامات الوالدين وحساباتهم، ونعني به تربية الأولاد على الأخلاق الإسلامية وحب الدِّين، وتعليمهم العلم الشرعي النافع، ومتابعة قيامهم بالواجبات الشرعية وعلى رأسها الصلاة، وتجنيبهم أصدقاء السوء وأخلاق السوء.

ولعلَّ حسن اختيار منطقة السكنى، وحسن اختيار الجيران والأصدقاء أن يكون مساهماً في حسن التربية والرعاية، كما أن حسن اختيار المدرسة الإسلامية له أكبر الأثر في إحسان التعليم والتربية، وليعلم كل والد ووالدة أن الله تعالى سائلهم عن رعيتهم ، فإن نصحوا لهم أُجروا، وإن قصَّروا أَثِموا.

 

ثانيا:

وكون المدرسة الإسلامية قد بُنيت بقرض ربوي: فإن هذا غير مؤثر في حل إرسال المسلمين أولادهم إليها، والإثم إنما هو على من اقترض بالربا لا على الدارسين ولا على المدرسين.

ومن بنى بيتا بقرض ربوي فإنما إثمه عليه وحده، وليس ذلك بمؤثر على حل زيارته في ذلك البيت والأكل من طعامه، مع النصح له بالتوبة مما فعل.

وأعظم من ذلك وأجل: أنه لو بُني مسجد بأموال ربوية صرفة، أو اقترض مال بنائه من بنك ربوي بزيادة ربوية: ما كان ذلك بمؤثر على حل الصلاة فيه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن ذلك – أيضا – ما أشكل على بعض الناس: يأتي إنسان يتعامل بالبنك أو يتعامل بأشياء أخرى محرَّم كسبها، ثم يبني مسجدا أو يصلح طريقا فيقول: هل يجوز أن أصلِّي في هذا المسجد الذي أصلحه مَنْ مَالُهُ حرامٌ أو أمشي في الطريق؟ نرى أنه لا بأس أن يصلِّي في هذا المسجد ولو كان من مال ربوي أو من كسب محرم آخر؛ لأن إثمه على كاسبه، ثم نقول: هذا الرجل الذي بنى المسجد لعله أحدث توبة وبنى هذا من أجل أن يتخلص من الإثم والكسب الحرام، فنكون إذا صلينا في ذلك وشجعناه: نكون عونًا له على التوبة. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 60 ).

 

وعليه: فيتبين مما سبق أن بناء مدرسة من قرض ربوي لا ينبغي أن يكون حائلا بينكم وبين إرسال أولادكم إليها، وخاصَّة أنه لا يوجد غيرها، فلو كان الحكم على التحريم لكان يمكن أن يكون إرسال أولادكم إليها جائزا من باب الضرورة، أما والحكم على الجواز: فلا حاجة لهذا الحكم.

 

والله أعلم.

 

حكم الحوار القرآني المشتهر في المنتديات بعنوان “ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين”!

حكم الحوار القرآني المشتهر في المنتديات بعنوان”ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين”!

السؤال:

مرَّت امرأة فائقة الجمال برجل فقير بل معدم، فنظر إليها وقلبُه ينفطر شغفًا بجمالها، ثم تقدم منها ودار بينهما الحوار الآتي:

الرجل: ( وزيّناها للناظرين ).

المرأة: ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ).

الرجل: ( بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ).

المرأة:( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب).

الرجل: ( نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ).

المرأة: ( لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ).

الرجل: ( وإن كان ذو عسرة ).

المرأة: ( حتى يغنيهم الله من فضله ).

الرجل: ( والذين لا يجدون ما ينفقون ).

المرأة: ( أولئك عنها مبعدون ).

عندها احمرَّ وجه الرجل غيظًا وقال: ” ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين!! “.

فأجابته المرأة: ( للذكر مثل حظ الأنثيين ).

هل هذه نوع من الاستهزاء أو نوع من الاقتباس؟ وما الحكم الذي يترتب على من ينشر هذه القصة؟.

في انتظار ردكم الشافي، بارك الله فيكم، دمتم في رعاية الله وحفظه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذه القصة باطلة ولا أصل لها من جهة، ومحرَّم نشرها من جهة أخرى، فقد احتوت على استهزاء بالقرآن الكريم وقبح في الاستعمال لآياته في غير موضعها، ولو عقل أولئك الذين ينشرونها منزلة القرآن وقدَروا الله حقَّ قدْره لنزَّهوا كتاب الله أن يستعمل في حوار بين أجنبي فاجر يتغزل بجمال امرأة أجنبية عنه ويساومها على نفسها!.

 

 

وإنَّ جعْل القرآن بدلًا من الكلام فيه انتقاص لكلام الله تعالى، ولا شك عندنا في تحريمه، وهذا بخلاف الاقتباس المناسب من آيات القرآن في موضعه اللائق به في الكلام، وهذا أمر حسن، وله ضوابط.

قال الشيخ مصطفى الرحيباني – رحمه الله -:

( وحرُم جعل القرآن بدلا من الكلام مثل أن يرى رجلا جاء في وقته فيقول! { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى }! فلا ) يجوز أن ( يُستعمل ) القرآن ( في غير ما هو له ) لما فيه من التهاون وعدم المبالاة بتعظيمه واحترامه، ( وقال الشيخ ) تقي الدين – أي: ابن تيمية -: ( إن قرأ عندما يناسبه فحسن كقول من دعي لذنب تاب منه: { مَا يَكُونُ لَنَا أَن نَتَكَلَّم بِهَذا }! وكقوله عند إصابته ( وعند ) ما ( أهمَّه: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى الله }، و ) كقوله ( لمن استعجله: { خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل } فهذا وأمثاله مما هو مناسب لمقتضى الحال جائز؛ لأنه لا تنقيص فيه.

” مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ” ( 1 / 607 ).

وهو الحكم نفسه الذي يقال في القصة المشهورة للمرأة التي أُطلق عليها ” المتكلمة بالقرآن “.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقد سمعنا أن واحدًا من الناس قال: أنا لن أتكلم بكلام الآدميين أبدًا، لا أتكلم إلا بكلام الله فإذا دخل إلى بيته وأراد من أهله أن يشتروا طعامًا قال: ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ) الكهف/ 19.

وقد قال أهل العلم: يحرم جعل القرآن بدلًا من الكلام، وأنا رأيت زمن الطلب قصة في جواهر الأدب عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتعجب الناس الذين يخاطبونها، فقال لهم من حولها: لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن.

نقول: هي زلَّت الآن! فالقرآن لا يُجعل بدلًا من الكلام، لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضية وقعت، كما يذكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخطب فخرج الحسن والحسين يمشيان ويعثران بثياب لهما فنزل فأخذهما، وقال: ( صدق الله: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) التغابن/ 15.

فالاستشهاد بالآيات على الواقعة إذا كانت مطابقة تمامًا لا بأس به.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 6 / 531 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص ذلك الحوار المنتشر في المنتديات بكثرة – وللأسف – فهو قبيح للغاية، ولا يشك في تحريمه أحدٌ شمَّ رائحة العلم؛ ففي الحوار المزعوم: نظر محرَّم من الطرفين، وطلب لمس المرأة، ومساومة على الفاحشة بدفع ثمن مقابلها، ثم لعن الذكور جميعًا، وكل ذلك – وغيره من الأشياء المنكرة – استُدل عليه بآيات من كتاب الله تعالى! أفيليق بمسلم عاقل أن يفرح لهذا الحوار وينشره في الآفاق وهو مشتمل على تسويق تلك المحرمات والمنكرات بآيات من كتاب الله تعالى؟!.

فقد وقفنا على فتاوى خاصة فيه تحرَّم ذلك الفعل القبيح ، وتحرم نشره، منها:

  1. قال الشيخ عبد الرحمن السحيم – عضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض – وفقه الله: أعوذ بالله من الخذلان، هذا استهزاء واستخفاف بِكلام الله جلّ جلاله، وهذا من اتِّخاذ آيات الله هزوًا، ولا يجوز نشر مثل هذا الباطل، ولا الرضا به، بل يجب إنكاره، والبراءة منه.

http://www.khayma.com/da3wah/341.html

  1. وقال الأستاذ أحمد مجيد الهنداوي – وفقه الله -:

هذا السؤال الذي قد تفضلتَ به فيه فائدةٌ أخرى، وهي: تحذير المسلمين مما يقع من جهلة الناس ومما يقع ممن لا علم له بحيث يستخدمون كلام الله استخدامًا لا يليق بجلاله ولا يليق بعظمته ولا يليق بتوقيره.

وأما عن حكم التكلم بالقرآن على هذه الصورة بأن يُنزَّل منزلة الكلام العادي: فهذا الفعل من المحرمات ولا يجوز أن يفعله المؤمن، بل إن فعله: فقد ارتكب ذنبًا عظيمًا وكبيرة من الكبائر؛ لأنه بذلك استخدم كلام الله جلَّ وعلا على غير النسق الذي أراده الله جلَّ وعلا، وعلى غير المعنى الذي أراد الله جل وعلا أن يبينه للعباد، فحوَّله وصرفه إلى هذه المعاني التي قد تكون معانٍ باطلة، وربما حملت معانٍ مرذولة، كما وقع في هذا السؤال عندما قال هذا العبد لهذه المرأة: ( وزيَّناها للناظرين)، فهو يقصد أنه نظر إلى هذه المرأة فرآها ذات حسن وجمالٍ وكأن الله جلَّ وعلا قد زيَّنها لينظر إليها الناس، فاستخدم الآية استخداماً قبيحًا، وكذلك لمَّا قال لها (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا )! فهذا استخدامٌ مرذولٌ، وطريقة بشعة في استنزال الآيات في مواضع لا تليق بها؛ فإن الآية إنما سيقت في بيان ما كان يطالب به بنو إسرائيل نبيهم عيسى – صلوات الله وسلامه عليه – في أن ينزل عليهم المائدة، كما قال الله جل وعلا على لسانهم: (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدينَ )، ومن المعلوم أن هذه المائدة التي أنزلت عليهم من أعظم الآيات التي أنزلها الله جل وعلا على عيسى، ولذلك فإنه حكم بأن من كفر بعدها فإنه سيعذبه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، كما قال تعالى: ( قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ  )، وأفرد الله هذه السورة الطويلة التي هي من طوال السور وسمَّاها بهذا الاسم العظيم وهو ” المائدة “.

فهذا الاستنزال لكلام الله جل وعلا قبيحٌ ومرذول، ولا يصح أن يكون في هذا الموضع؛ فإن هذا الاستخدام استخدام يدل على شيء من التهاون وشيء من قلة التعظيم لكتاب الله جل وعلا، وهذا بالجملة عملٌ محرم لا يصح أن يقع، نعم، قد يقع أن يكون هنالك استخدامٌ لكتاب الله جل وعلا في مواضعه الصحيحة، كأن يكون هنالك موقف من المواقف التي يصح أن تُورد الآية فيه موردًا سليمًا لا يدل على خلل ويورد أيضًا على مورد التعظيم ومورد الجد في الكلام كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى خيبر وقد خرج بجيشه المظفر لفتحها ولقتال اليهود، فلما رآها صلى الله عليه وسلم قال: ( الله أكبر .. الله أكبر .. خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ). والحديث أخرجه مالك في ” الموطأ “، والبخاري في ” صحيحه “.

ومع هذا: فالصواب: الجزم بالمنع بالاستخدام لمثل ما يقع الآن من استخدامٍ باطل وجعل هذا الاستخدام من علامات الفطنة والذكاء! بل وربما أجري في ذلك المسابقات وتقديم أصحابها على أنهم من الأذكياء وأن لديهم فهماً ومعرفة بكتاب الله عز وجل، فهذا من الجهل الفاضح ومن عدم المعرفة بما يليق بهذا الكتاب العزيز.

فالصواب: هو القطع بتحريم هذا الاستخدام وعدم الالتفات إلى هذه الأعمال التي يقوم بها جهلة الناس، فإن هذا الكتاب إنما أنزله الله جل وعلا ليتدبر وليحكم به وليكون حاكمًا مهيمنًا على الناس، وإذا أُوردت آياته فإنما تُورد على جهة التعظيم وجهة التعبد وجهة الاستدلال وتقرير الأحكام، فهذا هو الذي ورد لأجله كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )، وقال الله تعالى: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ).

ونسأل الله عز وجل أن يجزيك عن هذا السؤال خير الجزاء، وأن يجعلك من الذَّابين عن دينه المدافعين عن حرماته. وبالله التوفيق.

http://www.islamweb.net/consult/index.php?page=Details&id=269306

وعليه: فيجب تحذير المواقع الإلكترونية من نشر تلك القصة الباطلة وما تحويه من مخالفة للشرع ظاهرة، ويجب على المستطيع أن يُنكر على من نشر تلك القصة، ويطلب منه حذفها وتحذير الناس منها، مع بيان السبب الداعي لهذا، وإذا تطوع أحد فنشر جوابنا هذا في تلك المواقع – التي يكون مسجِّلًا فيها – فيكون قد أحسن غاية الإحسان، ويكون أبرأ ذمته.

 

والله أعلم.

هل يجوز للمرأة أن تعلِّم الرجال والنساء بصوتها في موقع خاص بها؟

هل يجوز للمرأة أن تعلِّم الرجال والنساء بصوتها في موقع خاص بها؟

السؤال:

أنا طالبة مولعة بتعلم لغات العالم، وقد وضعت ” مدونة ” خاصة بتعلم اللغة التي أتعلمها، فأضع دروسًا صوتية فيها – بصوتي الحقيقي – دون تكلف أو مزاح أو خضوع في القول، ومدة الدروس – غالبًا – خمس دقائق، المدونة يدخلها الكثير من الزوار من الفتيات والفتيان، ويدرسون تبعًا لدروسي، ومَن لديه سؤال يسأل عن طريق رسائل الإيميل أو عن طريق وضع سؤال في المكان المخصص للأسئلة، ولكن عارضني زوجي وقال لي: ” صوت المرأة عورة، ولا يجوز أن تعلِّم رجالًا “، مع العلم أنه لا تواصل مباشر بيني وبينهم أبدًا، وأغلبية زوار الموقع هن النساء.

– الكثير استفاد منها، من مبتعثين ومن يسكن في ” كوريا ” أو ممن يريد تعلم اللغة.

الحمد لله لم تصلني مضايقات من أحد أو كلام سيء أو بذيء من أحد الزوار، بل كلهم يشكرون ويدعون لي بالخير.

سؤالي:

هل شرعًا محرم على المرأة ذلك؟ وبماذا تنصحوني في هذه الحالة؟ وإذا كنتُ امرأة أحب أن أفيد غيري دون طلب لشهرة أو سمعة ماذا عليَّ أن أفعل؟ هل أُبقي طموحي ومهاراتي حبيسة نفسي؟ أم ماذا أفعل؟.

زوجي يريدني أن أغلق ” المدونة “، وسأغلقها امتثالا لأمره، ولكني أريد أن أعرف أمر الله تعالى في مثل هذا الأمر.

مدونتي هي: ” … “.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله تعالى أن يجمع بينك وبين زوجك على خير، وقد رأينا في رسالتك حب الخير والنفع للناس، ورأينا فيها الاستعداد للامتثال لحكم الشرع، ورأينا فيها تقديم طاعة الزوج على رغبات النفس، وهذه أمور جليلة عند اجتماعها في شخص واحد، ونحن نوصي زوجك بكِ خيرًا.

 

ثانيًا:

وقد رأينا في ” مدونتك ” مخالفات شرعية، فقد ظهر لنا فيها صورة امرأة متبرجة أثناء الدعاية لساعة يد، كما ظهر لنا صورتان لرجلين مرسومتان باليد، وكلاهما من المحرمات.

ثالثًا:

صوت المرأة ليس بعورة، وفي الوقت نفسه لم يشرع للمرأة أن تؤذِّن، ولا أن تصلي بالرجال، ولا أن تخطب الجمعة والعيدين، ولا أن تسبح إن أخطأ الإمام بل تصفق، وكل ذلك حفاظًا عليها – وعلى من يستمع لها – صيانة وبُعدًا لها عن الفتنة.

ويكون صوتها عورة إن هي تكلمت على مسمع من الرجال الأجانب عنها بخضوع وتغنج، وهنا تكون الحرمة في إظهار صوتها.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

صوت المرأة نفسه ليس بعورة لا يحرم سماعه إلا إذا كان فيه تكسر في الحديث وخضوع في القول، فيحرم منها ذلك لغير زوجها، ويحرم على الرجال سوى زوجها استماعه؛ لقوله تعالى: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) الأحزاب/ 32.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 202، 203 ).

وقد ذكرنا أن أصل صوت المرأة ليس بعورة مع نقولات عن أهل العلم وذلك في أجوبتنا الأخرى فلتنظر.

ومن خلال ما سمعناه في مدونتك تبين لنا أنه ليس ثمة تكسر ولا تغنج في كلامك، وأنتِ غير معلومة العين لأحدٍ من الداخلين لمدونتك، ولكن قلوب الناس ليست سواء، وفتن هذا الزمان قد عصفت بالنساء والرجال حتى إن أحدهم ليفتن بأقل شيء، ولذا لا نرى للمرأة أن تُسمع صوتها للرجال إلا لضرورة، وليس تعليم اللغات من هذه الضرورة.

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

المرأة موضع قضاء وطر الرجال، فهم يميلون إليها بدافع غريزة الشهوة، فإذا تغنجت في كلامها: زادت الفتنة، ولذلك أمر الله المؤمنين إذا سألوا النساء حاجة أو متاعا أن يسألوهن من وراء حجاب، فقال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) الأحزاب/ 53، ونهى النساء إذا خاطبن الرجال أن يخضعن بالقول؛ لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، فإذا كان هذا هو الشأن والمؤمنون في قوة إيمانهم وعزته: فكيف بهذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان وقل المتمسك بالدين.

فعليكِ عدم مخالطة الرجال الأجانب، وعدم التحدث معهم إلا في حاجة ضرورية، مع عدم الخضوع واللين في القول؛ للآية المذكورة.

وبهذا تعلمين أن الصوت المجرد والذي ليس معه خضوع ليس بعورة؛ لأن النساء كنَّ يكلمنَ النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألنه عن أمور دينهن، وهكذا كنَّ يكلمنَ الصحابة في حاجتهن، ولم ينكر ذلك عليهن.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 203، 204 ).

 

رابعًا:

وبما أن زوجك قد طلب منك التوقف عن التعليم الصوتي فنرى أنك تستجيبين له، وقد رأينا عندك الاستعداد لهذا الأمر، وهو فعل تُحمدين عليه.

ونحن هنا يمكن أن نقترح ما نجمع به بين رغبتيكما، وهو أن يكون نشاطك في التعليم موجَّهًا للنساء فقط، وثمة غرف صوتية خاصة بالنساء يمكنك أن تؤدي رسالتك في تعليمهن وإفادتهن دون أن يكون حرج من زوجك في سماع الرجال، وبذا يتحقق لك ما أردتِ، ويزول عن زوجك الحرج في ظهور صوتك للرجال.

 

وهذا مثال لموقع كتابي وصوتي موثوق خاص بالنساء:

http://www.t-elm.net/moltaqa/

والإسلام لا يقف في وجه المرأة التي تريد نفع الناس وفق الضوابط الشرعية، والزوج لا ينبغي له أن يتسلط في قراراته.

 

– وقد قلنا في آخر جواب آخر:

أنّه لا ينبغي للزوج أن يستغل هذا الحق في إيذاء مشاعر زوجته، ومصادرة رأيها، والتعنت في حرمانها من رغباتها، بل عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يحرص على مشاورة زوجته ومحاورتها، وتبيين الحكم الشرعي لها، وتوفير البدائل المباحة التي تسعدها، وتنمي قدراتها، وتحقق شيئا من رغباتها. انتهى.

وعن الشيخ العثيمين رحمه الله أن للمرأة أن تدعو إلى الله وتعلم بنات جنسها، وأن مجالات عملها هو مجامع النساء، ولتدع مجامع الرجال.

 

والله أعلم.

حكم تزيين جدران المساجد وتعليق صورة القدس – وغيرها – في قبلتها

حكم تزيين جدران المساجد وتعليق صورة القدس – وغيرها – في قبلتها

السؤال:

نحن – يا شيخ – نعيش فتنة كبيرة بسبب تعليق ” صورة القدس ” في القبلة للمسجد، نريد فتوى على ذلك، هل نعلقها أم لا؟ نريد فتوى شرعية تبين ذلك، نطلب من حضرتكم السرعة في الإجابة قبل هذه الجمعة إذا سمحتم في ذلك.

لا ننسى شكركم، والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز للمصلين أن يجعلوا للشيطان طريقًا إليهم ليفتنهم في أخوتهم واجتماعهم فيفرِّق بينهم ويجعلهم أعداءً بعضهم لبعض، وبيوت الله تعالى لم تبنَ لمثل تلك الاختلافات والنزاعات، وإنما بُنيت لذِكر الله وإقامة شعائر دينه، فالواجب على عقلاء المصلين أن لا يسمحوا بالفرقة أن تكون بين أهل المسجد وعليهم السعي لحل ما يعترض أخوتهم وائتلافهم بعرض المسائل على أهل العلم الثقات ليفصلوا في مسائل النزاع، وأن تبقى بيوت الله تعالى بعيدة عن الشقاق والنزاع.

 

ثانيًا:

وبخصوص تعليق صورة القدس – أو غيرها – في قبلة المسجد: فإننا لا نرى جواز ذلك، لا في القبلة وفي أي مكان آخر في المسجد، ويجب أن تُصان بيوت الله عن مشابهة الكنائس وبيوت العبادة عند الكفار حيث يحرصون على تلوين الجدران وتزيينها وتعليق الصور والتحف في أرجاء تلك البيوت.

وقد روى البخاري في صحيحه – معلَّقًا – ( 1 / 171 ) – عن عُمَر بن الخطاب لما أمر بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ النبوي َقَالَ: ” أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ “.

والتحمير والتصفير إنما يكون في الجدران، وهو من الزينة والزخرفة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ ).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ” لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى “.

رواه أبو داود ( 448 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

 

 

وهذه الزخرفة هي التي تكون داخل المساجد على الجدران، فتبين أن الصحابة الأجلاء قد نهوا عن زخرفة المساجد وتزيينها بالتلوين لجدرانها، وبالنقش في جدرانها، وغير ذلك من أنواع وأشكال الزخرفة، ولا شك أن تعليق الصور في جدران المساجد ووضع البراويز بالآيات المزخرفة هو من الزخرفة والتزيين المنهي عنه في كلام الصحابة الأجلاء، فلا يخرج حكم تزيين جدران المساجد عن كونه بدعة أو مشابهة لأهل الكتاب وكلاهما منهي عنه في الشرع المطهَّر، ويشتد المنع إذا كانت تلك الزينة في قبلة المسجد؛ لإشغالها المصلي عن التدبر والخشوع في صلاته.

 

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 217 ، 218 ):

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يكره زخرفة المسجد بذهب أو فضة، أو نقش، أو صبغ، أو كتابة أو غير ذلك مما يلهي المصلي عن صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أمرت بتشييد المساجد ) والتشييد: الطلاء بالشيد أي: الجص، قال ابن عباس: ” لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى “، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)- رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني -، وروى البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أمر ببناء مسجد وقال: ” أكنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس “، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ” إذا حلَّيتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدبار عليكم “؛ ولأن ذلك يلهي المصلي عن الصلاة بالنظر إليه فيخل بخشوعه، ولأن هذا من أشراط الساعة. انتهى.

 

وقال الشيخ حسام الدين عفانة – أستاذ الفقه والأصول في ” كلية الدعوة وأصول الدين ” جامعة ” القدس ” – وفقه الله – بعد أن ساق طائفة من الأدلة على منع تعليق الصور في المسجد -:

أرى أنه لا يجوز تعليق الصور مهما كانت في قبلة المسجد، وكذلك تعليق اللوحات سواء كانت لوحات قرآنية أو مجلات حائط أو نحوها في قبلة المسجد وأمام المصلين؛ لأنها بالتأكيد تشغلهم عن صلاتهم، وينبغي – بشكل عام – تنزيه المسجد عن مثل هذه الأمور، فالمساجد ليست معارض ولا متاحف لتعليق الصور أو اللوحات الفنية أو الزخرفات المختلفة.

” فتاوى حسام الدين عفانة ” ( 1 / 177 ) – ترقيم الشاملة -.

 

 

 

ثالثًا:

وليَعلم كل من تسبَّب في إشغال المصلين عن صلاتهم أن له نصيبًا من الإثم بسبب مخالفته لحكم الشرع، ولإشغال قلوب المصلين عن صلاتهم.

 

* قال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

وفِرقة أخرى ربما اكتسبت المال من الحلال وأنفقت على المساجد، وهي أيضا مغرورة من وجهين:

أحدهما:

الرياء وطلب الثناء؛ فإنه ربما يكون في جواره أو بلده فقراء وصرف المال إليهم أهم وأفضل وأولى من الصرف إلى بناء المساجد وزينتها، وإنما يخف عليهم الصرف إلى المساجد ليظهر ذلك بين الناس.

والثاني:

أنه يصرف إلى زخرفة المسجد وتزيينه بالنقوش التي هي منهي عنها وشاغلة قلوب المصلين ومختطفة أبصارهم، والمقصود من الصلاة: الخشوع وحضور القلب، وذلك يفسد قلوب المصلين، ويحبط ثوابهم بذلك، ووبال ذلك كله يرجع إليه، وهو مع ذلك يغتر به،  ويرى أنه من الخيرات، ويعدُّ ذلك وسيلة إلى الله تعالى، وهو مع ذلك قد تعرض لسخط الله تعالى، وهو يظن أنه مطيع له وممتثل لأمره وقد شوش قلوب عباد الله بما زخرفه من المسجد، وربما شوَّقهم به إلى زخارف الدنيا فيشتهون مثل ذلك في بيوتهم ويشتغلون بطلبه، ووبال ذلك كله في رقبته؛ إذ المسجد للتواضع ولحضور القلب مع الله تعالى. ” إحياء علوم الدين ” ( 3 / 408 ).

 

وكنَّا قد ذكرنا هذا الحكم بأدلته، وذكرنا معه المنع من كتابة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في قِبلة المسجد – وأولى أن يكون هذا حكم تعليق الصور في قبلة المسجد – وذلك في جواب آخر، وخلاصته: أننا لا نرى جواز تعليق الصور عمومًا في المساجد، ويقوى المنع إذا كانت معلَّقة في قِبلة المسجد.

ونسأل الله لكم التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يكون ما ذكرناه هنا كافيًا لقطع النزاع بينكم، وأن لا يتردد الإخوة في نزع تلك الصورة أو اتخاذ قرار بعدم تعليقها؛ استجابة لحكم الشرع العام بترك التنازع ونبذ الفُرقة، وحكمه الخاص في عين المسألة.

 

والله أعلم.

 

من أصيب بأمراض نتيجة معصية هل تكون له كفارة؟ وهل إذا تاب أُجر عليها؟

من أصيب بأمراض نتيجة معصية هل تكون له كفارة؟ وهل إذا تاب أُجر عليها؟

السؤال:

كنت أمارس العادة السرية منذ 11 سنة، بحيث سبَّبت لي مجموعة من الأمراض، والآن – والحمد لله – تُبت إلى الله، فهل استمرار الآلام التي أشعر بها مأجور عليها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الخير للمسلم العاصي أن تعجَّل له عقوبته في الدنيا بما يصيبه به ربه تعالى من أمراض ومصائب في ماله أو بدنه، وهذا خير له من تأخير ذلك لعقوبته بها في الآخرة.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). رواه الترمذي (2396) وحسنه ، وصححه الألباني في “صحيح الترمذي “.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير: عجَّل له العقوبة في الدنيا، إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .

المهم: أن تعجل له العقوبة؛ لأن العقوبات تكفِّر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة وكفَّر الله بها عن العبد: فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه حتى يخرج من الدنيا نقيًّا من الذنوب، وهذه نعمة؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.

لكن إذا أراد الله بعبده الشر: أمهل له واستدرجه وأدرَّ عليه النِّعَم ودفع عنه النقَم حتى يبطر ويفرح فرحًا مذموما بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته، فيعاقَب بها في الآخرة، نسأل الله العافية.

فإذا رأيت شخصًا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدرَّ عليه النعَم: فاعلم أن الله إنما أراد به شرًّا؛ لأن الله أخَّر عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة.

” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 258 ، 259 ).

ولا شك أن الأمراض التي أصابتك – أخي السائل – بسبب فعلك للعادة السيئة هي من باب العقوبات على تلك المعصية، فاعلم أولًا أن من الخير لك ما حصل معك من إصابتك بها، ومن هنا قال قال الحسن البصري رحمه الله: ” لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك – أي : هلاكك – “.

  1. ومن فوائد إصابة المذنب بالمصائب أنها تذكره بربه تعالى، فربما تُحدث له توبة ورجوع إلى ربه تعالى، وربَّما تجعل منه عبدًا صالحًا طائعًا يعوِّض ما فاته من حياته بالأعمال الصالحة.

قال تعالى ( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم/ 41.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها.

هذه المذكورة ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) أي: ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجَّل لهم نموذجًا من جزاء أعمالهم في الدنيا.

( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عن أعمالهم التي أثَّرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم، فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. ” تفسير السعدي ” ( ص 643 ).

  1. واعلم – أخي السائل – أن إصابتك بتلك الأمراض قبل التوبة إن لم يصاحبها تسخط على الله تعالى وعلى قدَره: فإنها تكون مكفِّرة لما فعلته من ذنوب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ). رواه مسلم ( 2574 ).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ). رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) – واللفظ له -.

ولفظ البخاري: ( إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ).

  1. والصحيح من أقوال العلماء أن المصائب على العبد المذنب هي عقوبات تكفر السيئات ولا ترفع الدرجات ولا يُثاب عليها؛ لأن الثواب ورفعة الدرجة إنما تكون على الأعمال والطاعات لا على فعل الرب تعالى المجرد، فإن صبر واحتسب: أٌجر على فعله لا على مجرد مصيبته التي أصابته – إلا أن تكون المصيبة بسبب طاعة كما سيأتي -، وهذا قول أجلة مِن الصحابة كأبي عبيدة وابن مسعود رضي الله عنهما، وأجلة من العلماء المحققين كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والدلائل على أن المصائب كفارات: كثيرة، إذا صبر عليها: أثيب على صبره، فالثواب والجزاء إنما يكون على العمل وهو الصبر وأما نفس المصيبة: فهي من فعل الله لا من فعل العبد، وهي من جزاء الله للعبد على ذنبه وتكفيره ذنبه بها، وفي المسند ” أنهم دخلوا على أبى عبيدة بن الجراح وهو مريض فذكروا أنه يؤجر على مرضه فقال: ” ما لي من الأجر ولا مثل هذه ولكن المصائب حطَّة ” فبيَّن لهم أبو عبيدة رضى الله عنه أن نفس المرض لا يؤجر عليه بل يكفر به عن خطاياه.

” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 30 / 363 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وذكر عن أبي معمر الازدى قال: كنَّا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ” ألا إن السقم لا يكتب له أجر فساءنا ذلك وكبر علينا ” فقال: ” ولكن يكفر به الخطيئة “، فسرَّنا ذلك وأعجَبَنا.

وهذا مِن كمال علمه وفقهه رضي الله عنه؛ فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما تولَّد منها، كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة ” التوبة ” في قوله في المباشر من الإنفاق وقطع الوادي ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُم ) وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) فالثواب مرتبط بهذين النوعين.

وأما الأسقام والمصائب: فإن ثوابها: تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال في المصائب ( كفَّر الله بها من خطاياه )، وكذا قوله ( المرض حطة ) فالطاعات ترفع الدرجات، والمصائب تحط السيئات، ولهذا قال ( من يرد الله به خيراً يصب منه ) وقال ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه.

” عدة الصابرين ” ( ص 69 ، 70 ).

  1. وهذه الذنوب التي تكفرها المصائب والأمراض التي تكون عقوبات: يُحتمل أنها تكفِّر جميع الذنوب، والجمهور على أنها تكفر الصغائر فحسب.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – بعد شرح طائفة من الأحاديث كحديث (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ) -: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك – غالبًا – من ألمٍ بسبب مرض أو همٍّ أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث بن مسعود ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة. ” فتح الباري ” ( 10 / 108 ).

  1. وهذه الأمراض التي أُصبت بها والآلام التي تشعر بها تؤجر عليها بعد التوبة إن شاء الله، فالتوبة رفعت العقوبة وجاءت بالمثوبة، وهذا ما ذكره أهل العلم في المصائب والأمراض التي تكون بسبب طاعة وعبادة، فهي تكون ابتلاء والحالة هذه، بخلاف تلك التي تكون قبل التوبة فإنها عقوبة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والذين يُؤذَوْن على الإيمان وطاعة الله ورسوله، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال، وهم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم المهاجرين الأولين: فهؤلاء يثابون على ما يُؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظة الكفار، وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فَعَلَه ويقوم به، لكنها متسببة عن فعله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة.

” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 124 ).

 

والخلاصة:

أن ما أصابك من أمراض نتيجة معصية العادة السيئة يكون كفارة لذنبك، وأن هذا التكفير لتلك السيئات مشروط بعدم تسخطك على ربك تعالى في ذلك الحين، وأنك تؤجر على ما تشعر به من آلام وما أنت فيه الآن من أمراض بعد توبتك، فالإصابة بالأمراض قبل التوبة تكفر السيئات من غير أجور ولا ثواب، وبعد التوبة تؤجر على أمراضك وآلامك.

ونسأل الله تعالى أن يتمَّ عليك نعَمه، وأن يشفيك ويعافيك، ويثبتك على التوبة وأن يوفقك للمزيد من الأعمال الصالحة.

 

والله أعلم.

 

 

مات ابنه الصغير بمرض في بطنه فهل يكون شهيدًا ويشفع لسبعين من أهله؟

مات ابنه الصغير بمرض في بطنه فهل يكون شهيدًا ويشفع لسبعين من أهله؟

السؤال:

مات ابني في سن الثالثة والنصف بسبب التهاب الصفاق والذي أصيب به نتيجة ثقب في الأمعاء، فهل يعتبر ابني شهيدًا؟ وإذا كان كذلك ففي كم من أهله يشفع؟ هناك معلومات قليلة عن موت الأطفال، والآن أسأل الله أن يلهمني الصبر، وأن يجمعني به في الجنة، ولكنني بعد موته بقليل وفي بدء المصيبة كنت أتساءل كثيرًا وأعارض موته، فهل يعاقبني الله؟ وأنا أعتقد أن في موته عقابًا لي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يكتب لك أجرًا جزيلًا على مصيبتك بفقدك ابنك، وأن يخلفك خيرًا منه، والمؤمن يقابل ما يصيبه من ضرَّاء بالصبر والاحتساب، فإن فعل ذلك: كتب له الأجر، وإن سخط واعترض على قدر الله تعالى: أثم، فنرجو الله أن يصبِّرك على مصيبتك، وأن يرزقك الاحتساب عليها، واعلم أن نعَم الله تعالى عليك أكثر من أن تحصيها عدًّا فأنت عاجز عن شكرها قطعًا، وقد أعطاك الله تعالى أكثر مما أخذ منك، وما أخذه فهو له ليس لك، ولو عقلت معنى قول المؤمن عند المصيبة ” إنا لله وإنا إليه راجعون “: لتبين لك الأمر على حقيقته، وأنك أنت وما تملك بل والسموات وما فيها والأرض وما فيها: كلها لله تعالى، فهو خالقها ومالكها والمتصرف فيها.

واعلم أن حزنك لن يُرجع لك ابنك، فعليك أن تسأل الله تعالى دومًا أن يصبِّرك، واحذر من السخط على قدر الله تعالى فهو منكر ومحرَّم وله صور تُخرج صاحبها من الإسلام.

وانظر في أجوبتنا الأخرى لتقف على أجر من توفي له ولد فصبر عليه، وفي حكم التسخط على قدر الله تعالى وبيان موقف المؤمن من الابتلاء، وبيان كيف يعرف المصاب إن كانت مصيبته عقوبة أو ابتلاء لرفع درجاته.

ثانيًا:

وقد أكرم الله تعالى هذه الأمة في ثواب الشهداء في الآخرة فلم يجعله لمن يُقتل في المعركة فحسب، بل وجعله للمطعون – المقتول بمرض الطاعون -، والمبطون – المقتول بداء في بطنه -، وللغريق، وصاحب الهدم، وغيرهم، وهؤلاء يغسَّلون ويكفنون ويصلَّى عليهم في الدنيا، ولهم ثواب الشهداء يوم القيامة.

وذكرنا في جواب سابق أن الميت بسبب تعطل الجهاز الهضمي أنه من ضمن الشهداء الذين ينطبق عليهم وصف ” المبطون “، وهو ما نرجو أن يكون ابنك منهم فيحصل ثواب الشهداء في الآخرة، فجمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الصبي المقتول في المعركة مع الكفار له حكم الشهداء في الدنيا وله ثوبه في الآخرة – وذلك على القول بأن الصغار ستكون أعمارهم في الجنة ثلاثًا وثلاثين سنة -.

قال الشافعي – رحمه الله -:

وإن قُتل صغير في معركة أو امرأة: صُنع بهما ما يُصنع بالشهداء، ولم يُغسلا ولم يصل عليهما، ومن قتل في المعترك بسلاح أو غيره أو وطء دابة أو غير ذلك مما يكون به الحتف: فحاله حال من قتل بالسلاح.

وخالفَنا في الصبي بعضُ الناس فقال: ” ليس كالشهيد “، وقال قولَنا بعضُ الصحابة، وقال: الصغير شهيد ولا ذنب له فهو أفضل من الكبير.

” الأم ” ( 1 / 268 ).

 

ثالثًا:

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خصالًا لشهيد المعركة منها أنه يشفع لسبعين من أهله، والذي نراه أن هذه الخصال لا يشترك فيها شهداء الآخرة معهم بها، بل هي للنوع الأعلى والأسمى وهم شهداء الدنيا والآخرة – وهو ما رجحناه في جواب سابق.

عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ ). رواه الترمذي ( 1663 ) وصححه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

من اتصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطي مثل أجر الشهيد.

وقال :

فإن درجة الشهادة شيء وأجر الشهادة شيء.

” فتح الباري ” ( 10 / 194 ).

 

وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر، وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، وهذا – أي: المقتول في معركة ضد البغاة – لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه؛ فإن الشيء إنما يقاس على مثله.

” المغني ” ( 10 / 57 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

والشهداء أقسام، لكن أفضلهم شهيد المعركة في سبيل الله عز وجل، ومنهم المطعون، الموت بالطاعون، والمبطون الذي يموت بالإسهال في البطن، وصاحب الهدم الذي يموت بالهدم، يسقط عليه جدار أو سقف، وفي حكمه من يموت بدهس السيارات، وانقلاب السيارات، وصدام السيارات، هذا من جنس الهدم، وكذلك الغرق، كل هذه أنواع من الشهادة، لكن أفضلهم: شهيد المعركة، وهو الذي لا يُغسل، ولا يصلَّى عليه، أما البقية: فيُغسلون ويصلَّى عليهم، وإن كانوا شهداء.

أما الشفاعة: فقد جاء الحديث الصحيح في شهيد المعركة إذا كان صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، هذا جاء في شهيد المعركة، أما غيرهم: فالله أعلم، لهم فضل، ولهم خير، ولكن كونهم يشفعون في كذا، وكونهم يغفر لهم كل شيء: هذا محل نظر، يحتاج إلى دليل خاص، لكن لهم فضل الشهادة

” فتاوى نور على الدرب ” ( 4 / 338 ، 339 )، وأصله: ( شريط 613 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حديث: ( الشهيد يشفع في سبعين من أهله ) هل المراد به شهيد المعركة؟.

فأجاب:

هذا في المقتول في سبيل الله، وأما غيرهم من الشهداء: فليس لهم شفاعة، ولا أظن – أيضًا – أن أرواحهم في جوف طير خضر.

” شرح صحيح مسلم ” كتاب الجهاد ( شريط رقم 13 ).

والفرق بين أرواح الشهداء وأرواح المؤمنين في البرزخ:

  1. أرواحَ الشهداء في أجواف طير خُضر، وأما أرواح المؤمنين فهي على صورة طير.
  2. أرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت, ثم ترجع إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأما أرواح المؤمنين فإنها تعلَق – أي: تأكل – في شجر الجنة، ولا تسرح في الجنة كأرواح الشهداء.

ولعله أن يُستنى من أنواع الشهداء ممن يشترك مع شهيد المعركة في المنزلة والثواب: الميت بالطاعون؛ لأن له جراحًا تشبه جراح المقتول في المعركة.

عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْ الطَّاعُونِ فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا فَيَقُولُ رَبُّنَا انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ. رواه النسائي ( 3164 ) ، وحسنه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 10 / 194 ).

وزاد أحمد ( 28 / 396 ) : ( فَيُلْحَقُونَ مَعَهُمْ ).

وروى أحمد ( 29 / 198 ) عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ نَحْنُ شُهَدَاءُ فَيُقَالُ انْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا رِيحَ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ. وحسنه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 10 / 194 ) وانظر هناك تفصيل المستحق للأجر ممن يموت بالطاعون.

 

رابعًا:

ومع ما سبق فإننا نبشرك أن أطفال المسلمين لهم شفاعة عند الله لوالديهم، فنرجو أن يقبل الله شفاعة ابنك بك وبأمه، وأن تدخلوا الجنة جميعًا.

عن أبي حسان قال: قلتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قالَ: نَعَمْ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ – أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ بِيَدِهِ – كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا، فَلَا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ. رواه مسلم ( 2635 ).

 

والله أعلم.

حقيقة ما يسمَّى “أم الصبيان” أو “القرينة” ومدى نفع الذبح في دفع الأذى عن الجنين

حقيقة ما يسمَّى “أم الصبيان” أو “القرينة” ومدى نفع الذبح في دفع الأذى عن الجنين

السؤال:

إذا كانت المرأة عندها قرينة – أم الصبيان – هل ذبح العقيقة يفيدها في رد القرينة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما يطلق عليه ” أم الصبيان ” أو ” القرينة ” ويعنون به: التابعة من الجن، والتي تتسلط على المرأة الحامل فتسقط لها حملها: هذا من خرافات العامَّة وأوهامهم، وليس له وجود في الواقع.

وقد يقع إسقاط الجنين من أمه الحامل به بسبب سحرٍ قدَّر الله له أن يقع،  فالسحر إذا قُصدت به المرأة وجنينها بعد تخلقه، أو قُصد به الجنين وحده، أو قُصد به المرأة لئلا تلد – وقدَّر الله تعالى وقوع ذلك -: فإنه يكون له تأثير على الجنين، سواء بعد تخلقه، أو لئلا يتخلَّق تخلُّقًا كاملًا ويُولد.

وأما ما يُطلق عليه ” أم الصبيان ” أو ” القرينة ” وهي التابعة من الجن: فلا أصل لذلك.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عن الحجاب، وعن ” أم الصبيان ” – لعلها تقصد الحجاب من أم الصبيان- وتقول: إنها قرأت كلامًا طويلًا عن ” أم الصبيان ” مروي عن سليمان عليه السلام، وترجو من سماحة الشيخ التوجيه، وهل لهذه المسميات تأثير على الإنسان؟.

فأجاب:

فهذه الأشياء التي يقولها الناس عن ” أم الصبيان “: كلها لا أصل لها، ولا تعتبر، وإنما هي من خرافات العامة، ويزعمون أنها جنية مع الصبيان، وهذا كله لا أصل له.

وهكذا ما ينسبون إلى سليمان: كله لا أساس له، ولا يعتب ، ولا يعتمد عليه، كل إنسان معه ملك وشيطان كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، كل إنسان معه قرين ليس خاصًّا بزيد ولا بعمرو، فمن أطاع الله واستقام على أمره: كفاه الله شر شيطانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: وأنت يا رسول الله معك شيطان؟ قال: ( نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم )، أما ” أم الصبيان “: فلا أساس لها، ولا صحة لهذا الخبر، ولهذا القول.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 594 ).

 

ثانيًا:

والمرأة التي تريد الحفاظ على جنينها في بطنها، أو بعد ولادته: فعليها بالرقية الشرعية وقاية وعلاجًا، وقاية قبل أن يصيبه مكروه، وعلاجًا إن أصابه مرض، ولا يجوز استعمال الحجب والتمائم.

 

* وفي تتمة جواب الشيخ ابن باز السابق قال – رحمه الله -:

فلا يجوز اتخاذ هذه الحجب لا مع الصبي ولا مع الصبية ولا مع المريض، ولكن يُقرأ عليه الرقى الجائزة، والرقى الممنوعة هي التي رقى مجهولة أو رقى فيها منكر، أما الرقى بالقرآن العظيم وبالدعوات الطيبة: فهي مشروعة كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي أمَّته ، وقد رقاه جبرائيل عليه الصلاة والسلام وقال: ( لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا ).

 

فكون الصبي يُقرأ عليه إذا أصابه مرض أو الصبية يقرأ عليه أبوه أو أمه أو غيرهما بالفاتحة، بآية الكرسي، ( قل هو الله أحد )، المعوذتين، بغير ذلك، يدعون له بالعافية أو على المرضى يقرأ عليهم ويدعى لهم بالعافية، أو على اللديغ – كما قرأ الصحابة على اللديغ فعافاه الله -: كل هذا لا بأس به، هذا مشروع.

 

أما أن يقرأ عليه برقى شيطانية لا يُعرف معناه، أو بأسماء شياطين، أو بدعوات مجهولة: هذا لا يجوز، وكذلك الحُجُب التي يسمونها ” الحروز “، وتسمَّى ” الجوامع ” – ولها أسماء -: هذه لا يجوز تعليقها ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعليق التمائم وقال: ( من تعلق تميمة فلا أتم الله ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له).

وهذا وعيد فيه التحذير من تعليق الحجب، والحلقات، وأشباه ذلك مما يعلقه الجهلة، أو الخيوط تعلق على المريض أو على غيره، كل ذلك ممنوع.

 

ولا يجوز تعليقه من أجل ما يدعون أنه ” أم الصبيان “، ولا غير ذلك، ولكن الإنسان يتحرز بما شرع الله، فقد شرع لنا تعوذات، فإذا أصبح الإنسان وقرأ آية الكرسي بعد فريضة الفجر وقرأ ( قل هو الله أحد )، والمعوذتين، ثلاث مرات: هذا من التعوذات الشرعية، وهكذا إذا قال: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) ثلاث مرات، صباحًا ومساءً: فهذا من التعوذات الشرعية ….

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 594 ).

 

 

 

ثالثًا:

وقد ورد ذِكر ” أم الصبيان ” في حديث فيه أن الأذان في أذُن المولود والإقامة في أذنه الأخرى تنفعه في أن لا يصاب بـ ” أم الصبيان ” \، والحديث موضوع لا يصح \، فلا يصلح الاستدلال به على إثبات ما يسمَّى ” أم الصبيان ” \، وليس فيه مشروعية الأذان مع الإقامة في أذن المولود \.

عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حُسَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وُلِدَ لَهُ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ ).

رواه أبو يعلى في ” المسند ” ( 12 / 150 ).

قال الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 321 ): موضوع.

 

رابعًا:

وأما الجواب عن عين السؤال: فإننا لم نفهم مقصوده على وجه التحديد، وعندنا له احتمالات ثلاثة:

الأول: أنه عن جواز ذبح شاة – مثلًا – دفعًا لأذى القرينة، أو ” أم الصبيان “، أو دفعًا لعموم الشرور، وجلبًا لعموم النفع.

الثاني: أنه عن جواز ذبح شاة صدقة على الفقراء والمحتاجين بنية جلب الخير للجنين ودفع الأذى عنه .

الثالث: أنه عن ذبح عقيقة عن المولود التي تنجبه تلك الأم.

فإن كان المقصود هو الأول: فلتعلم تلك المرأة أنه لا يحل لها أن تذبح شيئًا لدفع أذى الجن، أو علاجًا من السحر، فليس ذبح الشياه وقاية من أذى الجن، ولا هو علاج لمن أصابه مسٌّ أو صرع أو سحر، وهو ما يطلق عليه عند كثيرين ” الفدو “.

فإن كان المقصود هو الثاني: وهو أن تلك الأم تريد أن تذبح شاة بنية الصدقة لتوزيعها على الفقراء والمساكين راجية أن تنتفع بتلك الصدقة في أن يحفظ الله تعالى جنينها: ففعلها جائز، ولا يتعين الذبح، بل كل صدقة يُرجى أن تكون نافعة لصاحبها في جلب الخير له ودفع الشر عنه، ولتنو بفعلها أولاً التقرب إلى الله ثم ترجو الأمر الآخر، فهو أفضل وأكمل.

 

وإن كان المقصود بالسؤال هو الثالث: وهو ذبح عقيقة عن المولود في يوم سابعه: فهذا من السنَّة، ونرجو أن يكون تطبيق تلك السنَّة نافعًا لذلك المولود، فيحفظه ربُّه تعالى من شرور الإنس والجن، ويقدَّر له بسبب تلك العقيقة خيرٌ عظيم، وقد ذكر هذا – وغيره – من حِكَم تشريع ذبح العقيقة عن المولود – شاة للأنثة وشاتان للذكر -.

 

 

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وأما العقيقة عن المولود: فشُرعت شكرًا لله تعالى على نعمته على العبد بحصول الولد .

وضوعف الذَّكَر على الأنثى إظهارًا لمزيته؛ ولأن النعمة به أتم، والسرور به أوفر، وتفاؤلًا بأن هذه العقيقة فادية للمولود من أنواع الشرور، وإدلال على الكريم برجاء هذا المقصد، وتتميمًا لأخلاق المولود، كما في الحديث: ( كل مولود مرتهن بعقيقته ).

– قيل: مرتهن عن الشفاعة لوالديه.

– وقيل: مرتهن محبوس عن كماله حتى يعق له.

وحسبك من ذبيحة هذه ثمرتها.

فالعبد يسعى في تكميل ولده وتعليمه وتأديبه، ويبذل الأموال الطائلة في ذلك، وهذا من أبلغ الطرق إلى هذا التكميل، والله الموفق.

” إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأيسر الطرق والأسباب “( ص 92، 93) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.

 

 

مشكلة ” عدم الحياء ” وكيف يمكن التخلص منها وكيفية تحقيق خلق الحياء

مشكلة ” عدم الحياء ” وكيف يمكن التخلص منها وكيفية تحقيق خلق الحياء

السؤال:

أنا فتاة تعاني من مشكلة ” عدم الحياء “، وهذا أمر يزعجني كثيرًا ويشغل بالي، والسبب في ذلك: أني كنت من قبل فتاة ضالة، لم أكن أصلي ولا أقرأ القرآن ولا ذكر ولا ولا، وكان لي رفقة كان كل وقتنا يذهب في الحديث عن المطربين والمطربات أخبارهم وعن العلاقات مع الشباب ومشاهدة الأفلام المليئة بالمشاهد الساخنة، فترتب عن ذلك أن أصبحت فتاة شهوانية، ووسط كل هذا كان من الصعب عليَّ السيطرة على غريزتي، فكنت ألجأ إلى العادة السرية عن طريق الخيال الجنسي دون أن ألمس جسدي بشيء، كان الأمر يقتصر على الخيال فقط، ولم أكن أعرف خلالها أن هذا الفعل حرام، فكما تلاحظون إن العيش في هذه الظروف من الطبيعي ألا يكون لدي حياء، لكن الآن بعد أن منَّ الله عليَّ بالهداية واستقمت بدأت بالصلاة وحفظ القرآن وإشغال علاقتي بالله، لاحظت أن عدم الحياء لا يزال بداخلي أي أني يمكن لي أن أذهب إلى طبيب رجل ليفحصني ولو في أماكن خاصة من جسدي دون أن أشعر أن هذا الفعل حرام أو لا يجوز.

الخلاصة: أريد أن أكون فتاة حيية، كيف السبيل إلى ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن شكواك – أيتها الأخت السائلة – من عدم وجود الحياء في حياتك، وبحثك عن الوسائل التي تستطيعين تحقيق ذلك الخلق: ليدل – إن شاء الله – على صدق في الالتزام وحب في الانقياد لشرع الله تعالى، فالمعاناة هذه لم تصدر منن فراغ، بل هي دالة – إن شاء الله – على خير دفين تستطيعين – بإذن الله – إخراجه ليكون درة في يديك وتاجًا على رأسك.

 

ثانيًا:

واعلمي – أيتها الأخت السائلة – أن الحياء نوعان: منه ما هو جِبلِّي غرسه الله تعالى في نفوس أصحابه، ومنه ما هو مُكتسب يستطيع المرء تحصيله وتحقيقه، ولولا وجود هذا النوع الثاني لما رأيتِ الشرع حثَّ على الحياء، ولما ذكر فضائله وثوابه.

 

 

 

ثالثًا:

وتستطيعين – بإذن الله – تحقيق خلق الحياء في حياتك إذا استطعتِ تحقيق ما نوصيك به وما ندلك عليه، ومن ذلك:

  1. تقوية الإيمان بالله تعالى، فكلما قوي إيمانك ازداد حياؤك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ). رواه البخاري ( 24 ) ومسلم ( 36 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسمِّي إيمانًا كما يُسمَّى الشيء باسم ما قام مقامه.

” فتح الباري ” ( 1 / 74 ).

  1. استشعار نِعَم الله تعالى الجليلة عليك، فمن شأن التفكر في تلك النعَم أن يولِّد حياء من الله عظيمًا أن يكون منك مثل تلك الأفعال المناقضة للحياء، فهل يُشكر الله بما وهبه لك من نعمة الجمال أن تعرضيه على الأجانب؟! وهل من شكر نعمة الصحة والعافية في البدن أن يُكشف على رجل أجنبي؟! والمسلم مقصِّر أصلًا في شكر نعَم الله تعالى عليه، وهو يعجز عن إحصائها فكيف له أن يشكرها؟! فهل يصلح أن يكون مع هذا التقصير في الشكر شيء من المعاصي التي نهاه ربُّه تعالى عنها؟.

قال الجنيد – رحمه الله -:

الحياء: رؤية الآلاء، ورؤية التّقصير فيتولّد بينهما حالة تسمّى: الحياء.

– انظر: ” مدارج السالكين ” ( 2 / 259 ، 260 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد يتولد الحياء مِن الله مِن مطالعة النِّعَم، فيستحيي العبدُ مِن الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 51 ).

  1. استشعار مراقبة أحدٍ من النَّاس ممن ترين فيهم الصلاح والتقوى عند فعل أي شيء يخدش الحياء أو يناقضه.

عَنْ سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: ( أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ).

رواه الإمام أحمد في ” الزهد ” ( 46 )، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” (741).

 

 

  1. اتخاذ القدوة الصالحة فيمن حقق خلق الحياء، ومصاحبة الخيِّرات الحييات من النساء.

ويكفيك قدوتان: أحدهما من الرجال! والآخر من النساء:

القدوة الأولى: هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: ” كَانَ النَّبيُّ صلَّى الله عَلَيهِ وسلَّم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ – أي: البكر – في خِدْرِهَا “.

رواه البخاري ( 5751 ) ومسلم ( 2320 ).

والقدوة الثانية: ابنة الرجل الصالح في ” مَدْين “.

قال تعالى – واصفًا مشيتها لما جاءت لموسى عليه السلام -: ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) القصص/ 25.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: كانت مستتَرة بكُم دِرْعها.

وقال ابن أبي حاتم: … : قال عمر رضي الله عنه: ” جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَع خَرَّاجة ولاَّجة ” هذا إسناد صحيح.

قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجَسور، ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النُّوق: الشديدة. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 228 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهذا يدل على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإنَّ الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء. ” تفسير السعدي ” ( ص 614 ).

وفي صحبة الحييات من النساء قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير.

” مدارج السالكين ” ( 2 / 260 ).

  1. تذكر القبر واليوم الآخر والحشر والصراط، فإن المسلم إذا علم أن حاله سيصير إلى دنيا أخرى يحاسبه ربه تعالى على ما فعل في دنياه: منعه ذلك من اقتراف السيئات، ودفعه ذلك إلى تحقيق خلق الحياء من ربِّه تعالى.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ” الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ: تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ) رواه الترمذي ( 2458 ) مرفوعاً للنبي صلى الله عليه، والأصح أنه موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه.

  1. التفكر في أسماء الله التي من معانيها مراقبة العبد ورؤيته له واطلاعه على أحواله، كأسمائه تعالى: الشهيد، والرقيب، والعليم، والبصير.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

العبد متى علِم أنَّ الرب تعالى ناظر إليه: أورثه هذا العلم حياءً منه يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 264 ).

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد قال بعض السلف: خفِ الله على قدْر قُدرته عليك، واستحي منه على قدْر قُربه منك. ” فتح الباري ” ( 1 / 75 ).

قال حاتم الأصم – رحمه الله -:

تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملتَ: فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمتَ: فاذكر سمع الله منك، وإذا سكتَّ: فاذكر علم الله فيك.

” سير أعلام النبلاء ” ( 11 / 485 ).

وفيما ذكرناه كفاية، والمطلوب منك الآن أن تبدئي بعلاج نفسك وتهذيبها وتحقيق ما ذكرناه لك من الوصايا، وسترين أثر ذلك على نفسك وفي حياتك، ونسأل الله تعالى أن يعجِّل لك الخير.

 

والله أعلم.