الرئيسية بلوق الصفحة 47

أقوال العلماء في وقت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته وذِكر الراجح منها

أقوال العلماء في وقت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته وذِكر الراجح منها

السؤال:

ما هو تاريخ ولادة ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلدي الكثير من الآراء حول ذلك،  فما هو القول الصحيح والدليل في ضوء الكتاب والسنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف أهل السيَر والتاريخ في تحديد يوم وشهر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمر له سببه المعقول حيث لم يُعلم ما سيكون لهذا المولود من شأن، فكان حاله كحال غيره من المواليد، ولذا لم يكن لأحد أن يجزم على وجه اليقين بوقت ميلاده صلى الله عليه وسلم.

قال الدكتور محمد الطيب النجار – رحمه الله -:

ولعل السر في هذا الخلاف أنه حينما ولد لم يكن أحد يتوقع له مثل هذا الخطر، ومن أجل ذلك لم تتسلط عليه الأضواء منذ فجر حياته، فلما أذِن الله أن يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته بعد أربعين سنة من ميلاده: أخذ الناس يسترجعون الذكريات التي علقت بأذهانهم حول هذا النبي، ويتساءلون عن كل شاردة وواردة من تاريخه، وساعدهم على ذلك ما كان يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه عن الأحداث التي مرت به أو مر هو بها منذ نشأته الأولى، وكذلك ما كان يرويه أصحابه والمتصلون به عن هذه الأحداث.

وبدأ المسلمون – حينئذٍ – يستوعبون كل ما يسمعون من تاريخ نبيهم صلى الله عليه وسلم لينقلوه إلى الناس على توالي العصور.

” القول المبين في سيرة سيد المرسلين ” ( ص 78 ).

 

ثانيًا:

ومن مواضع الاتفاق في ميلاده صلى الله عليه وسلم تحديد العام، وتحديد اليوم:

  1. أما العام: فقد كان عام الفيل، وما ذكره بعض العلماء من كون ميلاده صلى الله عليه وسلم بعد العام الفيل بثلاثين عاماً أو أربعين: فإنما هو وهم منهم، أو مروي بأسانيد معلولة لا تصح.

قال الذهبي – رحمه الله -:

وقال أبو أحمد الحاكم: وُلد بعد الفيل بثلاثين يومًا، قاله بعضهم: قال: وقيل بعده بأربعين يومًا.

قلت: لا أبعد أن الغلط وقع من هنا على من قال ” ثلاثين عامًا “، أو ” أربعين عامًا “، فكأنه أراد أن يقول ” يومًا ” فقال ” عامًا “.

” تاريخ الإسلام ” ( 1 / 27 ).

 

 

ولذا لا يُتعجب من جزم بعض العلماء بأن مولده صلى الله عليه وسلم كان عام الفيل، ومن نقل بعض العلماء الإجماع عليه.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

لا خلاف أنه ولد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجوف مكّة، وأن مولده كان عامَ الفيل.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 76 ).

وقال محمد بن يوسف الصالحي – رحمه الله –:

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: عام الفيل.

قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور.

وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري: وهو الذي لا يشك فيه أحد من العلماء.

وبالغ خليفة بن خياط وابن الجزار وابن دحية وابن الجوزي وابن القيم فنقلوا فيه الإجماع.  ” سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ” ( 1 / 334 ، 335 ).

وقال الدكتور أكرم ضياء العمري – وفقه الله -:

والحق: أن الروايات المخالفة كلها معلولة الأسانيد، وهي تفيد أن مولده بعد الفيل بعشر سنوات، أو ثلاث وعشرين سنة، أو أربعين سنة، وقد ذهب معظم العلماء إلى القول بمولده عام الفيل، وأيدتهم الدراسة الحديثة التي قام بها باحثون مسلمون ومستشرقون اعتبروا عام الفيل موافقًا للعام 570م، أو 571م.

” السيرة النبوية الصحيحة ” ( 1 / 97 ).

  1. وأما اليوم: فهو يوم الاثنين، ففيه وُلد صلى الله عليه وسلم، وفيه بُعث، وفيه توفي.

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: ( سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ – أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ – ).

رواه مسلم ( 1162 ).

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وأبعدَ بل أخطأ من قال: ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ربيع الأول.

نقله الحافظ ” ابن دحية ” فيما قرأه في كتاب ” إعلام الروى بأعلام الهدى ” لبعض الشيعة.

ثم شرع ابن دحية في تضعيفه وهو جدير بالتضعيف إذ هو خلاف النص.

” السيرة النبوية ” ( 1 / 199 ).

 

ثالثًا:

وأما موضع الخلاف فقد كان في تحديد الشهر واليوم منه، وقد وقفنا على أقوال كثيرة في ذلك، ومنها:

  1. أن ميلاده صلى الله عليه وسلم كان لليلتين خلتا من ربيع الأول.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

فقيل: لليلتين خلتا منه، قاله ابن عبد البر في ” الاستيعاب “، ورواه الواقدي عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدنى.

” السيرة النبوية ” ( 1 / 199 ).

  1. وقيل: في ثامن ربيع الأول.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقيل لثمان خلون منه، حكاه الحميدى عن ابن حزم، ورواه مالك وعقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ أنهم صححو، وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي، ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه ” التنوير في مولد البشر النذير “. ” السيرة النبوية ” ( 1 / 199 ).

  1. وقيل: في عاشر ربيع الأول.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقيل: لعشر خلون منه، نقله ابن دحية في كتابه، ورواه ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر، ورواه مجالد عن الشعبى.  ” السيرة النبوية ” ( 1 / 199 ).

  1. وقيل : في ثاني عشر ربيع الأول.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقيل: لثنتى عشرة خلت منه، نصَّ عليه ابن إسحاق، ورواه ابن أبى شيبة في ” مصنفه ” عن عفان عن سعيد بن ميناء عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.

وهذا هو المشهور عند الجمهور، والله أعلم. ” السيرة النبوية ” ( 1 / 199 ).

  1. وقيل: ولد في رمضان.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والقول الثاني: أنه ولد في رمضان.

نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار، وهو قول غريب جدًّا، وكان مستنده أنه عليه الصلاة والسلام أوحي إليه في رمضان بلا خلاف، وذلك على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده في رمضان، وهذا فيه نظر، والله أعلم.

” السيرة النبوية ” ( 1 / 200 ).

هذه أبرز الأقوال في تحديد يوم وشهر مولده صلى الله عليه وسلم، وأشهر من قال بها، وثمة أقوال أخرى، ولم نقف على قائلها لننسبها إليه، وهي:

  1. قيل: ولد في صفر.
  2. وقيل: في ربيع الآخر.
  3. وقيل: في محرم.

والذي يظهر لنا أن أقوى ما قيل في مولده صلى الله عليه وسلم يدور بين الثامن والثاني عشر من ربيع أول، وقد حقق بعض العلماء المسلمين من أهل الحساب والفلك أن يوم الاثنين يوافق التاسع من ربيع الأول! فيمكن أن يكون هذا قولاً آخر، وفيه قوة، وهو يعادل العشرين من نيسان لعام 571 م، وهو ما رجحه بعض العلماء من كتَّاب السيرة المعاصرين ومنهم الأستاذ محمد الخضري، وصفي الرحمن المباركفوري.

 

قال أبو القاسم السهيلي – رحمه الله -:

وأهل الحساب يقولون: وافق مولده من الشهور الشمسية ” نيسان “، فكانت لعشرين مضت منه. ” الروض الأُنُف ” ( 1 / 282 ).

وقال الأستاذ محمد الخضري – رحمه الله -:

وقد حقق المرحوم محمود باشا الفلكي – عالم فلكي مصري، له باع في الفلك والجغرافيا والرياضيات وكتب وأبحاث، توفي عام 1885م -: أن ذلك كان صبيحة يوم الاثنين تاسع ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من أبريل / نيسان، سنة 571 من الميلاد، وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل، وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم. ” نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ” ( ص 9 ).

وقال صفي الرحمن المباركفوري – رحمه الله -:

ولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكة، في صبيحة يوم الاثنين، التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571 م، حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان المنصورفوري، والمحقق الفلكي محمود باشا. ” الرحيق المختوم ” ( ص 41 ) طبعة دار ابن خلدون.

 

رابعًا:

وأما يوم وفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: فلا خلاف في أنها كانت يوم الاثنين، وما نقل عن ابن قتيبة أنه يوم الأربعاء: فليس بصواب، ولعل مراده أنه صلى الله عليه وسلم دفن يوم الأربعاء، فهذا صحيح.

وأما سنة الوفاة: فلا خلاف في أنها كانت في العام الحادي عشر من الهجرة.

وأما شهر الوفاة: فليس ثمة خلاف أنها كانت في شهر ربيع أول.

وأما تحديد يوم الوفاة من ذلك الشهر: ففيه خلاف بين العلماء:

  1. فالجمهور على أنها كانت في الثاني عشر من شهر ربيع أول.
  2. وذهب الخوازمي إلى أنها كانت في الأول من ربيع أول.
  3. وقال ابن الكلبي وأبو مخنف إنها كانت في الثاني من ربيع أول، ووافقهما الحافظ ابن حجر رحمه الله.
  4. وذهب أبو القاسم السهيلي إلى أنها إما في الثاني من الشهر – وإليه الميل أكثر – أو الثالث عشر، أو الرابع عشر، أو الخامس عشر.

قال السهيلي – رحمه الله -:

واتفقوا أنه توفي – صلى الله عليه وسلم – يوم الاثنين، إلا شيئا ذكره ابن قتيبة في ” المعارف ” الأربعاء، قالوا كلهم: وفي ربيع الأول، غير أنهم قالوا – أو قال أكثرهم – في الثاني عشر من ربيع، ولا يصح أن يكون توفي صلى الله عليه وسلم إلا في الثاني من الشهر، أو الثالث عشر، أو الرابع عشر، أو الخامس عشر؛ لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت فقد كان ربيع الأحد أو الاثنين، وكيفا دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع يوم الاثنين بوجه، ولا الأربعاء أيضا كما قال القتبي.

وذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف أنه توفي في الثاني من ربيع الأول، وهذا القول وإن كان خلاف أهل الجمهور: فإنه لا يبعد إن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلها من تسعة وعشرين، فتدبره، فإنه صحيح، ولم أر أحدًا تفطن له، وقد رأيت للخوارزمي أنه توفي عليه السلام في أول يوم من ربيع الأول، وهذا أقرب في القياس بما ذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف.

” الروض الأنف ” ( 4 / 439 ، 440 ).

وقد أجاب عنه الإمام ابن كثير رحمه الله، فقال:

وقد اشتُهر هذا الايراد على هذا القول، وقد حاول جماعة الجواب عنه، ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد وهو اختلاف المطالع بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة.

ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة – يعنى من المدينة – إلى حجة الوداع.

ويتعين – كما ذكرنا – أنه خرج يوم السبت، وليس كما زعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس؛ لانه قد بقي أكثر من خمس بلا شك، ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة؛ لان أنسًا قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين.

فعلى هذا: إنما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة، وإذا كان أول ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة وحسبت الشهور بعده كوامل: يكون أول ربيع الاول يوم الخميس، فيكون ثاني عشر، يوم الاثنين.

والله أعلم. ” السيرة النبوية ” ( 4 / 509 ).

وقد استبعد الحافظ ابن حجر رحمه الله ما ردَّ به ابن كثير على السهيلي رحمه الله، وأيَّد السهيليَّ وأبا مخنف فيما ذهبا إليه من كون الوفاة في الثاني من ربيع أول.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – بعد بحث في المسألة -:

فالمعتمد: ما قال أبو مخنف، وكأن سبب غلط غيره: أنهم قالوا مات في ثاني شهر ربيع الأول فتغيرت فصارت ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضا من غير تأمل، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 8 / 130 ).

والأرجح: ما ذهب إليه الجمهور من أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في الثاني عشر من ربيع أول في العام الحادي عشر للهجرة.

 

والله أعلم.

 

هل تُقبل توبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل الأفضل أن يعترف بها للقاضي؟

هل تُقبل توبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل الأفضل أن يعترف بها للقاضي؟

السؤال:

بخصوص المسلم الذى قام بسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم سرًّا منافق!، وقام بإخفاء ذلك: فهل إذا تاب دون أن يُقتل فهل يَقبل الله توبته لكي يكون مسلمًا لأنه أصبح كافر، أم أنه يجب أن يعلن ما قام به لكي يتم إعدامه قبل أن يقبل الله عودته للإسلام مجددًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة من أركان الإسلام، وقد أُمر المسلمون بتعظيم قدر نبيهم صلى الله عليه وسلم ومحبته، وهو مستحق لذلك؛ لما له عند الله تعالى من منزلة رفيعة، ولما له من فضل على هذه الأمة أن كان سببًا في خروجها من جاهليتها، فكيف يجتمع كل هذا مع تجرؤ واحد من المسلمين على سب النبي صلى الله عليه وسلم؟! ولم يكن ثمة حاجة لأن يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق إلا أنه كافر بالله تعالى لا يؤمن برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤمن بأحقية هذا النبي للتوقير والتعزير، ولذلك لم يكن ثمة خلاف بين علماء الإسلام في كفر من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو كان هازلًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

إنَّ سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرَّم أو كان مستحلًّا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنَّة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. ” الصارم المسلول ” ( 1 / 513 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 40 / 61 ):

ورد في الكتاب العزيز تعظيم جُرم تنقص النبي صلى الله عليه وسلم أو الاستخفاف به، ولعن فاعله، وذلك في قول الله تعالى: ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينًا )، وقوله تعالى: ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين )، وقد ذهب الفقهاء تكفير من فعل شيئًا من ذلك. انتهى.

 

 

 

 

وفيها – أيضًا – ( 22 / 184 ):

وحكم سابِّه صلى الله عليه وسلم أنه مرتد بلا خلاف.

ويعتبر سابًّا له صلى الله عليه وسلم: كل مَن ألحق به صلى الله عليه وسلم عيبًا أو نقصًا، في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو ازدراه، أو عرض به، أو لعنه، أو شتمه، أو عابه، أو قذفه، أو استخف به، ونحو ذلك.

انتهى.

 

ثانيًا:

وبالإضافة لكفر ذلك السابّ فإنه يستحق القتل ردةً، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.

قال ابن المنذر – رحمه الله -:

أجمع عامة أهل العلم على أنَّ مَن سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عليه القتل.

انظر ” تفسير القرطبي ” ( 8 / 82 ).

وقال الخطابي – رحمه الله -:

لا أعلم أحدًا مِن المسلمين اختلف في وجوب قتله.

” معالم السنن ” ( 3 / 295 ).

 

ثالثًا:

وما الحكم لو أن هذا الساب تاب فدخل في الإسلام وندم على ما حصل منه وعزم على أن لا يعود لفعله القبيح؟.

والجواب: أما فيما بينه وبين ربِّه تعالى: فإن توبته تنفعه إن كان صادقًا فيها، وأما في حكم الشرع: فلا يرتفع عنه القتل، فيُقتل حدًّا لا ردَّة، فيغسَّل ويصلَّى عليه ويورث ويُدفن في مقابر المسلمين، هذا هو الراجح خلافًا لمن لم يقبل توبته، وجعل حكمه القتل ردَّة بكل حال.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل تُقبل توبة من سب الله عز وجل أو سبَّ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟.

فأجاب:

اختُلف في ذلك على قولين:

القول الأول: أنها لا تُقبل توبة من سبَّ الله، أو سب رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو المشهور عند الحنابلة، بل يُقتل كافرًا، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدعى له بالرحمة، ويُدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين.

القول الثاني: أنها تُقبل توبة من سبَّ الله أو سب رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقرَّ على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة، كقوله تعالى ( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا )، ومِن الكفار مَن يسب الله ومع ذلك تقبل توبتهم، وهذا هو الصحيح، إلا أن ساب الرسول عليه الصلاة والسلام تُقبل توبته ويجب قتله، بخلاف مَن سبَّ الله فإنها تقبل توبته ولا يقتل؛ لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد، بأنه يغفر الذنوب جميعًا، أما ساب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه يتعلق به أمران:

أحدهما: أمر شرعي لكونه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا يُقبل إذا تاب.

الثاني: أمر شخصي، وهذا لا تُقبل التوبة فيه لكونه حق آدمي لم يعلم عفوه عنه، وعلى هذا فيقتل ولكن إذا قتل، غسلناه، وكفناه، وصلينا عليه، ودفناه مع المسلمين.

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألَّف كتابًا في ذلك اسمه ” الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول ” وذلك لأنه استهان بحق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذا لو قذفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يقتل ولا يجلد.

فإن قيل: أليس قد ثبت أنَّ مِن الناس مَن سب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته وقَبِل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توبته؟.

أجيب: بأن هذا صحيح، لكن هذا في حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والحق الذي له قد أسقطه، وأما بعد موته فإنه لا يملك أحدٌ إسقاط حقِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيجب علينا تنفيذ ما يقتضيه سبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من قتل سابِّه، وقبول توبة الساب فيما بينه وبين الله تعالى.

فإن قيل: إذا كان يحتمل أن يعفو عنه لو كان في حياته: أفلا يوجب ذلك أن نتوقف في حكمه.

أجيب: بأن ذلك لا يوجب التوقف؛ لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.

فإن قيل: أليس الغالب أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعفو عمَّن سبَّه؟.

أجيب: بلى، وربما كان العفو في حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متضمِّناً المصلحة وهي التأليف، كما كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلَم أعيان المنافقين ولم يقتلهم ( لِئلاَّ يتحدث الناس أن محمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) لكن الآن لو علمنا أحدًا بعينه من المنافقين: لقتلناه، قال ابن القيم رحمه الله: ” إن عدم قتل المنافق المعلوم: إنما هو في حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط “. ا.هـ.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 150 ، 152 ).

 

 

 

 

فالوصية لكل من وقع في مثل هذا الذنب العظيم أن يبادر إلى الرجوع إلى الإسلام، ويتوب توبة صادقة، ولو فُرض وجود من يقيم حكم الله على الساب فإننا لا ننصح من وقع في هذا الذنب أن يذهب للحاكم أو القاضي الشرعي ليقيم عليه الحد، بل يكتفي بالتوبة الصادقة، والأعمال الصالحة ، وهو الذي قلناه مرارًا هنا للتائب من الزنا، وغيره من الذنوب التي تستوجب حدّاً في الشرع.

 

والله أعلم.

 

موظف في محل باع فيه بضائع لحسابه الشخصي من ماله فماذا يترتب عليه؟

موظف في محل باع فيه بضائع لحسابه الشخصي من ماله فماذا يترتب عليه؟

السؤال:

كنت أعمل في محل عندما كان عمري 17 عاما، وكان المحل يشترى ” كروت التليفون ” بـ 10 جنيه ويبيعه بـ 15، وعندما انتهت ” الكروت ” في مرة ما قمت بإخطار صاحب المحل ليحضر غيرها، ولكنه لم يحضر، فقمت بشرائها من مالي وأخذت المكسب لي، وعندما تركت المحل بعد سنوات استيقظ ضميري وقلت: لابدَّ أن أُرجع المكسب إلى المحل علماً أني تركت له 150 جنيها عندما تركت العمل، وأخرجت 140 جنيها لوجه الله باسم صاحب العمل.

والسؤال: معي الآن 300 جنيها هل أرسلها باسمه على عنوان المحل أم أخرجها لوجه الله باسمه، مع العلم أن صاحب العمل مسرف في المعاصي فلا أعرف فيما يستخدم المال؟ وكم أعطي له فأنا لم أعرف كم هو المكسب؟ وأيضا فارق سعر الجنيه، فهذا الموضوع منذ 10سنوات تقريبا.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا شك أن ما فعلتَه هو مما لا يحل لك، فالموظف الذي يبيع ويشتري لحسابه الشخصي في محل غيره – ممن يعمل عنده – ليس له حق في فعل ذلك أصلا، ولو فعل: فليس له حق في الربح الذي يجنيه، بل عليه أن يضعه في المحل الذي يعمل فيه؛ فهو يعمل في وقت محبوس فيه للعمل لغيره، وهو يبيع زبائن محل لا يملكه، فليس ثمة وجه لأن يكون فعله جائزا ولا ربحه حلالا، وفي الوقت نفسه ليس له ” أجرة المثل ” لأنه يبيع ويكسب وقت عمله، فهو يأخذ أجره مقابله، بل إنه قد استنزف وقتا مدفوع الأجر في عمل شخصي، فيكون تضييعا لذلك الوقت واكتسابا لأجر لا يستحق مقابله.

ولذا وَجب عليك – أخي السائل – التوبة من فعله، ووجب أن تُرجع المال الذي اكتسبته من بيع تلك البطاقات لصاحب المحل.

ثانيا:

والمبلغ الذي تقول إنك تركتَه في المحل – وهو 150 جنيها – إن كنتَ قصدتَ أن يكون تعويضا عن المبالغ التي كسبتها فاخصمها من المجموع الكلي للمبلغ الذي في ذمتك، وإن لم تكن قصدت ذلك وكنت قصدت تركها للمحل هبة أو صدقة: فليس لك أن تخصمها، ولا أن تتراجع عنها.

ثالثا:

والمبلغ الذي أخرجتَه عن صاحب المحل – وهو 140 جنيها – ليس لك أن تخصمه من المبالغ التي اكتسبتها والتي صارت ديْنا في ذمتك؛ لأن الواجب عليك إرجاع المال لصاحبه لا التصدق عنه، وإنما يجوز منك ذلك لو أنه انقطعت سبل الوصول لذلك الرجل، أمَا وأنت تعرف مكانه فلم يكن لك أن تتصدق بشيء مما في ذمتك عن صاحب الحق، واعلم أن الصدقة تلك وقعت لك إن شاء الله ونسأل الله أن تجدها في ميزان حسناتك.

رابعًا:

وإن لم تكن تعلم مقدار المال المكتسب من تلك الصفقات فلك أن تضع مبلغا تقريبيّا وتجعله حقّا لصاحب ذلك المحل، وابنِ على الأكثر لا الأقل، فإن شككت هل المبلغ 500 جنيها – مثلا – أم 600 جنيها: فاجعله الأعلى؛ لتبرأ ذمتك يقينا بذلك.

ولا تجعل كون صاحب ذلك المحل من أصحاب المعاصي حائلا بينك وبين إعطائه حقَّه، فلو كان يهوديّا أو نصرانيّا ما وسعك أخذ ماله وإنكاره عليه.

ولا يضرك اختلاف صرف العملة عما كانت عليه وقتئذٍ، فما ترتب في ذمتك من مال أدِّه بعدد جنيهاته كائنا ما كان الاختلاف في سعر صرف العملة عما كانت عليه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

توفي جدي من جهة أمي مند بضع سنوات، وقد أطلع المتوفى ابنَه على أن لديه أمانة لرجل منذ ثلاثين سنة تقريبا، وهي ستمائة ريال عربي فضة، عملة قديمة، والرجل الذي أعطاه الأمانة وعده أن يأتي لأخذ أمانته بعد يوم، ولم يكن لجدي أي علاقة أو معرفة بهذا الرجل الذي أودعه هذه الأمانة، حتى إنه لا يعرف اسمه، ولم يأت هذا الرجل ليأخذ أمانته، وبعد مضي خمس عشرة سنة احتاج جدي لهذه الأمانة فصرفها، الريال العربي الفضي بريال واحد سعودي، وأنفقها على نفسه، ونحن إلى هذا الوقت لم نفعل شيئاً تجاه هذه الأمانة، فنرجو إفتاءنا لنبرء ذمة المتوفى من هذه الأمانة. فأجابوا:

إذا كان الواقع كما ذكرت لجدك، أنه مات وهو مدين بمثل الأمانة التي أودعها عنده هذا الرجل، وبناء على ذلك: فعلى ورثته أن يدفعوا ستمائة ريال فضي سعودي لقاضي المحكمة التي تتبعونها، وتخبروه بصفتها وعددها وتاريخ إيداعها وغير هذا من أحوال الأمانة التي أخبر بها جدك ابنه، لتقوم المحكمة بحفظها لصاحبها إن أمكن العلم به، وإلا صرفتها في المصالح العامة كالصدقة على الفقراء وعمارة المساجد ونحو ذلك، وبذلك تبرأ ذمة والدكم إن شاء الله.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 401 ، 402 ).

فعجِّل بإبراء ذمتك بعد أن تتوب توبة صادقة، ونسأل الله تعالى أن يقبل منك، وأن ييسر أمرك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

وقفات مع قتل عثمان بن عفان، وهل بين القتلة أحد من الصحابة؟

وقفات مع قتل عثمان بن عفان، وهل بين القتلة أحد من الصحابة؟

السؤال:

رأيت أنه سيكون من الأفضل أن أفصل بين الأسئلة حتى أسهِّل على الشيخ.

يقول الله في القرآن بأنه رضي عن الصحابة فى مواضع عدة، بما فيها سورة الحشر في معرض حديثه عن  ” صلح الحديبية “، وقد قال لي أحد الشيعة بأن قاتل ” عثمان ” كان في هذه الجماعة، ونحن نلعن قاتله، وأنا غير متأكد مما إذا كانت تلك فرية ضد الصحابة، فإذا كان بوسعكم – يا شيخ – أن تقوموا بالتوضيح: فسيساعدني ذلك كثيرًا.  وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته عثمانَ بن عفان أنه ستصيبه بلوى، وأنه يموت فيها شهيدًا، وعهد إليه بالصبر على تلك البلوى، فأطاع عثمان رضي الله عنه نبيَّه ولم يخالف أمره، ولم ينقض عهده.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ادْعُوا لِي بَعْضَ أَصْحَابِي ) قُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: ( لَا ) قُلْتُ: عُمَرُ؟ قَالَ: ( لَا ) قُلْتُ: ابْنُ عَمِّكَ عَلِيٌّ؟ قَالَ: ( لَا ) قَالَتْ: قُلْتُ : عُثْمَانُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ( تَنَحَّيْ ) جَعَلَ يُسَارُّهُ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ فِيهَا قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ.

رواه أحمد ( 40 / 297 ) وصححه المحققون.

وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ … ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي ( افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ ) فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. رواه البخاري ( 3490 ) ومسلم ( 2403 ).

– ( حائط ) بستان فيه نخيل.

 

ثانيًا:

ولذلك فعندما حاصره الأوباش الظلمة في داره: عرض عليه الصحابة رضي الله عنهم أن يدفعوا عنه، وأن يقاتلوا دونه: فأبى رضي الله عنه، وأمرهم بالانصراف عنه، وحتى لا يسبب لغيره القتل، وهو يعلم أنه المراد لا غيره.

 

 

قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، قال عثمان: لا حاجة بي في ذلك، كفوا.

وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن.

وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.

فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح عثمان الباب ودخلوا عليه في أصح الأقوال. فقتله المرء الأسود.

” العواصم من القواصم ” ( ص 139 – 141 ).

وكان قتله – رضي الله عنه – في صبيحة يوم الجمعة، الثاني عشر من شهر ذي الحجة، من السنة الخامسة والثلاثين للهجرة، وذلك بعد حصار داره لمدة أربعين يومًا، وكان سِنَّه عند قتله: اثنتين وثمانين سنة.

 

ثالثًا:

وقد نزَّه الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أحد منهم مشاركًا في قتل عثمان رضي الله عنه، بل وليس أحدٌ من أبناء الصحابة كان مشاركًا، ولا معينًا لأولئك الأوباش الأرذال، وكل ما ورد في مشاركة أحد من الصحابة – كعبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمِق -: فمما لم يصح إسناده.

  1. قال ابن كثير – رحمه الله -:

وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله: تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم، إلا محمد بن أبي بكر.

” البداية والنهاية ” ( 7 / 207  ).

– وسيأتي التنبيه على عدم صحة مشاركة محمد بن أبي بكر بقتل عثمان رضي الله عنه.

  1. وقال النووي – رحمه الله -:

ولم يشارك في قتله احد من الصحابة.

” شرح مسلم ” ( 15 / 148 ).

  1. وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله: فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه، بل كلهم كرهه، ومقته، وسبَّ من فعله. ” البداية والنهاية ” ( 7 / 221 ).

 

  1. وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل كان في الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه أحدٌ من الصحابة؟

فأجاب:

لا نعلم أحداً من الصحابة شارك في قتل عثمان.

” شرح سنن الترمذي ” ( شريك رقم 239 ).

  1. وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي – حفظه الله -:

أنه لم يشترك في التحريض على عثمان رضي الله عنه فضلًا عن قتله أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وأن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد.

” فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ” ( 1 / 289 ).

وهذا الكتاب من منشورات عمادة ” البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، في المملكة العربية السعودية “، وهو كتاب قائم على تحقيق الروايات الواردة في كل صغيرة وكبيرة في فتنة قتل عثمان رضي الله عنه، وقد قام مؤلفه بحوار علمي حول الكتاب مع الشيخ الألباني رحمه الله كما تجده في أشرطة ” سلسلة الهدى والنور ” تحت رقم ( 404 ).

 

رابعًا:

وأما محمد بن أبي بكر: فليس هو من الصحابة أصلًا، ولم يصح اشتراكه في قتل عثمان، ولا في التحريض عليه، وقد أثبت بعض العلماء روايات تبين تراجعه عن المشاركة في قتل عثمان.

  1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ليس له صحبة ولا سابقة ولا فضيلة … .

فهو ليس من الصحابة لا من المهاجرين ولا الأنصار …

وليس هو معدودا من أعيان العلماء والصالحين الذين في طبقته … وأما محمد بن أبي بكر فليس له ذكر في الكتب المعتمدة في الحديث والفقه.

” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 375 – 377 ) باختصار.

  1. وقال ابن كثير – رحمه الله -:

ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه.

والصحيح: أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها.

فتذمم من ذلك، وغطى وجهه، ورجع وحاجز دونه فلم يفد، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. ” البداية والنهاية “( 7 / 207 ).

 

 

  1. وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي – حفظه الله -:

محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض على قتل عثمان رضي الله عنه، ولا في قتله، وكل ما روي في اتهامه بذلك: باطل لا صحة له.

” فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ” ( 1 / 290 ).

 

خامسا:

ولذلك ثبت أن طائفة من الصحابة الأجلاء لعنت قتلة عثمان رضي الله عنه، ووصفهم العلماء بما يليق بهم.

  1. روى الإمام أحمد في ” فضائل الصحابة ” ( 1 / 455 ) بإسناد صحيح من طريق محمد بن الحنفية قال: بلغ عليّاً أن عائشة تلعن قتلة عثمان في ” المربد “، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل.

قال مرتين أو ثلاثًا.

  1. وقال النووي – رحمه الله -:

وأما عثمان رضي الله عنه: فخلافته صحيحة بالإجماع، وقُتل مظلومًا، وقتلته فسقة؛ لان موجبات القتل مضبوطة، ولم يجر منه رضي الله عنه ما يقتضيه … .

وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف، والأرذال، تحزبوا وقصدوه من ” مصر ” فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه رضي الله عنه. ” شرح مسلم ” ( 15 / 148 ، 149 ).

  1. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما الساعون في قتله – يعني: عثمان – رضي الله عنه: فكلهم مخطئون، بل ظالمون، باغون، معتدون، وإن قُدِّر أن فيهم من قد يغفر الله له: فهذا لا يمنع كون عثمان قُتل مظلومًا.  ” منهاج أهل السنَّة ” ( 6 / 297 ).

وقال – رحمه الله -:

والذين خرجوا على عثمان: طائفة من أوباش الناس.

” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 164 ).

فتبين مما سبق: عدم مشاركة أحد من الصحابة رضي الله عنهم في قتل عثمان رضي الله عنه، وأن من فعل ذلك فهو يستحق اللعن والسب، وقد قتلوا جميعًا شر قتلة.

 

 

 

 

روى أحمد في ” فضائل الصحابة ” ( 1 / 501 ) بإسناد صحيح عن عَمْرة بنت أرطأة العدوية قالت: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة، ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حَجره، فكانت أول قطرة من دمه على هذه الآية ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) قالت عمرة: فما مات منهم رجل سويًّا.

انتهى.

وبه تعلم أنه يبقى الفضل الثابت للصحابة عمومًا ولأهل بيعة الرضوان خصوصاً على ما هو عليه، واستحقوا قول الله تعالى ( لقد رَضيَ اللهُ عَن المُؤمنينَ إذ يُبَايعونَك تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلوبِهم فأنزَلَ السَّكينةَ عَليهم وأثَابَهم فَتحًا قَريبًا ) الفتح/ 18.

وبه يتبين كذب ذلك الرافضي، وإنما أوتي من اغتراره بما يوجد في بعض كتب أهل السنَّة من مشاركة بعض الصحابة من أهل بيعة الرضوان في قتل عثمان رضي الله عنه، وإنما هي من طريق ضعيفة وباطلة ، فإما أن يكون الرجل لم تثبت صحبته – مثل كنانة بن بشر وحكيم بن جبَلة – أو لم تثبت مشاركته في قتل عثمان – كعمرو بن الحمِق وعبد الرحمن بن عُديس، والخبر عنهما أنهما مشاركان في قتل عثمان جاء من طريق ” الواقدي ” المتروك -.

ولمن أراد مزيدا من التفاصيل فليرجع لكتاب ابن العربي ” العواصم من القواصم “، وكتاب ابن غبان الصبحي ” فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه “، وكتاب ” حقبة من التاريخ ” للشيخ عثمان الخميس.

 

والله أعلم.

 

 

كيف نفهم معنى كون الحرم آمنًا لمن دخله مع وجود ما حصل فيه من قتل وإيذاء؟

كيف نفهم معنى كون الحرم آمنًا لمن دخله مع وجود ما حصل فيه من قتل وإيذاء؟

السؤال:

هناك عدة آيات في القرآن تتحدث عن أمن مكة كالآية التي تقول بأن مكة هي البلد الأمين، ولا أتذكر ما إذا كان حديث وآية قرآنية أيضًا التي تقول بأن من دخل مكة كان آمنًا، وقيل أيضا في أحد الأحاديث بأن الدجال لن يتمكن من دخول مكة، وبأن الملائكة تحرس طرق الدخول للمدينة، ولهذا فبوجه عام يمكنني الفهم بأن المقصود بأمن مكة هو الأمن المادي الذي يكفله الله سبحانه وتعالى، لكني مع هذا أشعر بأنه يمكن أن يكون استنتاج خاطئ لأنه حدث في الماضي قتال داخل مكة، وقد روي عن قتل مسلمين داخل الكعبة المشرفة.

ولهذا فإن السؤال هو: هل ” الأمن ” المذكور في القرآن والسنَّة يعنى: تحريم القتل داخل المنطقة الحرام وليس وعداً بأمن مادي؟.

وأنا – والحمد لله – أبعد ما أكون عن الشك في مصداقية وعود الله – والعياذ بالله – لكني فقط غير متأكد من الفهم الصحيح للمعنى.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما ذكرتَه أخي السائل في مقدمة سؤالك قد جاء النص عليه في الكتاب والسنَّة الصحيحة، وإليكه بترتيبك:

  1. قال تعالى ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) التين/ 1 – 3.

* قال البيضاوي – رحمه الله -:

( وهذا البلد الأمين ) أي: الآمن، من أمُن الرجل أمانة فهو أمين، أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله، والمراد به مكة.

” تفسير البيضاوي ” ( 5 / 507 ).

  1. ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) آل عمران/ 96، 97.
  2. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ). رواه البخاري ( 1782 ) ومسلم ( 2943 ).

النقاب: الطرق.

 

 

ثانيًا:

والأمن الذي ذكره الله تعالى من خصائص بيته المحرَّم قد ذكر العلماء رحمهم الله له معانٍ كثيرة، منها الضعيف، ومنها القوي المقبول.

ومن أضعف الأقوال: قول من قال إن من دخل الحرم أمِن من عذاب الآخرة!.

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومَن ظن أنَّ مَن دخل الحرم كان آمناً من عذاب الآخرة مع ترك الفرائض من الصلاة وغيرها ومع ارتكاب المحارم: فقد خالف إجماع المسلمين، فقد دخل البيت من الكفار والمنافقين والفاسقين مَن هو مِن أهل النار بإجماع المسلمين.

” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 344 ).

 

وأشهر معاني ” الأمن ” المقبولة:

  1. أن الأمن في الحرم في الجاهلية، وهو الأمن على النفس للداخل فيه، من القتل والإيذاء من الجبابرة، وممن هو فيه من الناس كولي من قتله، وأيضًا: الأمن على البيت الحرام أن يصيبه خسف أو هدم عقوبة من الله تعالى، وهو ما امتنَّ الله تعالى به على أهل الحرم في الجاهلية.

قال تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67.

 

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

يعني بقوله ( آمِنًا ): آمنًا من الجبابرة وغيرهم، أن يُسلَّطوا عليه، ومِن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان، من خسف، وائتفاك، وغرق، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته – أي: عقوباته – التي تصيب سائر البلاد غيره.

” تفسير الطبري ” ( 2 / 44، 45 ).

والائتفاك : هو العذاب الشديد.

وقد ذكر ابن العربي المالكي رحمه الله في معنى ” الأمن ” أقوالًا، منها:

الثاني: معناه من دخله كان آمنًا من التشفي والانتقام، كما كانت العرب تفعله فيمن أناب إليه من تركها لحقٍّ يكون لها عليه.

” أحكام القرآن ” ( 1 / 69 ).

 

 

 

 

وهو القول الذي رجحه، قال:

والصحيح فيه: القول الثاني، وهذا إخبار من الله تعالى عن منَّته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه; إجابة لدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أنزل به أهله وولده، فتوقع عليهم الاستطالة، فدعا أن يكون أمنا لهم فاستجيب دعاؤه.

” أحكام القرآن ” ( 1 / 69 ).

ولمَّا كان الحرم آمنًا جاءت أهلَه الثمرات من كل مكان، رزقًا من رب العالمين، واستجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ) القَصَص/ 57.

  1. أن الأمن المراد في الآية الثانية المذكورة سابقًا أنه خبر بمعنى الإنشاء، والإنشاء هنا هو الأمر بتأمين من يدخل الحرم، فليس خبرًا مجردًا كما هو الحال في وصفه أيام الجاهلية، أو في آخر الزمان أنه يأمن فيه داخله من الدجال.

ولا أحد ينكر ما حصل في الحرم لبيته ولأهله، من الهدم والقتل، وحاشاه أن يكون خبرًا مجرَّدًا في الإسلام والواقع يشهد بعدم وجود أمان لمن دخله في أزمان عديدة.

وكلا المعنيين يحتمله قوله تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) البقرة/ 125.

 

* قال الطاهر بن عاشور- رحمه الله -:

والمراد من ” الجعل ” في الآية: إما الجعل التكويني؛ لأن ذلك قدَّره الله، وأوجد أسبابه، فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية، ويسَّرهم إلى تعظيمه.

وإما ” الجعل “: أن أمر الله إبراهيم بذلك، فأبلغه إبراهيم ابنَه إسماعيل، وبثه في ذريته، فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلَّمة، فدام ذلك الأمن في العصور، والأجيال، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان، وتم مراد الله تعالى.

فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف، في حصار ” الحجَّاج ” في فتنة ” ابن الزبير “، ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن ” القرامطة ” حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي – نسبة إلى بلدة يقال لها جنَّابة، بتشديد النون – كبير القرامطة، إذ قتل بمكة آلافًا من الناس، وكان يقول لهم: ” يا كلاب، أليس قال لكم محمد المكي: ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) آل عمران: من الآية 97، أيُّ أمنٍ هنا؟! “، وهو جاهل غبي؛ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمنًا في مدة الجاهلية، إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم، أو هو خبر مراد به الأمر مثل (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) البقرة/ 228.

” التحرير والتنوير ” ( 1 / 690، 691 ).

 

فتحصَّل لنا أن معنى ” الأمن ” في الحرم:

  1. أن يكون خبرًا مجردًا، وله أحوال:

أ. أمن البيت في الجاهلية من الهدم والغرق والخسف.

ب. أمن أهله في الجاهلية من القتل من الجبابرة، وأمن داخله من الناس، فكان الرجل يرى قاتل والده ولا يمسه بسوء ولا يخيفه.

ج. أمن أهله في الإسلام من فتنة الدجال.

  1. أن يكون خبرًا بمعنى الإنشاء، والمراد به: الأمر بتأمين من كان فيه من الناس داخله.

 

ونرجو بما قلناه أن يكون قد زال عندك الإشكال في معنى ” الأمن ” في الحرم، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

 

هل يدخل الموقف من أهل البدع في ” الولاء والبراء “؟

هل يدخل الموقف من أهل البدع في ” الولاء والبراء “؟

السؤال:

أدرس حاليًّا في الجامعة، وأنا عضو من أعضاء المجتمع المسلم، ولكنه ليس إسلاميًّا لأنه غير موحد تحت راية عقيدة أهل السنة والجماعة، ويسمح للشيعيين أن يدخلوا فيه وينصهروا بداخله.

هل هذا جائز؟ وهل هذا ضد عقيدة ” الولاء والبراء ” لأن هذا فيه مخالطة شديدة بأهل البدع والضلال؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الولاء والبراء ” هما من أصول الإسلام، ومن شعائره المهمة، ومعناهما: الولاء للمسلمين ومحبتهم ونصرتهم ورحمتهم، والبراءة من الكافرين والمبتدعة، ونعني به: بغضهم وعداوتهم وتجنب مخالطتهم.

وفيهما تفاصيل دقيقة يمكن النظر فيها في الكتب المتخصصة في الحديث عنهما، ككتاب ” عقيدة السلف وأصحاب الحديث ” للإمام أبي عثمان إسماعيل الصابوني من المتقدمين، وكتاب ” الولاء والبراء ” للدكتور محمد سعيد القحطاني من المعاصرين.

ثانيًا:

ولا شك أن للولاء والبراء تعلقًا بالبدعة وأهلها، فإذا تحقيق التوحيد لا يتم إلا بالبراءة من الكفر وأهله: فإن تحقيق السنَّة لا يتم إلا بالبراءة من البدعة وأهلها.

* قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

ومِن أبرز معالم التميز العقدي فيها – يعني: ” قواعد الاعتقاد السلفي ” -، وبالغ الحفاوة بالسنَّة والاعتصام بها، وحفظ بيضة الإسلام عما يدنسها: نصب عامل ” الولاء والبراء ” فيها، ومنه: إنزال العقوبات الشرعية على المبتدعة، إذا ذُكِّروا فلم يتذكروا، ونهوا فلم ينتهوا، إعمالًا لاستصلاحهم وهدايتهم وأوبتهم بعد غربتهم في مهاوي البدع والضياع، وتشييداً للحاجز بين السنَّة والبدعة، وحاجز النفرة بين السنِّي والبدعي، وقمعًا للمبتدعة وبدعهم، وتحجيمًا لهم ولها عن الفساد في الأرض، وتسرب الزيغ في الاعتقاد، ليبقى الظهور للسنن صافية من الكدر، نقية من علائق الأهواء وشوائب البدع، جارية على منهاج النبوة وقفو الأثر، وفي ظهور السنة أعظم دعوة إليها ودلالة عليه، وهذا كله عين النصح للأمة.

كل هذا تحت سلطان القاعدة العقدية الكبرى ” الولاء والبراء ” التي مدارها على الحب والبغض في الله تعالى، الذي هو ” أصل الدين ” وعليه تدور رحى العبودية. ” هجر المبتدع ” ( ص 3 ، 4 ) باختصار.

* وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

فلا يُتصوَّرْ من جهة الحق أن يكون مواليًا للسنَّة وهو ليس مُتَبَرِئاً من أهل البدع إلا إذا كان لم يفهم السنَّة، أو أنَّ عنده هوى تفريق.

فمَن والَى السنَّة: فلا بد عليه أنه يتبرأ من البدعة، ومَن والَى أهل السنَّة: فلا بد أن يتبرأ من أهل البدعة.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( 2 / 1404 ) – طبعة ابن الجوزي، القاهرة -.

ثالثًا:

والرافضة شر من وطئ الحصى، فبغضهم من الدِّين، وعقائدهم الكفرية أوضح من أن يستدل على بطلانها، وقد ترك كثير منهم ” التقية ” فراحوا يجهرون بالقول بتحريف القرآن، وبتكفير الصحابة، وبعصمة أوليائهم، وغير ذلك من أقوال الإلحاد والزندقة، ولذا فإن بغضهم وترك مجالستهم ومخالطتهم: يعدُّ من تحقيق ” البراء “، إلا أن يكون المسلم مستضعفًا لا يملك حولًا ولا قوة في هجرهم، أو يكون داعية يتوصل بتلك المخالطة لجعلهم يتركون ما هم فيه من ضلال، وأما عامة المسلمين فليس لهم حكم العلماء والدعاة، بل عليهم تجنبهم وبغضهم، ولا يحل محبتهم ولا تزكيتهم، فضلاً عن تقديمهم على أهل السنَّة في شئون الإدارة أو الدعوة.

* قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ – رحمه الله -:

فالواجب على من أحب نجاة نفسه وسلامة دينه: أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب؛ فإن الإيمان لا يستقيم إلا بذلك، والقيام به؛ لأنه من أهم المهمات، وآكد الواجبات.

إذا عرفت هذا: فمواكلة الرافضي والانبساط معه وتقديمه في المجالس والسلام عليه: لا يجوز؛ لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين بقوله: ( لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) آل عمران/ 28، وقال تعالى: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) النساء/ 140. والآيات في المعنى كثيرة.

والسلام تحية أهل الإسلام بينهم، فإذا سلَّم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقاهم بالإكرام والبشاشة، وألان لهم الكلام: كان ذلك موالاة منه لهم، فإذا وادَّه، وانبسط لهم، مع ما تقدم: جمع الشرَّ كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة، كما ورد في الحديث: (ألا أدلكم على ما تحابون به؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفشوا السلام بينكم )، فإذا سلَّم على الرافضة، والمبتدعين، وفساق المسلمين: خلصت مودته ومحبته في حق أعداء الله وأعداء رسوله.

          وقال الحسن: لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم؛ فإني أخاف أن ترتد قلوبكم.

فانظر رحمك الله إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم، فكيف بالرافضة الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟! مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم.

ومواكلتهم، والسلام عليهم – والحالة هذه -: من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين.

” الدرر السنية ” ( 8 / 438 – 440 ).

فإذا عرفت ما سبق تبين لك أنه لا يجوز السماح للرافضة بأن يندمجوا في المجتمعات الإسلامية السنيَّة، ولا يجوز التلبيس على العامة بأنهم طائفة من المسلمين، فمن لم يستطع إخراجهم من المؤسسات التي يكونون فيها يمثلون الإسلام: فليخرج المسلمون من تلك المؤسسات ليتميزوا باعتقادهم ومنهجهم، فإن عجزتم عن ذلك فاجعلوا أمر مخالطتهم ومجالستهم للعلماء وطلبة العلم الذين يعرفون عقائدهم ليمنعوهم من تحقيق مآربهم في نشر التشيع ، ولتحذير العامة من شرورهم، ولكشف مخططاتهم، مع دعوة من يرونه أهلًا لأن يترك تشيعه إن تبين له الحق، ويُراعى في كل ذلك المصلحة الشرعية من إظهار التبرؤ من أولئك الرافضة عمليّاً وظاهريًّا.

* وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

لكن إذا حصل هذا التَّبَرُؤُ عقيدةً فهل يلزم منه أن يُظْهَر في كل حال؟.

لا، إظهاره بحسب المصلحة الشرعية، قد يُظْهَرْ ويكون إعلان للبراءة ظاهرًا في التبرؤ من الأشخاص، وقد يُؤَخّر بحسب ظهور السنَّة وخفائها وما يُنْظَرْ في ذلك من المصالح.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( 2 / 1404 ) – طبعة ابن الجوزي، القاهرة -.

والله أعلم.

حكم استعمال الدواء المشتمل على مادة ” المينثول “

حكم استعمال الدواء المشتمل على مادة ” المينثول “

السؤال:

هل ” المنثول ” في الإسلام مباح؟ استنادًا إلى حقيقه قالها لي أستاذي في الكيمياء بأن ” المنثول ” كحولي لأنه يدخل  في تركيبه رابط ” الهيدروكسيل ” OH.

أعاني من صعوبة فى التنفس أثناء الليل، وأستخدم قطرة عن طريق الأنف، ولكنها لا يمكن استخدامها لعدة أيام، لذا نصحني الطبيب بأدوية أخرى والتي تحتوي على ” المنثول “.

الجواب:

الحمد لله

1. ” النعناع ” نبتة طيبة الرائحة، تستعمل في الطعام، والشراب، ويستعمل زيتها في صناعة العطور، والأدوية، وهي أنواع كثيرة.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “:

ينمو النعناع في مختلف أنحاء العالم، وتُستخدم أوراقه وزيته لإضفاء النكهة على الطعام المطبوخ، وفي صنع العطور، كما يستخدم أيضاً في صنع الأدوية.

ويوجد حوالي 5,600 نوع مختلف من أنواع النعناع. انتهى.

2. ويستخلص من ورق النعناع زيته المشتهر بفوائد كثيرة؛ وذلك بسبب ما يحتويه على مركبات متنوعة، ومن أشهرها مركب ” المينثول ” – ويطلق عليه أيضًا ” المينتول -.

* قال الدكتور محيي الدين عمر لبنية – وفقه الله -:

وزيت النعناع لا لون له، أو أصفر مخضر، له رائحة مميزة، ومذاق مر قليلاً، يعطي الشعور بالبرودة، ويحتوي على مركب ” المينثول ” – Menthol -, كما يحتوي على مركب ” ليمونين ” – limonine -، و ” كارفون “، و ” فيلاندرين” – phellanderene -، و ” إسترات ” – esters -.

بحث ” نعناع المدينة “، منشور في مجلة ” مركز بحوث ودراسات المدينة “، العدد ( 11 )، ( ص 179 ).

3. و ” النعناع الفلفلي ” من أشهر أنواع النعناع، ومركب ” المينثول ” المستخرج منه يستعمل في صناعة الأدوية، وخاصة ما يتعلق بالقصبات الهوائية، والجيوب الأنفية.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “:

” النعناع الفلفلي ” نبات عشبي معمر، من فصيلة النعناع ، يزرع لاستخلاص زيت عطري من أوراقه، وزيت النعناع الفلفلي أحد أكثر مطيبات المذاق استخدامًا في مجال صناعة الحلوى، كما يضفي على كثير من الأدوية ومحاليل تطهير الفم ومعاجين الأسنان مذاقًا طيِّبًا، وتحتوي بعض أدوية آلام الأسنان والمغص أيضًا على زيت النعناع، وتصنع منه أيضًا مادة ” المنثول ” التي تدخل في تركيب كثير من أدوية الزكام والسعال، وهي مادة تترك إحساسًا رطبًا بالفم. انتهى.

4. ويصنع من مادة ” المينثول ” مراهم للجلد، وشراب لقطع رياح البطن، ولتهدئة القولون المتهيج.

* قال الدكتور محيي الدين عمر لبنية – وفقه الله -:

يستعمل مركب ” المينثول ” – menthol – المكون الرئيس في زيت النعناع العطري المستخلص من أوراق ” النعناع الفلفلي ” في تحضير بعض الأدوية, ويفيد ” المينثول ” في تخفيف شدة أمراض التهاب القصبات الهوائية، والتهاب الجيوب الأنفية, كما يفيد دهن ” المينثول ” على جلد الإنسان في توسيع الأوعية الدموية وإحساسه بالبرودة يليها قلة شعوره بالألم، ويفيد استعماله على شكل مرهم – أو lotion – في تخفيف الشكوى من الحكة في الجلد – pruritus – و ” أرتكاريا ” – urticaria -, ويساعد إعطاء مركب ” المينثول ” عن طريق الفم في قطع ” رياح البطن ” –  carminative -, ويفيد استعماله في علاج تناذر القولون المتهيج ” القولون العصبي ” – irratible colon syndrome – حيث يُحدث ارتخاء عضليًّا في الأمعاء الغليظة، ويخفف شكوى المريض من الألم, ويستعمل أيضًا مركب ” المينثول ” في تحضير عدة أدوية تقليدية لعلاج السعال، ونزلات البرد، وسواهما.

بحث ” نعناع المدينة “، منشور في مجلة ” مركز بحوث ودراسات المدينة “، العدد ( 11 )، ( ص 183، 184 )، الدكتور محيي الدين لبنية.

5. وبما سبق يتبين: أن مادة ” المينثول ” مادة طبيعية، خلقها الله تعالى في زيت النعناع، والمستخرج من أوراق النعناع التي أنبتها الله تعالى في الأرض.

وكون ” المينثول ” يحتوي على رابط ” الهيدروكسيل ” – OH – لا يجعله ممنوعاً وإلا لمنع استعمال أوراق النعناع! ولا قائل به، وهذا الرابط – OH – موجود في أصل مواد طبيعية كثيرة، خلقها الله وامتنَّ بها على عبيده.

6. ولو فرض وجود ” كحول ” في ذلك الدواء – وهو قطرة الأنف -: فإن حكم الكحول يتبع حكم ” الخمر ” في الطهارة والنجاسة، والذي نرجحه أنها طاهرة العين، وكذا يقال في ” الكحول “.

ثم إنه ينظر في تأثير الكحول في الدواء فإن كان الكحول قد استُهلك في الدواء – كما هو الغالب -: فيجوز استعماله، وإلا فلا.

7. ونحن نفرِّق بين استعمال الكحول المسكر كثيره شربًا، وبين استعماله خارجيًّا، فنمنع من شرب القليل منه إن كان يُسكر كثيره، إلا أن يكون هذا القليل مُستهلكًا في الدواء ولا أثر له، ولا نمنع من استعمال الدواء الكحولي استعمالًا خارجيًّا كمرهم، أو قاتل للجراثيم، عند الحاجة، حتى لو الكحول كان ظاهرًا قويًّا.

جاء في قرار ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لـ ” رابطة العالم الإسلامي “:

يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة، تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات، والدهون الخارجية. ” قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ” ( ص 341 ).

– وفي جواب سابق ذكرنا جواز استعمال أدوية تحتوي على كحول لعلاج فروة الرأس.

 

الخلاصة:

جواز استعمال الدواء المشتمل على مادة ” المينثول “؛ لأنه مادة طبيعية، ولو فرض وجود نسبة من الكحول في الدواء معه: فيجوز استعماله أيضًا؛ لطهارة الكحول ابتداء، ولكونه يكون مستهلكًا في الدواء عادة، وإذا كان الاستعمال له خارجيّاً فتقوى الإباحة.

 

والله أعلم.

وقفات مع كتب ” حياة الصحابة ” و ” كنز العمال ” و ” حلية الأولياء “

وقفات مع كتب ” حياة الصحابة ” و ” كنز العمال ” و ” حلية الأولياء ”

السؤال:

الحمد لله الذي هدانا من خلال موقعكم إلى التمسك بطريق الاستقامة والحق، طريق هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، ولقد أجاب موقعكم على كل أسئلتي وشكوكي التي طرحتها عليه، والحمد لله، وأسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على جهدكم، أنت وكل فريق العمل، وسؤالي لكم هو: أحب قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، ولقد قرأت كتابين في هذا الموضوع، ولقد بدأت مؤخراً في قراءة كتاب ” حياة الصحابة ” للشيخ محمد يوسف الكندهلوي، لكني عرفت من بعض الناس أنه استند إلى أحاديث ضعيفة في رواياته، وأن معظم روايته استند إليها من كتاب ” كنز العمَّال ” و ” حلية الأولياء ” الذي لم أسمع عنهما من قبل، فهل أوضحت لي حكم هذين الكتابين المشار إليهما؟ وهل يجوز الاستمرار في قراءته على الرغم مما ورد فيه من ضعف في روايات الحديث؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كتاب ” حياة الصحابة ” للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي رحمه الله – وهو ابن الشيخ محمد إلياس مؤسس جماعة التبليغ – قد رتَّبه على الأبواب لا على أسماء الصحابة، فذكر دعوتهم إلى الإسلام، وبيعتهم، وتحملهم للشدائد، وهجرتهم، وغير ذلك من الأبواب، وذكر تحت كل باب ما يناسبه من حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقصصهم ما يناسب ذلك التبويب.

وقد اعتمد في سرده لتلك الأحوال والقصص والأحاديث على كثير من كتب السنَّة النبوية، وكثير من كتب التاريخ، والتراجم، وكان ينقل في كثير من الأحيان حكم الحديث أو الحادث إن كان نقله من كتاب حكم فيه مؤلفه على ما يذكره من روايات، كما فعل فيما نقله عن ” مجمَع الزوائد ” للهيثمي، ومؤلفات الذهبي وابن كثير رحمهما الله، وغيرهم.

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في الحكم على الكتاب إلى ثلاثة اتجاهات، طرفان ووسط، أما الطرف الأول فهو الذي قبِلَ الكتاب بكل ما فيه، وراح يجعله حجة على الخلق بما فيه من مرويات وحوادث؛ تعصُّبًا للمصنِّف لأنه شيخ جماعتهم، أو جهلًا بعلم الحديث والتخريج والتصحيح والتضعيف، وأما الطرف الآخر فهو الذي حكم على الكتاب بالإعدام! فقال عنه ” وهو مملوء بالخرافات والقصص المكذوبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة، وهو من كتب الشر والضلال والفتنة “!.

نرى أن كلا الحكمين على صواب، والعدل: الوسط، وهو أن الكتاب كغيره من كتب التراجم والتاريخ فيه الصحيح وفيه الضعيف وفيه المنكر والموضوع، فليس كله مقبولًا ولا كله مردودًا، والكتب التي نقل عنها المصنِّف ليست سواء في قوتها وتحري أصحابها لرواية الصحيح وتدوينه في كتبهم، وليس من العدل أن نجعل الحكم على الكتاب مجموعًا كحكمنا على آحاد الكتب التي نقل عنها المصنِّف – كما يسوق لذلك متعصب للكتاب في مواقع الإنترنت – فلا يجوز – مثلًا – أن يجمع جامع كتاباً فيه شواذ وأخطاء طائفة من كتب التاريخ والتراجم ويزعم أن الحكم على كتابه يلزم منه أن يكون هو الحكم على الكتب الأخرى؛ وذلك أن نسبة الخطأ في كل كتاب – مثلًا – لا تتجاوز ال 10 %، وأما كتابه هو الذي جمعه فإن نسبة الخطأ فيه تبلغ 100 %! فشتان بين الأمرين.

والمؤلف – رحمه الله- ليس من أهل الجهل، ولا من أهل الأهواء حتى ينتقي من المصادر كل ضعيف وموضوع ومنكر، ولكنه اجتهد في جمعه وغالب اجتهاده كان مصيبًا فيه، وقد تجاوز جمهور الأئمة في رواية الضعيف في الأحاديث النبوية إن كانت في فضائل الأعمال وفي الترغيب والترهيب، فكيف إذا كان هذا الضعيف في الرواية عن الصحابة رضي الله عنهم، فلا شك أن معايير التشدد في الحكاية عنهم لن تكون مثل معايير الحكم على الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

والذي نحكم به على الكتاب أن فيه خيرًا كثيرًا، وأنه يمكن الانتفاع منه غاية الانتفاع، على أن يكون هذا الانتفاع من الطبعات المهذَّبة، والمحققة المخرجة، والمشروحة، لا على الكتاب الأصل؛ لأن فيه سقطًا وتصحيفًا وفيه المنكر والموضوع من الأخبار والحكايات، وفيه ما لا يليق ذِكره في الصحابة رضي الله عنهم، وقد وقفنا على بعض طبعات للكتاب قد أعطت الكتاب قيمة علمية يُمكن أن يستفيد منه قارئه، كما أنه يأمن فيه من الزلل والخطأ، ومن هذه الطبعات:

  1. طبعة مؤسسة الرسالة للكتاب، في خمسة أجزاء، بتحقيق بشار عواد معروف.
  2. ” شرح حياة الصحابة ” في أربعة أجزاء، بشرح وتحقيق وتعليق: محمد إلياس الباره بنكوي، وقد طبعته دار ابن كثير.
  3. كتاب ” المنتقى من حياة الصحابة “، للدكتور عبد المنعم بن عطية، والدكتور عاصم بن عبد الله القريوتي، في مجلد واحد، وقد طبعته ” دار القلم “.

وقد أثنى على الكتاب طائفة من العلماء والمشتغلين بالعلم، ومنهم الشيخ محمد بن إسماعيل حفظه الله، حيث قال:

وهوَ من الكتبِ التي تشحذُ الهِمَمِ، وقد هُذّب واختصرَ, وقد حقِّقَ بطبعَةٍ كاملة

” الدرس الثالث ” من سلسلة ” المنهج العلمي “.

ثالثًا:

أما كتاب ” كنز العمَّال “: فمؤلفه هو علاء الدين علي بن عبد الملك حسام الدين، الشهير بـ ” المتقي الهندي “، وهو فقي ، محدث، أصله من ” جونفور “، ومولده في ” رهانفور ” من بلاد الدكن بالهند، سكن المدينة النبوية، وأقام بمكة المكرمة، وتوفي بها بعد مجاورة طويلة في عام 975هـ .

انظر ” الأعلام ” للزركلي ( 4 / 309 ).

وقد عرَّف بكتابه فقال:

لمَّا رأيت كتابيْ ” الجامع الصغير ” و ” زوائده ” تأليف شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي عامله الله بلطفه ملخصًا من قسم الأقوال من ” جامعه الكبير “, وهو مرتب على الحروف: جمعتُ بينهما مبوِّبًا ذلك على الأبواب الفقهية، مسمِّيًا الجمع المذكور ” منهج العمال في سنن الأقوال “, ثم عَنَّ لي أن أبوب ما بقي من قسم الأقوال، فنجز بحمد الله وسميته ” الإكمال لمنهج العمال “, ثم مزجتُ بين هذين التأليفين كتاباً بعد كتاب, وبابًا بعد باب, وفصلاً بعد فصل، مميِّزًا أحاديث ” الإكمال”, من ” منهج العمال “, ومقصودي من هذا التمييز: أن المؤلف رحمه الله ذكر أن الأحاديث التي في ” الجامع الصغير ” و ” زوائده ” أصح وأخصر وأبعد من التكرار، كما يعلم من ديباجة ” الجامع الصغير “, فصارا كتابًا سمَّيته ” غاية العمال في سنن الأقوال “.

ثم عَنَّ لي أن أبوِّب قسم الأفعال أيضًا, فبوَّبته على المنهاج المذكور, وجمعت بين أحاديث الأقوال والأفعال, وأذكر أولا أحاديث ” منهج العمال “، ثم أذكر أحاديث ” الإكمال “، ثم أحاديث قسم الأفعال، كتابًا بعد كتاب، فصار ذلك كتابًا واحدًا مميزًا فيه ما سبق, بحيث أن من أراد تحصيل قسم الأقوال أو الأفعال منفردًا أو تحصيلهما مجتمعيْن: أمكنه ذلك، وسمَّيته: ” كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال “, فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بـ ” جمع الجوامع “، مبوبًا مع أحاديث كثيرة ليست في ” جمع الجوامع “؛ لأن المؤلف رحمه الله زاد في ” الجامع الصغير ” وذيَّله أحاديث لم تكن في ” جمع الجوامع “. ” كنز العمال ” ( 1 / 3 ، 4 ) طبعة الرسالة.

والحكم على أحاديث الكتاب يتبع الحكم على أصول الكتاب التي مضى ذِكرها وهي – كما رأينا – كتب قصد صاحبها – وهو السيوطي – الجمع لا التحقيق، ولذا كان فيها الصحيح والضعيف والموضوع.

وقد نبَّه السيوطي رحمه الله في مقدمة كتابه ” جمع الجوامع ” أن العزو إلى بعض الكتب يُستغنى به عن الحكم عليه، فهو إما ضعيف أو موضوع، وفي كتابه ذاك جملة وافرة من أحاديث هذه الكتب، وبالقطع ستجدها في كتاب ” كنز العمَّال “.

قال السيوطي – رحمه الله – مبيِّنًا رموز بعض الكتب، ومعه بيان حكم أحاديثها -:

وللعقيلي في الضعفاء ( عق )، ولابن عدي في الكامل ( عد )، وللخطيب ( خط )، فإن كان في تاريخه أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر ( كر )، وكل ماعُزِيَ لهؤلاء الأربعة وللحكيم الترمذي في ” نوادر الأصول ” أو للحاكم في ” تاريخه ” أو لابن الجارود في ” تاريخه ” أو للديلمي في ” مسند الفردوس “: فهو ضعيف، فيُستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه. ” جمع الجوامع ” ( 1 / 10 ).

ولذلك فلا يعجب الباحث عندما يرى تلك الآلاف من الأحاديث غير الصحيحة في تلك الكتب التي حاول أصحابها جمع أكبر قدر ممكن من الأحاديث في كتاب واحد.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في تعقبه على كتاب ” الجامع الصغير ” للسيوطي -:

أنه وقع فيه ألوف من الأحاديث الضعيفة والمنكرة وفيها مئات من الموضوعة والباطلة. ” مقدمة صحيح الجامع ” ( ص 13 ).

وقد حكم السيوطي رحمه الله على كثير من أحاديث كتابه بما رآه مناسبًا لحالها من الحسن أو الصحة، وقد تعقَّبه الشيخُ الألباني رحمه الله في جملة منها، وكان التعقب من جهتين:

الأولى: أنه قد حصل تصحيف في الرمز الذي وضعه السيوطي بجانب الحديث.

الثانية: تساهل السيوطي المعروف في التحسين والتصحيح.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

رموز السيوطي في ” الجامع الصغير ” لا يوثق بها اشتهر أيضا بين كثير من العلماء الاعتماد على رمز السيوطي للحديث بالصحة والحسن أو الضعف، وتبعهم في ذلك الشيخ ” السيد سابق ” ونرى أنه غير سائغ لسببين:

  1. طروء التحريف على رموزه من النسَّاخ، فكثيرًا ما رأيتُ الحديث فيه مرموزًا له بخلاف ما ينقله شارحه المنَّاوي عن السيوطي نفسه، وهو إنما ينقل عن ” الجامع ” بخط مؤلفه كما صرح بذلك في أوائل الشرح وهو نفسه يقول فيه ” وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس ” صاد ” و ” حاء ” و ” ضاد “: فلا ينبغي الوثوق به ؛ لغلبة تحريف النسَّاخ، على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض كما رأيته بخطه “.
  2. أن السيوطي معروف بتساهله في التصحيح والتضعيف، فالأحاديث التي صححها أو حسَّنها فيه قسم كبير منها ردَّها عليه الشارح المنَّاوي، وهي تبلغ المئات إن لم نقل أكثر من ذلك، وكذلك وقع فيه أحاديث كثيرة موضوعة، مع أنه قال في مقدمته: ” وصنتُه عما تفرد به وضاع أو كذاب “.

 

وقد تتبعتها بصورة سريعة وهي تبلغ الألف تزيد قليلًا أو تنقص، كذلك وأرجو أن أوفق لإعادة النظر فيها وإجراء قلم التحقيق عليها وإخراجها للناس، ومن الغريب أن قسمًا غير قليل فيها شهد السيوطي نفسه بوضعها في غير هذا الكتاب، فهذا كله يجعل الثقة به ضيقة ، نسأل الله العصمة.

ثم يسر الله تبارك وتعالى فجعلتُ ” الجامع الصغير وزيادته ” المسمَّى بـ ” الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير ” قسمين: ” صحيح الجامع … ” و ” ضعيف الجامع … ” وعدد أحاديث هذا ( 6469 ) حديثًا، والموضوع منها ( 980 ) حديثًا على وجه التقريب، وهو مطبوع كالصحيح، والحمد لله تعالى.

” تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة ” ( ص 28، 29 ).

وبكل حال: فالإحالة على ” كنز العمَّال ” لا تعني أن الحديث صحيح أو مقبول عند أحدٍ من أهل العلم، وهو كتاب جمع للأحاديث وتخريج لها، ولم يلتزم بجمع الصحيح منها.

فائدة:

يحلو لكثير من ” الرافضة ” الاستدلال على يوافق أهواءهم ببعض الروايات في ” كنز العمَّال ” وعندما يرد عليهم أهل السنَّة بما ذكرناه سابقًا بأن الرواية التي في الكتاب لا يعني أنها صحيحة فيردون بأننا أهل أهواء نقبل ما نشاء ونرد ما نشاء! ولأنهم ليس عندهم في دينهم قواعد في التصحيح والتضعيف – كما هو الحال عندنا – فإن هذا الجواب غير مستغرب منهم، وأردنا هنا أن نبيِّن أن من ” يفهم ” منهم يعلم أن ما قلناه في أحاديث الكتاب هو الصحيح ليس غيره، وها نحن ننقل موافقة ” مركز الأبحاث العقائدية ” الرافضي لما ذكرناه، فإن لم يقنعوا منَّا فليقنعوا من أسيادهم!.

سئل ” مركز الأبحاث العقائدية “:

ما هو رأيكم في كتاب ” منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال “؟ هل كل ما ورد فيه صحيح؟ ما نسبة الصحة فيه؟ هناك مرويات فيه بدون إسناد؟ هل يعتد بها عند أصحابها باعتبار أن عدم إسنادها هو بمثابة إطلاقها اطلاق المسلمات، أم أن أمثال هذه المرويات غير معتد بها؟ وفقكم الله إلى ما يرضاه.

فأجابوا:

الأخ المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صاحب كتاب ” كنز العمال ” هو الشيخ علي ابن سلطان المتقي الهندي، هذا الرجل إنّما الّف كتاب ” كنز العمّال ” لأن يجمع نصوص الأحاديث الواردة في مختلف الكتب والمنسوبة إلى النبي ” صلى الله عليه وآله وسلّم “، وأيضًا ما نقل في مختلف الكتب عن الصحابة والآثار الواردة عنهم، هذه الأحاديث والآثار رتّبها بترتيب خا ، بحسب الحروف وبحسب الأبواب، والأبواب أيضًا عناوينها جعلها بحسب الحروف، في ابتكار خاص، وأسلوب معيّن، ثمّ إنّ هذا الكتاب الكبير لخّصه وجعل العنوان ” منتخب كنز العمّال “.

وعلى كلّ حال: فإنّ قصد هذا المؤلّف من تأليف هذا الكتاب سواء الأصل أو المنتخب: إنّما كان لجمع الأحاديث وترتيبها بهذا الترتيب الخاص، ولم يكن قصده تمييز الأحاديث الصحيحة عن غيرها، فلذا كان كتابه جامعاً بين الغثّ والسمين.

وعلى كلّ محقّق يريد أن يأخذ بشيء من أحاديث هذا الكتاب وأمثاله: فعليه أن يراجع السند، ويطمئن بصحة السند، حتّى يتمكّن من الأخذ بذلك الحديث

ودمتم في رعاية الله  ” مركز الأبحاث العقائدية “.

وهو ضربة موجعة على رأس كثير من أهل الأهواء من أهل الرفض، وفي ظننا أنه سيفرح بهذا أهل السنَّة، وعسى أن يبقى الجواب ولا يُزال من موقعهم!.

 

رابعًا:

وأما كتاب ” حلية الأولياء “: فاسمه بالكامل: ” حلية الأولياء وطبقات الأصفياء “، وقد ألَّفه أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن مهران بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، المتوفى عام 430 هـ.

وأبو نعيم رحمه الله إمام ثقة، ولكن كتابه فيه الضعيف والباطل، وهذه شهادتان من أمامين ثقتين في المصنِّف والمصنَّف:

  1. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني صاحب كتاب ” حلية الأولياء ” ” وتاريخ أصبهان ” ” والمستخرج على البخاري ومسلم ” و ” كتاب الطب ” ” وعمل اليوم والليلة ” و ” فضائل الصحابة ” و ” دلائل النبوة ” و ” صفة الجنة ” و ” محجة الواثقين “، وغير ذلك من المصنفات: مِن أكبر حفاظ الحديث، ومن أكثرهم تصنيفات، وممن انتفع الناس بتصانيفه، وهو أجلُّ من أن يقال له: ثقة؛ فإن درجته فوق ذلك، وكتابه ” كتاب الحلية ” من أجود الكتب المصنفة في أخبار الزهَّاد، والمنقول فيه أصح من المنقول في ” رسالة القشيري ” ومصنفات أبي عبد الرحمن السلمي شيخه و ” مناقب الأبرار ” لابن خميس، وغير ذلك؛ فإن أبا نعيم أعلم بالحديث وأكثر حديثًا وأثبت رواية ونقلا من هؤلاء، ولكن كتاب ” الزهد ” للإمام أحمد و ” الزهد ” لابن المبارك وأمثالهما: أصح نقلا من ” الحلية “، وهذه الكتب وغيرها لا بد فيها من أحاديث ضعيفة وحكايات ضعيفة بل باطلة، وفي ” الحلية ” من ذلك قِطَع، ولكن الذي في غيرها من هذه الكتب أكثر مما فيها؛ فإن في مصنفات أبي عبد الرحمن السلمي و ” رسالة القشيري ” و ” مناقب الأبرار ” ونحو ذلك من الحكايات الباطلة بل ومن الأحاديث الباطلة: ما لا يوجد مثله في مصنفات أبي نعيم، ولكن ” صفة الصفوة ” لأبي الفرج بن الجوزي نقلها من جنس نقل ” الحلية “، والغالب على الكتابين الصحة، ومع هذا ففيهما أحاديث وحكايات باطلة، وأما ” الزهد ” للإمام أحمد ونحوه: فليس فيه من الأحاديث والحكايات الموضوعة مثل ما في هذه؛ فإنه لا يذكر في مصنفاته عمن هو معروف بالوضع بل قد يقع فيها ما هو ضعيف بسوء حفظ ناقله، وكذلك الأحاديث المرفوعة ليس فيها ما يعرف أنه موضوع قصد الكذب فيه كما ليس ذلك في ” مسنده “، لكن فيه ما يعرف أنه غلط غلط فيه رواته، ومثل هذا يوجد في غالب كتب الإسلام فلا يسلم كتاب من الغلط إلا القرآن.

” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 71، 72 ).

  1. وقال ابن كثير – رحمه الله -:

هو الحافظ الكبير، ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة، منها: ” حلية الأولياء ” في مجلدات كثيرة دلَّت على اتساع روايته وكثرة مشايخه، وقوة اطلاعه على مخارج الحديث وشعب طرقه. ” البداية والنهاية ” ( 15 / 674 ).

وقد اعتنى العلماء قديمًا بكتاب ” حلية الأولياء “، فلخَّصه ابن الجوزي في كتابه ” صفة الصفوة “، ورتب الهيثمي أحاديثه على أبواب الفقه في كتابه ” تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية “.

وقد انتقد ابن الجوزي رحمه الله كتاب ” الحلية ” في مقدمة كتابه ” صفة الصفوة ” من عشرة وجوه! فقال:

أما بعد فانك أيها الطالب الصادق والمريد المحقق لما نظرتَ في كتاب ” حلية الأولياء ” لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار ورأيته دواء لأدواء النفس إلا أنك شكوت من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به وبكلام عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة، وسألتني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر وأنا أكشفه لك فأقول:

اعلم أن كتاب ” الحلية ” قد حوى من الأحاديث والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدر بأشياء وفاتته أشيا ، فالأشياء التي تكدر بها عشرة:

الأول: أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار الأخيار وإنما يراد من ذكرهم شرح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدي بها السالك فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل عنهم شيئًا.

والثاني: أنه قصد ما ينقل عن الرجل المذكور ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا.

والثالث: أنه أعاد أخبارًا كثيرة.

والرابع: أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي يرويها الشخص الواحد فينسى ما وضع له ذكر الرجل من بيان آدابه وأخلاقه.

والخامس: أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرة باطلة وموضوعة، فقصد بذكرها تكثير حديثه، وتنفيق رواياته، ولم يبيِّن أنها موضوعة، ومعلوم أن جمهور المائلين إلى التبرر يخفى عليهم الصحيح من غيره فسِتْر ذلك عنهم غِشٌّ من الطبيب لا نصح.

والسادس: السجع البارد في التراجم الذي لا يكاد يحتوي على معنى صحيح خصوصا في ذكر حدود التصوف.

والسابع: إضافة التصوف إلى كبار السادات، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشريح وسفيان وشعبة ومالك والشافعي وأحمد، وليس عند هؤلاء القوم خبر من التصوف إضافة التصوف الى غير الصحابة.

فإن قال قائل: إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهَّاد: قلنا: التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد، بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه، ولولا أنه أمرٌ زِيد على الزهد ما نُقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمُّه فانه قد روى أبو نعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: ” التصوف مبني على الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق “، وقد ذكرت الكلام في التصوف ووسعت القول فيه في كتابي المسمى بـ ” تلبيس إبليس “.

والثامن: أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلاماً أطال به لا طائل فيه تارة لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهور ما ذكر عن الحارث المحاسبي وأحمد بن عاصم وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب وهذا خلل في صناعة التصنيف.

والتاسع: أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلُها، فربما سمعها المبتدىء القليل العلم فظنها حسنة فاحتذاها … إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوع منها شرعًا.

والعاشر: أنه خلط في ترتيب القوم فقدَّم من ينبغي أن يؤخَّر، وأخَّر من ينبغي أن يقدم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط ، خصوصاً في أواخر الكتاب، فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه.

ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أُنس بالنقل: انكشف له ما أشرت إليه الأشياء التي فاتت ” الحلية “.

 وأما الأشياء التي فاتته: فأهمها ثلاثة أشياء:

أحدها: أنه لم يذكر سيِّد الزهاد وإمام الكل، وقدوة الخلق، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه المتبع طريقه المقتدى بحاله.

والثاني: أنه ترك ذكر خلْق كثير قد نقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير ولا يجوز أن يحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذِّكر دون غيرهم فإنه قد ذكر خلقاً لم يُعرفوا بالزهد، ولم يُنقل عنهم شيء، وربما ذكَرَ الرجلَ فأسند عنه أبيات شعر فحسب، ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.

والثالث: أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عددًا قليلًا، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية يوثب المقصِّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري ينتفع بـ ” رابعة “، ويتأدب بكلامها. ” صفة الصفوة ” ( 1 / 20 – 31 ) باختصار.

ولوجود هذه الملاحظات على الكتاب، وبالأخص الأحاديث غير الصحيحة فإنه لا ينبغي الاغترار بكل ما جاء في الكتاب من أحاديث، كما لا ينبغي توصية العامَّة بقراءته.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمة أبي نعيم -:

ما أعلم له ذنبا – والله يعفو عنه – أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثم يسكت عن توهيتها.

” سير أعلام النبلاء ” ( 17 / 461 ).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عن كتاب ” حلية الأولياء “، ما هو رأيكم فيه وما هو توجيهكم للمهتمين بمثل هذا الكتاب؟.

فأجاب:

كتاب ” حلية الأولياء ” كتابٌ معرو ، لصاحبه الحافظ أبي نعيم، وهو كتاب يجمع الضعيف والصحيح والموضوع، فينبغي أن لا يقرأه إلا أهل العلم الذين يعرفون درجات الحديث، ويميزون بين الغث والسمين، أما هذا الكتاب: فهو لا يصحُّ للعامة وطلبة العلم الذين لم يصلوا إلى حد التمييز بين الضعيف والصحيح.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 867 ).

 

والله أعلم.

 

اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

السؤال:

كيف نوجِّه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء عند أبي داود برقم ( 2516 ) و حسَّنه الألباني -: ” أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له ) فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرَض الدنيا فقال ( لا أجر له ) فقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الثالثة فقال له ( لا أجر له ) “.

فهل يُحمل مثل ابتغاء فضل الله في الحج فيستطيع الرجل الجهاد مع طلبه المغنم أم لا يصح جهاده حتى تعف نفسه عن المغنم؟.

وأيضًا: هل يمكن الاستدلال على طلب عرضٍ من أعراض الدنيا الحلال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء بسند حسن في ” السلسلة الصحيحة ” رقم ( 6 / 1225 ) -: ( يا جدّ هل لك في جِلاد بني الأصفر؟ ) قال جدّ: أو تأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت بنات بني الأصفر أن أُفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو معرض عنه – ( قد أذنتُ لك ) فعند ذلك أنزل الله ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ).

وآخر استفساراتي: هل يثاب المرء على أعمال الخير – الصالحة أعني – وإن كان لا ينوي الآخرة وإنما يعمله من باب عادته مثل: القيام بمساعدة الآخرين، وبر الوالدين لأنه يحبهما ويرفق بهما، وكذلك رعايته بزوجته لأنه يحبها – أقصد من طُبعَ على ذلك مثل حديث ” أشج بن قيس ” – وإن كان الرجل يثاب على فعل الخير بعاداته وإن لم يكن فيه استحضار للآخرة: فكيف نوجه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: ” في بُضع أحدنا صدقة ” و ” إطعام الأهل إذا احتسبه صدقة ” …؟.

جزاكم الله خيرًا

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

للإجابة على الشق الأول من سؤالك نقول:

ما شرعه الله تعالى من الطاعات والعبادات قسمان:

الأول: منه ما لم يَذكر له أجرًا دنيويًّا.

والثاني: ما ذَكر له ذلك؛ لحث المسلم على أدائه والقيام به.

أما القسم الأول: فهذا لا يجوز أن يكون مع العمل نية أخرى، وهذا يصدق على أكثر الطاعات والعبادات، وعلى رأسها الصلاة، فمن صلَّى ومع نية الصلاة نية تمرين للجسم: فلا يؤجر عليها، ومن صام ومع نية الصوم نية تخفيف الوزن: فلا يؤجر على صيامه؛ وذلك أنه لم يُذكر في الشرع أن تلك الطاعات شرعت لتلك الفوائد والمنافع ولم يأت الحث عليها من أجل تحصيلها، فتكون نيتها غير داخلة في دائرة الجواز، نعم، يمكن أن تلحق تلك الفوائد بتلك العبادات لكن لا تُنوى؛ لأنها عبادات وطاعات لا تحتمل غير نية التقرب.

وأما القسم الثاني: فيجوز أن ينوي المسلم النية الأخرى الجائزة مع نية العبادة، ولولا أنه يجوز للمسلم أن ينوي النية الأخرى لما كان لذكرها في الشرع فائدة، ومن أمثلة ذل:

أ. صلة الرحم، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تكون سببًا لبسط الرزق والبركة – أو الزيادة – في العمُر.

عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ).

رواه البخاري ( 1961 ) ومسلم ( 2557 ).

ب. الحج، وقد أباح الله تعالى فيه – مع نية العبادة – الابتغاء من فضله بالتجارة.

قال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) البقرة/ 198.

ج. الجهاد، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مع الجهاد نية الحصول على الغنائم والسراري.

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – عام حنين -: ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ).

رواه البخاري ( 2973 ) ومسلم ( 1751 ).

– والسَّلَب: هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح.

ومنه حديث جدّ بن قيس الذي ذكره السائل – على فرض حُسنه – وفيه قوله صلى الله عليه وسلم له ( يا جدّ – وهو ابن قيس – هل لك في جِلاد بني الأصفر – يعني الروم – تتخذ منهم سراري ووُصفاء؟ ).

وما ذكرناه من تلك الطاعات والعبادات مما يجوز للمسلم أن ينوي مع الطاعة أمرًا دنيويًّا ليس يستوي الناس فيه في الأجور، فكلما قويت نية العبادة زاد أجر فاعلها، وكلما قويت نية الحظ الدنيوي نقص الأجر الأخروي، فإذا نوى الفاعل لها الحظ الدنيوي لا غير: حُرِم من الأجور الأخروية، وبذلك تُفهم النصوص الثابتة مما ذكره الأخ السائل ومما لم يذكره.

 

 

وبيان ذلك في مثال واحد – وهو باب الجهاد مما استشكله السائل -:

  1. فمن جاهد في سبيل الله تعالى فقتُل: فقد تمَّ له الأجر كاملًا، وكذا لو لم يقتل لكنه لم يصب من الغنيمة شيئًا.
  2. وإذا غنِم المجاهد في سبيل الله شيئًا فإن ما حصَّله من غنائم يكون جزءً من أجوره، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقي لهم من أجورهم الثلث ليوم القيامة.

وتجد هذين الأمرين في حديث واحد صحيح:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ). رواه مسلم ( 1906 ).

وفي رواية: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ ).

وقد عقل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر وبيَّنوا أن منهم من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنهم من حصَّل منه شيئًا وهي الغنائم.

عن خَبَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ” هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا “.

رواه البخاري ( 1217 ) ومسلم ( 940 ).

وما ذكرناه لا يتعارض مع حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ). رواه البخاري ( 2955 ) ومسلم ( 1876 ).

فإنه مطلَق والسابق مقيَّد، ففي هذا الحديث ذِكر أنهم يحصلون أجورًا لكن لم يتعرض الحديث لنقصها مع الغنيمة، وقد بيَّنته الروايات السابقة الصحيحة.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلَم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي فى مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم: فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله ” منَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) أي: يجتنيها.

فهذا الذي ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا.

وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته فى تفسيره أقوالًا فاسدة منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولايجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راوية مجهول ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله، ولأنه فى الصحيحين وهذا في ” مسلم ” خاصة.

وهذا القول باطل من أوجه:

فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ولم يقل إن الغنيمة تُنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه.

وأما قولهم: أبو هانئ مجهول: فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وبن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي فى توثيقه احتجاج مسلم به فى صحيحه.

وأما قولهم: إنه ليس فى الصحيحين: فليس لازمًا فى صحة الحديث كونه فى الصحيحين، ولا فى أحدهما.

وأما قولهم في غنيمة ” بدر “: فليس في غنيمة ” بدر ” نصٌّ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم ومِن أهل الجنة لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر.

ومن الأقوال الباطلة: ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال: لعل الذى تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها! وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر.

وزعم بعضهم أن المراد: أن التى أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب فى ماله وأهله! وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث.

وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معًا فنقص ثوابه، وهذا أيضًا ضعيف، والصواب ما قدمناه، والله أعلم.

” شرح مسلم ” ( 13 / 52 ، 53 ).

  1. ومن خرج للغزو لا نية له إلا الغنيمة: لم يحصِّل من أجور المجاهد شيئًا.

وعليه يُحمل الحديث الذي ذكره السائل وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له )، وقد جاء في سؤال السائل أن ذلك المجاهد ” يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا “.

 

ومنه أيضًا:

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى ).

رواه النسائي ( 3138 ) وحسنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ففرْقٌ بين مَن يكون الدِّين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها . ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 20 ).

وقال ابن رجب – رحمه الله -:

فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلاً نيّةٌ غير الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة: نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة، وفي ” صحيح مسلم ” عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم فإنْ لم يغنَمُوا شيئاً تمَّ لهُم أجرُهم ).

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا.

وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم ، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.

وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم: فلا بأس أنْ يأخذَ، كأنّه خرجَ لدينِهِ، فإنْ أُعطي شيئًا أخذه.

وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ فعوَّضَه الله رزقًا: فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا وإنْ مُنع درهمًا مكث: فلا خيرَ في ذلك. وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو: فلا أرى بأسًا.

وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 17 ).

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الأعمال المباحة واكتساب الأجور منها: فإن هذا ممكن في الشرع إذا احتسب المسلم تلك الأفعال لله تعالى، فينوي مع الاستمتاع بكونها مباحة أن تكون قربة له عند ربه عز وجل، كأن يحتسب نومته ليتقوى بها على طاعة ربه، وما لم ينوِ من ذلك شيئًا: لم يُؤجر.

قالَ مُعَاذُ بنُ جبَل رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري لمّا سأله عن قيام الليل: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. رواه البخاري ( 4086 ).

وما سبق فهو في المباح يصير طاعة وقربة، وفي السنَّة الصحيحة أنه يمكن أن يصير أداء الواجب فيه أجر وثواب إذا احتسب المسلم عند فعله الطاعة أنه يمتثل لربه تعالى، وأنه يريد الأجر منه تعالى، فتصير نفقته الواجبة عليه صدقة له.

وبذلك تُفهم الأحاديث الثابتة في الباب، والتي منها ما أشار إليها الأخ السائل، وهما حديثان:

الأول:

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ ).

رواه البخاري ( 56 ) ومسلم ( 1628 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه: استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يثاب على عمله بنيته، وفيه: أن الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى، وفيه: أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى: صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم ( حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها: فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى: حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك: أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى: يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام وليقضي حقها وليحصل ولدًا صالحًا، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( وفي بُضع أحدكم صدقة ). ” شرح مسلم ” ( 11 / 77 ، 78 ).

والثاني:

عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ).

رواه البخاري ( 5036 ) ومسلم ( 1002 ).

والفرق:

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

معنى ( يحتسبها ): ينوي بها طاعة الله، ويرجو ثوابها منه، فبذلك تجري نفقته مجرى الصدقة. ” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 434 ).

قال النووي – رحمه الله – :

ومعناه: أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب: أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأطفال أولاده والمملوك وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العلماء فيهم، وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنية أداء ما أُمر به، وقد أمر بالإحسان اليهم.

” شرح مسلم ” ( 7 / 88 ، 89 ).

 

ونأمل أن نكون قد أجبنا عن الاستفسارات وأزحنا الإشكالات، ونسأل الله تعالى لنا ولك العلم النافع والعمل الصالح.

 

والله أعلم.

 

ماذا يصنع مع أمه المريضة نفسيّا والتي ترفض تزوجه؟

ماذا يصنع مع أمه المريضة نفسيّا والتي ترفض تزوجه؟

السؤال:

أرجو أن تساعدوني بهذا الاستشكال الشرعي وذلك بالتفصيل الوافي.

فأنا في مشكلة غريبة من نوعها، فقد قدر لي الله أن تكون أمي من الأمهات الغريبات الأطوار، فمنذ صغري وأنا ألاحظ أنها تنزعج من أي منظر رجولي يظهر عليَّ أو على أحد إخوتي، ومع تقدمي في السن بدأت المشكلة تتضح لي أكثر، فهي في الحقيقة لا تريد منَّا أي ميول للجنس الآخر، والآن أصبحنا رجالا نبحث عن شريكة الحياة، وهنا وصلت المشكلة إلى ذروتها، فمجرد أن أفتح معها الموضوع تبدأ بالصراخ والبكاء تارة أخرى، وتهدد أن لن يجمعنا سقف واحد إذا تزوجتُ.

أخي:

أنا شاب أعزب أنعم الله عليَّ بحسن المظهر، نسيب في قومي، أحمل الشهادة، وأهم من كل هذا أنا أخشى على ديني، فالفتن من حولي أمواج تتقلب، والحرام أقرب إليَّ من شراك نعالي، ولكن أخاف من سخط هذه الوالدة التي أجزم دون أي شك أنه لا يرضيها إلا أن أبقى عازبا طوال حياتي.

ما هو الحل الشرعي لمثل هذه المسالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. قرأنا رسالتك – أيها الأخ السائل – وتألمنا للحال التي عليها والدتك، ونحن نقدِّر شعورك تجاهه والدتك وتألمك لحالها، فنسأل الله تعالى لك الأجر والثواب على صبرك وتحملك.

 

  1. واعلم أخي السائل أن الحل لمشكلتك هو بعرض والدتك على أطباء الاختصاص للقيام بمعالجتها؛ فهي – ولا شك – مريضة وتحتاج للعلاج، ونوصيك بها خيرا بالدعاء لها، ومراعاة حالها، والبر بها، والإحسان إليها بالقول والعمل.

 

  1. ولست معذورا بتأخير زواجك بسبب رفض والدتك؛ فهي مريضة، ولا قيمة لاعتراضها على تزوجك، ولن تكون عاصيا لربك ولا عاقّا لها إن أنت خالفت قولها وتزوجت.

 

 

 

 

  1. وفي الوقت نفسه ندعوك للتريث قليلا إذا بدأت بعلاجها وأخبرك الأطباء بأنه يمكن أن تبرأ من مرضها قريبا؛ لتجمع بين تحقيق رغبتك بالتزوج، وبين رضاها عن زواجك ومشاركتك فرحتك وسعادتك، فتُدخل على قلبها السعادة والبهجة.

 

  1. وإن أخبرك الأطباء بتأخر شفائها وكنت لا تستطيع تحمل تأخير الزواج: فبادر، ولا تتأخر، وليكن ذلك بعيدا عن عين والدتك، ولا تمكنها من مشاهدة عرسك.

 

  1. واحذر أن تجمع بينها وبين زوجتك قبل أن تبرأ من مرضها؛ فقد تتسبب بإيذائها أو الضرر بها بسبب غيرتها وعدم تحمل رؤية ابنها زوجا.

 

ونسأل الله تعالى أن يشفيها ويعافيها، وأن ييسر لك أمرك، ويجزيك خير الجزاء على برك بأمك وإحسانك إليها.

 

والله أعلم.