الرئيسية بلوق الصفحة 45

أوجه الاستفادة مما في كتب الأديان والمذاهب الباطلة

أوجه الاستفادة مما في كتب الأديان والمذاهب الباطلة

السؤال:

هل يجوز الاستدلال من كتب أهل الديانات الأخرى – مثل الهندوسية – لإثبات صحة بعض المسائل الإسلامية؟ فإن بعض الناس يقول: إن ذلك ليس من الهدي النبوي في الدعوة، ولكن ألم يستخدم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مطلقًا في حياته؟ وهل يمكننا أن نسميها بدعة إن لم تكن سنّة؟ وماذا عن ابن تيمية؟ ألم يكتب كتابًا سمّاه:” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح “؟ هل ما فعله خطأ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مسائل الشرع في ديننا لا تثبت إلا بالقرآن والسنَّة، وقد كمل الدين وتمت النعمة، قال تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) المائدة/ 3، وليس ثمة باب في الشرع يحتاج لاستدلال من خارج الوحيين، فلا مصدر نثبت به شيئًا من الشرع – ولو مسألة واحدة – من غير القرآن والسنَّة، وهما المصدران اللذان أُمرنا باتباعهما لا غير، وجاء الوعيد في مخالفة ما فيهما من أوامر، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) النساء/ 59، وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا ) الأحزاب/ 36.

* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” أصل جامع ”

في الاعتصام بكتاب الله، ووجوب اتباعه، وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج إليه الناس من دينهم، وأن النجاة والسعادة في اتباعه، والشقاء في مخالفته، وما دل عليه من اتباع السنَّة والجماعة. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 76 ).

* وقال – رحمه الله -:

فصل:

في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن جميع الدين أصوله وفروعه؛ باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل: كان أولى بالحق علمًا وعملًا.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 155، 156 ).

 

 

ثانيًا:

ولا يشك مسلم أن التوراة والإنجيل قد أصابهما التحريف في الألفاظ والمعاني، وهي كتب لأديان سماوية في أصلها، وقد استغنى المسلمون بما عندهم من القرآن والسنَّة عنهما وعن غيرهما من الكتب والأديان قبل الإسلام والقرآن، قال تعالى ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت/ 51.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الكتب السماوية السابقة وقع فيها كثير من التحريف والزيادة والنقص كما ذكر الله ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقدم على قراءتها والاطلاع عليها إلا إذا كان من الراسخين في العلم ويريد بيان ما ورد فيها من التحريفات والتضارب بينها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة “( 3 / 433، 434 ).

فإذا كان هذا هو حال تلك الكتب، وذاك هو حكم النظر فيها والاطلاع عليها: فكيف يمكن لمسلم أن يتطلع للاستفادة من كتب لأديان أرضية كالهندوسية وغيرها؟!.

 

ثالثًا:

وثمة أمر مهم نختم به التعليق على السؤال وهو أنه لا مانع من أن ينظر العالِم في كتب الأديان المحرَّفة والمذاهب الباطلة لأمور:

  1. ليثبت تناقضهم فيرد عليهم بها.
  2. كما لا مانع من الاستفادة منها في الرد على مخالفين أٌخر للشرع المطهَّر، إما ممن يعظمهم أولئك المخالفون أو ممن أقاموا عليهم الحجة وبيَّنوا تناقضهم.

أما أن يستفاد منها لإثبات مسألة في الشرع المطهَّر: فلا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإني كنت دائمًا أعلم أن ” المنطق اليوناني ” لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئًا، ولما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، فذكرت له بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل، واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة، ولم يكن ذلك من همتي؛ لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في ” الإلهيات “، وتبيَّن لي أن كثيرًا مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات.

” مجموع الفتاوى ” ( 9 / 82 ).

 

* وقال – رحمه الله – في سياق نقده لكتب أهل البدع -:

ويكون كل ما ذكروه أقوالاً فاسدة مخالفة للشرع والعقل، والقول الذي جاء به الرسول – وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح العقول – لا يعرفونه، ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم حائرًا ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على بعض علمه ببطلان تلك المقالات كلها!.

وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة متقدميهم ومتأخريهم، إلى كتب الرازي، والآمدي، ونحوهما. ” درء تعارض العقل والنقل ” ( 5 / 3 ).

 

رابعًا:

وكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” فيه نقض للتثليث وبين لتناقض كتبهم وإثبات لتحريفه، وليس فيه استدلال بما فيه لإثبات مسائل في الشرع عندنا إلا أن يكون شيء موافقًا لما عندنا فيقول شيخ الإسلام إن هذا مما لم تناله يد التحريف، لكن لا تُثبت به شريعة عندنا البتة.

وقد احتوى كتابه على مسائل جليلة متنوعة، وعلى علوم مختلفة نافعة، ومنها:

  1. مسائل في العقيدة وتوحيد الألوهية والأسماء والصفات.
  2. فيه رد على تعظيم الموتى وبيان لبدع القبور، وفي ثنايا ذلك ردَّ على الرافضة والصوفية القبورية.
  3. فيه إثبات النبوة، وبيان آيات الأنبياء، مما يطلق عليه ” دلائل النبوة “.
  4. وفيه نبذ ومسائل من علم التفسير والحديث علم النفس والاجتماع، وفيه بيان لمسائل فقهية دقيقة.
  5. وفي الكتاب نقض المنطق ولضلالات الفلاسفة.

 

وكل ما سبق – وغيره كثير – لم يكن مؤثرًا في المسائل التي وُضع الكتاب من أجلها، وهو نقض دين النصارى، وبيان تناقضه، وإثبات تحريف كتابهم.

 

فكتاب ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” روضة غنَّاء وبستان زاهر فيه من العلم والفائدة ما يستحق أن يُقرأ ويُترجم.

 

والله أعلم.

 

” مدارج السالكين ” لابن القيم : أصل الكتاب واسمه ومنهجه فيه والملاحظات عليه

” مدارج السالكين ” لابن القيم : أصل الكتاب واسمه ومنهجه فيه والملاحظات عليه

السؤال:

ما هو منهج الإمام ابن القيم في كتابه ” مدارج السالكين “؟ وهل هناك ملاحظات على هذا الكتاب؟ وبما تنصحون قارءها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أصل كتاب ” مدارج السالكين “:

هذا الكتاب شرح وتعليق على مواطن من كتاب الإمام أبي إسماعيل الهروي – توفي 481 هـ – المسمَّى ” منازل السائرين “، وهو كتاب في أحوال السلوك وطريق السير إلى الله، ألفه بعد أن سأله جماعة من أهل ” هراة ” عن رغبتهم في الوقوف على منازل السائرين إلى الله، فأجابهم في ذلك، وجعله مائة مقام مقسومة على عشرة أقسام كل منها يحتوي على عشر مقامات.

 

ثانيًا:

اسم كتاب ” مدارج السالكين “:

لم يسمِّ ابن القيم كتابه هذا سواء في مقدمته، أو في أي من كتبه الأخرى، لذلك تعددت تسميات الكتاب ، فمنها: ” مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين “، ومنها: ” مدارج السالكين في شرح منازل السائرين “، ومنها: ” مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين “، ومنها: ” مدارج السالكين في منازل السائرين “، والتسمية الثانية هي أرجحها، – ويميل الشيخ بكر أبو زيد إلى الاسم الثالث ” -.

 

ثالثًا:

تاريخ تأليف الكتاب:

لم يرد تأريخ لتأليف هذا الكتاب، ولم ينص المؤلف على ذلك في آخر كتابه، ولكن يمكن أن نحاول أن نعرف تأريخ تأليفه من خلال المعطيات، ومنها:

  1. أن ابن القيم رحمه الله ألَّف هذا الكتاب بعد وفاة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهناك مواضع كثيرة يقول فيها: ” قال ابن تيمية رحمه الله “، ومن تلك المواطن – والإحالة على طبعة الفقي – ( 1 / 39 )، ( 2 / 313، 332، 360، 384 ) وغيرها.
  2. كتاب ” مدارج السالكين ” هو آخر – من أواخر – ما كتبه ابن القيم من كتبه، في أواخر حياته؛ لإحالته على كتب له متأخرة التصنيف، ولأنه لم يذكر كتابه ” المدارج ” في أي كتاب من كتبه، كما ذكر ذلك مَن ترجم له مثل الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه ” ابن القيم: حياته، آثاره، موارده ” ( ص 295 ).

 

رابعًا:

لمحات عن منهج المؤلف في الكتاب:

  1. لم يلتزم في شرحه لكتاب الهروي ترتيب الكتاب، بل يقدم بعض الجمل، ويؤخر أخرى، كشرحه لكلام الهروي في ” القصد ” الذي جعله الهروي في الباب الحادي والأربعين، فجعلها ابن القيم بعد منزلة ” البصيرة ” أول المنازل التي شرحها، وكتقديم ابن القيم منزلة ” المحاسبة ” على منزلة ” التوبة ” مخالفاً بذلك ترتيب الهروي.
  2. لم يكن ابن القيم في كتابه مجرد شارح لكلام الهروي يتناوله بالتفسير، بل كانت شخصيته واضحة أثناء شرحه، وكأنه اتخذ من شرحه لكتاب الهروي مناسبة ملائمة لبيان آرائه هو، كما فعل في مقدمة كتابه في الكلام على سورة الفاتحة وجعلها بداية منطلقه في الكلام على منازل السائرين إلى الله، بل إن ابن القيم لم يصرح في كتابه ” المدارج ” أنه ألفه بقصد شرح كتاب الهروي.
  3. لم يلتزم ابن القيم رحمه الله بشرح جميع جُمَل الكتاب، وإنما كان يختار بعض الفِقر فيسوقها كاملة، أو يختصرها، ثم يقوم بشرحها، بل أول ما عُني بشرحه من كتاب الهروي هو منزلة ” البصيرة “، تاركًا جملة من الكتاب لم يشرحها.
  4. يتميز كتاب الهروي في بعض مواطنه بالعبارات الغامضة، وكان ابن القيم مدركًا لذلك فتجده يقول مثلا ” كلام فيه قلق، وتعقيد، وهو باللغز أشبه منه بالبيان “، ومع ذلك فقد شرح كثيرًا من عبارات الكتاب الغامضة.
  5. أولى ابن القيم النصوص المجملة من كتاب الهروي عناية خاصة؛ لما يعلم من تسلط بعض أهل الفلسفة والحلـول على هذه الجمَل وشرْحها بما يوافق مذهبهم.
  6. يمتاز أسلوب ابن القيم بالبسط والإطناب في شرحه لما يريد، وهذه عادة عند المؤلف في كتبه غالبًا.
  7. لم يكن دفاع ابن القيم عن الهروي ضد خصومه يعني الموافقة المطلقة له على آرائه، أو المتابعة الكاملة له، فقد وجد في آرائه ما تجب مخالفته فيه، ولكنه كان حريصًا على تقديره وتبجيله، من ذلك عندما علق على خطأ في كلام الهروي فقال ” شيخ الإسلام – أي: الهروي – حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك …. “، بل إنه في بعض الأحيان يرفض ما يذكره الهروي من أن هذه المنزلة من منازل السائرين إلى الله، أو أن هذه المنزلة من منازل العامة، كما فعل الهروي في منزلة ” التوبة “، و ” الإنصاف “، و ” الرجاء “، و ” الشكر “.
  8. أكثر ابن القيم في كتابه من ذكر شيخه ابن تيمية رحمه الله، مما جعل الكتاب مصدرًا مهمًا لمعرفة كثير من آراء الشيخ واختياراته العلمية، بل وسيرة حياته.
  9. وقد امتاز الكتاب – وهذه من أهم مزاياه – بكلام هذا الإمام فيما يتعلق بتهذيب النفوس وأعمال القلوب، وهو كلام من قد خالطت هذه المعاني الإيمانية سويداء قلبه، فقام بترجمتها في هذا المؤلَّف، وكان كلام ابن القيم في هذه الجوانب كلامًا عظيمًا قلَّ من يأتي بمثله فضلًا عن أفضل منه، خاصة وقد عرفنا أنه ألَّفه في أواخر حياته بعد أن رسخت قدمه في العلم.

 

خامسًا:

ملاحظات على كتاب ” مدارج السالكين “:

أ. من أوائل من ذكر مؤاخذات على كتاب ابن القيم: محقق أشهر طبعاته الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله بل إنه – رحمه الله – قد قسى على الإمام ابن القيم في بعض المواضع من طبعته للكتاب، وغالب ذلك يعود إلى كلام ابن القيم في مصطلحات التصوف والتعليق على كلام بعض المتصوفة التي ذكرها ابن القيم في كتابه، وقد رد على الفقي في تعليقاته على المدارج الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد في كتابه ” أضواء المسارج على جور التعليقات على المدارج “.

ب. وممن كتب ملاحظات جيدة ومعتدلة على كتاب المدارج الدكتور عبد الحميد مدكور في مقدمة تحقيقه للجزء الثاني من الكتاب ونذكرها هنا – بتصرف -.

  1. الوقوع في التكرار أحيانًا، ومن أمثلة ذلك حديثه عن الشوق وعلاقته باللقاء، وهل يزول الشوق عنده أو لا، وكذا المفاضلة بين التصوف والفقر، وكان من أهم ما وقع التكرار فيه: ما تحدث به عن ” الفناء “، وقد تكرر في حديثه عند شرحه لنصوص الهروي لأقسام الفناء ودرجاته، وقد كان من الممكن الاستغناء بإحدى المرتين عن الأخرى، لا سيما وقد استمر الحديث صفحات عديدة في كل منهما.
  2. وربما تحدث ابن القيم عن بعض المسائل بإيجاز أحيانًا لكنه يعود فيفصلها على نحو أوفى، ومن ذلك حديثه عن العلاقة بين العلم والمعرفة عند الصوفية، أو حديثه عن الجمع ومراتبه، وقد قال في المرة الثانية: ” وقد تقدم ذكر الجمع ولم يحصل به الشفاء ونحن – الآن – ذاكرون حقيقته وأقسامه، والصحيح منه والمعلول “.
  3. وقد يضطرب تقسيمه للشيء، فيجعله قسمين أحيانًا؛ ويجعله ثلاثة أقسام أحيانًا أخرى مع أن مناط التقسيم أو أساسه واحد، ومن ذلك أنه قسم الفراسة إلى قسمين: فراسة إيمانية، وفراسة تتعلق بالجوع والسهر والخلوة والرياضات، وقد عاد فقسمها هي نفسها إلى ثلاثة أقسام أضاف فيها إلى القسمين السابقين ما سماه الفراسة الْخِلْقية التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، وقد أورد الأقسام الثلاثة موجزة ثم شرحها.
  4. وقد يقسم الشيء إلى أقسام يبدأ في الحديث عنها فيتحدث عن بعضها، وينسى بعضها، ومن ذلك أنه ذكر أن آراء الناس في إثبات المحبة ونفيها أربعة أقسام، ولم يذكر من هذه الآراء إلا رأيين.
  5. وقد يقوم ابن القيم ببعض الإحصاءات ثم يتبين عدم الدقة فيها، ومن ذلك: أنه احتج على رفعة مقام التوكل بأن الله عز وجل قد أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في أربعة مواضع، على حين أنها تسعة لا أربعة.

ومن ذلك: أنه قال – وهو في سياق بيانه لمعنى الفقر وحقيقته – عند الصوفية إن لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاثة مواضع، وهذا غير صحيح؛ لأن لفظ ” الفقر ” لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في الآية ( 268 ) من سورة البقرة، ويلاحظ أنه أكد كلامه بذكر ثلاث من الآيات التي ورد فيها لفظ الفقراء لا الفقر، فإن كان مقصده الحديث عن لفظ الفقراء: فقد ورد اللفظ في القرآن سبع مرات لا ثلاثًا كما قال.

وأخيرًا:

ولئن وقع شيء من هذه الهنات في مثل هذا الكتاب الضخم الكبير: فإن ذلك لا يقلِّل من فضائله، ولا يضعف من مزاياه، ولقد سبق ابن القيم إلى الاعتذار عما يمكن أن يكون قد سبق به قلمه، أو انتهى إليه فهمه، فقال في أواخر كتابه: ” وما وجدتَ فيه من خطأ: فإن قائله لم يأل جهد الإصابة، ويأبى الله إلا أن ينفرد بالكمال … “.

انتهى مختصرًا من تقرير أعده موقع ” ثمرات المطابع “، ويمكن الاطلاع عليه كاملًا هنا:

http://ahlalhdeeth.com/vb/attachment.php?attachmentid=37993&d=1144058898

 

سادسًا:

شهادات بعض العلماء في الكتاب:

ونزيد هنا فنذكر بعض أقوال أهل العلم في كتاب ابن القيم ” مدارج السالكين “:

  1. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل لكم ملحوظات على كتاب ” مدارج السالكين ” لابن القيم؟.

فأجاب:

ابن القيم رحمه الله أكبر من أن يكون لي وأمثالي ملاحظات عليه، وإن كان غير معصوم، لكن الكتاب – كما تعرف – هو شرح لـ ” منازل السائرين “، وأصل الكتاب المشروح فيه بعض الملاحظات، ففيه ما يومئ إلى شيء كبير في الدِّين، وإن كان ابن القيم رحمه الله اعتذر عنه، وبيَّن أنه بريء مما يتبادر من كلامه.

وما من إنسان إلا ويؤخذ من قوله ويُترك، وأنا ما قرأت الكتاب من أوله إلى آخره، لكن أقرأ بعض المواضع منه؛ لأن بعض المواضع لا يمكن أن تجدها في كتاب، وبعض الهفوات لا أحد يسلم منها.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 132 / السؤال رقم 9 ).

  1. وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:

” مدارج السالكين ” كتاب مفيد في أدواء القلوب، ولا يسلم من ملاحظات يسيرة، لكنه كتاب نافع، علَّق عليه الشيخ ” حامد الفقي ” ، وشدد في العبارة أحيانًا على ابن القيم بكلام لا ينبغي أن يقال في جانبه.

المقصود: أن ابن القيم ليس بمعصوم، وحاول – رحمه الله – أن يقرب الكتاب الأصل المشروح ويدنيه لطلاب العلم ويتكلم على ما فيه من ملاحظات، ولم يسلم – رحمة الله عليه -.

والكتاب نفيس، والأشياء التي تلاحظ على الكتاب مغمورة في بحار ما فيه من علم جم.

طبعه الشيخ محمد رشيد رضا بمطبعة المنار، ثم طبعه الشيخ محمد حامد الفقي بمطبعة أنصار السنة المحمدية.

انتهى من موقع الشيخ.

http://www.khudheir.com/text/108

  1. وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

” مدارج السالكين ” من الكتب الكبيرة المهمة للعلامة شمس الدين بن القيم رحمه الله، شرَح به كتابًا مختصرًا لشيخ الإسلام الهروي اسمه ” منازل السائرين إلى الله “، وهي مراتب في المقامات والأحوال عند أهل التصوف، شيخ الإسلام الهروي كان حنبليًّا؛ ولكنه ربما تأثر بالطرق الصوفية وشارك القشيري والجويني وجماعة ومثل هؤلاء المقامات والأحوال والتعاريف لها.

هذا الكتاب الذي هو ” منازل السائرين ” اعتنى به الصوفية وحوَّلوه إلى أشياء من ” وحدة الوجود ” وأشياء تخالف هدي السلف، فأراد ابن القيم – وقد كان في فترة من حياته متأثرًا بالقوم بعض التأثر – أراد ابن القيم رحمه الله أن يكتب كتابًا سلفيًّا في السلوك، يهدي به المتصوفة، ويكون أيضا سبيلًا لأهل السنَّة للاطلاع على السلوك والسلفية …. ” منازل السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين “.

الكتاب في أكثره يمكن أن يُفهم ويوجَّه على منهج السلف، وفي بعضه أشياء لا توافِق منهج السلف ولا تربية السلف إلا على ضرب من التأويل يصعب، مثل الكلام على منزلة ” البرق “، ومنزلة ” الصعق “، ومنزلة كذا وكذا، ومثل الكلام على ” الفناء “، وأشباه ذلك مما لا يفهمه كل أحد، حتى إنه في أثنائه ذكر أشياء ربما اعترض عليها بعض العلماء، لكن ابن القيم له وجهته في ذلك ووجهته صحيحة، وأراد به هداية الطائفتين يعني الصوفية يهتدوا إلى منهج السلف، ويريد ممن يكونوا على منهاج السلف أن يكون عنده سلوك شرعي، يعني: عنده زهد، عنده عبادة، عنده رعاية لمقامات القلوب وأحوال القلوب والإيمان والعمل الصالح وما أمر الله جل وعلا به من منازل العبادة.

” مسائل في طلب العلم ” ( 4 / 15 ) – ترقيم الشاملة -.

 

ونوصي قارئ الكتاب بالحرص على نسخة محققة المتن والأحاديث، ونوصيه بالحرص على استماع شرح هذا الكتاب صوتيًّا من الشيخ محمد حسين يعقوب، وهو متوفر في كثير من المواقع الإلكترونية.

 

والله أعلم.

 

 

هل يجوز للبالغ من الرجال أن ينام مع والدته في فراش واحد؟!

هل يجوز للبالغ من الرجال أن ينام مع والدته في فراش واحد؟!

السؤال:

أبلغ من العمر 19 عاما، وأريد أن أعرف: هل يجوز أن أضطجع مع أمي على نفس الفراش بالليل؟ وسؤالي لأنني قد بلغت 19 عاما وتجاوزت سن البلوغ.

 

الجواب:

الحمد لله

عمدة جواب هذه المسألة هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ).

رواه أبو داود ( 495 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ويشمل هذا التفريق جميع الأولاد: ذكورا مع ذكور ومع إناث، وإناثا مع إناث ومع ذكور.

وإذا كان التفريق بينهم واجبا وهم في هذا السن: فما بعده أشد؛ لاشتداد الشهوة، والحديث فيه رد على من قال إنه لا شهوة بين المحارم، وهو ما دفع بعض العلماء لتجويز نوم البالغ مع أمه أو مع أبيه، والصواب بخلاف ذلك، ومن تأمل حال زماننا لم يشك لحظة أن الصواب في المنع، وأن الحديث يشمل نوم الابن البالغ مع أمه ومع أبيه، ونوم البنت البالغة مع أمها ومع أبيها.

* قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

وفي ” البزازية “: ” إذا بلغ الصبي عشرا: لا ينام مع أمه وأخته وامرأة إلا بامرأته أو جاريته ا.هـ.

فالمراد: التفريق بينهما عند النوم؛ خوفا من الوقوع في المحذور؛ فإن الولد إذا بلغ عشرا: عقل الجماع، ولا ديانة له ترده، فربما وقع على أخته أو أمه، فإن النوم وقت راحة، مهيج للشهوة، وترتفع فيه الثياب عن العورة من الفريقين فيؤدي إلى المحظور وإلى المضاجعة المحرمة خصوصا في أبناء هذا الزمان! فإنهم يعرفون الفسق أكثر من الكبار!. ” حاشية ابن عابدين ” ( 6 / 382 ) وقد توفي ابن عابدين عام 1252 هـ.

* وقال النووي – رحمه الله -:

لا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل ولا المرأة المرأة وإن كان  واحد في جانب من الفراش وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين وجب التفريق بينه وبين أمه وأبيه وأخته وأخيه في المضجع. ” روضة الطالبين ” ( 7 / 28 ).

 

 

وفي ” الفواكه الدواني ” للنفراوي المالكي ( 2 / 312 ):

وأما تلاصق رجل وأنثى فلا ينبغي أن يشك في حرمة تلاصقهما تحت لحاف ولو بغير عورة, ولو من فوق حائل حيث كانا بالغين. انتهى.

 

* فالخلاصة:

أنه لا يجوز لك – أخي السائل – الاضطجاع مع أمك في فراش واحد، بل يجب عليك أن تنام في فراش مستقل، والبالغ من الرجال لا يجتمع في فراش واحد إلا مع زوجة أو جارية.

 

والله أعلم.

 

هل القَسَم على أقراص البرامج ملزم شرعا؟ وهل من حقهم منع المشتري من التصرف به؟

هل القَسَم على أقراص البرامج ملزم شرعا؟ وهل من حقهم منع المشتري من التصرف به؟

السؤال:

يوجد في الأسواق تحضير ” زاد المعلم “، وفي هذا التحضير القسم التالي: ” أقسم بالله العظيم أنني الآن أستخدم النسخة الأصلية من ” زاد المعلم “، وأنني لن أقوم بنسخه أو جزء منها إلا لاستخدامي الشخصي، في مدرستي، ولطلابي، ولن أعطيه لغيري “، ثم يوجد خيار ” نعم أقسم “، أو ” خروج “.

الإشكال الأول: أنه في هذه السنة توقف هذا التحضير، ولدي ” سيدي ” أصلي للصف الثالث الابتدائي، وفيه مواد أقوم بتدريسها وأخرى لا أدرسها، وقد احتاجها زميل آخر، فهل لي أن أعطيه إياه لأخذ تلك المواد أم في هذا مخالفة حيث أن السوق لا يوجد به ” سيديات “؛ لتوقف التحضير.

الإشكال الثاني: هل أنا إذا ضغطت على خيار ” نعم أقسم ” أكون قد أقسمت بالفعل وأصبح الكلام المكتوب مطالبا به بمعنى أني لم أنطق هذا القسم بل قمت بالضغط على القسم أصبحت مقسماً بذلك أم لا؟.

وعند الاتصال بهم أجد جوالاتهم مغلقة، فهل أُلزم بهذا القسم؟ ولو خالفته – مثلا – ماذا يلزمني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الأقراص التي تحتوي على أعمال التحضير للمدرسين في مختلف المواد الدراسية لا شك أن فيها جهدا مبذولا يظهر للناظر فيها، فهي حق من حقوق كاتبها ومنظمها وناشرها، لا يجوز لأحدٍ أن يستولي عليها دون إذنٍ من أصحابها، وهذه المسألة مما اصطلح على تسميتها ” حق التأليف والاختراع “، وهو حق ثابت لصاحبه قد كفل الشرع له حفظه، ولذا يحرم الاعتداء عليه.

والقسم الذي يضعه بعض أصحاب تلك الأقراص معتبر شرعًا، وهو على نية واضعه، فلا يجوز التحايل عليه، والضغط على أيقونة ” نعم أقسم ” له حكم التلفظ به شرعا فتلزمه أحكام اليمين كاملة، ومثله التوقيع على عقود البيع والشراء والاستصناع وغيرها، فله حكم التلفظ به فتلزم الموقع جميع بنود الاتفاق، وتحفظ له حقه الذي فيها.

وقد ذكرنا هذه مسألة ” حق الاختراع ” و ” حقوق التأليف ” في أجوبة كثيرة، فانظرها.

 

ثانيا:

وننبه أصحاب تلك الأقراص إلى أن المشتري للقرص بما يحتويه من مواد هو مالك للتصرف المطلق فيه، فيجوز له تنزيله على أكثر من جهاز، ويجوز له إهداؤه لغيره، وإذا تلف فيجب عليهم تعويضه بغيره؛ لأن القيمة التي دفعها المشتري ليست مقابل ثمن القرص فارغاً بل لما فيه من مواد، فلا يجوز لهم التنكر له وعدم إعطائه قرصا آخر لو أنه تلف عنده، كما أن من حقهم الحصول على النسخة الجديدة من الإصدار والتي فيها تصويبات لأخطاء الإصدار السابق، ولهم الحق في استيفاء مقدار ما كان في الإصدار الجديد من زيادة مواد أو تقنيات، وليس من حقهم أخذ قيمة المواد التي في الإصدار السابق؛ لأنهم سبق لهم أن فعلوا ذلك.

وبخصوص مسألتك – أخي السائل -: فلتعلم أنه ليس من حق مُصدر القرص أن يمنعك من التصرف بمواد ذلك القرص إن كنت ستعطيه لغيرك؛ لأنك مالك – شرعا – لهذا القرص الأصلي، ومالك لما فيه من مواد، وشرطهم في أن يكون فقط لاستعمال المشتري دون غيره شرط باطل لا يجب على أحدٍ الالتزام به، ويشبه هذا شراء الكتاب، فمن حقي أن أُطلع عليه من أشاء، ومن حقي هبته لمن أريد، ولا يجوز لمؤلفه أن يشترط عليَّ قراءة فصول منه دون أخرى، ولا عدم إطلاع أحدا عليه.

وإذا عرفنا أن مُصدر القرص قد توقف عن إصدار الأقراص – بسبب منع وزارة التربية كما علمنا –، وأنك سعيت للاتصال بهم – ونحن كذلك فعلنا – فلم يجب أحد على اتصالاتك: قوَّى هذا جانب إباحة مطلق الاستعمال لهذا القرص لكل من اشترى النسخة الأصلية.

فلا حرج عليك من التصرف في القرص الأصلي الذي اشتريته بإعطائه لمن تريد من المستفيدين؛ لسببين:

الأول: أنك صاحب حق لتلك النسخة الأصلية وما فيها من مواد .

والثاني: أنه لم يعد وجود لمصدر تلك الأقراص ، وقد دخلنا على موقع المؤسسة التي أصدرت تلك الأقراص فلم نجد ذِكراً لها ، وقد اتصلنا بهم فلم يجبنا أحد.

 

والله أعلم.

 

مقطع فيديو لمحتضر مصوَّر بالأشعة هل يجوز نشره؟ وموعظة بليغة من القرطبي

مقطع فيديو لمحتضر مصوَّر بالأشعة هل يجوز نشره؟ وموعظة بليغة من القرطبي

السؤال:

يظهر في هذا المقطع لحظة نزع روح إنسان، حيث تم التصوير باستخدام الأشعة، والأشعة تبين أماكن الحرارة والبرودة، إذ أن جسم الإنسان يبرد بعد نزع الروح.

رابط المشاهدة:

http://www.mashahd.net/video/63426%20.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا نستطيع الجزم بصحة المقطع من حيث الواقع، فلا نعلم عن مصدره شيئًا، ومرجع معرفة ذلك والجزم به إلى أهل الاختصاص من أهل الطب، لكننا نجزم أن ما صوِّر ليس هو الروح كما يسوِّقه بعض ناشري ذلك المقطع؛ لأن الروح لا تُعرف كنهها ولا حقيقتها، فمِن أين لهذا القائل أن يجزم بأن هذا تصوير لروح ذلك الشخص؟! نعم يمكن الجزم بأن هذا هو حال البدن حين الوفاة، لكن لا تُنسب تلك الصور أنها للروح.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها ومادتها، أما الجسد: فأصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النطفة، لكن الروح لا نعرف من أي جوهر هي؟ ولا من أي مادة ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) الإسراء/ 85. ” لقاءات الباب المفتوح ” ( مقدمة اللقاء 82 ).

 

ثانيًا:

والوعظ بالموت ونهاية الحياة والقبر من أساليب الدعوة الشرعية، فقد جاء في الكتاب والسنَّة ما يدل على هذا الأسلوب في الوعظ عمومًا، وفيما ذكرناه خصوصًا، ومن الأدلة في ذلك:

  1. قوله تعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) النحل/ 125.
  2. وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم مَوعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَت مِنهَا العُيونُ وَوَجِلَت مِنهَا القُلوبُ ).

رواه الترمذي (2676) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 4607 )، وابن ماجه ( 42 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ونشر مقاطع المحتضرين – كأمثال من مات من اللاعبين في الملاعب – ومقاطع الدفن والقبور له أثر طيب في الدعوة إلى الله: في تذكير الغافلين، وحث المنتبهين على زيادة العمل والطاعة، وقد وعظ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على قبر، ومن حكَم تشريع زيارة القبور ” التذكير بالآخرة “، وعليه: فالتذكير بالموت وحال المحتَضَرين والقبر من الوسائل الشرعية في الوعظ، ونشر مقاطع فيديو حقيقية في ذلك من العمل المباح، سواء كان هذا الوعظ للمسلم نفسه أم لوعظ غيره بها، وقد أوصى العلماء الاعتبار بذلك.

 

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه: أن يُكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرِّق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضَرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه: فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب: فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير، وفي مشاهدة من احتُضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين: معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبلغ من الأول؛ قال صلى الله عليه وسلم: ( ليس الخبر كالمعاينة” – رواه أحمد ( 3 / 341 ) بسند جيِّد – رواه ابن عباس، فأما الاعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات، وأما زيارة القبور: فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر ….

فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم، ولم تغنِ عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم، وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله.

وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه. ” تفسير القرطبي ” ( 20 / 171، 172 ).

 

والله أعلم.

 

حكم المسح على خمار الرأس للمرأة وهل يشترط له ما يشترط للمسح على الخفين؟

حكم المسح على خمار الرأس للمرأة وهل يشترط له ما يشترط للمسح على الخفين؟

السؤال:

ما هي أحكام مسح المرأة على خمارها للوضوء؟ هل لها نفس أحكام المسح على الجورب؟ وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في حكم مسح المرأة على خمار رأسها إلى أقوال ثلاثة:

  1. ذهب الجمهور – وهو رواية عن أحمد – إلى عدم جواز المسح عليه وحده، وحكموا على الوضوء إن هي فعلت بالبطلان، إلا أن يكون الخمار رقيقًا ينفذ الماء من خلاله.

* ففي ” المدونة ” ( 1 / 124 ):

قال مالك في المرأة تمسح على خمارها: أنها تعيد الصلاة والوضوء.

انتهى.

وننبه هنا إلى أن الشافعي رحمه الله قد علَّق جواز المسح على العمامة بصحة الخبر فيه، وقد صحَّت أخبار في ذلك – كحديث بِلاَلٍ في ” صحيح مسلم ” ( 275 ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ ” أي: العمامة؛ لأنها تخمر الرأس أي: تغطيه – فوجب أن يُضم الشافعي رحمه الله إلى المجيزين للمسح على عمائم الرجال وخمُر النساء.

  1. وذهب الحنابلة في الرواية الأخرى عن إمامهم إلى جواز المسح وصحة الوضوء، وهو قول ابن حزم، حيث قال:

وكل ما لُبس على الرأس من عمامة أو خمار أو قلنسوة أو بيضة أو مغفر أو غير ذلك: أجزأ المسح عليها، المرأة والرجل سواء في ذلك، لعلة أو غير علة.

” المحلى ” ( 1 / 303 ) .

  1. وذهب فريق ثالث إلى التفريق بين ما يشق نزعه وما يسهل فأجازوا المسح على الأول دون الآخر، وهو قول ابن تيمية، ومن المعاصرين: الشيخ العثيمين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

– وفي مسح المرأة على مقنعتها وهي خمارها المدار تحت حلقهما روايتان:

إحداهما: لا يجوز؛ لأن نصوص الرخص إنما تناولت الرجل بيقين، والمرأة مشكوك فيها، ولأنها ملبوس على رأس المرأة فهو كالوقاية.

والثانية: يجوز، وهي أظهر لعموم قوله ” امسحوا على الخفين والخمار ” – رواه أحمد ( 39 / 325 ) وقال المحققون: حديث صحيح من فعله صلى الله عليه وسلم لا من قوله -، والنساء يدخلن في الخطاب المذكور تبعاً للرجال كما دخلن في المسح على الخفين ….

ولأن الرأس يجوز للرجل المسح على لباسه فجاز للمرأة كالرجل، ولأنه لباس يباح على الرأس يشق نزعه غالباً فأشبه عمامة الرجل وأولى؛ لأن خمارها يستر أكثر من عمامة الرجل، ويشق خلعه أكثر، وحاجتها إليه أشد من الخفين.

” شرح العمدة ” ( 1 / 265، 266 ).

* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وعلى كُلِّ حالٍ: إِذا كان هناك مشقَّة إِما لبرودة الجوِّ، أو لمشقَّة النَّزع واللَّفّ مرَّة أخرى: فالتَّسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأوْلى ألاَّ تمسح، ولم ترد نصوصٌ صحيحة في هذا الباب. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 239 ).

والقول الثالث هو الأرجح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عمامته، ولا فرق بين عمامة الرجل وخمار المرأة، بل المرأة أولى بالجواز؛ لما ذكره شيخ الإسلام من أسباب.

وعليه : فليس كل غطاء للرأس يُمسح عليه، بل ما كان الرأس مستورًا به وثمة حرج في نزعه ، كامرأة تخشى رؤية شعرها، أو كانت تغطي رأسها المخضَّب بحناء، أو كان ثمة برد تخشى على نفسها منه، ومثل هذا من الأعذار.

 

ثانيًا:

ومن أجاز من الحنابلة المسح على خمار المرأة جعل له حكم الخفين والجوربين، فاشترط لبسه على طهارة، وجعل للمسح المدة التي للخفين والجوربين.

* قال ابن قدامة – رحمه الله – في حكم المسح على العمامة -:

وحكمها في التوقيت واشتراط تقديم الطهارة وبطلان الطهارة بخلعها: كحكم الخف؛ لأنها أحد الممسوحين على سبيل البدل “.  ” الكافي ” ( 1 / 39 ).

ولا يظهر أن هذا القول صواب، وليس للخمار – ولا للعمامة – حكم الخفين، فلا يشترط فيهما ما يشترط للمسح على الخفين، والقياس على الخفين من أبعد القياس؛ فحكم الرجلين أصلًا الغسل بخلاف الرأس فإن حكمه المسح، والخفان يُمسح ظاهرُهما فقط وأما الخمار فليس في المسح عليه مثل ذلك، بل الراجح أنه يجب أن يعمَّ المسحُ الرأسَ كله مكشوفًا كان أو مغطّى، أو كان جزءٌ مكشوفًا وآخر مغطَّى.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار والمسح على الخفين، وإنما نصَّ رسول الله في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة والخمار، قال الله تعالى: ( لتبين للناس ما نزل إليهم )، ( وما كان ربك نسيًا)، فلو وجب هذا في العمامة والخمار: لبيَّنه عليه السلام، كما بيَّن ذلك في الخفين، ومدعي المساواة في ذلك بين العمامة والخمار وبين الخفين: مدع بلا دليل، ويكلف البرهان على صحة دعواه في ذلك ، فيقال له: من أين وجب إذ نص عليه السلام في المسح على الخفين أنه لبسهما على طهارة أن يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إليه أصلا بأكثر من قضية من رأيه، وهذا لا معنى له ، قال الله تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ). ” المحلى ” ( 1 / 310 ).

* وقال – رحمه الله -:

وقول القائل: لمَّا كان المسح على الخفين موقتًا بوقت محدود في السفر ووقت في الحضر وجب أن يكون المسح على العمامة كذلك: دعوى بلا برهان على صحتها، وقول لا دليل على وجوبه، ويقال له: ما دليلك على صحة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصين في المسح على الخفين؟ وهذا لا سبيل إلى وجوده بأكثر من الدعوى، وقد ” مسح رسول الله على العمامة والخمار “، ولم يوقت في ذلك وقتًا ووقَّت في المسح على الخفين، فيلزمنا أن نقول ما قال عليه السلام، وأن لا نقول في الدِّين ما لم يقله عليه السلام، قال الله تعالى: ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ). ” المحلى ” ( 1 / 310 ).

ولم يأت حرف واحد صحيح في الشرع في اشتراط لبس العمامة على طهارة حتى يمسح عليه، ولا في التوقيت للمقيم والمسافر، وما ورد في ذلك فهو ضعيف، كحديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثا في السفر ويوما وليلة في الحضر ).

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

لكن في إسناده مروان أبو سلمة، قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الأزدي: ليس بشيء، وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح. ” نيل الأوطار ” ( 1 / 204 ).

 

والله أعلم.

 

 

حكم صلاة السلفي خلف الإمام المذهبي والأشعري

حكم صلاة السلفي خلف الإمام المذهبي والأشعري

السؤال:

أصلي في مسجد لأهل السنَّة منذ سنوات وتعلمت الكثير من إمام هذا المسجد، وجدت هؤلاء القوم يسيرون على النهج الصحيح ولا يتتبعون البدع في الدين، تعلمتُ منهم الكثير، وتغيرت أحوالي إلى الأفضل، إلا أن هذا المسجد بعيد عنِّي إلى حدٍّ ما وأحتاج في الذهاب إليه إلى السيارة، أذهب إليه في صلوات النهار كلها إلا أن صلاة الفجر والعشاء يصعب عليَّ الذهاب إليه، هناك مسجد آخر بالقرب منِّي مسافة يكفي فيها المشي إلا أن في هذا المسجد يقومون ببعض البدع، ويتبعون المذهب الحنفي في الفقه، وإمام المسجد أشعري أو ماتريدي العقيدة، فإذا حضرتُ صلاة الجماعة في هذا المسجد خلف هذا الإمام الأشعري فهل تقبل صلاتي؟ وهل آخذ ثواب الجماعة؟ حقّاً أنا في حاجة إلى إجابة صائبة، أحب مسجد أهل السنَّة لكنَّه بعيد قليلًا وهناك مشكلة في ركن سيارتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخ السائل غيرته على السنَّة وحبَّه لأهلها، ونسأل الله أن يوفقه لما فيه رضاه.

ولتعلم – أخي السائل – أن صلاة الجماعة في المسجد الذي يُسمع فيها النداء من غير مكبرات صوت هي واجبة على المكلَّف، ما لم يمنعه من ذلك عذرٌ شرعي.

 

ثانيًا:

وليس من أعذار التخلف عن صلاة الجماعة كون الإمام متمذهبًا بمذهب فقهي يخالف مذهب المأموم، وما دام أنه في دائرة الإسلام: فإنه لا يحل ترك الصلاة خلفه، ولو كان يرى في مذهبه خلاف ما يراه المأموم، ولم يزل الصحابة والتابعون يصلون خلف بعضهم بعضًا مع عدم اتفاقهم في مسائل تتعلق بالطهارة والصلاة وغيرها، ومثل هذا القول لا ينبغي لعاقل أن يشك في صحته طرفة عين، ففي القول بضدِّه تفريق بين المسلمين، وبث لروح العداوة والبغضاء وتقطيع أواصر أخوتهم الإسلامية، ومثل هذا – ولا شك – يُفرح إبليس وأتباعه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما المخالفون في الفروع كأصحاب أبي حنيفة, ومالك, والشافعي: فالصلاة خلفهم صحيحة غير مكروهة، نصَّ عليه أحمد; لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم: لم يزل بعضهم يأتم ببعض, مع اختلافهم في الفروع, فكان ذلك إجماعًا …. ” المغني ” ( 2 / 11 ).

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحمه اللّه -:  

هل تصح صلاة المأموم خلف من يخالف مذهبه؟ .

فأجاب :

– وأما صلاة الرجل خلف من يخالف مذهبه: فهذه تصح باتفاق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والأئمة الأربعة، ولكن النزاع في صورتين :

إحداهما: خلافها شاذ، وهو ما إذا أتي الإمام بالواجبات كما يعتقده المأموم، لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير إذا فعله من لم يعتقد وجوبه، والمأموم يعتقد وجوبه، فهذا فيه خلاف شاذ، والصواب الذي عليه السلف وجمهور الخلف: صحة الصلاة .

والمسألة الثانية: فيها نزاع مشهور، إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة سرًّا وجهرًا، والمأموم يعتقد وجوبها، أو مثل أن يترك الوضوء من مس الذكر، أو لمس النساء، أو أكل لحم الإبل، أو القهقهة، أو خروج النجاسات، أو النجاسة النادرة، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، فهذا فيه قولان: أصحهما: صحة صلاة المأموم، وهو مذهب مالك، وأصرح الروايتين عن أحمد في مثل هذه المسائل، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، بل هو المنصوص عنه، …. ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 378 – 380 ) باختصار.

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

الاختلاف في الفروع ليس له أثر في صحة صلاة بعض المختلفين خلف بعض، وعلى الإمام وغيره من أهل العلم أن يتحرى الأرجح في الدليل، سواء كان المأمومون يوافقونه في ذلك أم لا .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 7 / 366 ).

ثالثًا:

وليس من أعذار تخلفك عن جماعة المسجد القريب من بيتك كون الإمام أشعريًّا أو ماتريديًّا، والقاعدة عند أهل السنَّة ” صلِّ وعليه بدعته ” كما قاله الحسن البصري رحمه الله، والقاعدة عند الفقهاء ” من صحَّت صلاته لنفسه صحَّت لغيره “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك: فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم … ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 352 – 354 ) باختصار.

وعليه: فلا يصح توقفك في الصلاة خلف إمام المسجد القريب من بيتك بعذر أنه حنفي المذهب، أو أنه أشعري أو ماتريدي، وقد علمت ما قاله الأئمة الأعلام في ذلك، فلم يبق إلا الاستجابة والتسليم، ولك أجر الجماعة كاملًا غير منقوص، والصلاة صحيحة، ونسأل الله أن يتقبلها منك.

 

ونوصيك – أخي الفاضل – بحسن التعامل مع الإمام وأصحابه وأتباعه، والتلطف في القول والفعل، ومحاولة بذل النصح بالحكمة، واعلم أن كثيرين قد تركوا المذهبية والابتداع في العقائد عندما تبيَّن لهم الحق، وكثيرون كان حسن التعامل معهم من أهل الحق هو السبب في تركهم لباطلهم واعتقادهم بالعقيدة الحقة والمنهج الحق، ولعلَّ الله تعالى أن يكون أراد بهم وبك خيرًا في صلاتك في مسجدهم ذاك، والله تعالى مالك قلوب العباد ويقلبها كيف يشاء، فاحفظ على نفسك ما أنت عليه من الحق، وابذل وسعك في إيصال ذلك الحق لغيرك بأحسن أسلوب وألين عبارة، والله يتولاك ويرعاك.

 

والله أعلم.

 

أسباب الاستهزاء بالملتزمين وعاقبته، وكيف يواجه الملتزم استهزاءهم؟

أسباب الاستهزاء بالملتزمين وعاقبته، وكيف يواجه الملتزم استهزاءهم؟

السؤال:

كيف أتصرف مع الناس في حالة استهزائهم بي ( قد يكون ذلك لكوني ملتحيًا – والحمد لله ونسأل الله الثبات والتوفيق – ) فالبعض يرمونني بنظرات حادة، والبعض ينظر إليَّ بنظرة تدل على استهزاء واضح، بل على احتقار ( يقلبونني من فوق إلى تحت بأبصارهم )، والبعض يمرون بجانبي رافعين أصواتهم بالاستغفار والحولقة، وأرى أن رفع الصوت ليس بصفة عادية أي ما يدل على ذكرهم لله بل في أصواتهم بغض وكراهية، ومرَّة مرَّ بجانبي رجل رافعًا صوته بالاستغفار وعابساً وجهه، ووصل به الحد إلى أن يبزق أمامي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأنا لا أعرف ماذا يرضي الله في مثل هذه الحالات، فهل أتغافل؟ أم أواجههم؟ وفي حالة كثرة الاستهزاء من قبل الشخص ماذا أفعل؟ وفي حالة كان المستهزئ أنثى؟. فأفتوني في أمري بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم – أخي السائل – أن الاستهزاء بأهل الدِّين والسخرية منهم ليس جديدًا على أهل الشر والسوء، فقد استهزء أسلافهم بالمرسلين والصالحين، ولم يمنعهم ذلك الاستهزاء من الاستمرار في الاستقامة على أمر الله، واستمرار دعوة الناس إلى ربهم عز وجل.

قال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) الحِجر/ 10 – 13.

 

ثانيًا:

واعلم أن أولئك المستهزئين والساخرين بك وباستقامتك على أمر الله تعالى قد ذكر الله تعالى من حالهم أنهم على طريق المنافقين، وأنهم مجرمون، وأنهم من عبَّاد الدنيا.

قال تعالى ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) التوبة/ 79.

وقال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) المطَّففين/ 29.

وقال تعالى ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) البقرة/ 212.

– وفي حكم المستهزئ بمظاهر السنَّة انظر جواب سابق لنا.

ثالثًا:

واعلم – أخي السائل – أن الله تعالى ذَكر في كتابه الكريم استهزاء أقوام الأنبياء والمرسلين بهم، وذكر عاقبتهم الوخيمة في الدنيا، وذكر ما توعدهم به في الآخرة وأنهم سيصلون سعيرًا، ولعلَّ هذا أن يخفف عنك ما أنت فيه من ضيق وهم وغم، ولعل ذلك أن يكون رادعًا لهم ليتوبوا من سخريتهم بك، واستهزائهم بسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فمِن استهزائهم بنوح قولهم له: بعد أن كنت نبيًّا صرت نجارًا، وقد قال الله تعالى عن نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود/ 38، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) العنكبوت/ 14، وأمثالها من الآيات.

ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم: ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) هود/ 54، وقوله عنهم أيضًا: ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ) الآية هود/ 53، وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله: ( أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) الآية الذاريات/ 41، وأمثالها من الآيات.

ومن استهزائهم بصالح قولهم فيما ذكر الله عنهم: ( وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف/ 77، وقولهم: ( قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا ) الآية هود/ 62، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) هود/ 94، ونحوها من الآيات.

ومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) الآية النمل/ 56، وقولهم له أيضًا: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) الشعراء/ 167، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) الحِجر/ 74، ونحوها من الآيات.

ومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله عنهم: ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) هود/ 91، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) الشعراء/ 189، ونحوها من الآيات. ” أضواء البيان ” ( 1 / 473 ).

وفي حق سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ( وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ) الأنبياء/ 36.

 

رابعًا:

إذا علمت ما سبق: فإن الذي نوصيك به في مواجهة أولئك المستهزئين والساخرين:

  1. الصبر على ما تراه وتسمعه منهم، وقد سبق لك أن علمت أن الأنبياء والمرسلين لم يسلموا من الاستهزاء بهم، وقد صبروا على ما أوذوا.
  2. الاستمرار على استقامتك على الحق، وعدم التنازل عن شيء منه إرضاء للناس، وليكن على بالك دومًا السعي لإرضاء الله ولو سخط عليك بسبب ذلك الناس، ولا تبحث عما يرضي الناس فإنك بذلك تتسبب في سخط الله عليك.
  3. الاعتقاد الجازم أن الله تعالى سينتصر لك على أولئك الظالمين، وأن عاقبة استهزائهم الخسارة، وانظر في حال المرسلين وأقوامهم الذين سخروا منهم ليتأكد لك صدق ما نقوله.

قال الشيخ عطية سالم – رحمه الله – توكيدًا لما ذكرناه لك في النقاط السابقة -:

إذا كان هذا حال بعض الذين أجرموا مع بعض ضعفة المؤمنين، وكذلك حال بعض الأمم مع رسلها: فإن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه ألا يتأثر بسخرية أحد منه، ويعلم أنه على سَنن غيره من الدعاة إلى الله تعالى، وأن الله تعالى سينتصر له إما عاجلًا، وإما آجلًا، كما في نهاية كل سياق من هذه الآيات.

( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) المطففين/ 36.

وهذا رد على سخرية المشركين منه في الدنيا وهو كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) آل عمران/ 212. ” تتمة أضواء البيان ” ( 8 / 464 ، 465 ).

  1. الاعتقاد الجازم أن الله تعالى سيثيبك أجرًا جزيلًا على ما يصيبك من هم وغم وحزن بسبب ما تراه وتسمعه من أولئك الظالمين، وهذا – إن شاء الله – سيجعلك صابرًا صامدًا لا تتزحزح عن طريق الحق.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ). رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) – واللفظ له -.

النَّصب: التعب، والوصب: الألم والسقم الدائم.

  1. تجنب مجالسة أولئك المستهزئين، وهجر أماكن اجتماعهم، إلا أن ترى أنك لا تتأثر بكلامهم، وأنك ستغير من حالهم.

قال تعالى ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) النساء/ 140.

  1. الشدة تجاه من تستطيع إسكاته وردعه بها، وعدم السكوت على أفعالهم وأقوالهم؛ فإن من شأن سكوتك أن يزيد في جرأتهم عليك، والإسلام لا يطلب من أهله أن يكونوا أذلة أمام أولئك الظالمين المستهزئين، وهم أصحاب معصية وحالهم أن ذليلون صاغرون إذا ما رأوا منك شدة تجاه ما يفعلونه وما يقولونه.

قال الشيخ محمد بن صالح المنجد – حفظه الله -:

هذا الاستهزاء يجب أن نصبر أمامه، فإن كثيرًا من الملتزمين بالإسلام شخصياتهم ضعيفة جدًّا في مواجهة الاستهزاء، فكثيرٌ منهم لا يقوون على أن يتلفظوا بحرفٍ واحد يقابل فيه استهزاء المستهزئين، وهذه مسألة خطيرة؛ لأنها تسبب نظرة الضعف للإسلام، فالمستهزئ عندما يستهزئ بك وأنت تسكت وتطأطئ برأسك أمام تلك الكلمات الجارحة التي يتلفظ بها ثم تستدير وتذهب، أو تجلس وعليك علامات الخزي: يقوِّي من شأن ذلك المستهزئ، ويُضعف هيبة الإسلام في قلب المستهزئ، ويثبته أكثر على باطله الذي هو عليه.

يجب أن تكون نفوسنا قوية في مواجهة المستهزئين، نرد عليهم باطلهم، ونبين الحق ونعلنه ونصدع به، أما الشعور أو الظهور بمظهر الاستحذاء والخزي والعار والذلة أمام الفسقة والعصاة والكفرة: فهذا ليس من شيم المسلمين ولا من صفاتهم أبدًا، ولا يريد الإسلام منَّا أن نكون بهذه الصورة، وانظر إلى موقف نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود/ 38، هذه هي النتيجة، فلا بد من الصمود والمواجهة، وعدم الاستكانة أو الظهور بمظهر الضعف؛ فهذا يؤثر سلبيًّا على انتشار الإسلام وعلى هيبته في نفوس الناس.

من محاضرة ” عوائق في طريق الالتزام “.

  1. الابتعاد عن الأشياء التي تسبب الاستهزاء من قبَلهم مما يمكنك فعله أو تركه دون أن تقع في مخالفة الشرع، فلا تقصِّر ثوبك – مثلًا – إلى درجة تلتفت فيها النظر وتسبب لنفسك السخرية، والمهم في الثوب أن لا يمس الكعبين، واحذر من اللباس البالي أو غير النظيف؛ فهذا ليس من الشرع، وهو يسبب لك الأذى من السفهاء قولاً وفعلًا، فلا تتنازل عن فعل واجب، ولا تفعل محرَّمًا، وما كان فيه مجال لتركه خشية أذية الناس مما لا تستطيع الصبر عليه: فاتركه.
  2. الدعاء لأولئك البعيدين عن شرع الله بأن يهديهم الله تعالى، والدعاء لنفسك بأن يثبتك ربك على الحق.

ونسأل الله تعالى أن يصبِّرك وأن يكتب لك أجر استقامتك على دينه، وأن يهدي ضالَّ المسلمين لما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم.

 

والله أعلم.

مسائل متعددة في الإفتاء والاستفتاء والتقليد

مسائل متعددة في الإفتاء والاستفتاء والتقليد

السؤال:

قرأت في مسألة الاختلاف السائغ: عليَّ النظر في الدليل، ثم اتباع العالم الذي أراه أعلم وأوثق.

لكن لي بعض التساؤلات:

  1. هل أنا مؤهل للنظر في الأدلة أم لا؛ فإني في بداية طلب العلم الذي ينفعني ولم أبدأ بحفظ القرآن ودراسة أصول الفقه؟.
  2. هل يجوز لي ان أتبع موقع إنترنت ثقة مشرف عليه عالم ثقة – ألا وهو موقعكم – عوضًا عن اتباع عالم، مع العلم أني لا أعلم أن هذا الموقع لا يفتي وينشر إلا فتاوى المشرف، فقد ينشر فتاوى لعلماء مختلفين؟.
  3. في حالة عدم وجود الحكم في مسألة معينة عند العالم الذي أتبعه: هل يجوز لي أن آخذ الحكم من عالم آخر؟.
  4. في حالة وجود الحكم في مسألة معينة عند عالم ثقة لكن ليس الذي أتبعه هل عليَّ البحث على الحكم عند العالم الذي أتبعه أم أكتفي بهذا العالم الثقة؟.
  5. هل يجوز اختيار العالم الذي أقرب إلى ” فقه الواقع ” و ” تيسر الوصول إليه ” وليس الذي أراه أعلم وأوثق؟.
  6. إذا كان العالم الذي أراه أعلم وأوثق قد توفي – رحم الله جميع علماء أهل السنَّة – هل يجوز اختيار عالم حي خاصة للاستفتاء؟.
  7. وهل أعيد أخذ الفتاوى التي أخذتها سابقا من العالم الذي أتبعه؟.
  8. في الاستفتاء – خاصة في المعاملات – هل يجوز استفتاء عدة علماء أم الأفضل استفتاء عالم واحد فقط لمعرفة هذا العالم بي على العكس عند استفتاء عدة علماء؟ وهل في هذا تأثير على الفتوى من باب المصالح والمفاسد أو فقه الأولويات أو فقه النفس؟. فأفتوني بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا كنت في أول طلب العلم، ولم تبدأ بعدُ بحفظ القرآن، ولا أنت على علم بعلوم الآلة: فأنَّى لك الأهلية للنظر في الأدلة؟! وكيف ستعرف العام من الخاص، والمقيد من المطلق، والناسخ من المنسوخ، والصحيح من الضعيف؟! إن الأهلية للنظر في الأدلة الشرعية تتطلب منك تقدمًا في العلم الشرعي، وخاصة علوم الآلة كاللغة العربية وأصول الفقه وأصول الحديث وأصول التفسير، وكل ذلك يتطلب منك وقتًا وجهدًا، فلا تتسرع لتحكم على الأدلة قبل أوانك وإلا وقعت في إثم القول على الله بغير علم، وقد جعل الله تعالى ذلك من أعظم المحرمات في دينه فقال تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

 

ثانيًا:

لا فرق في التقليد بين أن تقلِّد عالمًا أو تقلِّد ما تقرؤه في موقعنا هذا أو غيره من مواقع الفتوى الموثوقة، بل إننا نرى أن الأخذ بالفتوى من هذه المواقع أولى؛ لأنها تقوم على جهود جماعية، وليس على جهد شخص واحد.

وما ذكره العلماء في ” شروط المفتي ” ينطبق – إن شاء الله – على موقعنا هذا بمجمله.

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله – تحت باب ذكر شروط من يصلح للفتوى -:

أول أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه: أن يكون بالغًا؛ لأن الصبي لا حكم لقوله، ثم يكون عاقلًا؛ لأن القلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله، ثم يكون عدلًا ثقةً ؛ لأن علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها, وسواء كان حرًّا أو عبدًا فإن الحرية ليست شرطًا في صحة الفتوى، ثم يكون عالمًا بالأحكام الشرعية, وعلمه بها يشتمل على معرفته بأصولها وارتياض بفروعها. ” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 33 ).

 

ثالثًا:

وفي حالة عدم وجود الحكم في مسألة ما عند من تستفيته في دينك ممن ترضى دينه وعلمه: فإنه لا حرج في الانتقال إلى مفتٍ آخر يتصف بمواصفات المفتي الأول الذي ارتضيت دينه وعلمه – فيما ترى وتعلم عنه -، وإنما المحظور هو أن يكون الانتقال لمجرد الهوى والبحث عن الرخصة؛ فإن هذا فعل محرَّم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن التزم مذهبًا معيَّنًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومِن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله: فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر .

” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 220 ).

 

رابعًا:

الأصل في المقلِّد أن لا يتحول عن إمامه الذي يقلده إلا إن كان ثمة عذر له في ذلك، كأن تكون المسألة لم يتطرق لها عالمه – كما سبق قريبًا -، أو يكون رأى غيره أعلم منه في هذه المسألة تحديدًا، فمثل هذا يكون معذوراً في البحث عن الفتوى عند عالمٍ آخر غير الذي يقلده في الأصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله – بحسب تمييزه -، وإما لكون قائله أعلم وأورع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب.

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 168 ).

وقال – رحمه الله -:

وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني، مثل أن يتبين رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله: فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر ألا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله؛ فإن الله فرض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل أحد في كل حال … . ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 223 ).

 

خامسًا:

إن العالِم الشرعي الذي يكون أهلًا لأن يُستفتى لا يكون كذلك وهو يجهل واقع ما يُفتي به؛ فإن العلم بالواقع من شروط الفتوى، وقد سبق النقل في ذلك عن ابن القيم رحمه الله.

فإذا كان قصد السائل هو فهمنا عنه: فليس عليه ملامة ولا حرج، وأما إن كان يقصد بـ ” فقه الواقع ” من يشتغل بمتابعة الأخبار السياسية ويحللها ويناظر فيها: فهذه الأمور لا تؤهل صاحبها للحكم في مسائل الشرع إن كان خاليًا من العلم الشرعي، فالعلم بالأخبار العالمية السبق فيه للمتفرغ! لمتابعتها، والتحليل السياسي يحسنه الكفار كما يحسنه المسلمون، فليس هذا مما يجعل العالم بذلك الواقع مؤهلا للإفتاء، وليس لك أن تقدمه على غيره من أهل العلم الثقات، وإن هؤلاء العلماء الثقات يتورعون عن القول فيما لا يعرفونه، فإما تكون منهم إحالة على شخص بعينه أو هيئة بعينها، أو تختار أنت غيره لكن بما ذكرناه من الشروط وهو أن يكون في ظنك أكثر علمًا وأكثر ديانة.

 

سادسًا:

إذا كان العالِم الذي تتبع فتواه وتأخذ منه العلم له مصنفات أو أشرطة مسجلة: فلا فرق أن يكون على قيد الحياة أو ميتًا، وأما إذا لم يكن له شيء من ذلك، أو احتجت لمسألة لم تجدها عنده في كتاب ولم تسمعها منه من قبل: فكيف سيكون طريق معرفتك لحكم الله إلا بسؤال عالِم تثق بدينه وعلمه ممن هو على قيد الحياة، فتسأله، فيجيبك.

وهنا نؤكد للأخ السائل – ولغيره – ليس في دين الله تعالى ما يوجب عليك اتباع عالمٍ بعينه، بل كل من تسمع منه حكم الله في مسألة وترى أنه يصلح للفتوى فخذ بقوله إذا كان عندك من أهل العلم والدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإذا نزلت بالمسلم نازلة: فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته: إنما هو مما يسوغ له ليس هو مما يجب على كل أحد، إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله فيفعل المأمور ويترك المحظور. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 208 ، 209).

 

سابعًا:

وإذا انتقلت إلى عالِم حيٍّ وصرت تأخذ منه الفتوى: فلا تعد مسائلك التي أخذتها من الأول على هذا الثاني، إلا بالشروط التي ذكرناها سابقًا، وهو أنك ترى أن هذا الثاني أعلم من الأول، فإن كنت تراه أعلم عمومًا فلك إعادة المسائل التي أخذتها عن الأول عليه، وإن كنت تراه أعلم في جوانب معينة – كالمعاملات الاقتصادية – فلا تعد إلا المسائل من هذا الجنس دون غيرها.

والمهم في كل ما سبق أن لا يكون إعادة المسائل على الآخر، والانتقال إليه دافعه الهوى وتتبع الرخص، وإنما لعذر ولما تراه أنه أعلم وأوثق.

 

ثامنًا:

إذا تعدد عندك من يصلح للإفتاء فأيَّ واحد منهم تسأل؟ نقول: إنك مخيَّر في سؤال أي واحد منهم، خلافًا لمن قال إنه يلزمك تعيين الأعلم والأورع منهم، والمهم أن يكون ” يصلح للإفتاء ” عندك، وترضاه موقعًا عن رب العالمين، ولا يحل لك سؤال من لا تراه أهلًا للفتوى علماً أو دينًا، ولا يلزمك سؤال ” الأعلم والأاورع “؛ فكون فلانًا أعلم وأفضل ديناً قد يتعسر على العامي معرفته من جهة، وقد لا يتيسر وجوده دومًا من جهة أخرى، فالصواب أن يقال: أن يستفتي العامي من يصلح للفتوى بشرط أن يكون ذا علم وذا دين، ولو وجد من هو أفضل منه علمًا ودينًا.

ومن أدلة أصحاب هذا القول: ” إجماع الصحابة على جواز سؤال العامة للفاضل والمفضول، فكانوا يقرون العامي في سؤاله للمفضول، ويقرون المفضول في إفتائه للعامي، ولم يمنعوا العامة من سؤال غير أبي بكر وعمر أو سؤال غير الخلفاء الراشدين “.

 

قال الشيخ عبد العزيز الراجحي – حفظه الله – بعد استعراض الخلاف في المسألة وذِكر الإجماع السابق لأصحاب ذلك القول -:

بعد استعراض خلاف العلماء في هذه المسألة وأدلة كلٍّ: يظهر لي أن الراجح هو القول بتخيير العامي في سؤال من شاء من العلماء.

وجه ترجيحه: قوة دليل هذا القول، وهو إجماع الصحابة على ذلك، وعدم مقاومة ما استدل به الفريق الآخر من الاحتياط وقوة الظن؛ للإجماع، فإنه دليل شرعي قطعي. ” التقليد والإفتاء والاستفتاء ” ( ص 49 ) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى وهو في قبضة اليهود؟

هل يجوز السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى وهو في قبضة اليهود؟

السؤال:

هل تجوز الصلاة في المسجد الأقصى لو أتيحت الفرصة من خلال الشركات السياحية أم يعتبر حراما لأنه من باب التطبيع مع اليهود؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أ. لا شك أن المسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي يجوز شد الرحال إليها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ). رواه البخاري ( 1132 ) ومسلم ( 1397 ).

ب. والأصح في فضل الصلاة فيه أنها بمائتين وخمسين صلاة، وأما الحديث المشهور أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة: فضعيف، وينظر في ذلك كتاب ” تمام المنة ” للشيخ الألباني رحمه الله ( ص 292 ).

ج. والمسجد الأقصى ليس حرَما، وإطلاق بعض الناس عليه لفظ ” ثالث الحرمين “: خطأ، وإنما الحرم: مكة والمدينة.

 

ثانيا:

ومن المعلوم أن المسجد الأقصى الآن تحت سيطرة اليهود المغتصبين، ولا يمكن الوصول إليه لمن هو خارج فلسطين إلا من خلالهم، ومن هنا اختلف العلماء المعاصرون في حكم السفر من أجل الصلاة في المسجد الأقصى، فذهب بعض العلماء إلى تحريم السفر إلى القدس عن طريق اليهود وسفاراتهم، وأجازه آخرون.

* ومن أبرز أوجه المنع عند من مَنع:

  1. قالوا: لما يقتضيه ذلك السفر من أخذ تأشيرة السفر من السفارات اليهودية وهو يعدُّ إقرارا بالاغتصاب وتطبيعا مع اليهود.
  2. وقالوا: إن اليهود هم المستفيدون من هذه الأفواج المسافرة إلى المسجد الأقصى من أوجه كثيرة، من أبرزها:

أ. تحسين صورة اليهود أمام العالَم وأنها لا تمنع المصلين والعابدين من الصلاة في الأقصى.

ب. أن في تحجيما لقضية احتلال فلسطين، وحصر ذلك بالقدس، وها هي تسمح للمسلمين أينما كانوا بالمجيء للصلاة فيه.

ج. الفائدة الاقتصادية، من خلال استيفاء الرسوم في السفارة، والإقامة في فنادقهم، والشراء من بضائعهم.

د. كسر حاجز البغض والعداوة بين المسلمين وبين اليهود المحتلين من خلال زيارة سفاراتهم، والدخول بحمايتهم، ورؤية أعلامهم ترفرف في طريق الذهاب والإياب.

  1. وقالوا: إن المسافر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى معرَّض للوقوع في حبائل فتنتهم، سواء من جهة النساء، أو من جهة المال، ذلك أن الرحلة لن تكون محصورة في زيارة المسجد الأقصى، بل سيتخللها زيارة أماكن أخرى في فلسطين المحتلة، وهو ما قد يسبب فتنة في دين أو خلق من قد ينبهر بما يراه فيها.
  2. وقالوا: إن كان المراد بالسفر إلى الأقصى تحصيل الأجور المضاعفة: فإن البديل هو في الصلاة في مكة والمدينة، وبه يحصِّل أضعافا مضاعفة عما يحصله في الصلاة في المسجد الأقصى.

 

وأما الذين أجازوا الذهاب إلى القدس والصلاة في المسجد الأقصى الآن: فيقولون:

  1. ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المسجد الحرام وطاف وصلى واعتمر فيه بما سمي ” عمرة القضاء ” وذلك ستة سبع للهجرة، وكانت مكة إذ ذاك في قبضة المشركين والذين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل ذلك من دخولها، فلم يكن وجود مكة في قبضة المشركين مانعا للمسلمين من السفر إليها والصلاة في المسجد الحرام فيها، ولم يكن ذلك واجبا على المسلمين حتى يقال بأنه من باب الضرورة، وليس اليهود بأشد كفرا وطغيانا من المشركين، وهذا دليل شرعي يقضي على الخلاف، ولا ينبغي تقديم العاطفة على الشرع، ولم يكن الذهاب لمكة في ذلك الوقت تطبيعا مع المشركين، ولا مزيلا لحواجز العداء والبغضاء بين المسلمين والمشركين، بل العكس هو الصحيح؛ فإن رؤية الكعبة في قبضة المشركين زاد في العداوة والبغضاء تجاههم، ولم يكن الذهاب لمكة منسيا لجهاد الكفار المحتلين، بدليل ما حصل بعد ذلك من ” فتح مكة ” وتطهيرها من رجس الشرك وأهله، وهكذا يقال في رؤية اليهود وهم يحتلون المسجد الأقصى؛ فإن ذلك يزيد في عداوتهم وبغضهم، ويزيد من الإصرار على تحرير المسجد – بل فلسطين كلها – من قبضتهم.

 

  1. ويقولون: إن السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى فيه توكيد للعالَم بأحقية المسلمين في هذا المسجد، وأنه باقٍ في ذاكرتهم لم ينسوه.

 

  1. ويقولون: إننا بسفرنا هذا نقدم دعما معنويّا للمسلمين هناك، حيث نراهم ونختلط بهم، ونقوي عزائمهم بالكلمة الطيبة والتشجيع على البقاء مرابطين.

 

  1. ويقولون: ونقدم أيضا للمسلمين هناك الدعم المادي، وذلك عن طريق الشراء من بضائعهم، أو إدخال مبالغ للفقراء والمحتاجين هناك.

 

 

 

 

 

والذي يترجح لنا هو جواز السفر إلى القدس من أجل الصلاة في المسجد الأقصى، لكن بشروط:

  1. أن تكون النية في السفر فقط إلى ” المسجد الأقصى “، دون غيره من أماكن العبادة، أو المساجد.
  2. أن لا يعقب الزيارة ولا يسبقها الذهاب إلى أماكن السياحة؛ لما فيها من مفاسد لا تخفى.
  3. أن لا تكون الإقامة في فنادق يهودية؛ لكونهم مغتصبين لها لا يملكون أرضها.
  4. أن لا يتم الشراء من أيٍّ من بضائعهم؛ لكونهم مغتصبين للأرض أو المحلات، وكل ما بني على فاسد ففاسد.

 

– وقد ذكرنا في جواب سابق تجويز الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله للسفر للصلاة في المسجد الأقصى.

 

والله أعلم.