الرئيسية بلوق الصفحة 51

كلمة حول حديث ( خَلَقَ الله التُّربَةَ يَوْمَ السَّبْت ) وتعليق على ” عمر الأرض “

كلمة حول حديث ( خَلَقَ الله التُّربَةَ يَوْمَ السَّبْت ) وتعليق على ” عمر الأرض ”

السؤال:

هناك بعض المخطوطات الإسلامية التي تقول إن الله خلق السموات والأرض من العدم في ستة أيام، ثم خلق آدم أبا البشر في اليوم السابع، ثم خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد عشرة أجيال من ذلك الحين، فعلى اعتبار أن عمر الجيل الواحد ثلاثون سنة نضربها في تسعين مضافًا إليها المدة الزمنية من مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم سينتج لدينا أن الله خلق السموات والأرض فقط منذ 4137 سنة أو عدد مقارب لهذا، ولكن في الحقيقة هذا لا يتوافق مع ما يقوله العلماء والمختصون إذ يقولون إن عمر الأرض أكثر من ثلاثة بلايين سنة، فما القول الفصل في هذه المسألة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قول الأخ السائل ” هناك بعض المخطوطات الإسلامية التي تقول … “: لا يُعتمد عليه، ولا يُلتفت إليه، وذلك أن المخطوطات والمطبوعات التي تنسب الأقوال إلى الإسلام كثيرة، وليس العبرة بهذه النسبة، بل العبرة بالتدليل عليها من نصوص الوحي، فما لم يكن موثَّقًا بدليل من القرآن والسنَّة فلا يُلتفت إليه، سواء كان الكلام في مخطوطة أو مطبوعة.

 

ثانيًا:

قول الأخ السائل – نقلًا عن المخطوط -: ” إن الله خلق السموات والأرض من العدم في ستة أيام “: نقول: إن خلق السموات والأرض – بل وما بينهما – من العدم في ستة أيام لا يحتاج لأن نعرفه من كتاب مخطوط، فقد جاء ذلك منصوصًا عليه في كتاب ربنا تعالى في أكثر من موضع.

ففي الخلق من العدم قال تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) البقرة/ 117.

قال القرطبي – رحمه الله -:

( بديع السموات والأرض ) أي: منشؤها، وموجدها، ومبدعها، ومخترعها على غير حدٍّ، ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه: قيل له ” مبدع “، ومنه ” أصحاب البدع “، وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام.

” تفسير القرطبي ” ( 2 / 86 ).

وفي كون ذلك الخلق كان في ستة أيام قال تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ) ق/ 38.

وقد جاء في القرآن الكريم تفصيل الخلق في هذه الأيام الستة، فقال تعالى: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) فصلت/ 9 – 12.

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

الظاهر أن معنى قوله هنا في ( أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ): أي: في تتمة أربعة أيام.

وتتمة الأربعة حاصلة بيومين فقط؛ لأنه تعالى قال: ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ) فصلت/ 9، ثم قال ( في أربعة أيام ) أي: في تتمة أربعة أيام.

ثم قال: ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) فصلت/ 12, فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة فيكون مجموع الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض وما بينهما ستة أيام.

وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال؛ لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام … .

” أضواء البيان ” ( 7 / 12 ).

– وانظر في أجوبتنا الأخرى لتعلم جواب السؤال المشهور ” لماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام مع قدرته على خلقها في أقل من هذه المدة؟ “.

ثالثًا:

قول الأخ السائل – نقلًا عن المخطوط – ” ثم خَلَق آدم أبا البشر في اليوم السابع “: هذا مما لا يصلح أن يقال من غير تنبيه وتوضيح، فقد سبق أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأما خلق آدم عليه السلام فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين، وعلى كلا القولين لا يكون ثمة معارضة بين عدد الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض وأنها ستة:

القول الأول: أن يوم الجمعة من الأيام الستة، وعليه تكون بداية الخلق في يوم الأحد، ونهايته يوم الجمعة، وفيه خُلق آدم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ثبت بالكتاب والسنَّة والإجماع: أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقُه يوم الجمعة.

” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 256 ).

القول الثاني: أن يوم الجمعة زائد على الأيام الستة، فبداية الخلق كانت يوم السبت، ونهايته: يوم الخميس، وقد تمَّ الخلق في ستة أيام، ثم بعد فترة – الله أعلم بمدتها – خلق اللهُ آدمَ عليه السلام، وكان ذلك في يوم الجمعة.

ومما يؤيد القول الثاني هذا ويقويه أمران:

  1. أن الله تعالى قبل خلق آدم عليه السلام ذكر أنه خلق الأرض، فقال: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة/30، وهذا يعني أنه خلق آدم عليه السلام لا دخل له في الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض وما بينهما.
  2. أن آدم عليه السلام لا يدخل في خلق السموات ولا في الأرض، بل هو مخلوق من الأرض، فمن الطبيعي أن يكون خلقه بعد خلق الأرض التي خُلِق منها.

وثمة حديث استدل به أصحاب هذا القول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: ( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ).

رواه مسلم ( 2789 ) وأعلَّه بعض أهل العلم وجعله من كلام كعب الأحبار، وردَّ ذلك الشيخان المعلِّمي اليماني والألباني وغيرهما.

قال العلامة المعلمي – رحمه الله -:

ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان.

وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عُمَّار قبل آدم، عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض.

فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان، يتضح لك إن شاء الله أن دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد.

” الأنوار الكاشفة ” ( ص 187 ، 188 ).

فالأيام السبعة التي في حديث أبي هريرة ليست هي الأيام الستة التي في القرآن؛ إذ ليس في الحديث ذِكر لخلق السموات، وكل ما فيها يتعلق بالأرض وصلاحيتها للسكنى، فهي غير أصل الخلق، وهي من أيامنا، وتلك الستة من أيام الله.

 

 

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وليس هو بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه خلافًا لما توهمه بعضهم؛ فإن الحديث يفصل كيفية الخلق على وجه الأرض وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونص القرآن على أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام لا يعارض ذلك؛ لاحتمال أن هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث، وأنه – أعني الحديث – تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده: أن القرآن يذكر أن بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها خمسون ألفا، فما المانع من أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه كما هو صريح الحديث، وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن.

” مشكاة المصابيح ” ( 3 / 1597 ).

وثمة حديث يقوِّي ما ذهب إليه من فرَّق بين الأيام الستة، والأيام السبعة:

عن أبي هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: ( يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع وخلق التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد والشجر يوم الإثنين والشر يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميسن وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث ).

رواه النسائي في ” السنن الكبرى ” ( 6 / 428 ).

وقال عنه الشيخ الألباني في ” مختصر العلو ” ( ص 75 ): ” جيد الإسناد “، وجعله مؤيدًا للجمع الذي نقلناه عنه.

ومن أبى ما قلناه وجعل ذِكر آدم في الحديث هو المشكلة: فنقول له: إن خلق آدم عليه السلام منفصل عن سابقه من الأشياء، فإن جعلت ما سبق هو الأيام الستة فافصل عنه خلق آدم، فهو غير داخل في ” السموات ” و ” الأرض “، كما هو الحال في خلق ” الملائكة ” و ” إبليس ” و ” الشياطين “، بل إن ظاهر القرآن أن خلق السموات والأرض وما بينهما كان قبل خلق ذلك كله.

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

واعلم أن الله تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانَهما كما دل عليه قوله: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ … ).

” التحرير والتنوير ” ( 15 / 343 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

السموات والأرض مخلوقتان قبل الشياطين.

” تفسير سورة الكهف ” ( ص 93 ).

ولذلك كان من فقه الإمام النووي رحمه الله أن بوَّب على الحديث بقوله ” باب ابتداء الخلق ، وخلق آدم عليه السلام “.

ومن أبى ما قلناه وجعل الحديث كله مشكلًا: فيقال له: إن ما ذُكر في الحديث لا تعلق له بخلق السموات ولا بخلق الأرض، فالنور والمكروه والشجر والدواب والجبال والتربة ليس كل ذلك سموات ولا أرض، كما هو الحال في خلق آدم عليه السلام، وخلْق الله تعالى لم يتوقف بعد خلق السموات والأرض بل لا يزال الرب تعالى يخلق المخلوقات ويوجدها، بل في الحديث نفسه لفظة ( وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ ) وهو يعني أنها مخلوقة من قبل، وإنما كان تفريقها في الأرض يوم الخميس.

وعلى كل حال:

ليس يختلف أهل الإسلام في أن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، لا سبعة، ولا ثمانية، ولا يختلفون أن خلق آدم عليه السلام خلق يوم الجمعة، ومن العلماء من جعله مخلوقًا في الأيام الستة، ومنهم من قال إنه خلق بعد خلق السموات والأرض بمدة، وليس في اليوم السابع.

 

رابعًا:

قول الأخ السائل “، ثم خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد عشرة أجيال من ذلك الحين “: غير صحيح ، وخاصة على قوله ” عمر الجيل الواحد ثلاثون سنة “! فالمدة بين آدم عليه السلام وولادة النبي صلى الله عليه وسلم لا تعرف على وجه التحديد.

 

خامسًا:

قول الأخ السائل ” فعلى اعتبار أن عمر الجيل الواحد ثلاثون سنة … “: غير صحيح، فنوح عليه السلام مكث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فكم يكون إذن عمر ذلك الجيل؟!.

وما بني عليه بعده من حساب ليس بصحيح، وهو قولك ” سينتج لدينا أن الله خلق السموات والأرض فقط منذ 4137 سنة أو عدد مقارب لهذا “!.

وثمة خلط كبير عند الأخ السائل – وعند كثيرين – وهو جعلهم عمر الأرض هو عمر الإنسان! وخطأ ذلك بيِّن عند أدنى تأمل، فالأرض مخلوقة قطعًا ويقينًا قبل الإنسان، وحساب المدة بين آدم عليه السلام وبين وقتنا الحالي لا يعني قطعًا أن هذا هو عمر الأرض، فليتنبه لهذا، ولا يُخلط بين الأمرين.

وإذا كان عسيرًا على الباحثين ضبط عمر الإنسان بين آدم ومحمد عليهما السلام فإن ضبط عمر الأرض أعسر، ولذلك اختلف المعاصرون في عمرها اختلافًا يدل على أن الأمر ليس فيه غلبة ظن، ولا قريب من ذلك، وأما القطع واليقين فهو أبعد شيء عن الواقع، فقد قال بعضهم إن عمر الأرض 3 بلايين سنة، وقال آخرون 4,5 بليون سنة! وقال فريق ثالث إن عمرها يتجاوز 13 بليون سنة! وكلها تخرصات لا قيمة لها وما يعتقدون دالًا على عمر الأرض كالغازات والإشعاعات كله من باب الظن، وكله قابل للنقض، وانظر إلى الفروقات الهائلة في كلامهم في عمر الأرض ليتعلم أنه ينبغي نبذ كلامهم كله، وصدق الله إذ يقول: ( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) الكهف/ 51.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذه الجملة دليل على أن كل مَن تكلم في شيء مِن أمر السموات والأرض بدون دليل شرعي أو حسي: فإنه لا يُقبل قوله، فلو قال: إن السموات تكونت من كذا، والأرضُ تكونت من كذا، وبعضهم يقول: الأرض قطعة من الشمس، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا دليل على صحته: فإننا نقول له: إن الله ما أشهدك خلق السموات والأرض، ولن نقبل منك أيَّ شيء من هذا، إلاَّ إذا وجدنا دليلًا حسيًّا لا مناص لنا منه، حينئذٍ نأخذ به؛ لأن القرآن لا يعارض الأشياء المحسوسة.

” تفسير سورة الكهف ” ( ص 93 ، 94 ).

 

والله أعلم.

بيان صفات الاستواء والوجه والساق لله تعالى، وهل ” الجسم ” من صفاته تعالى

بيان صفات الاستواء والوجه والساق لله تعالى، وهل ” الجسم ” من صفاته تعالى

السؤال:

سمعت أن السلفيين يؤمنون بالمعنى الحرفي لصفات الله، أي أنهم يؤمنون بأن الله يعتلي على العرش، وأن له جسدًا، ووجهًا، وساقًا … والعياذ بالله، فهل هذا صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من الجيد أنك راسلتنا لتقف بنفسك على حقيقة اعتقاد ” السلفيين ” فتعرف ما يؤمنون به في باب صفات الله تعالى، وتقرأ ما ينفونه عن أنفسهم مما ألصقه بهم أعداؤهم وخصومهم والجهلة بهم.

 

ثانيًا:

قاعدة السلفيين في أسماء الله تعالى وصفاته هي قاعدة من سبقهم من سلف هذه الأمة، وعلى رأسهم الصحابة الكرام والتابعون الأجلاء، وهي:

أ. أنهم يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل.

ب. وينفون عنه تعالى ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.

ج. وما لم يرِد فيه نفي ولا إثبات فإنهم يتوقفون فيه حتى يُعرف المعنى المراد منه، فإن كان معنى فاسدًا نفوا لفظه ومعناه، وإن كان معنى صحيحًا أثبتوا المعنى دون اللفظ.

 

ثالثًا:

ولنطبِّق عمليًّا تلك القاعدة العظيمة على ما ذكرته من صفات، فنقول:

  1. أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الاستواء على العرش ” في أكثر من موضع من القرآن، فقال تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ) طه/ 5، وقال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ) الأعراف/ 54، يونس/ 3، الرعد/ 2، الفرقان/ 59، السجدة/ 4، الحديد/ 4.

فالاستواء صفة فعلية للرب تعالى، أثبتها أهل السنَّة والجماعة بالمعاني اللائقة له عز وجل، من غير تحريف لمعناها أنها ” الاستيلاء “!، ولا تمثيلها باستواء الملِك على عرشه، ومن غير تعطيل لها.

ولا تزال كلمة الإمام مالك بن أنس رضي الله في هذه الصفة الجليلة قاعدة عند أهل السنَّة فيها وفي غيرها من صفات الله تعالى ، فقد سئل عن استواء الله تعالى كيف هو فأجاب:

” الاستواء معلومٌ – في لغة العرب – ، والكيف مجهولٌ ، والإيمان به – أي: بالكيف – واجبٌ ، والسؤال عنه – أي : عن الكيف – بدعة .  رواه اللالكائي في ” شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ” ( 3 / 441) والبيهقي في ” الأسماء والصفات ” ( ص 408 )، وصححه الذهبي، وشيخ الإسلام، والحافظ ابن حجر.

انظر: ” مختصر العلو ” ( ص 141 ) ، ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 365 ) ، ” فتح الباري ” ( 13 / 501 ) وللجملة ألفاظ متقاربة بمعنى متحد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

أصل الاستواء على العرش: ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل.

” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 188 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله – ردًّا على من حرَّف صفة الاستواء وعطَّلها -:

هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجها:

أحدها: إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم، وأنزل بها كلامه: نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف، مثل قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) القصص/ 14، وهذا معناه: كمل وتمَّ، يقال: استوى النبات، واستوى الطعام.

أما المقيد: فثلاثة أضرب:

أحدها: مقيد بـ ” إلى “، كقوله: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ) البقرة/ 29، وهذا بمعنى العلو والارتفاع، بإجماع السلف.

الثاني: مقيَّد بـ ” على “، كقوله تعالى: ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ) الزخرف/ 13، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال، بإجماع أهل اللغة.

الثالث: المقرون بـ ” واو ” مع التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها.

وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى ” استولى ” ألبتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية. ” مختصر الصواعق ” ( ص 371 ، 372 ).

  1. أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الوجه “، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقاعدة الشرعية هنا: أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الذات “، ولا تمثيل لها فنجعله كوجه أحدٍ من خلقه، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية.

 

دليل هذه الصفة – ونكتفي بدليل واحد من الكتاب ودليل من السنَّة -:

أ. قوله تعالى ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 27.

قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله – :

وقال عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )، فأخبر أنَّ له وجهًا لا يفنى ولا يلحقه ه‍لاك.  ” الإبانة ” ( ص 77 ).

وقال – أيضا -:

فمَن سَأَلَنا فقال: أتقولون إنَّ لله سبحانه وجهًا؟ قيل: نقول ذلك، خلافًا لما قاله المبتدعون، وقد دلَّ على ذلك قوله عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).

‍‍” الإبانة ” ( ص 78 ، 79 ).

وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

يقول تعالى ذِكره: ” كل من على ظهر الأرض من جن إنس فإنه هالك ويبقى وجه ربك يا محمد ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )، و ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) من نعت الوجه، فلذلك رفع ( ذو ) وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله بالياء ” ذي الجلال والإكرام ” من نعتِ الربِّ وصفتِه. ” جامع البيان ” ( 27 / 134 ).

وما نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه لا يصح عنه، بل هي بالرفع إجماعًا.

قال الشيخ عبد الفتاح القاضي – رحمه الله -:

قرأ ابن عامر: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) آخر السورة بالواو، وقرأ غيره ( ذِي الْجَلَالِ ) بالياء، وهو مرسوم بالواو في مصحف الشاميين، وبالياء في مصحف غيرهم.

وأما قوله تعالى: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) فقد اتفقوا على قراءته بالواو, وقد رُسم بالواو في جميع المصاحف العثمانية.

” الوافي في شرح الشاطبية ” ( ص 366 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فتأمل رفعَ قولِه ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) عند ذكر ” الوجه “، وجرَّه في قوله ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 78، فـ ( ذو ) الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه، و ( ذي ) المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم، فتأمله.

‍‍” مختصر الصواعق ” ( ص 409 ).

ب. قال البخاري رحمه الله: ” باب قول الله عز وجل ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص/ 88 “.

ثم روى – ( 4352 ) حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَعُوذُ بِوَجْهِكِ ) فقال ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ) قال ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ) الأنعام/ 65، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( هذا أَيْسَرُ ).

قال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله -:

فنحن وجميع علمائنا، من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقرُّ بذلك بألسنتنا، ونصدِّق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبِّه وَجْه خالقنا بوَجْه أحدٍ من المخلوقين، عزَّ ربُّنا أن يشبه المخلوقين، وجلَّ ربُّنا عن مقالة المعطلين.  ” كتاب التوحيد ” ( 1 / 18 ).

  1. أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه تعالى صفة ” الساق “، فالقاعدة الشرعية هنا: أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الشدة “، ولا تمثيل لها فنجعلها كساق أحدٍ من خلقه، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية.

ومن أدلة هذه الصفة:

حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( … فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ) رواه البخاري ( 7001 ).

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والذين أثبتوا ذلك صفةً كاليدين والإصبع: لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه ( فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا ) ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) القلم/ 42 مطابق لقوله ( فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا ) وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه، قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه؛ فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى ( فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) الزخرف/ 5 ، وقال: ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ) المؤمنون/ 75.

فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضًا: فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تُزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. ” الصواعق المرسلة ” ( 1 / 252 ، 253 ).

  1. لم يرِد إثبات ولا نفي لصفة ” الجسد “، فلا نثبته لربنا تعالى، ولا ننفيه عنه، ونستفصل من مورده علينا معناه، فإن قصد به الجسد الذي يتكون من أعضاء وأجزاء ويحتاج بعضه لبعض: فهو معنى فاسد، فننفي اللفظ ومعناه، وإن قصد به ” الذات ” فالمعنى هذا ثابت لله تعالى فيكفينا إثبات معناه الثابت دون لفظه المخترع.

 

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

مسألة الجسمية لم ترد لا في القرآن ولا في السنَّة إثباتًا ولا نفيًا، ولكن نقول بالنسبة للفظ: لا ننفي ولا نثبت، لا نقول: جسم وغير جسم، لكن بالنسبة للمعنى نفصِّل ونستفصل، ونقول للقائل: ماذا تعني بالجسم؟ هل تعني أنه الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به الفاعل بالاختيار القابض الباسط؟ إن أردت هذا: فهو حق ومعنى صحيح، فالله تعالى قائم بنفسه فعَّال لما يريد، متصف بالصفات اللائقة به، يأخذ ويقبض ويبسط، يقبض السماوات بيمينه ويهزها، وإن أردت بالجسم الشيء الذي يفتقر بعضه إلى بعض ولا يتم إلا بتمام أجزائه: فهذا ممتنع على الله؛ لأن هذا المعنى يستلزم الحدوث والتركيب، وهذا شيء ممتنع على الله عز وجل.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 18 ، 19 ).

فها قد رأيت – أخي السائل – أن السلفيين هم أسعد الناس بالكتاب والسنَّة، فلم يعتقدوا شيئًا في ذات ربهم إلا ومعهم أدلة من الوحيين، ومن عداهم فليس منهجه في الاعتقاد إلا رد هذه النصوص، وأكثرهم يعتمد على أبيات من الشعر لنصارى! لإثبات عقيدتهم في صفات ” الكلام ” و ” الاستواء ” لله رب العالمين، فهل ثمة أعجب من هذا؟!.

وأهل السنَّة والجماعة عندما يثبتون صفة لله تعالى فإن قاعدتهم في ذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى/ من الآية11، بل إنهم أجمعوا أنَّ من شبَّه الله تعالى بخلقه فقد كفر، فلا تلتفت لكلام المغرضين، واستمسك بالعروة الوثقى من نصوص الوحي تسلم في اعتقادك، وتتشرف بأن تكون من الفرقة الناجية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة -:

فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرِّفون الكلِم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيِّفون، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا نِدَّ له، ولا يقاس بخلْقه سبحانه وتعالى؛ فانه سبحانه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا مِن خلقه.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 130 ).

 

والله أعلم.

مسلمة حديثًا وعندها إشكالات في ” المساواة ” و ” العمل ” و ” الطلاق ” في الإسلام

مسلمة حديثًا وعندها إشكالات في ” المساواة ” و ” العمل ” و ” الطلاق ” في الإسلام

السؤال:

أسلمت منذ عامين حيث قابلت زوجي وتزوجنا، وقد جعلني أسلم، ولكنني لم أكن مستعدة لقبول الإسلام بعد، وقلت له: إنني حتى لا أقرأ القرآن ( معانيه بالإنجليزية ) ولكنه قال لي: إنه لا مشكلة، وإنه ليس بالضرورة عليَّ قراءته.

والآن أبحث عن معلومات عن الإسلام، وأشعر أنه دين جيد ولكن لدي بعض العوائق، عندما أصلي أشعر بتحسن، وفي بعض الأوقات أشعر أنه عليَّ أن أصلي، ولكنني عندما أبدأ في الصلاة تأتيني الهواجس القديمة مرة أخرى.

وأغلب هذه الهواجس بسبب ” سورة النساء ” فلماذا يقال دائما إن الرجل والمرأة لا فرق بينهما عندما أقرأ عن الإسلام والله يقول في قرآنه ” إن الرجال قوامون على النساء لأن المرأة لا تعمل وأنه لا يجوز لها أن تعمل “.

والأمر الآخر: أن للرجل أن يضرب المرأة ضربًا غير مبرح إلا الوجه، بالسواك وهكذا، ولكن هذه الأقوال أقوال العلماء وليس قول الله، فالله يقول في القرآن بضرب الزوجات، كما أنني لا أفهم علماء المسلمين الذين ينصحون نساء المسلمين اللواتي تشكين من أزواجهن بسبب ضربهن أن يبقين مع أزواجهن لأن الله يختبرهن، ربما لا أفكر بوضوح في هذا الأمر لأن أبي يضرب أمي لمدة عشر سنوات، وإذا كنت طفلا ورأيت هذا المنظر فإنه من الصعب أن تتخطى هذا الأمر ويظل نقطة سوداء في حياتك، فلماذا لا يفكر علماء المسلمين في ذلك عندما ينصحون بشيء كهذا؟.

وهناك أمر ما: إنني كامرأة لا أستطيع أن أتزوج من آخر، وهناك أحاديث أظن أنها غير صحيحة وأحاديث أخرى جيدة في حق النساء.

وأنا لا أفهم عن الشريعة الإسلامية كثيرًا، لماذا يمكن للرجل أن يطلق المرأة ثلاث مرات؟ أين المساواة؟.

وماذا حدث ما دامت المرأة لا تمتلك أية حقوق، أو ليس لها حق لأولادها ( وهي لا تعمل، وفقيرة، وليس مكان للعيش )، أم أن الرجل وحده له حق في العيش، ويتمتع بمزيد من الحقوق؟.

سأكون شاكرة جدًّا إذا أجبتموني.

 

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى ونشكره أن يسَّر الله خيرًا عظيمًا، وهو الدخول في دينه عز وجل، فهي نعمة جليلة امتنَّ الله تعالى بها عليك، والباحثون عن الحقيقة كثيرون، لكن من ذا الذي يوفَّق لها؟! انظري حولك كم من الملايين تقدِّس البقر وتعبدها! وكم الملايين يعبدون أصنامًا! وكم من الملايين يعبدون بشرًا! وهؤلاء مليارات من البشر ضلُّوا عن دين الفطرة، ورضوا لأنفسهم بتلك الآلهة المخلوقة أن تكون ربًّا لهم، وأنتِ قد وفقك الله لخاتم الأديان، وهو دين إبراهيم وموسى وعيسى وإخوانهم الأنبياء والمرسلين، وأنتِ تعبدين ربَّ الأرض والسماء، فيا لها من نعمة جليلة، فلا تفرطي فيها، واحرصي عليها أن تضيع منك؛ إذ فيها سعادتك في الدنيا والآخرة.

 

ثانيًا:

واعلمي أنه لا يسعك ولا يسع زوجك ولا يسع أحدًا من المسلمين ترك الصلاة، فليس المسلم بالخيار يصلي أو يترك، بل هي واجبة عليه، وفرض افترضها الله على المسلمين، ولعظم هذه العبادة فإن الله تعالى فرضها على نبيه صلى الله عليه وسلم بالكيفية التي هي عليها الآن فرضها عليه في السماء، ومباشرة دون واسطة جبريل عليه السلام، نعم، وفي أدائها راحة عظيمة، وشعور جميل يشعر به المصلي، يطمئن قلبه، وتهدأ جوارحه، ويهنأ باله، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول لبلال مؤذنه ” أرحنا بها يا بلال ” – رواه أبو داود ( 4958 ) بإسناد صحيح -، فالصلاة راحة القلب، وقرة العين، وعلاج الهموم والأحزان.

 

ثالثًا:

وكان الواجب على زوجك أن يعلمك أحكام الصلاة، وأن يحفِّظك شيئًا من القرآن، وخاصة سورة ” الفاتحة “؛ فإنه لا تصح ركعة دون قراءتها، وكان الواجب عليك أن يوقفك على تعاليم الإسلام وشرائعه، ولا يدعك في حيرة وتيه.

 

رابعًا:

ومن الجيد أنكِ راسلتنا حتى نساهم في إيصال رسالة الإسلام النقية لك، ونحن نجزم أنه لا يوجد عاقل على وجه الأرض يتجرد من هواه ورواسب جاهليته إلا ويسلِّم لهذا الدين بالعظمة والجلالة، وإذا أردتِ واقعًا عمليًّا فانظري كم دخل في هذا الدِّين من المثقفين والسياسيين والعلماء والقساوسة وغيرهم ممن كانوا على الكفر أو الإلحاد، وفي المقابل لن ترين عالم دين مسلم واحد خرج من الإسلام ليلتحق بدينٍ آخر.

فنحن على أتم الاستعداد لبيان شرائع هذا الدين وشعائره لكِ، ونشعر أن الله تعالى أراد بك خيرًا آخر لا يقل عظمة على الخير الأول وهو أنك وفقك لاختيار موقعنا لندلك من خلاله على دين الله تعالى، فنحن نعتمد في كلامنا على القرآن والسنَّة الصحيحة، على فهم علماء ثقات من السلف والمعاصرين، نعلم منهم الدِّين والاتباع والعلم، وهذا من توفيق الله تعالى لنا.

 

خامسًا:

وقولك ” فلماذا يقال دائما إن الرجل والمرأة لا فرق بينهما عندما أقرأ عن الإسلام “: يحتاج لتفصيل، فالرجل والمرأة لا فرق بينهما في الإسلام في أمور، وثمة فروق بينهما في أمور أخرى.

أ. ومن أعظم ما تستوي فيه المرأة مع الرجل: المشاركة في التكليف، وفي الجزاء الدنيوي والأخروي.

أما في التكليف: فكل نص من القرآن والسنَّة فيه الأمر بالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك من التكاليف الشرعية فهو يشمل النساء، إلا ما استثناه الشرع من التخفيف عليهم، وليس بزيادة التكليف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) رواه الترمذي ( 105 ) وأبو داود ( 204 ) من حديث عائشة، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وفي الجزاء الدنيوي والأخروي نقرأ قول الله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) النحل الآية 97، وقوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) آل عمران الآية 195.

ب. وأما الفروقات التي بين المرأة والرجل فإنها موجودة في تشريع رب العالمين، ولسنا نخجل من وجودها، بل نفخر بتشريعها، وأن الله تعالى جعل للمرأة رسالة في حياتها تختلف عن الرجل، ولا يقول إن المرأة مساوية للرجل إلا ناقص العقل أو فاقده، فالفروقات في الخلقة والتكوين والصوت والهيئة لا يُنكر، وإذا ثبتت تلك الفروقات في تلك الأشياء فمن الطبيعي أن يكون ثمة فروقات في الأحكام، وإننا لنرى في عالم الغرب تناقضات كثيرة في هذا الباب، فها هم يفرقون حتى في ” ديكور ” غرف الذكور عن الإناث! وفي ألعاب كل واحد منهم! وما ذاك إلا للفروقات في الخلقة والعقل والتفكير والعاطفة وغير ذلك مما يعرفه الآباء والأمهات من أولادهم الذكور والإناث، لذا فلسنا نقول بالمسواة المطلقة، بل لكل واحد من الذكور والإناث رسالة يؤديها في حياته، فيتبع ذلك اختلافات في الأحكام.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة: لا يمكن أن تتحقق؛ لأن الفوارق بين النوعين كونًا وقدرًا أولا، وشرعًا منزَّلًا ثانيًا تمنع من ذلك منعاً باتًّا.

ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر، ولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم.

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ).

وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة ” بني إسرائيل “، وبينَّا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو ملعون في كتاب الله، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها: لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله.

ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى: فرَّق الله جل وعلا بينهما في الطلاق فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه، وفي تعدد الزوجات دون الأزواج … .

” أضواء البيان ” ( 7 / 415 ).

– ولينظر في أجوبتنا الأخرى لمعرفة ” هل الإسلام يساوي بين الرجل والمرأة “؟ وفيه بيان لبعض الفروقات بين الرجال والنساء.

 

سادسًا:

قلتِ ” والله يقول في قرآنه ” إن الرجال قوامون على النساء لأن المرأة لا تعمل وأنه لا يجوز لها أن تعمل “! وهذا القول فيه صواب وخطأ: أما الصواب: فقوامة الرجال، والمقصود بهم هنا: الأزواج، وهذا ثابت في قوله تعالى ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) النساء/ من الآية 34.

والخطأ في أمرين:

  1. قولك ” لأن المرأة لا تعمل “! وهذا ليس مذكورًا في القرآن ولا في السنَّة ، وإن أردتِ أن الزوج ينفق على زوجته: فهذا حق، وهو جزء من الحقيقة، والحقيقة أن الله تعالى جعل القِوامة للزوج لأمرٍ وهبي وآخر كسبي، أما الوهبي: فهو ما فضَّل به الرجل في خلقته على المرأة ليكون قائد البيت ومسئولًا عن أفراد أسرته، وأما الكسبي: فهو ما أوجبه الله تعالى من النفقة على أولئك الأفراد من أسرته، وعلى رأسهم: زوجته، وقد قال تعالى ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) النساء/ من الآية 34.

قال الشيخ محمد الشربيني – رحمه الله -:

( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) أي: يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعية، وعلَّل ذلك بأمرين: أحدهما وهبيّ، والآخر كسبيّ، وقد ذكر الأوّل بقوله تعالى: ( بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) أي: بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل، وحسن التدبير، ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، ولذلك خُصوا بالنبوّة، والإمامة، والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والاستبداد بالفراق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم.

ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: ( وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) في نكاحهنّ، كالمهر، والنفقة.  ” تفسير السراج المنير ” ( 1 / 345 ).

  1. وقولك ” وأنه لا يجوز لها أن تعمل “! وهذا خطأ آخر، فالإسلام لا يمنع المرأة من العمل، فنحتاجها طبيبة ، ومعلمة، ومربية، لكنه يضع ضوابط لعملها كما يضعه لعمل الرجل .

ونرجو من كل امرأ أن تسأل نفسها ” لماذا أصبحت بعض الأعمال ملتصقة بالأنثى ، نحو: ” سكرتيرة “، ” مذيعة “، ” راقصة “، ” مضيفة “؟! هذه هي الأعمال التي يريد الغرب المنحل والشرق المقلد له، ومن يتأمل واقع عمل المرأة لا يكاد يجده خارج ما ذكرنا، وكل ذلك من أجل تسلية أصحاب الفجور والفساد، وإلا فما دخل صدر ” المذيعة الفضائية ” بنشرة الأخبار لتكشفه؟! وهل رأيتم مذيعًا من الرجال يكشف رقبته فضلا عن صدره؟! ولماذا الإصرار على ” السكرتيرة ” أن تكون حسنة المظهر؟! نأسف أشد الأسف على حال المرأة أن صارت رخيصة حتى صار أولئك المفسدون يتاجرون بها بأبخس الأثمان.

وأما عمل المرأة في الإسلام فهو يعطي المرأة حقها فيه، ويحافظ على كرامتها، ويراعي أنوثتها، ولا يعرضها للاحتقار والابتذال، فهي معلمة للطالبات، وهي ممرضة وطبيبة للنساء، وهذه أشرف الأعمال، وبها يكون صلاح المجتمعات، ويكون الحفاظ على أعراض أخواتهن من النساء.

– وفي جواب لنا سابق رددنا على من قال ” إن بقاء المرأة في بيتها تعطيل لنصف المجتمع! ” وهو جواب مهم غاية.

 

 

 

 

 

 

سابعًا:

وأما بخصوص ضرب الزوجة: فقد أشبعنا المسألة بحثا في جواب سؤال بعنوان:

– ” ضرب الزوجة، أنواعه، وأحكامه، وآثاره ” فلينظر.

 

ثامنًا:

وأما بخصوص تشريع الطلاق في الإسلام فهو غاية في الحكمة:

  1. فمن حيث أصل تشريعه فإن فيه فك عقد الوثاق بين الزوجين إذا تعذر الوئام بينهما، ولو أن الطلاق لم يشرَّع – كما هو الحال في بعض الديانات -: لوقعت مفاسد كثيرة في حياة الناس، فماذا يفعل من يرى خيانة زوجته لفراش الزوجية أمام ناظريه؟ وماذا تفعل الأمر في حال خيانة زوجها أو ضربه لها؟ وكيف يتم التخلص من الشريك صاحب الضرر؟ لذا يلجأ أولئك المظلومون المقهورون لقتل الطرف الآخر أحيانًا، أو لفعل الأمر نفسه الذي يفعله شريكه، فترى الزوجة تحضر عشيقها لبيت الزوجية! وهو في المقابل يحضر عشيقته لبيته! فأي حياة يمكن تخيلها وهي في هذا الواقع المر الأليم؟.
  2. ومن حيث تشريع العدد فإنه غاية في الحكمة أيضًا، فقد يتسرع الزوج فيقع منه تطليق لزوجته، وقد يكون ثمة سبب يدعوه لذلك، ثم يزول السبب، أو يزول الغضب، فلو أن عقد الزوجية يُحكم عليه بالزوال من أول مرة لتهدم البيت، ولتفرقت الأسرة، فلذا لم يكن الطلاق مرة واحدة، وأيضًا ليس هو إلى ما لا نهاية؛ لأن فيه إضرارًا بالزوجة وإهانة لها، والزوج الذي يطلق ثلاث مرات ليس أهلًا للبقاء معه، لذا كان الطلاق الذي يملك فيه الزوج الرجعة: مرتين، فإذا أوقع الثالثة حرمت عليه زوجته، فكان تشريع الطلاق بعدد الثلاث غاية في الحكمة.

قال الشيخ الطاهور بن عاشور – رحمه الله -:

وحكمة هذا التشريع العظيم: ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعبًا في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: ( فَكَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً وَالثَّانِيَة شَرْطاً والثَّالثَةُ عَمْدًا، فَلذلك قال له الخضر في الثالث: ( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنك ) الكهف/ 78 – رواه أحمد ( 35 / 56 ) وصححه المحققون -. ” التحرير والتنوير ” ( 2 / 415 ).

  1. ومن حيث كون الطلاق بيد الزوج: أيضًا هو في غاية الحكمة؛ فإن المرأة تعتريها العاطفة كثيرًا، وفي كثير من الأحيان تغلبها على جانب العقل، فلو كان الطلاق بيد النساء لرأيت الأسرة مفرقة مشتتة لكثرة ما سيقع من طلاق.

 

قال ابن الهمام الحنفي – رحمه الله -:

ومنها جعله بيد الرجال دون النساء لاختصاصهن بنقصان العقل وغلبة الهوى، وعن ذلك ساء اختيارهن وسرع اغترارهن، ونقصان الدين، وعنه كان أكثر شغلهن بالدنيا وترتيب المكايد وإفشاء سر الأزواج وغير ذلك.

– انظر ” شرح فتح القدير ” ( 3 / 465 ) للشيخ كمال الدين السيواسي.

ونحن على أتم الاستعداد – إن شاء الله – للرد على استفساراتك، وما ينقدح في ذهنك من إشكالات، وما يطرأ على عقلك من شبهات، ولكن نرجو منك أولًا التأمل جيِّدًا فيما ذكرناه لك هنا، وما أحلناك عليه، ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق.

 

والله أعلم.

 

 

كلمة حول ما يطلق عليه ” علم قراءة الوجه “

كلمة حول ما يطلق عليه ” علم قراءة الوجه ”

السؤال:

هل قراءة الوجه حرام أو هل يعتبر على أية حال شرك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يمكن لبعض من آتاهم الله بصيرة التعرف على بعض حقائق الناس من خلال تعابير وجوههم، وإليه الإشارة في قوله تعالى ( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ) البقرة/ 273، وقوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) الفتح/ 29، أو من خلال كلامهم، وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) محمد/ 30.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في تفسير هذه الآية -:

والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم؛ فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه: أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه؛ فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره: أظهر من السيماء المرئية، والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر، والسماع. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 483 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وكثير من الناس يعطيهم الله سبحانه وتعالى علمًا بالفراسة، يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه، ونظراته، وكذلك بعض عباراته، كما قال الله عز وجل: (ولتعرفنهم في لحن القول ) محمد/ 30. ” تفسير سورة البقرة ” ( 3 / 368 ).

وقد سمَّى ابن القيم رحمه الله هذه الفراسة ” الفراسة الإيمانية “، وقال في بيان سببها، وحقيقتها، وأصلها:

وسببها: نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.

وحقيقتها: أنها خاطر يهجم على القلب، ينفي ما يضاده، يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، … وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا: فهو أحدُّ فراسة ….

وأصل هذا النوع من الفراسة: من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك، ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطئ، قال الله: ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الأنعام/ 122، كان ميْتا بالكفر والجهل فأحياه الله بالإيمان والعلم، وجعل له بالقرآن والإيمان نورًا يستضيء به في الناس على قصد السبيل، ويمشي به في الظلم، والله أعلم “. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 483 – 486 ) باختصار.

 

ثانيًا:

وما ذكرناه سابقًا لا تعلق له بخِلقة الشخص من حيث عرض وجهه، أو طول ذقنه، فهل يمكن الاستدلال بالخِلقة على الخلُق؟ هذا ما يقصده مروجو علم ” قراءة الوجه “، وهذه القراءة للوجه داخلة في نوع من أنواع الفراسة يطلق عليه ” الفراسة الخَلقية “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الفراسة الثالثة: ” الفراسة الخَلْقية “، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلْق على الخُلُق؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه: على سعة خُلُق صاحبه واحتماله وبسطته، وبضيقه على ضيقه، وبخمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها وضعف حرارة قلبه، وبشدة بياضها مع إشرابه بحمرة وهو الشكل على شجاعته وإقدامه وفطنته، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه.

ومعظم تعلق الفراسة بالعين؛ فإنها مرآة القلب وعنوان ما فيه، ثم باللسان؛ فإنه رسوله وترجمانه، وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته، وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته.

وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة، وبإفراطه في الجعودة على الشر، وباعتداله على اعتدال صاحبه.

وأصل هذه الفراسة: أن اعتدال الخلقة والصورة: هو من اعتدال المزاج والروح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف الخلقة والصورة عن الاعتدال: يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال، هذا إذا خليت النفس وطبيعتها.  ” مدارج السالكين ” ( 2 / 487، 488 ).

وهذا النوع من الفراسة وتلك القراءة للوجه فيها حق وباطل، وخطأ وصواب، وما يذكرونه من صفات لخلقة معينة للوجه لا يلزم أن يكون صحيحًا مطلقًا، وأظهر خطأ فيها: أنهم يجعلون صاحب الخلقة المعينة يلزم أخلاقًا وأوصافًا لا تتغير! وهذا باطل قطعًا، فالكافر يسلم، والنشيط يكسل، والغني يفقر، والعاصي يتوب، والقلق يهنأ، والمكروب يزول كربه، واعكس ذلك كله، وأضف إلى القائمة ما شئت من أوصاف وأخلاق وفعال، وهذا مشاهد مجرَّب معروف، ومن هنا فقد أكمل ابن القيم رحمه الله كلامه السابق بقوله:

” ولكن صاحب الصورة والخِلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاق من يقارنه ويعاشره، ولو أنه من الحيوان البهيم! فيصير من أخبث الناس أخلاقًا وأفعالًا، وتعود له تلك طباعًا ويتعذر أو يتعسر عليه الانتقال عنها.

وكذلك صاحب الخِلقة والصورة المنحرفة عن الاعتدال يكتسب بصحبة الكاملين بخلطتهم أخلاقًا وأفعالًا شريفةً تصير له كالطبيعة؛ فإن العوائد والمزاولات تعطي الملكات والأخلاق.

فليُتأمل هذا الموضع، ولا يعجل بالقضاء بالفراسة دونه؛ فإن القاضي حينئذ يكون خطؤه كثيرًا؛ فإن هذه العلامات أسباب لا موجبة، وقد تتخلف عنها أحكامها لفوات شرط، أو لوجود مانع. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 488 ).

وما ذكرناه من نوعي الفراسة هو أشهر ما قيل فيها وأدقه، وهو – كما رأينا -إما أنها تتعلق بالإيمان والبصيرة، وهذه لا سبيل لتعلمها، بل هي نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، والنوع الآخر قواعد استقرائية يمكن تعلمها، ويشترك فيها المسلم والكافر، وفيها خطأ وصواب، ولا يُبنى عليها علم، ولا تنفع في دين ولا دنيا، وقد يستثمر ذلك بعض المنتفعين ليجعل منها سبيلًا يأكل به أموال الناس بالباطل، فيسوقها على صورة ” كهانة “! ولذا لا ننصح المسلم أن يتعلم شيئًا منها، ومن باب أولى أن لا يمارسها؛ ففيه تضييع للأوقات، ومشابهة لعمل الكهان، وهي تختلف عن ” قراءة الكف ” من وجهين:

الأول: أن الكف يلزم حالًا واحدًا لا يتغير، والوجه تختلف خلقته من واحد لآخر، وتختلف تعابيره وتتنوع في الأشخاص، كما هو مشاهد معروف.

الثاني: أن قراءة الكف يخبر أصحابها عن المستقبل، فصارت كهانة بلا ريب، بخلاف قراءة الوجه فإنها إخبار عن حال صاحبه تبعًا لخلقته أو تعابير وجهه.

 

والله أعلم.

هل يتعين الماء لإزالة النجاسات أم يجزئ غيره معه؟

هل يتعين الماء لإزالة النجاسات أم يجزئ غيره معه؟

السؤال:

شكت الصحابيات أن جلبابهن يتسخ فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم (يطهره ما بعده ). نحن الآن في هذا الوقت إذا مشينا في الشارع وقطعنا رطوبة هي نجاسة بيارة – أكرمكم الله – هل إذا مشينا وأكملنا الطريق على الأسفلت أو ركبنا السيارة هذا يطهِّر العباءة.

سؤالي:

ما الذي يطهر العباءة: التراب أم مجرد المشي على أرض جافة، أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه المسألة من مسائل الخلاف المشتهرة بين العلماء، فجمهور العلماء على أن النجاسة إن وُجدت في ثوب أو في نعل فإنه لا يطهرها إلا إزالتها بالماء، وذهب الحنفية إلى أن أي مزيل يزيل تلك النجاسة فإنه يجزئ في ذلك، ووافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمع من المحققين من علمائنا المعاصرين، وهو القول الصواب.

عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ).

رواه الترمذي ( 143 ) وأبو داود ( 383 ) وابن ماجه ( 531 ).

والحديث صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي “.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ).

رواه أبو داود ( 650 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

فهذان حديثان صحيحان فيهما الإذن بإزالة النجاسة بغير الماء، فثبت عدم تعينه في إزالتها، وقد تأولهما بعض المانعين على النظافة من القذر لا الطهارة من النجاسة، وهو تأويل بعيد، كما قال بعضهم: إن التطهير تعبُّد ولم نؤمر إلا بإزالة النجاسة بالماء، وهذان الحديثان يردان على القول بحصر إزالة النجاسة بالماء، ويبيحان إزالتها بكل مزيل من تراب، أو ريح، أو شمس، والمهم في الشرع أن تزول عين النجاسة.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

اختلف الفقهاء في طهارة الذيل على المعنى المذكور في هذا الحديث فقال مالك: معناه في القشب اليابس والقذر الجاف الذي لا يتعلق منه بالثوب شيء، فإذا كان هكذا: كان ما بعده من المواضع الطاهرة حينئذ تطهيرًا له، وهذا عنده ليس تطهيرًا من نجاسة؛ لأن النجاسة عنده لا يطهرها إلا الماء، وإنما هو تنظيف؛ لأن القشب اليابس ليس ينجس ما مسه، ألا ترى أن المسلمين مجمعون على أن ما سفت الريح من يابس القشب والعذرات التي قد صارت غبارًا على ثياب الناس ووجوههم لا يراعون ذلك ولا يأمرون بغسله ولا يغسلونه؛ لأنه يابس، وإنما النجاسة الواجب غسلها: ما لصق منها وتعلق بالثوب وبالبدن.

فعلى هذا المحمل حمل مالك وأصحابه حديث طهارة ذيل المرأة، وأصلهم: أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وهو قول زفر بن الهذيل والشافعي وأصحابه وأحمد وغيره: أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء ؛ لأن الله تعالى سمَّاه طهورًا ولم يقل ذلك في غيره.

قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله – يعني: أحمد بن حنبل – سئل عن حديث أم سلمة ( يطهره ما بعده ) قال: ليس هذا عندي على أنه أصابه بول فمرَّ بعده على الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان يتقذره فيمر بمكان أطيب منه فيطهره هذا، ذلك ليس على أنه يصيبه شيء.

وقال أبو حنيفة: يجوز غسل النجاسة بغير الماء، وكل ما زال به عينها: فقد طهرها، وهو قول داود، وبه قال جماعة من التابعين، ومن حجتهم الحديث المذكور في هذا الباب في ذيل المرأة.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 13 / 105، 106 ).

وقول أبي حنيفة والظاهرية هو الصواب إن شاء الله.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والسنَّة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء (حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ ) – رواه الترمذي وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح -، وقوله في آنية المجوس (ارْحَضُوهَا ثُمَّ اغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ ) – رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح بلفظ ( فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) ومعنى ” ارحضوها “: اغسلوها، وهو في آنية أهل الكتاب، لا المجوس – وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد (صُبُّوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ) – متفق عليه – فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًّا بأن تزال كل نجاسة بالماء.

 وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع:

– منها: الاستجمار بالحجارة.

– ومنها: قوله في النعلين ( ثُمَّ لِيُدَلِّكَهُمَا بِالتُّرَابِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُور ) – رواه أبو داود وصححه الألباني، ولفظه ( إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ ).

ومنها: قوله في الذيل ( يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ).

– ومنها: ” أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يكونوا يغسلون ذلك ” – رواه البخاري من قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -.

– ومنها: قوله في الهر ( إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ ) – رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح – مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترِد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها.

– ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين.

وإذا كان كذلك: فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان: زال حكمها؛ فإن الحُكم إذا ثبت بعلة: زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها.

والذين قالوا ” لا تزول إلا بالماء ” منهم من قال: ” إن هذا تعبد “، وليس الأمر كذلك، فإن صاحب الشرع أمر بالماء في قضايا معينة لتعينه لأن إزالتها بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها وإزالتها بالجامدات كانت متعذرة كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء، فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ماء ورْد وخل وغير ذلك: لم يأمرهم بإفساده، فكيف إذا لم يكن عندهم.

ومنهم من قال ” إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق غيره به “، وليس الأمر كذلك، بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الآنية من النجاسة كالماء وأبلغ، والاستحالة له أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ ) – رواه أبو داود بإسناد صحيح – وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح. ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 474 – 476 ).

 

فتبين مما سبق أن المرأة التي يصاب ذيل ثوبها بنجاسة إنها إن مرَّت بعده بأرض أو أسفلت أو شارع أو بلاط فزالت عين تلك النجاسة أن ثوبها صار بذلك طاهرًا، وأنه لا يتعين الماء لإزالة تلك النجاسة.

 

والله أعلم.

 

حكم تناول حبوب من مواد طبيعية لزيادة حجم بعض أعضاء الجسم

حكم تناول حبوب من مواد طبيعية لزيادة حجم بعض أعضاء الجسم

السؤال:

هل يجوز لامرأة مسلمة أن تأخذ حبوبا تحتوي على 100 % أعشاب طبيعية لإفراز الأستروجين في الجسم وينتج عنه زيادة في الفخذين والأرداف ومنطقة الصدر؟.

وسؤالي هو: هل كون الحبوب مصنوعة من مكونات حلال يجعلها حلالا؟ لكن لا تزال هناك مشكلة النمو الزائد في مواضع الإثارة للمرأة، فهو يزيد من حجم الفخذين والأرداف وحجم الصدر بمقدار كأس أو أكثر، فهل صارت بذلك حراما تناولها؟.

وهذا كل ما يتعلق بالحبوب:

فالحبوب تتألف من خليط من الأعشاب الطبيعية والأدوية الغذائية التي تساعد على تعزيز نمو الأرداف، والخليط النباتي من الأعشاب الطبيعية ينشط عمل الأستروجين في الجسم، ومع استثارة الاستروجين فإن جسم المرأة سيكون أكثر إثارة ومتوهجا، وتلك الحبوب معدة من المنتجات الطبيعية التي تحتوي على كميات هائلة من ” ديسجينين ” و ” بات استروجين ” طبيعي، والتي ثبت أنها وراء كبر حجم الثدي والأرداف والأفخاذ، وكذلك السيقان يزداد حجمها بنفس درجة زيادة الأفخاذ مما ينتج عنه توهج وتناسق جسم المرأة.

ومكونات تلك الحبوب هي: روز هيب، يام المكسيكي البري، ماء، مكا، فيتامين س ( مثل كالسيوم أسكوربيت)، دونج كواي، ساو مالميتون، فينجريك، سوي انسوفلافونيس، فيتامين د، أملاح بيوفلافونيدس، كالسيوم، جينستين.

وكل المكونات السابقة هي أعشاب طبيعية، وسؤالي – كما قلت من قبل – هو أن مكونات تلك الحبوب حلال في ذاتها، لكنها معدة للاستخدام في تعزيز مناطق الإثارة عند المرأة، لذلك فسؤالي لا يتعلق بالمكونات الحلال للحبوب لكن يتعلق في استخدامها في زيادة نمو المرأة مثل ثدييها وأردافها وخلافه، فهل هذا حرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن تناول الحبوب المصنعة من مواد طبيعية أو مباحة لزيادة حجم بعض أعضاء الجسم منه ما هو جائز، ومنه ما هو حرام.

والضابط النافع لمعرفة الحكم الشرعي للأخت السائلة – ولغيرها – في ذلك هو التفريق بين من فعلت ذلك من أجل إزالة عيب، أو فعلت ذلك طلباً لزيادة الحسن والجمال، فيكون تغييرا لخَلْق الله.

فمن تناولت الحبوب المباحة من أجل زيادة حجم أعضاء جسمها بسبب هزال، أو ضعف نمو فيها: فإنه لا حرج عليها في فعلها، وهو من التطبّب المباح، ولا شك أن تناول الحبوب في هذه الحال خير من فعل ذلك بعملية جراحية لما في العمليات من اطلاع على العورات.

 

ومن تناولت تلك الحبوب لأجل زيادة الحسن والجمال، وكان حجم الأعضاء طبيعيًّا: ففعلها حرام، وهو من تغيير خلق الله، كمن تنفخ شفتيها، وتكبر حجم ثدييها، وليس شيء من ذلك فيه نقص في الخلقة إنما تريد تقليد الغربيات الكافرات في تغييرهن لخلق الله.

 

قال الله تعالى – مخبرا بقول الشيطان -: ( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) ثم أعقب الله تعالى ذلك بالوعيد لمن استجاب للشيطان فقال: ( وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) النساء/ 119.

 

والله أعلم.

 

 

متحير في اختيار بيئة تناسب أخته لتحافظ على دينها ويطلب النصح

متحير في اختيار بيئة تناسب أخته لتحافظ على دينها ويطلب النصح

السؤال:

إنني مسلم أبلغ من العمر 21 عامًا، أعيش في بيت بعيدًا كل البعد عن الإسلام، ولد أبي وزوجته مسلميْن، ولكنهما لا يلتزمان به نهائيّا ولا بتعاليمه، فأبي لا يصلي، وزوجته بدأت تصلي بعدما رأتني أصلي، إنها لا ترتدي الحجاب، وهي تغتاب الناس بشكل كبير، ولا تبقى في بيتها، وتسمح لبناتها بأن يرتدين ملابس الكفار، وأن يسمعن الموسيقى المثيرة للاشمئزاز، ولا تقوم بتعليم أولادها تعاليم الإسلام أو أساليبه.

تبلغ أختي غير الشقيقة 12 عاما، وتعيش معنا في البيت، وليس لأحد في البيت علاقة بها غيري، ولكنني لا أذهب للبيت سوى يوم أو يومين أسبوعيّا، وعندما لا أكون هناك فإنها تتعامل بشدة مع زوجة أبي، ويقع اللوم عليها في أن كل شيء في البيت ليس على ما يرام، وكذلك عليها أن تقوم بأعمال البيت الشاقة، وفي بعض الأوقات تقوم زوجة أبي بضربها لأسباب تافهة، وأنا حزين أن أبي لا يقوم بتقويم زوجته أو تصحيح أخطائها.

أما عن والد أختي فهو خارج الصورة، ولكن أمي لا زالت تعيش خارج بلدتنا، وهي على علاقة طيبة بأسرتنا، وتقوم بزيارتنا عدة مرات في الأسبوع، وهي تفتقد ابنتها كثيرا، وهي آسفة أنها تتركها تعيش مع زوج أمها وزوجته، وهي تشعر أنها مجبرة من قبل هذه المرأة والتي تريد أن تصطحب ابنتها وأن يراها الناس تفعل عملاً صالحا ( من خلال أن تجعل ابنتها تعيش في بيت كبير ).

أما زوجة أبي هذه: فطاغية، ولا تسمع أبداً لنصيحة، والأسوأ من ذلك: أنني أخاف أن أنصحها حيال أختي فتقوم هي بإيذائها عندما أذهب، وقد جعلها هذا الإيذاء تبقى صامتة على ما تعانيه من إيذاء في الماضي.

والحقيقة – يا شيخنا – أن هذه المرأة تكرر مع أختي ما فعلته معي في طفولتي، فهي تكرر نفس الوضع الذي عشته من سن الخامسة وحتى الخامسة عشر.

والدتنا كافرة، وهي تحبني كثيرا، غير أنها لا تبدي أي استعداد لاعتناق الإسلام، وهي كذلك امرأة ضعيفة الإرادة بحيث تشهد أبناءها يهانون ولا تفعل لهم شيء، وكذلك أبي يشهد ما يحدث ولا يفعل شيئا.

وأنا لا أريد أن أكون ثالث ثلاثة لأمي وأبي وأن يحاسبني الله على صمتي وتركي لهذا الظلم أن يقع بأختي، ولكن – كما ذكرت – فإن أمي غير قادرة على أن تقوم بضبط وتقويم ابنتها فهي لا تعرف شيئًا عن تعاليم الإسلام ولا أخلاقه أو مبادئه.

أرجو أن تخبروني – يا شيخنا – أي بيئة أفضل لأختي: أن تعيش مع امرأة تقمعها وتؤذيها وليست أمها، أم تعيش في بيئة يملؤها الحب والاحترام ولكنها منحلة؟.

وكذلك لا يوجد أحد غيري يعلمها الإسلام، وأنا أقضي معظم أيام الأسبوع بعيدا؛ لأنني في الجامعة، من هو ولي هذه الفتاة؟ فإذا بقيت أختي هل أُلام على ما تعانيه؟ هل إذا ما نقلتها لأمها فهل يكون عليَّ لوم لما يحدث لها من عواقب في تلك البيئة الجديدة المنحرفة؟ ما هو الواجب عليَّ وما هو المستحب؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يفرج عنكم كربكم، وأن ييسر أمركم، وأن يهديكم لما فيه خير دينكم ودنياكم.

والذي ننصح به هو أن تكون أختك مع أهلها، وأن تخرج من بيئة الظلم والقهر التي تعيش في وسطها؛ وذلك لأن أثر الظلم على النفس وخيم، وقد يجر وراءه مشكلات لا حصر لها، وقد يكون منها بُعدها عن دينها، وعدم استقامتها، فما تخاف منه في البيئة الأخرى قد يقع ما هو شر منه بمراحل في بيئتها الحالية، وقد رأينا وسمعنا قصص من كنَّ يعشن في بيئات القهر والاستبداد وكيف أدَّى بهن الأمر إلى الانحلال التام، وترك دينهن، فالذي يعيش في بيئة يكون فيها مظلومًا مقهورًا لا يفكر إلا بالتخلص من تلك البيئة والفرار منها، ولو كان ما سيذهب إليه أسوأ مما هو فيه، لكنَّه لأنه لم يجرب البيئة الأخرى فإن كل همِّه ينصبُّ على ترك بيئته الحالية.

وقد رأينا وسمعنا قصص كثيرين عاشوا مع أهاليهم من الكفار أو الفسَّاق وخرجوا بفضل الله سالمين، كما ساهم كثيرون في إخراج أهاليهم من ظلمة الكفر وشؤم المعصية.

لذا فإننا نرى أن بقاء أختك مع أهلها أهون من بقائها في بيئتها الحالية، ونضع عليك مسئولية متابعة أمرها، والعناية بها، وتربيتها تربية سليمة، وهذا أمر تُسأل عنه يوم القيامة، وتوفر سبل كثيرة للاتصالات لا يعفيك من مهمة متابعتها، فتستطيع متابعتها يوميّا، وبالصوت والصورة أينما كنتَ في العالَم، وذلك عن طريق الإنترنت.

وتقوية إيمانها وهي وسط أهلها، وتعليمها العلم الشرعي، ورعايتها نفسيّا قد يكون له أبلغ الأثر في استقامتها على الهداية، وفي نقل تلك الهداية لأهل بيتها.

نحن نعلم أن الاختيار صعب، والأمر لا يعدو كونه اجتهادا لا في اختيار الأصلح بل اختيار الأقل ضررًا وسوءً، ورأينا أن الجانب النفسي السيء خطره شديد وعظيم، فنحاول بنصحنا تجنبه؛ لما نرى له من آثار على البدن والنفس والدين.

 

 

 

ثانيًا:

وولي أختك في النكاح هو والدها، فإن كان والدها تاركًا للصلاة بالكلية: فتسقط ولايته وتنتقل لغيره، وإذا كنت أقرب أوليائها لها فتكون أنت وليها.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

تارك الصلاة كافر، الذي يترك الصلاة تركًا مطلقًا، ولا يصلي لا في الليل ولا في النهار، ولا في البيت ولا في المسجد، ولا جمعة ولا غيرها: فهذا كافر، خارج عن الإسلام، لا يجوز أن نزوجه امرأة مسلمة، ولا يجوز أن يتولى العقد لبناته؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، وإذا مات: لا يجوز أن ندعو له بالرحمة والمغفرة؛ لأنه كافر – والعياذ بالله -.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / 122).

 

– وللوقوف على معرفة بعض الخطوات العملية لحماية الأسرة من الضياع في الغرب: انظر أجوبتنا الأخرى داخل الموقع.

 

والله أعلم.

 

 

التعليق على نشرة بعنوان ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “!

التعليق على نشرة بعنوان ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “!

السؤال:

يوجد في بعض المنتديات هذا القول، فهل يجوز بهذه الصيغة:

” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله ”

أختي العزيزة لا تدعي الفرصة تفوتك … فالعرض شائق … والوقت محدود واجعلي ( غض البصر ) كحلاً لعينيك فتزداد صفاء ورونقا. ضفي لمسات من (الصدق) على شفتيك.

أما احمرار الخدود فاستعمليه من ماركة ( الحياء ) وهو يباع في محلات الإيمان بالله. واستعملي صابون ( الاستغفار ) لإزالة أي ذنوب تشكين منها.

أما تقصف شعرك ( فاحميه بالحجاب الإسلامي ).

أما الإكسسوار فأنصحك بالآتي:

ضعي في أذنيك سماع ( الكلمة الطيبة ) ترفع من مقامك أمام رب العالمين.

وضعي حول عنقك قلادة العز والمعروف والكرم.

وزيني أصبعك بخاتم الإباء ورفض المنكرات.

وهذه الاكسسوارات الجميلة لا تجدينها إلا في سوق الإسلام العظيم، ومحلات الأخلاق الحميدة.

أخواتي: اغتنموا هذه الفرصة فإننا نعيش مرة واحدة فقط في هذه الحياة الفانية.

فأفيقوا من هذه الغفلة.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نود أن نمنع المسلمين من كل جديد يسوقون فيه النصح والوعظ للناس، لكننا نرى من إخواننا وأخواتنا إفراطًا في الوسائل المستعملة لذلك حتى جعلوا شرع الله تعالى مجالاً للسخرية والاستهزاء من قبل أصحاب القلوب المريضة.

ولذا فنحن نعتب على أولئك الدعاة والداعيات الذين ينشرون مثل تلك النشرات فتنتشر في عالم الإنترنت وفي البريد الإلكتروني ولا يكلِّف أحدهم نفسه أن يرجع لعالِم يستفتيه قبل نشرها، أو قبل كتابتها.

ومن هذه النشرات التي لا ينبغي نشرها:

  1. ” نشرة البطاقة الشخصية وشروط الرحلة “.

وفيها: البطاقة الشخصية:

الاسم: الإنسان ابن آدم، الجنسية: من تراب، العنوان: كوكب الأرض.

 

 

بيانات الرحلة:

محطة المغادرة: الحياة الدنيا، محطة الوصول: الدار الآخرة، شروط الرحلة السعيدة: على حضرات المسافرين الكرام اتباع التعليمات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله، مثل طاعة الله، ومحبته، وخشيته، التذكر الدائم للموت، الانتباه إلى أنه ليس في الآخرة إلا جنة أو نار، بر الوالدين، أن يكون مأكلك ومشربك وملبسك من حلال.

لمزيد من المعلومات يرجى الاتصال بكتاب الله وسنَّة رسوله الكريم.

ملاحظة: الاتصال مباشر ومجانًا، لا داعي لتأكيد الحجز، الوزن الزائد من أعمال صالحة: مسموح به.

 

* وقد سئل عن تلك النشرة الشيخ العثيمين رحمه الله فأجاب:

أرى أن هذه الطريقة محرمة؛ لأنه يجعل الحقائق العلمية الدينية كأنها أمور حسية، وفيها نوع من السخرية في الواقع.

هذه – أيضًا – نفس الشيء: أرى أن من رآها مع أحد: فليمزقها، جزاه الله خيرًا، ويقول : إن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوق رحلات الطائرات، وفوق الاتصالات، وما أشبه ذلك، نسأل الله أن يعيذنا من الفتن.

” اللقاء الشهري ” ( 43 / السؤال رقم 33 ).

وحذَّر منها أيضا – بتفصيل أوفى – في ” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ”

( 2 / 328 – 330 ).

 

  1. نشرة بعنوان ” بندول، علاج الذنوب “.

وفيها قولهم:

” دواء فعَّال لعلاج جميع الذنوب، والهموم، والآلام والأحزان “!.

وكتب على غلافه: ” دواء فعّال لجميع الفئات العمرية “.

وقد حذَّرنا من هذه النشرة في جواب آخر فلينظر.

 

  1. نشرة بعنوان ” الرقم الخاص بالملِك “:

وفيها قولهم:

اتصل على هذا الرقم فهذا الرقم الخاص بالملِك – ( أي: الله! ) – الرقم هو: 222 فقط وبدون مفتاح للدولة وبدون مفتاح للمدينة، هل تريد معرفة كيفية الاتصال؟ إذًا تفضل معي لنبدأ الاتصال معًا! الرقم الأول ( 2 ) يعني الساعة ( 2 ) بعد منتصف الليل، الرقم الثاني ( 2 ) يعني ركعتين، الرقم الثالث ( 2 ) يعني دمعتين ومعناها ركعتين الساعة ( 2 ) في آخر الليل مع دمعتين.

وقد حذَّرنا من هذه النشرة في جواب آخر فلينظر.

وهذه النشرات فيها تنقص من شعائر الإسلام العظيمة، وفيها فتح باب للسخرية والاستهزاء بها، وبغيرها، وقد حصل ذلك بالفعل، فأُخرج للناس نشرة بعنوان ” كريم الأذكار “!، كتب أسفله: ” يحفظك من الشر ويُبعد عنك كل ما ضر “، وأُخرجت نشرة بعنوان: ” مضاد للخطايا “! كتب أسفله: ” فعّال يحط جميع خطاياك، ولو كانت مثل زبد البحر “، وكتب بعضهم: ” ملك جمال العالَم ” ثم وضع صورة للقرآن الكريم!.

 

ولم نجد أحدًا من العلماء الثقات الأثبات إلا وأنكر هذه النشرات أو كرهها، أو منع منها سدًّا للذريعة.

 

ويلحق بتلك النشرات النشرة موضوع السؤال، وهي التي بعنوان ” ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “! وهي بالإضافة لانطباق ما ذكرناه عن النشرات السابقة عليها: فإن فيها من الأخطاء ما ينبغي التنبيه عليه، ومنها:

أ. قولهم ” ضفي لمسات من ( الصدق ) على شفتيك “.

والصدق والكذب ليست الشفتان محلاًّ لهما، بل هو اللسان، لكن لأن اللسان ليس له مادة تجميل لم يذكروه وذكروا الشفتين!.

 

ب. قولهم ” أما احمرار الخدود فاستعمليه من ماركة ( الحياء ) وهو يباع في محلات الإيمان بالله “.

والحياء إنما هو في القلب، لا على الخدود! ويقال فيها ما قيل في الشفتين.

مذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في الإيمان، وهذا أحد أدلتهم، ومن الدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ) – متفق عليه -، فقول: ( لا إله إلا الله ) من أعمال اللسان، و

( إماطة الأذى عن الطريق ) من أعمال الجوارح، وقوله صلى الله عليه وسلم:

( الحياء شعبة من الإيمان ) من أعمال القلوب.

” تفسير سورة البقرة ” ( 2 / 121 ، 122 ).

 

ج. قولهم ” واستعملي صابون ( الاستغفار ) لإزالة أي ذنوب تشكين منها “.

والاستغفار ليس فقط من فعل الذنوب، بل يكون من التقصير في الطاعة، ويكون بعد العبادات ، كالحج والصلاة.

 

 

وعلى كل حال:

فنرى أنه لا يجوز استعمال هذه النشرات في باب الدعوة إلى الله، ويكفينا كتاب الله وسنة رسوله الله عليه وسلم وقصص العفيفات الصالحات لنشر الفضيلة والحث على محاسن الأخلاق، وقد انتفع بتلك الوسائل خلق لا يُحصون، فلا ينبغي للدعاة النزول في مستوى المخاطبة مع الآخرين حتى استعملت ألفاظ أجنبية كـ: الماكياج ” و ” الإكسسوارات “! وخلت تلك النشرة وأخواتها من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

 

والله أعلم.

 

هل يشرع الدعاء بعد الصلاة؟ وحكم تخصيص صيغة من الأذكار لكل صلاة

هل يشرع الدعاء بعد الصلاة؟ وحكم تخصيص صيغة من الأذكار لكل صلاة

السؤال:

بعد أن أنتهى من أذكار ما بعد الصلاة كلها ( الاستغفار 3، والتسبيح، ودعاء ” اللهم أنت السلام … “، ودعاء ” اللهم أعني على ذكرك … “، ودعاء ” اللهم لا مانع لما أعطيت … “، وأيضا آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين … ): هل يجوز لي أن أدعو بأدعية معينه وأنا لا أزال في المسجد؟ أدعية مثل ” اللهم يا مقلب القلوب … ” ، ” اللهم إني أسألك الفردوس … “، ” اللهم اغفر للمؤمنين … “، ” الصلاة على النبي ” )؟ وهل يجوز أن أجعل لها عددًا معينًا مثلًا 7 أو 3 مرات؟.

سؤال آخر يتعلق بأذكار الصلاة:

بالنسبة لصيغ التسبيح بعد الصلاة الواردة عن رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنواعها, هل يجوز لي أن أربط صيغة معينة بصلاة معينه، مثلًا: أجعل لصلاة الفجر هذه الصيغة ( سبحان الله 33 مرة، الحمد لله 33 مرة، الله أكبر 33 مرة، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده … “, وأجعل لصلاة الظهر ( سبحان الله 10 مرات، الحمد لله 10 مرات، الله أكبر 10 مرات ), وأجعل لصلاة العصر ( سبحان الله 33 مرة، الحمد لله 33 مرة، الله أكبر 34 مرة, وصلاة المغرب ( سبحان الله 25 مرة، الحمد لله 25 مرة، لا إله إلا الله 25 مرة، الله أكبر 25 مرة، وصلاة العشاء كصلاة الظهر ( سبحان الله 33 مرة، الحمد لله 33 مرة، الله أكبر 33 مرة، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده … ) ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثمة أذكار وأدعية ثبت الترغيب بها بعد السلام من الفريضة، فهذه لا تشرع أن تقال جماعة، ولا تُرفع فيها الأيدي.

وثمة أذكار وأدعية مطلقة لم تشرع بعد السلام من الفريضة، فهذا لا يشرع للمسلم أن يجعل شيئًا منها بعد سلامه من صلاته قبل ما ورد في السنَّة، كما لا يشرع فيها أن تكون جماعة، وهل يصح أن تقال بعد الإتيان بالمشروع من الأذكار والأدعية؟ والجواب على ذلك: نعم، يُشرع، ولا حرج في ذلك، بل قد ورد ترغيب في الشرع بالدعاء في تلك الحال.

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسمَعُ؟ قَالَ: ( جَوفُ الّليلِ الآخِرِ، وَدُبُرُ الصَّلَواتِ المَكتُوبَاتِ ). رواه الترمذي ( 3499 ) وقال: هذا حديث حسن، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

قال ابن القيم – رحمه الله -:

هاهنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة: استُحب له أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة؛ فإن كل مَن ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلَّى على رسول الله صلى الله عليه وسلم: استُحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: ( إذا صلى أحدكم ، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء ) قال الترمذي: حديث صحيح.

” زاد المعاد ” ( 1 / 258 ).

وكان قد فهم بعض الحنابلة قديمًا وحديثًا أن ابن القيم رحمه الله يمنع من الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وكلامه واضح في استحباب ذلك لكن لمن جاء بالمشروع الثابت بعد الصلاة أولًا.

قال ابن حجر – رحمه الله -:

وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال القبلة وإيراده بعد السلام، أما إذا انفتل بوجهه وقدَّم الأذكار المشروعة: فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. ” فتح الباري ” ( 11 / 134 ).

 

ثانيًا:

تبين لك أخي السائل – إن شاء الله – أنه يجوز لك الدعاء بما ذكرتَ وأنت في المسجد، وبعد انتهائك من الإتيان بالمشروع من الأذكار بعد تسليمك من الصلاة.

وأما قولك ” وهل يجوز أن أجعل لها عددًا معيَّنًا مثلًا 7 أو 3 مرات “: فالجواب عليه: أنه لا يجوز لك فعل ذلك.

واعلم أن الأدعية والأذكار الثابتة باسنَّة الصحيحة قسمان:

الأول: ما ثبت منها تقييده بعدد معين، مثل بعض الأذكار الواردة بعد الصلاة، وبعض أذكار المساء والصباح، فهذا يُلتزم بما ورد فيه عدده، ولا يُحصِّل أجور تلك الأذكار إن أتى بعدد ناقص أو زائد.

الثاني: ما ثبت منها مطلقًا غير مقيِّد بعدد معين، فهذا لا يشرع فيه التزام عدد معين؛ لما في ذلك من إحداث صفة في العبادة لم ترد، فيقع فاعل ذلك فيما أطلق عليه بعض العلماء ” البدعة الإضافية “.

 

 

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

العبادات مبنيَّة على التوقيف، فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيئاتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 73 – 75 ) مختصرًا.

وقالوا:

الأصل في الأذكار والعبادات: التوقيف، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، وكذلك إطلاقها، أو توقيتها، وبيان كيفياتها، وتحديد عددها، فيما شرعه الله من الأذكار، والأدعية، وسائر العبادات مطلقًا عن التقييد بوقت، أو عدد، أو مكان، أو كيفية: لا يجوز لنا أن نلتزم فيه بكيفية، أو وقت، أو عدد، بل نعبده به مطلقًا كما ورد، وما ثبت بالأدلة القولية، أو العملية تقييده بوقت، أو عدد، أو تحديد مكان له، أو كيفية: عبدنا الله به، على ما ثبت من الشرع له … . الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .

” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 21 / 53 )، و ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 178 ).

 

ثالثًا:

وأما سؤالك عن تحصيص صيغة معينة من الصيغ الثابتة للذكر بعد الصلاة وجعل كل صلاة تختص بصيغة معينة: فلا يختلف جواب المسألة هذه عن أختها آنفة الذكر؛ فإنه يجمعهما أن الفعل هذا بدعة، فها أنت تريد أن تتخصص صيغة معينة لصلاة معينة، وهو ما لم يرد في الشرع، فتقييد المطلق من الأذكار وتخصيص عامه كل ذلك داخل في البدعة.

واعلم أن العبادات والأذكار التي وردت على وجوه متنوعة قسمان:

الأول: ما يسوغ فعل جميع تلك الوجوه الثابتة في وقت واحد، ولا تتنافى جمع بعضها مع بعض في عبادة واحدة أو في زمان واحد: فهنا لا بأس أن تُجمع جميعًا، وذلك مثل أذكار الركوع والسجود، والأدعية قبل السلام.

الثاني: ما لا يسوغ جمع تلك الوجوه في عبادة واحدة أو في زمان واحدٍ: فهنا لا يجوز جمع أكثر من صيغة، وذلك مثل الاستفتاحات، وأنواع التشهد، وألفاظ الأذان والإقامة، ولا شك أن جمعها جميعًا لم يثبت في السنَّة، ثم هو سيخرجها عن سياقها الذي شُرعت من أجله.

والصيغ الثابتة في الأذكار بعد الصلاة مما ذكرته في سؤالك داخل في القسم الثاني، فلا يشرع لك فعل أكثر من صيغة، ولا يشرع لك تخصيص صيغة معينة لصلاة معينة، بل افعل ما يتيسر لك بحسب همتك ونشاطك، على أن تحرص على الإتيان بجميع ما ثبت من تلك الصيغ موزعة على صلواتك من غير تخصيص صيغة لصلاة، ومثله يقال في صيغ الأذان والإقامة فلا يشرع تخصيص صيغة معينة منها لصلاة معينة، ويستمر على ذلك، أما إن فعل ذلك مرة أو مرتين، ثم لم يجعل ذلك ديدنًا: فلا يظهر المنع من ذلك، وأما مع الاستمرار فإنه يصير مشرِّعًا، ويقع في البدعة، من غير شك.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والعلماءُ رحمهم الله اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه؟ والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن  العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه، وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل: أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ وتركت الآخر: مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة وبهذا مرَّة: صار قلبُه حاضرًا عند أداء السُّنَّة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائمًا فإنه يكون فاعلًا له كفعل الآلة – عادة -، وهذا شيء مشاهد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله: ” سبحانك اللهمَّ وبحمدك ” دائمًا: تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع بـ ” سبحانك اللهم وبحمدك ” مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة والثاني مرَّة: صار منتبهًا.

ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد:

  1. اتِّباعُ السُّنَّة.
  2. إحياءُ السُّنَّة.
  3. حضورُ القلب.

وربما يكون هناك فائدة رابعة:

إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى، كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ: فإن الإِنسان أحيانًا يحبُّ أن يُسرع في الانصراف، فيقتصر على ” سبحان الله ” عشر مرات، و ” الحمد لله ” عشر مرات، و ” الله أكبر ” عشر مرات، فيكون هنا فاعلًا للسُّنَّة قاضياً لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: ( لَيْسَ  عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) البقرة/ 198.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 29 – 31 ).

 

 

والله أعلم.

هل الحج والتوبة تسقطان حقوق الله وحقوق العباد وحق المقتول؟

هل الحج والتوبة تسقطان حقوق الله وحقوق العباد وحق المقتول؟

السؤال:

أريد أن أسال: بعد قضاء فريضة الحج نعلم أنه يكفِّر عن الذنوب والكبائر، أي: يغفر الله عن حقه، ولكن كما أعلم أنا أنه لا يسقط حقوق العباد، وسؤالي: لقد أجبتم في سؤال سابق أن من يتوب عن ذنب أو كبيرة مهما وصلت فإن الله يغفرها إن كان صادقًا بتوبته، ودليلكم: قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53، وقال عز وجل – في بيان مغفرته لأعظم الذنوب -: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/ 68 – 70.

وروى البخاري ومسلم ( 2766 ) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ….. الخ ) الحديث، ولكن أين حق العباد؟ وهل الذي يقتل وتاب يغفر له؟ كما نعلم أنه من قتل متعمدًا دخل جهنم، أنا فقط أريد أن أسال ولا غير ذلك؟ وكيف نوفق بين الحديث الأخير القاتل تسعة وتسعين نفسا وأكمل المئة متعمدًا ودخل الجنة وأين حقوق الذين قتلهم؟.

وبارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قرأته أن الحج يكفر الذنوب الكبائر كلها صحيح، وثمة خلاف في هذه المسألة، وما نرجحه أنها تُغفر كلُّها إن شاء الله إن كان الحج مبرورًا.

ولكنك لم تفرِّق بين ” الذنوب ” و ” الحقوق “، فالذي وقع فيه الخلاف هو مغفرة ” الذنوب “، وما قلنا إنها تُكفَّر هو تلك الذنوب الكبائر، أما ” الحقوق ” فلا يُسقطها الحج – ولا الجهاد، ولا الهجرة، ولا التوبة – ولا غير ذلك من الطاعات، ولا نقصد بالحقوق فقط حقوق العباد، بل حتى حقوق الله تعالى، فإنها تبقى في ذمة من جاء بالحج المبرور، ونعني به: ما في ذمته من قضاء، أو نذر، أو كفارات، وكلا الأمرين متفق عليه بين العلماء من غير خلاف، وهو ما ذكرناه في بعض أجوبتنا السابقة، ومما جاء فيها:

” ورد في فضل الحج أحاديث كثيرة تدل على أنه يمحو الذنوب، ويكفر السيئات، ويرجع منه الإنسان كيوم ولدته أمه … لكن هذا الفضل والثواب لا يعني سقوط الحقوق الواجبة، سواء كانت حقوقا لله تعالى، كالكفارات والنذور، وما ثبت في ذمة الإنسان من زكاة لم يؤدها، أو صيام يلزمه قضاؤه، أو كانت حقوقًا للعباد كالديون ونحوها، فالحج يغفر الذنوب، ولا يسقط هذه الحقوق باتفاق العلماء … “.

فنرجو النظر في تلك الإجابة ففيها بيان شافٍ في المسألة، ولعلك الآن قد علمت الفرق بين ” الذنوب ” و ” الحقوق “، فإن الأولى تُسقطها توبةٌ صادقة ولو كانت الذنوب من الكبائر، وتسقطها – كذلك – عبادة نصَّت الشريعة على تكفيرها لعموم الذنوب، لكن ” الحقوق ” لا تَسقط بتلك الطاعة، وإذا استحق العبد ذنبًا على تأخير ذلك الحق الذي لله تعالى أو لعبدٍ من عباده: فإن ذلك الذنب يسقط، دون الحق، وهذا أيضًا مبيَّن في الجواب المحال عليه، وفيه قولنا:

” فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه; لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يَسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر, فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق “. انتهى.

وما ذكرناه توضيحًا لك ها هنا هو محل إجماع بين أهل العلم – كما سبق – لا نعلم من يخالف فيه.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فيمن تركَ الصلاةَ عامدًا أو غيرَ عامدٍ، ووجبتْ عليه الزكاةُ ولم يُزَك، وعاق والديه، وقَتَلَ نفسًا خطأ، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَن حج هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خرجَ من ذنوبِه كيومِ وَلَدتْه أمُّه ) وقد قصدَ الحج، فهل يُسْقِط هذا جميعَه ومَظالِمَ العباد؟.

فأجاب:

أجمعَ المسلمون لا يَسقُط حقوقُ العباد كالدَّيْن ونحوِ ذلك، ولا يَسقُط ما وجب عليه من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحق المقتول عليه، وإن حجَّ، والصلاة التي يَجبُ عليه قضاؤُها: يَجبُ قضاؤُها، وإن حَج، وهذا كلُّه باتفاق العلماء.

” جامع المسائل ” ( 4 / 123 ).

 

ثانيًا:

وفي نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية السابق جواب على سؤالك عن حق المقتول لمن تاب، وهو قوله بأنه لا يسقط حق المقتول وإن حج القاتل، ونقول: وإن تاب القاتل، والمقصود: بقاء حق القاتل، وإن تاب، فكيف يحصِّل ذلك المقتول هذا الحق من ذلك التائب؟ والجواب: أن الله تعالى يتفضل عليه من خزائنه يوم القيامة.

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

القاتل إذا كثرت حسناته: أُخذ منه بعضُها ما يرضى به المقتول، أو يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبةً نصوحًا . ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 138 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

والتحقيق فى المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي.

فإذا سلَّم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي ندمًا على ما فعل، وخوفًا من الله، وتوبة نصوحًا: يسقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو.

وبقي حق المقتول: يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حقُّ هذا، ولا تَبطل توبةُ هذا.

” الجواب الكافي ” ( ص 102 ).

وبمثله قال الشيخ العثيمين رحمه الله في ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 7 ).

 

والله أعلم.