الرئيسية بلوق الصفحة 52

هل تأثر ابن تيمية بابن حزم؟ وهل تأثر ابن حزم بابن عبد البر؟

هل تأثر ابن تيمية بابن حزم؟ وهل تأثر ابن حزم بابن عبد البر؟

السؤال:

قال لي صديق متعلم ويشتغل في طلب العلم: أن الإمام ابن تيمية قد تأثر بالإمام ابن حزم الظاهري، وابن حزم قد تأثر بالإمام ابن عبد البر، فهل هذا صحيح؟.

أرجو أن تتكرموا بالإجابة على هذا السؤال بشيء من التفصيل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ابن تيمية:

هو شيخ الإسلام أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني.

ولد يوم الاثنين، عاشر – وقيل: ثاني عشر – من ربيع الأول سنة 661هـ، في حرّان.

قال تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله عنه: ” ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له، وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله، وحسن الأخلاق، ونفع الخلق والإحسان إليهم، والصبر على من آذاه والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير.

امتحن الشيخ مرات، فأوذي، ودخل السجن عدة مرات بسبب حسد الأقران.

وفي ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة ( 728 هـ ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها.

ثانيًا:

ابن حزم:

هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي.

ولد بـ ” قرطبة ” لآخر يوم من رمضان، في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة.

نشأ في تنعم ورفاهية، وكان والده وزيرًا من كبراء أهل قرطبة، وكذلك وزر أبو محمد في أول حياته.

قال أبو عبدالله الحميدي: ” كان ابن حزم حافظًا للحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننًا في علوم جمة، عاملًا بعلمه، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وكان له في الأدب والشعر نفسٌ واسع، وباع طويل، وما رأيت مَن يقول الشعر على البديهة أسرع منه”.

ومن أشهر كتبه: ” المحلَّى ” و ” الإحكام لأصول الأحكام ” و ” الفِصَل في الملل والأهواء والنَّحَل “.

وقد امتحن لتطويل لسانه في أهل العلم، وشرد عن وطنه، وأحرقت كثير من كتبه.  قال الذهبي رحمه الله: وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.

توفي عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان، سنة ست وخمسين وأربع مائة.

ثالثًا:

ابن عبد البر:

هو الحافظ يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر بن عاصم، أبو عمر النَّمَري القرطبي الأندلسي، فهو عربي الأصل.

ولد ابن عبدالبر بـ ” قرطبة ” يوم الجمعة، في ربيع الآخر، سنة ثمان وستين وثلاثمائة.

نشأ ابن عبد البر في أسرة علمية، فأبوه وجده كانا من العلماء، ونشأ في مدينة معروفة بالعلم وكثرة العلماء، كانت يومئذٍ عاصمة الخلافة بالأندلس.

سمع ابن عبد البر من كثير من علماء الأندلس، وأخذ عنهم شتى العلوم.

قال الذهبي رحمه الله: ” وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه رحمهم الله “.

وقال الحميدي: ” أبو عمر، فقيه حافظ، مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع كثير الشيوخ “.

أشهر مؤلفاته: ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” و ” الاستيعاب في معرفة الأصحاب ” و ” جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله “.

توفي يوم الجمعة، في ربيع الآخر، سنة ثلاث وستين وأربعمائة من الهجرة بمدينة ” شاطبة ” في شرق الأندلس.

 

 

 

 

 

رابعًا:

تلك هي تراجم مختصرة لأولئك الأعلام الثلاثة، وللإجابة على ما سأل عنه السائل الفاضل نقول:

إننا لم نجد في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية تأثرًا بالإمام ابن حزم رحمهما الله، بل يلفت نظر الباحث أمرين:

الأول: نرى انتقاد شيخ الإسلام ابن تيمية لابن حزم – رحمهما الله – في جوانب كثيرة، من أهمها:

أ. اعتقاده في الصفات الذي خالف فيه أهل السنَّة.

ب. تمسكه بالظاهر في مسائل الفقه مع نفي القياس الجلي وعدم النظر إلى المعاني.

ج. إطالة لسانه بالطعن والثلب في أئمة الهدى والعلم.

ولا شك أن إمامًا كابن تيمية لا يمكن أن يتأثَّر بهذه الشخصية وهي متصفة بتلك الصفات، ولها ذلك المنهج، والاعتقاد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى، وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له، كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب، مضمومًا إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني، ودعوى متابعة الظواهر.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 19 ).

وللأسف فبعض المتعصبة من الظاهريين المعاصرين لم يكونوا منصفين في ادعائهم بتأثر شيخ الإسلام ابن تيمية بالإمام ابن حزم، بل رأينا لواحد من غلاتهم مقولة بشعة تنضح بالتعصب والغلو حيث قال ” لولا ابن حزم ما راح ابن تيمية ولا جاء “! والعجيب من بعض أولئك الغلاة أنهم كتموا كلام شيخ الإسلام هذا في ابن حزم، فنقلوا ما قبله، وما بعده، وأوهم الناس أن الكلام في موضعين، مع أنه في موضع واحد، وفي الصفحة نفسها، ونحن إنصافًا لابن حزم سنذكره بعد قليل، وهو يدل على عدل شيخ الإسلام رحمه الله في حكمه على الآخرين.

الثاني: الثناء على ابن حزم في سعة اطلاعه، وتمسكه بالنصوص، وتمييزه بين الحديث الصحيح والضعيف، وفي مخالفته للمرجئة والأشاعرة في معظم مسائل ” الإيمان “، وفي ” القدَر “.

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن كان ” أبو محمد بن حزم ” في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره … .

وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر؛ ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال، والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام، ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره، فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 19 ، 20 ).

وشيخ الإسلام ابن تيمية بحر من بحور العلم، ولم يحصِّل ذلك العلم إلا بالقراءة والاطلاع، ومن ضمن ذلك اطلاعه على كتب ابن حزم رحمه الله، ومما يدل على أنه قرأها وأحاط بها علمًا: نقده لما فيها من أخطاء، واستدراكه على اعتقاد ابن حزم ومنهجه في الفقه، وتعقبه في الحديث ومسائل الإجماع وغيرها، وهذا لا يكون إلا ممن نظر واطلع على تلك المصنفات لذلك الإمام، لكنه لم يكتسب صفاته في شدته على أئمة الهدى، ولم يعتقد ما يعتقده ابن حزم في الصفات وغيرها مما خالف فيه أهل السنَّة، بل لم يقل بقوله في ” نفي القياس “، فأين ذلك التأثر المزعوم من أولئك الغلاة؟!.

وقد زعم بعض الكتَّاب أن ابن تيمية تأثر بحدة ابن حزم رحمه الله! وهذا أيضًا غير صحيح، فابن حزم كان حادًّا على رؤوس أهل السنَّة وأئمتها، سليط اللسان عليهم، وأما شيخ الإسلام فهو يجلهم ويعظمهم، وما كان منه من حدَّة فهي على رؤوس بعض أهل البدع والضلال.

 

خامسًا:

وأما عن تأثر ابن حزم بابن عبد البر: فقد وجدنا بينهما من العلاقة ما يجعل ابنَ حزم مستفيدًا من ابن عبد البر، وكيف لا وهو من شيوخه، ويبدو أن التأثير العلمي والأدبي هو الأبرز في هذه العلاقة، ويبدو ذلك من خلال أمور:

أ. تلقى ابن حزم عن ابن عبدالبر علم الحديث.

ب. صاحبه في الأخذ عن شيوخه كذلك أمثال: ابن الفرضي وابن الجسور، ولذا كان يطلق عليه – أحيانًا – لفظة ” صاحبنا “.

ج. روى عن ابن عبدالبر في مواضع عدة من كتبه بلفظ السماع مرة، وبلفظ الإجازة مرة أخرى.

 

 

قال القاضي عياض – رحمه الله – في ترجمة ابن عبد البر -:

وسمع منه أبو محمد ابن حزم.

” ترتيب المدارك وتقريب المسالك ” ( 8 / 128 ).

د. كان ابن حزم يذكر ابن عبد البر في مصنفاته، ويطلق عليه صفة: ” الإمامة ” و ” الاجتهاد “.

هـ . كان يذكر بعض كتب ابن عبد البر ويثني عليها في مصنفاته.

ومن ذلك قوله – وهو يسرد كتب علماء الأندلس -:

ومنها: كتاب ” التمهيد ” لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن في الحياة، لم يبلغ سن الشيخوخة، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه.

ومنها: كتاب ” الاستذكار “، وهو اختصار التمهيد المذكور.

ولصاحبنا أبي عمر ابن عبد البر المذكور كتب لا مثل لها:

منها: كتابه المسمى بـ ” الكافي ” في الفقه على مذهب مالك وأصحابه، خمسة عشر كتابًا اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوَّبه وقربه فصار مغنيًا عن التصنيفات الطوال في معناه.

ومنها: كتابه في الصحابة سمَّاه كتاب ” الاستيعاب ” في أسماء المذكورين في الروايات والسير والمصنفات من الصحابة رضي الله عنهم والتعريف بهم وتلخيص أحوالهم ومنازلهم وعيون أخبارهم، على حروف المعجم، اثنا عشر جزءًا، ليس لأحد من المتقدمين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك. ” رسائل ابن حزم ” ( 2 / 179 ، 180 ) بعنوان ” في فضل الأندلس و ذكر رجالها “.

قال الدكتور ليث سعود جاسم – وفقه الله -:

أما طبيعة العلاقة بين ابن حزم وابن عبد البر: فقد كانت علاقة تلمذة وصداقة, فقد تلقّى ابن حزم عن ابن عبد البر علمَ الحديث, وصاحَبه في الأخذ عن شيوخه كذلك، أمثال: ابن الفرضي وابن الجَسور, ولو تصفّحنا كتاب ” الأحكام في أصول الأحكام ” لابن حزم لوجدنا أنّه يروي عن ابن عبد البر في مواضع عدة من الكتاب, بلفظ السماع مرة, وبلفظ الإجازة مرة أخرى.

وقد توهّم البعض في أنَّ ابن عبد البر كان تلميذًا لابن حزم, ولعلّ ذلك سبب شهرة ابن حزم التي نالها لعلمه, فضلًا عن الظروف السياسيةِ التي مر بها, والمناظرات الحادة التي ناظر بها علماء عصره, ولكن بتتبـّع ما كتبه ابن عبد البر من الكتب المطبوعة, وبعض ما وقعت عليه من المخطوط لم أجد إشارة تشير إلى أنه قد نُقل عن ابن حزم أو رَوى عنه.

 

 

ثم إن ابن حزم يَذكر ابن عبد البر في بعض رسائله, ويُضفي عليه صفة الإمامة والاجتهاد. ” وحسبك بأبي محمد مثنيًا “, وكان من أقرانه, وجرت بينهما مناظرات ومنافرات, ومع ذلك فيروي عنه بالإجازة، وكان يثني على مؤلفات ابن عبد البر, وقد قدّم لنا ابن حزم في رسالته ” فضل الأندلس ” قائمة بهذه المؤلفات القيمة.

ويبدو أنه لم يتعرّض لابن عبد البر بلفظ شديد أو جارح، على ما عُرف عنه ابن حزم, على الرغم من أنَّ ابن عبد البر قد ردّ على ابن حزمٍ في كتابه ” التمهيد “، و ” الاستذكار “، لكن هذه الردود كانت تلميحًا وليست تصريحًا، ومع هذا الاختلاف في الرأي: فإن ابن عبد البر كان ” ينبسط لابن حزم، ويأنس به “.

” ابن عبد البر الأندلسي وجهوده في التاريخ ” ( ص 148 ، 149 ).

 

والله أعلم.

 

ردود على شبهات في مسألة تحريم الاستمناء – العادة السيئة –

ردود على شبهات في مسألة تحريم الاستمناء – العادة السيئة –

السؤال:

شيخنا الفاضل

يا ليت تفيدني بدليل قاطع يحرم الاستمناء؛ لأن كل الأدلة التي سمعت بها لم أرَ فيها دليلًا قاطعًا للتحريم، ففي قوله تعالى ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ): فهذه الآية قد قيل إنها تخاطب الرجال دون النساء، وفي حديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء ): الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أعطانا الحل الأفضل ولم يقل فقط الصوم.

وإن قيل هناك أضرار في عملها: فما الأمر مع المحتلم لأن كليهما متشابهان: الاحتلام والعادة السرية.

وأيضا يوجد من العلماء من أحل أن المرأة يجوز أن تفعلها للرجل لأنه مثل التقبيل، إذًا من هنا وضح أنه لا يوجد ضرر، فكيف يوجد ضرر إذا فعلها بيده وإن فعلتها الزوجة للزوج لا يوجد؟!.

وإن قيل: فيه إهدار لماء الرجل: فنقول: وماذا عن الاحتلام؟! وأيضا قال تعالى: ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) والشيء المهان لا يلام ولا يسأل صاحبه.

وأيضا نحن مغتربون ونرى كل يوم ماهو كفيل لإثارة شهوتنا ونحن عزاب.

فرجائي يا شيخ أنك تعطيني الأدلة التي إن شاء الله تزيل عني اللبس الحاصل عندي.

وجزاكم الله ألف خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من الجيد أن يكون المسلم باحثًا في الأدلة في مسألة، متقصيًّا لأقوال العلماء فيها، حتى يصل إلى حكم الله تعالى، فمثل هذا الباحث يؤجر حتى لو أخطأ في إصابة الحق أجرًا واحدًا.

ويأثم المسلم إذا كان يقوده هواه في بحث المسائل، ويتعسف في الاستدلال، ويتحكم في النصوص قبولًا وردًّا لها لا وفق قواعد البحث العلمي بل وفق هواه ومشتهاه.

ونسأل الله أن يكون الأخ السائل من الصنف الأول، ونعيذه أن يكون من الصنف الآخر.

 

ثانيًا:

وسنقف معك أيها الأخ السائل فيما ذكرته بالتفصيل، فليس ثمة أدلة يمكننا اختراعها حتى نقنعك بحرمة الاستمناء، فليس عندنا إلا ما ذكرته من أدلة، ولكننا سننازعك فيما فهمته منها واستبعدت دلالتها على التحريم، ونجزم أن قلبك سيطمئن للحق والصواب إن تجرد من رواسب سابقة تؤثر في بحثك وتحريك للحق، فنقول:

  1. قال تعالى: ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) المؤمنون/ 5 – 7، المعارج/ 39 – 31.

وأنت تقول في سؤالك ” فهذه الآيه قد قيل إنها تخاطب الرجال دون النساء “.

والجواب عليه:

أ. وهل تعلم أحدًا ينازع في أن الآية في الرجال دون النساء؟! وهل تدري أنه لا يقول عاقل أنها تشمل النساء وإلا لكان فيها إباحة العبد أن تستمتع بها سيدته! وهذا منكر لا يمكن أن تأتي به الشريعة، ولذلك كانت الآيات في سورة ” المؤمنون ” تشمل الرجال والنساء إلا هذه الآية.

قال ابن العربي – رحمه الله -:

من غريب القرآن: أن هؤلاء الآيات العشر هي عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا قوله: ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) فإنه خطاب للرجال خاصة دون النساء، بدليل قوله: ( إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ )، ولا إباحة بين النساء وبين ملك اليمين في الفرج.

” أحكام القرآن ” ( 5 / 464 ).

لكننا نسألك: هل يعني هذا أن المرأة غير مطالبة بحفظ فرجها؟! ونعتقد أنك ستقول بل هي مطالبة بذلك من نصوص أخرى، وهذا يكفي للدلالة على أن حفظ الفرج واجب على الرجال والنساء وأن من تعدَّى المباح لهم فهو ظالم لنفسه.

وقد أكمل الإمام ابن العربي كلامه السابق بقوله:

وإنما عُرف حفظُ المرأة فرجها من أدلة أخر، كآيات الإحصان عمومًا وخصوصًا، وغير ذلك من الأدلة . ” أحكام القرآن ” ( 5 / 464 ).

ومن هذه النصوص:

أ. قوله تعالى ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) النور/ من الآية 31.

ب. وقوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) النور/ من الآية 33.

والعجيب أن يستدل بهذه الآية الثانية من يقول بجواز الاستمناء لأن فيها عفافًا عن الزنى! وهو فهم خطأ، وإنما المقصود بها إعفاف الفرج عن تصريف شهوته في الحرام.

قال الشافعي – رحمه الله -:

فإن ذهب ذاهب إلى أن يحله لقول الله تعالى ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) فيشبه أن يكونوا إنما أُمروا بالاستعفاف عن أن يتناول المرء بالفرج ما لم يبح له به، فيصبر إلى أن يغنيه الله من فضله فيجد السبيل إلى ما أحل الله، والله أعلم.

وهو يشبه أن يكون في مثل معنى قول الله عز وجل في مال اليتيم ( وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) وإنما أراد بالاستعفاف: أن لا يأكل منه شيئًا.” الأم ” ( 5 / 145 ).

ولو كان ما قاله من استدل بالآية على جواز الاستمناء لكان حكمها الوجوب! لأن الله تعالى جعل الاستعفاف واجبًا، وهذا وحده كفيل برد ذلك الاستدلال بل واستقباحه.

فأي فائدة جناها من قال إن الآية في الرجال دون النساء ليمنع الاستدلال بها على تحريم الاستمناء؟! فكون الآية في الرجال دون النساء محل إجماع، والأمر بحفظ الفرج قدر مشترك بين الجنسين بلا شك ولا ريب.

ب. والآية الكريمة واضحة الدلالة على تحريم قضاء الشهوة الجنسية في غير الزوجة والأمَة، فكل من قضى شهوته من الرجال باللواط أو مع بهيمة أو بالاستمناء فهو قد ابتغى غير الحلال الذي شرعه الله تعالى، فيكون ظالمًا لنفسه ، متجاوزًا للحدِّ الشرعي، والمرأة إذا قضت شهوتها الجنسية مع غير الزوج، كالسحاق، أو مع بهيمة، أو بالاستمناء: فتكون ظالمة لنفسها، متجاوزة للحد الشرعي، ودلالة الآية القرآنية التي ذكرتَها واضحة على استنباط هذه الأحكام منها.

قال الشافعي – رحمه الله -:

فكان بيِّنًا في ذِكر حفظهم لفروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الأيمان.

وبيِّنٌ أن الأزواج وملك اليمين من الآدميات، دون البهائم.

ثم أكدها فقال ( فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) فلا يحل العمل بالذَّكَر إلا في زوجة أو في مِلك اليمين، ولا يحل الاستمناء، والله أعلم .

” أحكام القرآن ” ( 1 / 195 ).

وقال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:

ويشمل قوله ( وَرَاءَ ذَلِكَ ): الزنا، واللواط، ومواقعة البهائم، والاستمناء.

ومعنى ( وَرَاءَ ذَلِكَ ): وراء هذا الحد الذي حدَّ من الأزواج ومملوكات النساء.

” تفسير البحر المحيط ” ( 6 / 391 ).

ثالثًا:

  1. عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ). رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ).

وأنت تقول: ” الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أعطانا الحل الأفضل ولم يقل فقط الصوم “.

والجواب عليه:

أننا لا ندَّعي الحصر بالصوم لمن لم يستطع النكاح، بل ثمة أشياء أخرى لكن يجمعها أنها كلها قد أوصت بها الشريعة، ومن ذلك:

  1. التسري بالإماء.

قال تعالى: ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) المؤمنون/ 5، المعارج/ 39.

  1. نكاح الأمَة.

قال تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) النساء/ من الآية 25.

  1. الصبر.

قال تعالى: ( وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) النساء/ من الآية 25.

  1. الاستعفاف.

قال تعالى: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) النور/ من الآية 33.

  1. الصوم.

فهذه خمس أفعال أوصت بها الشريعة لمن لم يقدر على النكاح، وكان الاستمناء معروفًا عند العرب، فأين الوصية به؟!.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هذه العادة  – الاستمناء – لو كانت جائزة لأرشد إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها أهون من الصوم، لا سيما عند الشباب؛ ولأنها أيسر؛ ولأن الإنسان ينال فيها شيئًا من المتعة، فهي جامعة بين سببين يقتضيان الحل لو كانت حلالًا، والسببان هما: السهولة، واللذة، والصوم فيه مشقة وليس فيه لذة، فلو كان هذا جائزًا: لاختاره النبي عليه الصلاة والسلام وأرشد إليه؛ لأنه موافق لروح الدين الإسلامي لو كان جائزًا، وعلى هذا فيكون الحديث دليلًا على التحريم.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 320 ).

 

ولو قال قائل إن الاستمناء لا يغض بصرًا ولا يحفظ فرجًا لما كان قوله بعيدًا عن الصواب؛ فإن فاعل تلك العادة السيئة يبحث عما يهيِّج شهوته من المناظر المحرمة، فهو يُطلق بصرَه في النظر المحرَّم، فصارت هذه العادة لا تغض بصر فاعلها ولا تحفظ فرجها، وكيف توصي الشريعة بما فيه ضرر على فاعلها؟! فصار ما أوصت به الشريعة المطهرة هو النافع للشاب الذي لا يجد قدرة على الزواج.

فائدة:

وقد سمعنا من يقول إنه لا أثر للصوم في القضاء على الشهوة، وأنه إن قضى عليها الصوم في النهار فما حالنا مع الليل؟!.

والجواب على ذلك:

قال الشيخ عبد الله الجبرين – رحمه الله -:

وقد ذكر لنا كثير من الشباب أنهم يُكثرون الصوم ومع ذلك لم يجدوا خفة في الشهوة، بل الشهوة لا تزال عندهم قوية، والغلمة والشبق دافع قوي، ويقول أحدهم: إنه يضطر إلى الاستمناء – وهو عمل العادة السرية – حتى لا تدفعه الشهوة إلى فعل جريمة الزنا أو نحوها، ويقول: ما وجدت للصيام أثرًا لتخفيف الشهوة.

نقول:

سبب ذلك:

أولًا: قوة الشهوة في بعض الشباب، حيث تكون الشهوة عندهم قوية جدًّا.

ثانيًا: أن هناك مقويات لها، فلا شك أن كثرة المآكل وتنوع الأطعمة وكثرة اللحوم وأكل الفواكه وما أشبهها مما يقوي الشهوة، وكان الصوم في القديم مختلفًا عن وقتنا ، كان الصائم إنما يجد العلقة من الطعام، فيأكل في وقت السحر لقيمات أو تمرات قليلة، ثم هو في وسط النهار يشتغل إما في حرفته أو مع غنمه أو نحو ذلك، ثم إذا جاء الإفطار لم يجد إلا تمرات أو ماءً أو نحو ذلك، وعند العشاء إنما يأكل رغيفًا أو نصف رغيف فيكون هذا الجوع هو الذي يكسر حدة الشهوة.

فنقول: الذي يريد أن تنكسر حدة الشهوة عليه أن يقلل من الأكل عند الإفطار، وفي السحور، وفي الليل، وأن يتجنب المشتهيات، وكثرة الفواكه واللحوم المتنوعة وأنواع المأكولات الشهية؛ فإنها لاشك تقوي هذه الشهوة وتمكنها، فلا يخففها الصيام الذي لا يحصل معه هذا الجوع، ولا هذا التعب، ولا هذه المشقه.

وعلى كل حال: فهو إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يخفف الشهوة، إلى أن يتمكن الإنسان من النكاح الذي يعف به نفسه.

” شرح عمدة الأحكام ” ( الدرس رقم 60 ).

 

 

 

رابعًا:

قول الأخ السائل: ” وإن قيل هناك أضرار في عملها: فما الأمر مع المحتلم لأن كليهما متشابهان: الاحتلام والعادة السرية “.

وقوله: ” وإن قيل: فيه إهدار لماء الرجل: فنقول: وماذا عن الاحتلام؟! “: نقول:

إنه ثمة اختلاف كبير بين الاستمناء والاحتلام:

أ. فالاحتلام يخرج من غير إرادة صاحبه؛ لأنه نائم، بخلاف المستمني المستيقظ.

ب. وهو غير مؤاخذ عليه، بخلاف الاستمناء.

ج. والاحتلام تفريغ طبيعي للمنيّ من البدن، بخلاف الاستمناء الذي يستجلب بفعله منيَّه ليخرجه، فافترقا.

د. والمحتلم لا يستعمل يده، ولا يحتك بشيء، بخلاف صاحب العادة السيئة.

هـ. ليس للاحتلام أية آثار سيئة، ولا أعراض مرضية، لا بدمية ولا نفسية، بخلاف الاستمناء.

 

خامسًا:

قول الأخ السائل: ” وأيضًا يوجد من العلماء من أحلَّ أن المرأة يجوز أن تفعلها للرجل لأنه مثل التقبيل، إذًا من هنا وضح أنه لا يوجد ضرر، فكيف يوجد ضرر إذا فعلها بيده وإن فعلتها الزوجة للزوج لا يوجد ؟! “: فالجواب عليه:

أن هذا قياس مع الفارق، فلا يقاس ما حرَّمه الله على ما أباحه، ولا يقاس ما يفعله المستمني مع نفسه على ما تفعله الزوجة مع زوجها، بل ولا يقاس ما يخرج من الماء في العلاقة المباحة على ما يخرج من الفعل المحرَّم، وما يفعله الزوج مع حليلته إما أن يكون إيلاجًا في فرجها فلا كلام عليه، أو يكون مباشرة لها في غير فرجها، كما لو كانت حائضًا أو مريضة، حتى لو كان قضاء شهوته بيدها – على الراجح خلافًا لمن منعه – أو بأي مكان من بدنها ما عدا الدبر، وهو فعل مباح.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه اللاتي يجامعهن في الحيض، فيأمرها أن تتزر ويجامعها، ولا يختلف العلماء في إباحته، وليست العبرة ها هنا باستعمال يد الزوجة بل بخروج المني وقضاء شهوته إما بتقبيلها أو بضمها مع الإنزال، أو بمباشرتها على بدنها، وهو استمتاع مباح للطرفين.

فاستمناء الزوج بيد زوجته – والعكس – لا تكلف فيه ولا جهد في استجلاب الشهوة، بخلاف صاحب العادة السيئة عندما يستدعي الشهوة بيده، فإنه يتكلف ويبذل في ذلك جهدًا.

 

 

قال الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله -:

( وله الاستمناء بيد زوجته وجاريته ) كما يستمتع بسائر بدنهما ( لا يده ) لقوله تعالى ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ) إلى قوله ( فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) وهذا مما وراء ذلك.

” أسنى المطالب ” ( 3 / 186 ).

وقال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( وله أن يستمني بيد زوجته وجاريته ) المباحة له لأنه كتقبيلها.

” كشاف القناع ” ( 6 / 125 ).

وإذا كان ثمة فرق بين الماء الخارج بالاستمناء والماء الخارج بمباشرة الزوجة: فأولى أن يوجد فرق بين ماء الاستمناء وماء الجماع في الفرج.

قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي – رحمه الله -:

فإن قلتَ: لماذا هذه الأمراض كلها بسبب الاستمناء ولا يحدث منها شيء عند الجماع المعتاد؟.

فالجواب: أن الاستمناء طلب خروج المني فربما يكون خروجه بتكلف, وأيضًا: لا يخرج كله فيبقى شيء في الخصيتين وفي بقية العروق, وأما الجماع المعتاد: فإنه يكون عن استثارة للشهوة، وعن رغبة ملحة للجماع, وأيضًا: فقد جعل الله في فرج المرأة ما يمتص المني من الذَّكَر والبيضتين فيشعر المجامع بلذة وراحة نفسية وإن أعقبه فتور.

“تُحَفةُ الشَّابِّ الرَّبَّاني في الرّدّ على الإمامِ محمَّد بن علي الشوكانيّ ” ( ص 87 ).

 

سادسًا:

قول الأخ السائل ” قال تعالى: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) المرسلات/ 20، والشيء المهان لا يلام ولا يسأل صاحبه “: لا يسلم لك؛ لأن معنى ( مَهِين ) في الآية ” ضعيف “، ومنه قوله تعالى: ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) السجدة/ 8.

وقد قال هذا المعنى لتلك الكلمة: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والطبري وابن كثير، وغيرهم كثير. قال البخاري رحمه الله في ” صحيحه ” ( 4 / 1793 ): وقال مجاهد ( مَهِين ): ضعيف، نطفة الرجل. انتهى.

وقال الطبري – رحمه الله -:

قول تعالى ذكره: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ ) أيها الناس ( مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) يعني: من نطفة ضعيفة…عن ابن عباس، قوله: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) يعنى بالمهين: الضعيف.

” تفسير الطبري ” ( 24 / 132 ).

 

 

ونقله عن قتادة ومجاهد في ” تفسيره ” ( 20 / 173 )، وقال:

ومهين: فعيل، من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف. انتهى.

– وكذا قال ابن كثير في ” تفسيره ”  ( 5 / 466 ).

وفي ( 8 / 229 ) قال – رحمه الله -:

( إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) أي: من المني الضعيف، كما قال: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ). انتهى.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فالمَهين ههنا: الضعيف، ليس هو النجس الخبيث.

” بدائع الفوائد ” ( 3 / 640 ) .

سابعًا:

وقد رأينا من يقول إن قوله تعالى ( فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) لا ينطبق على فاعل الاستمناء؛ لأنه لا يعتدي على أحدٍ غيره!.

والجواب عليه:

أن اللفظة في الآية ( الْعَادُونَ ) وليس ” المعتدون “، ومعناها: الظالم، والمتجاوز حدَّه.

ومنه قوله تعالى: ( أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ) الشعراء/ 165،166.

قال البغوي – رحمه الله -:

( فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام.

” تفسير البغوي ” ( 5 / 410 ).

وقال أبو جعفر النحاس – رحمه الله -:

يقال: عدا، إذا تجاوز في الظلم.

” معاني القرآن ”  ( 5 / 99 ).

ثامنًا:

والخلاصة في حكم العادة السيئة: أنها حرام إن كانت لاستجلاب الشهوة الكامنة، وأنها جائزة – بل قد تجب – إن كانت لدفع الشهوة الهائجة، والتي يخشى أن يقع صاحبها في الحرام كالزنا أو اللواط أو السحاق.

قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

قوله ( الاستمناء حرام ) أي بالكف إذا كان لاستجلاب الشهوة, أما إذا غلبته الشهوة وليس له زوجة ولا أمة ففعل ذلك لتسكينها فالرجاء أنه لا وبال عليه كما قاله أبو الليث, ويجب لو خاف الزنا. ” حاشية ابن عابدين ” ( 4 / 27 ).

– وانظر : ” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 98 ).

 

– ولمعرفة حكم الاستمناء – العادة السيئة – وكيفية علاجها: انظر في أجوبتنا الأخرى.

– وقد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

– ونرجو الاطلاع على جواب لنا فيه بيان الوسائل التي تعين على غض البصر.

 

والله أعلم.

الطرق المثلى في التعامل مع الغاضبين ساعة غضبهم

الطرق المثلى في التعامل مع الغاضبين ساعة غضبهم

السؤال:

ما هي الطرق التي يتبعها المرء عندما يتعامل مع شخص غاضب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الغضب ليس مذمومًا كله، بل يُحمد الغضب إذا غضبًا لله تعالى، كأن تُنتهك محارم الله عز وجل.

والمذموم منه ما كان غضبًا لدنيا، وخاصة أنه يترتب عليه أذى أو ضرر وشر، كقتل، وضرب، وطلاق، وشتم، وقذف.

عن أَبي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ. رواه البخاري ( 670 ) ومسلم ( 466 ).

وبوَّب عليه البخاري بقوله: ” باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله “، وبوَّب عليه النووي في ” رياض الصالحين ” بقوله ” باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى “.

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

والغضب له عدة أسباب منها: أن ينتصر الإنسان لنفسه يفعل أحد معه ما يغضبه فيغضب لينتصر لنفسه، وهذا الغضب منهي عنه؛ لأن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال له أوصني قال: ( لا تغضب ) فردَّد مرارًا يقول: أوصني، وهو يقول: ( لا تغضب ).

والثاني من أسباب الغضب: الغضب لله عز وجل، بأن يرى الإنسان شخصًا يَنتهك حرمات الله فيغضب غيرة لدين الله، وحمية لدين الله، فإن هذا محمود ويثاب الإنسان عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا من سنَّته، ولأنه داخل في قوله تعالى: ( وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِنْدَ رَبِّهِ )، ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ )، فتعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله: أن يجدها الإنسان عظيمة، وأن يجد امتهانها عظيمًا، فيغضب، ويثأر لذلك حتى يفعل ما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 615 ، 616 ).

 

 

ثانيًا:

وأما التعامل مع الشخص الغاضب: فله عدة اتجاهات وقواعد، منها:

  1. إذا رأيتَ من يغضب الغضب الشرعي، فيغضب لانتهاك حرمات الله، ويغضب لفعل الناس الموبقات: فاتركه على حاله، فهو مأجور بغضبه، وفعله لن يكون له عواقب وخيمة كغضب الناس على دنياهم.
  2. إذا رأيتَ من يغضب لنفسه، أو لدنيا، وتعلم منه تعظيمه للدين، ووقوفه عند حدود الشرع: فذكِّره أثناء غضبه بربه تعالى، وذكره بوصية النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تغضب )، وذكره بفضيلة ملك النفس عند الغضب، وفضل العفو.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ – وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ – وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: ” يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ؟ ” قَالَ: ” سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ “، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ. رواه البخاري ( 4366 ).

  1. إذا رأيتَ من يغضب لنفسه أو لدنياه، وليس عنده تعظيم للشرع، لكنه لا يتطاول في غضبه على الشرع، وإنما يصب غضبه عليك أنت: فخير لك السكوت، حتى ينتهي من تفريغ شحنات غضبه في الهواء، فإن أجبته لم تكسب خيرًا، ولم تُصلح حالًا، بل تزيد الأمر شرًّا وسوءً – غالبًا -.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ، قَالَ: ( إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ ) ثُمَّ قَالَ: ( يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ … ). رواه أحمد ( 15 / 390 )، وحسَّنه المحققون، وجوَّد إسناده الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2232 ).

وهذه القاعدة يمكن أن نجعلها عامَّة في معاملة كل غاضب، فنسكت عنه حتى يفرِّغ ما عنده، ولا نرد عليه، ولا نحمل في قلوبنا شيئًا عليه بسبب ما قال، ثم إذا هدأ ذكَّرنا بقبح وسوء ما فعل وقال، وهذا ما يوصي به الحكماء.

 

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

الغضبان كالسكران لا يُؤاخذ بما يقول.

متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح: فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصرًا – ( أي: لا تعتد بكلامه ) -، ولا أن تؤاخذه به؛ فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يجري، بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها؛ فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر.

ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله: كنت كعاقل واجه مجنونًا، أو كمفيق عاتب مغمى عليه، فالذنب لك.

بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه: ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر.

وأقل الأقسام: أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به.

وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب الوالد، والزوجة عند غضب الزوج، فتتركه يشتفي بما يقول، ولا تعول على ذلك، فسيعود نادماً معتذرًا.

ومتى قوبل على حالته ومقالته: صارت العداوة متمكنة، وجازى في الإفاقة على ما فعل في حقه وقت السكر.

وأكثر الناس على غير هذه الطريق: متى رأوا غضبان: قابلوه بما يقول ويعمل، وهذا على غير مقتضى الحكمة، بل الحكمة ما ذكرته، ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) العنكبوت/ 43.  ” صيد الخاطر ” ( ص 295 ، 296 ).

 

  1. إذا كان الغاضب هو الزوج فلتصبر الزوجة على غضبه، ولا ترد عليه في فورته، ولتؤجل ترضيته، فإذا جاء الليل فلتأخذ بيده وتقول له: ” لا أنام حتى ترضى”.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أَلَا أُخبِرُكُم بِنِسَائِكُم فِي الجَنَّةِ؟ ) قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( وَدُودٌ وَلُودٌ إِذَا غَضِبَت أَو أُسِيءَ إِلَيهَا أَو غَضِبَ زَوجُهَا قَالَت: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ، لَا أَكتَحِلُ بِغِمضٍ حَتَّى تَرضَى). رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 2 / 206 )، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ( 3380 )، ورواه النسائي في ” الكبرى ” ( 5 / 361 ) من حديث ابن عباس بلفظ ( والله لاَ أَذُوقُ غُمْضاً حَتَّى تَرْضَى ).

قال المناوي – رحمه الله – :

( لا أذوق غُمضا ) بالضم أي: لا أذوق نومًا.

فمن اتصفت بهذه الأوصاف منهن فهي خليقة بكونها من أهل الجنة، وقلما نرى فيهن مَن هذه صفاتها، فالمرأة الصالحة كالغراب الأعصم.

” فيض القدير” ( 3 / 106 ).

  1. إذا كان الغاضب هو الأب على ابنه، أو المدير على موظفه، أو الجار على جاره، أو صديق على صديقه: فالأنسب هنا:

أ. أن نُبعد الطرف الآخر أن يراه ذلك الغاضب؛ لأن سورة الغضب تشتعل وتتأجج بوجوده، فإذا ما أبعدناه عنه: خفَّ الغضب، وزال بسرعة.

ب. مجاراته في توعده بعقوبته، أو تهديده بقتله، أو ما يشبه ذلك من العقوبات، فيُجارى، ولا يُنفَّذ له طلب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بامور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعًا لحرارة الغضب، وأنهم لا يريدون مقتضاها، فلا يمتثله خواصهم، بل يؤخرونه، فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم.

وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده او صديقه فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة.

” إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان ” ( ص 47 ).

 

ونسأل الله أن يحفظ جوارحنا، وأن يقينا شرور أنفسنا.

 

والله أعلم.

 

 

كلمة حول ” الحكمة من وجوب الوضوء من خروج الريح “

كلمة حول ” الحكمة من وجوب الوضوء من خروج الريح ”

السؤال:

ما هو الهدف من الوضوء بعد أن يقوم المرء بإخراج غازات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوضوء من خروج الريح واجب لمن أراد الصلاة، وقد ثبت ذلك في صحيح السنَّة، وأجمع عليه علماء الإسلام قاطبة.

عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. رواه البخاري ( 135 ) ومسلم ( 225 ).

عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَيْد أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: ( لَا يَنْفَتِلْ – أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ – حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا ). رواه البخاري ( 137 ) ومسلم ( 361 ).

قال ابن المنذر – رحمه الله -:

وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من الذكر، وكذلك المرأة، وخروج المني، وخروج الريح من الدبر، وزوال العقل بأي وجه زال العقل: أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء.

” الإجماع ” ( ص 29 ).

 

ثانيًا:

والمسلم يعتقد أن ما شرعه الله تعالى فيه الحكمة البالغة، ومن مقتضى الإيمان به تعالى: تعظيم أوامره ونواهيه، واعتقاد أنه لم يشرع إلا ما فيه حكمة بالغة، ولم يتوقف المسلم في تنفيذ أمره تعالى والابتعاد عن نهيه معرفته بحكمة التشريع، بل يكفيه أن يعلم ما شرع الله فيسارع إلى تنفيذه.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمرَ على عِلةٍ تُضعِف الانقياد والتسليم لأمر الله عز وجل، بل يُسَلِّمُ لأمرِ الله تعالى وحُكمه، ممتثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه: حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه جملة، كما حمل ذلك كثيرًا من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوف، فإن الله عز وجل شرع الصلوات الخمس إقامة لذكره، واستعمالا للقلب والجوارح واللسان في العبودية، وإعطاء كل منها قسطه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد، فوضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية.

” الوابل الصيب ” ( ص 35 ).

 

ثالثًا:

ومن حكمة التشريع: التفريق بين الخارج من الجسم، فليس كله له الحكم نفسه، ومن أراد الطعن في التشريع فألزم بالوضوء من الجشاء والبلغم كما أوجب الشرع الوضوء من خروج الريح: فهو يحكم على نفسه بالجهل والحماقة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما قوله ” وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبُر وبين الجشوة فأوجب الوضوء من هذه دون هذه “: فهذا – أيضًا – من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرق بين البلغم الخارج من الفم وبين العذرة في ذلك.

ومَن سوَّى بين الريح والجشاء: فهو كمن سوَّى بين البلغم والعذرة، والجشاء من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس، وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة، فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة.

ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم: فهو فاسد العقل والحس. ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 107 ، 108 ).

ولذا لمَّا كان خروج الريح من الدبر، وكان ذلك موضعًا للنجاسة لم يكن بعيدًا عن الحكمة أن يُؤمر المسلم بالوضوء من خروج الريح من الدبر، ولذا فإن الشريعة المطهَّرة تفرِّق بين الخارج من السبيلين والخارج من غيرهما، فإلحاق الريح بحكم الغائط ليس مما يُستغرب، وخاصة أنه قد يخرج في كثير من الأحيان نداوة ورطوبة مع تلك الريح، مع التنبيه على أن إيجاب الوضوء من ذلك الخارج لا يعني بالضرورة أنه نجس.

قال القفال الشاشي – رحمه الله -:

وكان أصل الأحداث: ما خرج من السبيلين من غائط وبول ونحوهما؛ لأن كل ما خرج منهما أو من أحدهما لاحقٌ بجملة ما يُستقذر ويُجتنب, ثم كان زوال العقل مما يزول معه التكليف في الحال ويخرج من سبيليْ صاحبه ما يتجاوز مخرجه ويجتنبه, وينبغي التنظف منه,  وأقل ذلك الريح الخارجة من الدبر؛ لأنها في كثير من الأحوال لا تخلو من أن تقترن بها نداوة ورطوبة فيتعذر التحفظ من ذلك، فحسَم الباب، وألحَق ما خرج منه بمعنى الغائط والبول إذ كانت الريح مقدمة لهما.

” محاسن الشريعة ” ( 1 / 169 ).

 

رابعًا:

ونقول في هذا الباب أيضًا: إنه لو لم يكن خروج الريح ناقضًا للوضوء للزم من ذلك جواز إخراج الريح في المساجد أثناء حضور خطبة الجمعة، وفي الجماعات أثناء أداء الصلاة، ومثل هذا لا تأتي به الشريعة المطهرة، فحُسمت مادة أذية المصلين بتلك الروائح الكريهة بالمنع من إخراج الريح أثناء الصلاة، وجعل خروجه ناقضاً للوضوء.

وكذلك يقال فيما لو صلَّى المسلم وحده بين يدي ربه تعالى، فإن مقتضى إجلال الله تعالى أن يحافظ المسلم في صلاته على أن يكون في أحسن حال، من حيث اللباس، والرائحة، وطهارة المكان، وهذا يتنافى مع إباحة إخراج الريح، وجعلها غير ناقضة للوضوء.

وبكل حال فإن الوضوء عبادة، وإن تشريع أسباب نواقض الوضوء فيه الحكَم البالغة، والمسلم الحق هو الذي يعتقد في ربه تعالى أنه حكيم، وأن تشريعاته فيها الحكمة البالغة، وها نحن نرى في عالم البشر من يتناول دواءه في أوقات محددة، وطرق مبيَّنة، وكميات محدَّدة، وهو يلتزم ذلك دون سؤال عن ” كيف ” و ” لماذا “، وما ذاك إلا لثقته بعلم الطبيب الذي وصف له الدواء وطرق تناوله، فلمَّا ترسَّخ له الثقة بعلمه لم يسأل عن ” الحكمة “، ولله المثل الأعلى فإنه العليم الحكيم، ومن آمن بربه تعالى وأثبت له العلم فلا يجد غضاضة في الاستجابة لأوامره ولو لم يدرك الحكمة، فكيف لو وقف على شيء من تلك الحكَم بعد تلك الاستجابة؟!.

 

والله أعلم.

 

 

لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء في بيت المقدس بأرواحهم دون أجسادهم

لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء في بيت المقدس بأرواحهم دون أجسادهم

السؤال:

عندما أسري بالرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس أمَّ الأنبياء، فهل أُحيوا من قبورهم للصلاة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أمَّ إخوانه الأنبياء في رحلته إلى بيت المقدس.

  1. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( … وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّى أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ – يَعْنِي : نَفْسَهُ – فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ. رواه مسلم ( 172 ).
  2. عن ابن عباس قال: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي فَالْتَفَتَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ.

رواه أحمد ( 4 / 167 ) وفي إسناده كلام، لكن يشهد له ما قبله.

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء هل كانت تلك الصلاة قبل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أم بعد أن هبط منها، والراجح: الأول.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال عياض: يُحتمل أن يكون صلَّى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس ثم صعد منهم إلى السماوات مَن ذُكر أنه صلى الله عليه وسلم رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضًا… .

والأظهر: أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج .

” فتح الباري ” ( 7 / 209 ).

 

 

 

 

ثالثًا:

يجب على المسلم أن يعتقد أن الحياة البرزخية لا تجري عليها سَنن الحياة الدنيوية، وإذا كانت حياة الشهداء البرزخية عند ربهم كاملة: فإن حياة الأنبياء أكمل، لذا فعلى المسلم الإيمان بهذه الحياة دون التعرض لكيفيتها وحقيقتها إلا بنصوص من الوحي المطهَّر.

قال تعالى – في حياة الشهداء -: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران/ 169- 171.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ ). رواه أبو يعلى في ” مسنده ” ( 3425 ) وصححه محققه.

وصححه الشيخ الألباني في ” سلسلة الأحاديث الصحيحة ” ( 621 ).

وفي ” عون المعبود ” ( 3 / 261 ):

قال ابن حجر المكي: وما أفاده من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبدون ويصلون في قبورهم مع استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة: أمرٌ لا مرية فيه، وقد صنَّف البيهقي جزءً في ذلك…. .

وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون، وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد: فكيف بالأنبياء والمرسلين. انتهى.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا.

هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادِّعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية! قال: يأكل و يشرب ويجامع نساءه!!، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى. ” السلسلة الصحيحة ” ( 2 / 120 ).

رابعًا:

وهل كان التقاء النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء بأجسادهم مع أرواحهم، أم بأرواحهم دون أجسادهم؟ قولان لأهل العلم.

 

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، وأجيب: بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة تشريفًا له وتكريمًا.

” فتح الباري ” ( 7 / 210 ).

والراجح: أنه التقى أرواحهم متشكلة بصور أجسادهم، باستثناء عيسى عليه السلام حيث رُفع بروحه وبدنه، وثمة خلاف في ” إدريس ” عليه السلام والراجح أنه ملتحق بباقي إخوانه الأنبياء لا بعيسى عليه السلام.

فالأنبياء عليهم السلام أبدانهم في قبورهم، وأرواحهم في السماء، فما قدَّره الله تعالى لهم من اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بأرواحهم المتشكلة بصورة أجسادهم الحقيقية، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب وآخرون.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما رؤيته – أي: رؤية موسى عليه السلام – ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة وهارون في الخامسة وموسى في السادسة وإبراهيم في السابعة أو بالعكس: فهذا رأى أرواحَهم مصوَّرة في صور أبدانهم.

وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور؛ وهذا ليس بشيء. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 328 ).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

والذي رآه في السماء من الأنبياء عليهم السلام: إنما هو أرواحهم، إلا عيسى، فإنه رفع بجسده إلى السماء. ” فتح الباري ” ( 2 / 113 ).

وهو ترجيح أبي الوفاء بن عقيل كما نقله عنه الحافظ ابن حجر، والظاهر أنه قول الحافظ نفسه، وقد ردَّ على بعض شيوخه في تبنيهم للقول الآخر، حيث قال – رحمه الله -.

اختلف في حال الأنبياء عند لقي النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ليلة الإسراء هل أسري بأجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، أو أن أرواحهم مستقرة في الأماكن التي لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم وأرواحهم مشكَّلة بشكل أجسادهم كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل؟ واختار الأول بعض شيوخنا، واحتج بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رأيت موسى ليلة أسري بي قائماً يصلِّي في قبره ) فدل على أنه أسري به لما مر به، قلت: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرة في السماء. ” فتح الباري ” ( 7 / 212 ).

وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس باستطاعة بدن موسى عليه السلام ولا غيره أن ينتقل من مكان لآخر، بل هذا حال الروح، فلذا عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام يصلِّي في قبره، ثم رآه في بيت المقدس، ثم في السماء السادسة: فليس ذلك الانتقال إلا لروحه عليه السلام دون بدنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومعلوم أن أبدان الأنبياء في القبور، إلا عيسى وإدريس، وإذا كان موسى قائمًا يصلِّي في قبره ثم رآه في السماء السادسة مع قرب الزمان: فهذا أمر لا يحصل للجسد. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 526 ، 527 ).

قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

والأظهر من القولين عندي: أنَّ ذلك كان بالأرواح دون الأجساد، خلا عيسى عليه السلام؛ وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين التقى بالأنبياء وصلُّوا معه صلى الله عليه وسلم:

– إما أن يُقال: صَلَّوا معه بأجسادهم، وقد جُمِعَت أجسادهم له من القبور، ثم رَجعت إلى القبور وبقيت أرواحُهم في السماء.

– وإما أن يُقال : هي بالأرواح فقط ؛ لأنَّهُ لقيهم في السماء.

ومعلوم أنَّ الرّفع إنما خُصَّ به عيسى عليه السلام إلى السماء رَفْعًا حيًّا، وكونهم يُرْفَعُون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائمًا ولا وجود لهم في القبور: هذا لا دليل عليه، بل يخالف أدلة كثيرة: أنَّ الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.

فمعنى كونهم ماتوا ودُفنوا: أنَّ أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.

ومن قال بخلافه قال: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه بُعِثَتْ له الأنبياء فَصَلَّى بهم ولقيهم في السماء.

وهذه الخصوصية لابدَّ لها من دليل واضح، وكما ذكرتُ فالدليل التأمُّلي يعارضه.

وعلى كلٍّ: هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( شريط رقم 14 ).

 

وللعلم: فإن صورة الروح هي صورة الجسد نفسه، فأرواح الأنبياء التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم لإخوانه الأنبياء كانت على صورتهم الحقيقية.

 

 

 

قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

الروح شكلها شكل الجسد، بمعنى: لو فُصِلَتْ روحك عنك صارت الصورة واحدة، يكون الجسد للجثمان، والروح مخلوق، الله عز وجل أعلم بحقيقتها، لكن من حيث الصورة: واحدة.

ويدل عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ) – متفق عليه -، ومعلوم أنّ الرائِي للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام إنما يرى روحه؛ لأن جسده صلى الله عليه وسلم مدفون، وإذا كان رأى روحه: فإنه يرى روحه على صورة جسده صلى الله عليه وسلم الذي كان يعيش في الدنيا بروحه وجسده.

لهذا الروح صورتها صورة الجسد، الروح والجسد نفس الصورة، الروح تدخل في الإنسان، يعني في النفخ فيه حينما يكون جنينًا، وتتشكل مع الجسد، هيئة الروح هي هيئة الجسد، والله أعلم بحقائق الأشياء.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( شريط رقم 14 ).

 

* وما قاله الشيخ صالح حفظه الله هنا مؤيد بما قاله قبله العلماء.

قال السيوطي – رحمه الله -:

روح الإنسان إنما هي على صورته ومثاله وشكله.

” الديباج على مسلم ” ( 4 / 483 ).

 

والله أعلم.

حكم استعمال ما يسمى ” خلطة الرومي ” لعلاج السحر والعين والأمراض

حكم استعمال ما يسمى ” خلطة الرومي ” لعلاج السحر والعين والأمراض

السؤال:

قرأت في كثير من المنتديات عن ” خلطة الرومي “، وأن كثيرًا من الفتيات استفادوا منها, وهي عبارة عن كيلو من: ( ملح خشن ، سدر ، شبة بيضاء ) ومقسمة إلى سبعة أجزاء، يضاف إليها الماء، ويُغتسل بها ما بين العصر والمغرب.

ما رأيكم بهذا؟ وهل هو صحيح؟ هل يمكن استعمالها للفتاة اللتي لم تتزوج ولم يسبق أن تقدم لها أحد، أو يكون كلام فقط ثم لا يأتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذه الخلطة تنسب للشيخ ” محمد بن إبراهيم الرومي “، وهو من معبري الأحلام المشهورين، وقد ثبتت عنه هذه الوصفة بصوته في شريط ” الرؤى الخرجية ” – في الدقيقة 35 فما بعدها – وقد سماها ” الوصفة الذهبية “!، وطريقة استعمالها كما سبق في السؤال، وقد ذكر أنها تستخدم لعلاج ( السحر, العين, المس, العقم, البهاق, الاكتئاب، الشلل, الهموم، الغموم، وجميع الأمراض، ولا تستعملها الحامل، ولا من به جروح ظاهرة ).

واشترط أن يتم التصدق في كل يوم تستعمل فيه العلاج، ولو بريال واحد، واشترط عدم وجود تماثيل في البيت، وعدم وجود صور معلقة، أو خادمة كافرة – لمن يسكن في جزيرة العرب -.

 

ثانيًا:

وما يحدث مع الأخت السائلة من كونه لم يأتها أحد يخطبها يحتمل أن يكون ذلك مجرد ابتلاء من رب العالمين ليرى صبرها فيكتب لها عظيم الأجور، ويحتمل أن يكون ذلك لأسباب مادية تتعلق بعدم معرفة الناس بها أو لوجود أسباب عند أهلها أو في بيئتها تمنع الخطاب من التقدم لها، كما يحتمل أن يكون ذلك نتيجة سحر أو عيْن، فنوصيها بالصبر والاحتساب، ودعاء الله تعالى أن يرزقها زوجًا صالحًا وذرية طيبة، وإن كانت ترى أن ما عندها قد يكون نتيجة سحر أو عيْن وتريد استعمال تلك الوصفة في العلاج: فلا مانع من فعل ذلك، ولا أفضل لها من الرقية الشرعية، وإن كانت تعرف من أصابها بعين أن تأخذ غسله – أو غسلها – وترشه على نفسها.

وفي جواب بينّا كيفية التخلص من السحر، واستعمال ماء زمزم في علاجه، وتجدين شروط الرقية الصحيحة.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص الوصفة الوارد ذكرها في السؤال: فالظاهر جواز استعمالها، مع عدم اشتراط الالتزام بالوقت بين العصر والمغرب، ولا بالعدد سبعة، ومثل ذلك التحديد للوقت والعدد لا تأثير له في النفع، والشروط الأخرى المذكورة شرعية والأصل التزامها حتى لمن ليس به مرض، فقد وقفنا على فتوى للشيخ عبد الله الجبرين يجيز استعمال الوصفة الواردة في السؤال، وقد سئل عنها تحديدًا من قبل متخصص في علم الرقى.

فقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين – رحمه الله -:

عن أحد الإخوة المعروفين بتأويل الرؤى، رأى أنه ينفع لعلاج السحر أن يؤخذ كيلو من السدر المطحون، وكيلو من الملح الخشن ( الصخري ) المطحون، وكيلو من الشبه المطحونة، ويخلط خلطًا جيدًا، ثم يوزع على سبعة أكياس، بحيث يتم استخدام كل يوم كيس من السبعة أجزاء، يوضع في جالون ماء يقارب خمسة لترات، وتخض جيدًا، ويغتسل بها المسحور لمدة سبعة أيام، بحيث يكون استخدام الكمية لتلك الأيام المذكورة، وقد جرب ذلك الأمر فنفع مع بعض الحالات، ولم ينفع مع البعض الآخر، فهل يجوز استخدام ذلك؟.

أفتونا مأجورين، وجزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

لا بأس باستخدام هذا الدواء على وجه التجربة؛ فإن هذه الأدوية لا محظور في استخدامها على الصفة المذكورة، ولا تدخل في الشعوذة، ولا الأعمال الشيطانية، وحيث أنها قد جربت ونفعت: فنرى أنه لا بأس باستخدامها في علاج السحر ونحوه، والله أعلم.

” فتوى مطبوعة صادرة عن ” مكتب الشيخ ” رحمه الله، برقم ( 4298 )، تاريخ 5 / 8 / 1422 هـ.

وكان السائل للشيخ والناشر لفتواه هو الأخ أسامة بن ياسين المعاني صاحب كتاب ” الموسوعة الشرعية في علم الرقى “، وتجدين هذه الفتوى مع تعليق الأخ أسامة على الوصفة تحت هذا الرابط:

http://www.ruqya.net/forum/showthread.php?t=157

 

والله أعلم.

متى تقوم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل؟ وما الفرق بين الشهادة والرواية؟

متى تقوم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل؟ وما الفرق بين الشهادة والرواية؟

السؤال:

هل تساوي شهادة المرأتين شهادة الرجل الواحد في كل الأحوال؟ وإذا كانت كذلك: فكيف سيعاقب المجرم إذا كان الشاهد على الجريمة امرأة واحدة أو أربع شاهدات على الزنا؟.

وماذا عن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روت الكثير من الأحاديث على عهدتها دون التثبت من أي راو آخر ( على سبيل المثال: كثير من الأحاديث المتعلقة بالعلاقات الزوجية ).

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أ. قصر جمهور الفقهاء قبول المرأتين بدلًا من رجل على الشهادة على ما هو مال أو بمعنى المال، كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والحقوق المالية، كالخيار، والأجل, وغير ذلك.

ب. وأضاف إليه الحنفية: شهادتهما على النكاح والطلاق والنسب.

قال ابن حجر – رحمه الله تعالى -:

وقول الله تعالى: ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال، وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء فمنعها الجمهور، وأجازها الكوفيون.

” فتح الباري ” ( 5 / 266 ).

مع التنبيه على أن مذهب الحنفية والرواية عن أحمد أن لا تكون الشهادة كلها من نساء، بل يشترطون وجود رجل فيها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وعن أحمد أنه قال: ” إذا تزوج بشهادة نسوة: لم يجز، وإن كان معهن رجل: فهو أهون “، فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك، وهو قول أصحاب الرأي، ويروى عن الشعبي؛ لأنه عقد معاوضة، فانعقد بشهادتهن مع الرجال كالبيع.

” المغني ” ( 7 / 337 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 227 ):

وقال الحنفية: ما يقبل فيه شاهدان، أو شاهد وامرأتان: هو ما سوى الحدود والقصاص سواء أكان الحق مالا أم غير مال، كالنكاح والطلاق والعتاق والوكالة والوصاية. انتهى.

ج. وأكثر أئمة العلم – ومنهم الأئمة الأربعة – على عدم قبول شهادة النساء في الحدود، فلا تقوم المرأتين مقام الرجل، وخالف فيه الظاهرية، والشيخ عبد الرحمن السعدي، فهو يرى – رحمه الله – قول الظاهرية أن شهادة المرأتين تقوم مقام شهاد الرجل في كل شيء، كما تجده في ” المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد السعدي ” ( 4 / 188 ، 189 ) ولقولهم وجه قوي.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 37 ):

ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ) إلى اشتراط الذكورة في شهود الزنى، فلا بد أن يكونوا رجالا كلهم، للنصوص السابقة.

ولا تقبل شهادة النساء في الزنى بحال؛ لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفي به بأربعة، ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة، وهذا خلاف النص: ( أَنْ تَضِل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى ) البقرة/ 282، والحدود تدرأ بالشبهات.

وقال ابن عابدين: لا مدخل لشهادة النساء في الحدود. انتهى.

والراجح في كل ما سبق: أن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شيء إلا في الحدود، وهو مذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو قول الشيخ العثيمين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقال بعض أهل العلم: بل إن المرأتين تقومان مقام الرجل إلا في الحدود؛ من أجل الاحتياط لها، واستدل هؤلاء بعموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ( أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ) – متفق عليه – وأطلق ولم يفصل، ثم إن الله تعالى ذكر العلة في اشتراط العدد في النساء، وهي: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ولم يذكر أن العلة المال، بل العلة: أن تقوَى المرأة بالمرأة فتذكِّرَها إذا نسيت، وهذا يكون في الشهادة في الأموال وفي غير الأموال، إلا ما سُلِكَ فيه طريق الاحتياط، ويكون كذلك في المرأة معها رجل أو ليس معها رجل، وهذا القول هو الراجح، فالقول الصحيح: أن المرأتين تقومان مقام الرجل مطلقًا، إلا في الحدود؛ للاحتياط لها؛ لقوله تعالى: ( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) النور/ 4، فهو نص صريح في وجوب الذكورية. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 453 ).

ثانيًا:

وأما قول الأخ السائل ” فكيف سيعاقب المجرم إذا كان الشاهد على الجريمة امرأة واحدة أو أربع شاهدات على الزنا؟ “: فالجواب عليه: أن هذا مثل: شهود رجل واحد على آخر بالقتل، ومثل: شهود ثلاثة رجال على آخر بالزنى، فكيف سنعاقب المشهود عليهم؟! بل في الحالة الثانية نعاقب الشهود الثلاثة بحد القذف! فاشتراط العدد أو الذكورية في الشهادة يوجب على القاضي عدم اعتماد شهادة اختل شيء من شروطها، والإسلام لا يحرص على عقوبة الناس حتى يأتي مثل هذا الاستدراك، بل إنه ليدرأ الحدود بالشبهات.

ثالثًا:

وقول الأخ السائل ” وماذا عن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روت الكثير من الأحاديث على عهدتها دون التثبت من أي راو آخر “: فيه عدم ضبط لمسألة مهمة، وهي ” الفرق بين الشهادة والرواية ” فهو يريد تطبيق قواعد الشهادة على الرواية فلا تُقبل رواية امرأة إلا وأت تؤيَّيد برواية امرأة معها! وهذا خطأ بيِّن، فبين الشهادة والرواية فروقات كثيرة أوصلها السيوطي رحمه الله إلى واحد وعشرين فرقًا.

ومما قاله رحمه الله:

وأما الأحكام التي يفترقان فيها – ( أي: الشهادة والرواية ) – فكثيرة، لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر:

الأول: العدد، لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وقذ ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورًا، أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف شهادة الزور، الثاني: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد، الثالث: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.

الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقًا، بخلاف الشهادة في بعض المواضع.

الثالث: لا تشترط الحرية فيها، بخلاف الشهادة مطلقًا.

” تدريب الراوي ” ( 1 / 332 ) وانظر الكتاب إن أردت الفائدة.

وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني – رحمه الله -:

أن عماد الرواية الصدق ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في الشهادة وقد خفف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة، تقوم الحجة بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأةً أو جالب منفعة إلى نفسه أو أصله أو فرعه أو ضرر على عدوه كما يأتي، بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس عمادها. ” التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ” ( 1 / 218 ).

وقال الإمام الشافعي – رحمه الله – قبلهما:

قد يخالف الشهادات في أشياء ويجامعها في غيرها.

قلت: وأين يخالفها؟.

قلت: أقبل في الحديث: الواحد، والمرأة، ولا أقبل واحدًا منهما وحده في الشهادة، وأقبل في الحديث: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّسا، ولا أقبل في الشهادة إلا: سمعت، أو رأيت أو أشهدني. ” الرسالة ” ( ص 372 ، 373 ).

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية سؤالًا مطابقًا لسؤالك، وأجابو بنحو ما أجبنا أعلاه، وننقله لك للفائدة:

فقد سئلوا:

لماذا نسلِّم بقبول رواية امرأة واحدة للحديث مع أننا في الشهادة في الحالات العادية نطبق قول الله عز وجل: ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ) البقرة/ من الآية 282، وفي علم الحديث يُطلب التثبت أكثر، وخاصة أن هناك أحاديث كثيرة جدًّا في الصحيحين عن عائشة، فهل يعتمد مثلا قول ابن حجر في تجريح رجل ولا يؤخذ قول الله عز وجل: ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ).

نسأل الله عز وجل أن يوفقكم في الرد الشافي على هذا الموضوع الذي يراودني دائما ولا أحدث به أحدًا؟.

فأجابوا:

أولًا: الصحيح أنه لا يشترط في قبول الرواية العدد، بل يكفي في أداء الحديث وقبوله: واحد، سواء كان رجلًا أو امرأة، إذا كان عدلًا ضابطًا مع اتصال السند وعدم الشذوذ والعلة القادحة؛ لاكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ بإرسال واحد كمعاذ بن جبل إلى اليمن، ودحية الكلبي بكتابه إلى هرقل، ونحو ذلك، وكعلي بن أبي طالب إلى مكة في السنة التاسعة من الهجرة لينادي الناس في موسم الحج ألا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان، وأما النساء: فقد أمر الله تعالى نساءَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغن ما يُتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، فقال تعالى: ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) الأحزاب/ 34، ولولا قبول روايتهن للقرآن والسنَّة لما أمرهن بالبلاغ، وقد كانت إحداهن تشترك أحيانًا مع أخرى في البلاغ، وتنفرد به أحيانًا، كما هو واضح لمن تتبع الروايات عنهن، ولم يُنكِر ذلك أحدٌ عليهن، ولا على من أخذ عنهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه رضي الله عنهم، فكان قبول الرواية عنهن وعن إحداهن ثابتًا بالكتاب وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع صحابته رضي الله عنهم، واستمر على ذلك العمل في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخير وفيما بعدها، بل أجمع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على قبول رواية المرأة مطلقًا، منفردة، ومشتركة مع غيرها كالرجل، إذا توفر فيها شروط القبول.

ثانيًا: ليست الشهادة والرواية على حدٍّ سواء من كل وجه، بل تفترقان في أمور منها: أن الرواية إخبار عن أمر عام للراوي وغيره لا ترافع فيه إلى الحكام، بخلاف الشهادة فإنها في قضايا عينية تخص المشهود عليه وله، يترافع في مثلها إلى الحكام غالبًا.

ومنها: أن الرواية لا يشترط في قبولها العدد كما تقدم، بخلاف الشهادة فقد يشترط فيها أربعة من الرجال كما في حد الزنا والقذف، وقد يشترط رجلان كما في القتل عمدًا، وقد يكتفى برجل وامرأتين كما في الحقوق المالية، وقد يُكتفى بامرأة واحدة، كقول المرضعة في ثبوت الرضاع.

ومنها: أن الشهادة لكونها خاصة بالمشهود عليه والمشهود له لا تتعداهما إلا بالتبعية المحضة ردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، بخلاف الرواية فإنها يكفي فيها ما يغلب على الظن صدق المخبر من العدالة والضبط، سواء كان الراوي رجلًا أم امرأة، واحدًا أم أكثر.

ومنها: أن بين كثير من المسلمين عداوة قد تحمله على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم في الجزء الأول من ” بدائع الفوائد “:

الفرق بين الشهادة والرواية: أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا تتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة، فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية، وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يُفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبا على الظن صدق المخبر، وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط، ولما كان النساء ناقصات عقل ودين: لم يكنَّ من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك: قويت المرأة بمثلها؛ لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها. اهـ.

ثالثًا: الذين قاموا بنقد رواة أحاديث دواوين السنة ودواوين السيرة والتاريخ تعديلًا وجرحًا جماعة من أئمة الحديث معروفون، لهم بصيرة ثاقبة في ذلك، عاصروا من نقدوهم وحكموا فيهم بما عرفوا عنهم، ولم يفرقوا في منهج نقدهم بين رجل وامرأة، بل هما سواء لديهم في الجرح والتعديل، أما من جاء بعدهم ممن لم يعاصر أولئك الرواة كابن حجر العسقلاني رحمه الله: فإن شأنه مع أولئك الرواة نقل أقوال من عاصرهم من الأئمة فيهم، ومناقشة سندها إليهم، والترجيح بينها إذا تعارضت، ونحو ذلك، تعديلهم أو تجريحهم؛ لعدم معاصرته إياهم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 360 – 364 ).

 

والله أعلم.

خرج مع جماعة التبليغ ويسأل عن ثلاث مسائل سمعها منهم

خرج مع جماعة التبليغ ويسأل عن ثلاث مسائل سمعها منهم

السؤال:

اعتدت أن أكون  فردًا من أفراد ” جماعة التبليغ “، وقالوا لي أشياء جعلتني في حيرة، فأعلموني إن كانوا على صواب أم لا.

على سبيل المثال: قالوا لي: إني إذا رفعتُ الأذى من الطريق فسوف أنال الحور العين في الجنة، وكذلك لو قمت بالتصفير فإني أنادي على الشيطان، بل قالوا لابن أخي إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه.

فهل هذه الأشياء صحيحة؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد سبق لنا الحديث حول هذه الجماعة، وأشرنا إلى بعض ما لها وما عليها.

 

ثانيًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله إنك ” إذا رفعتَ الأذى من الطريق فسوف تنال الحور العين في الجنة “: إنما هو اعتمادًا منهم على حديث غير صحيح، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا علي! أعط الحور العين مهورهن: إماطة الأذى عن الطريق، وإخراج القمامة من المسجد، فذلك مهر الحور العين ).رواه الديلمى في ” مسند الفردوس ” ( 5 / 328 ) من غير إسناد، والكتاب من مظنة الأحاديث الضعيفة.

ولإماطة الأذى عن الطريق فضائل:

أ. فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ).

رواه البخاري ( 9 ) ومسلم ( 35 ) – واللفظ له -.

ب. وإماطة الأذى عن الطريق موجب لشكر الله تعالى لفاعله، ولمغفرة ذنوبه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه ).

رواه البخاري ( 624 ) ومسلم ( 1914 ).

 

 

ج. وإماطة الأذى عن الطريق موجب لدخول الجنة:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ).

رواه مسلم ( 1914 ).

وفي رواية:

( مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ).

د. وإماطة الأذى عن الطريق من العمل النافع:

عن أَبي بَرْزَةَ الأسلمي قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: ( اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ). رواه مسلم ( 1915 ).

قال النووي – رحمه الله -:

هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق، سواء كان الأذى شجرة تؤذي، أو غصن شوك، أو حجرًا يعثر به، أو قذرًا، أو جيفة، وغير ذلك.

وإماطة الأذى عن الطريق من ” شُعَب الإيمان ” – كما سبق في الحديث الصحيح – وفيه التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررًا.

قوله صلى الله عليه و سلم ( رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق ) أي: يتنعم في الجنة بملاذها بسبب قطعه الشجرة.

” شرح مسلم ” ( 16 / 171 ).

ثالثًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله لك إنك ” لو قمتَ بالتصفير فإنك تنادي على الشيطان “: فهذا لا أصل له في كتاب ولا سنَّة.

وفي التصفير خلاف بين العلماء فمن قائل بالتحريم، ومن قائل بالجواز، والقول الثالث: الكراهة، وهو ما رجحناه.

رابعًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله لابن أخيك ” إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه “: قول باطل، ولا أصل له في الشرع.

وتغطية الرأس ترجع لعرف الناس، فإن تعارف أهل البلد على أن الرجال يغطون رؤوسهم فيصير الكاشف له بينهم فاعلا لخارم من خوارم المروءة، وستره في الصلاة حينئذ أفضل؛ لأنه يكون من الزينة، وليس في عدم تغطيته إثم، وإن تعارفوا فيما بينهم على كشف رؤوسهم فلا حرج في كشفه، والأمر في ذلك واسع.

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا طبَّقنا هذه المسألة على قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الأعراف/ 31: تبيَّن لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزِّينة، أما إذا كُنَّا في قوم لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة: فإنَّا لا نقول: إنَّ ستره أفضل، ولا إنَّ كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: ” أنه كان يُصلِّي في العِمامة “، والعِمَامة ساترة للرَّأس.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 2 / 166 ).

وليس ثمة نص نبوي يوجب ولا يستحب تغطية الرأس لا في الصلاة ولا في دخول الخلاء.

قال علماء اللجنة الدائمة:

ستر رأس الرجل في الصلاة ليس واجبًا، والأمر في ذلك واسع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 170 ).

وقالوا:

لا يجب تغطية الرأس على الرجل في الصلاة، ولا في غيرها، ويجوز الإئتمام بمن لا يغطي رأسه؛ لأن الرأس بالنسبة للرجل ليس بعورة.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 171 ، 172 ).

وقالوا:

تغطية الرجل رأسه في الصلاة ليست من سننها.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 172 ).

وكل الفتاوى السابقة مذيلة بأسماء العلماء:

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

وإننا نوصي جماعة التبليغ أن يلتزموا ذكر الصحيح من الأحاديث، وأن يجتنبوا الضعيف والموضوع – وما أكثره عندهم -، وقد يسَّر الله من سبل العلم ما تقوم به الحجة عليهم، فها هي الكتب بين أيديهم محققة، وها هم العلماء يملؤون الأرض وقد يسر الله سبل الاتصال بهم بأدنى تكلفة، وها هي الأقراص العلمية، والمواقع الموثوقة، كل ذلك يجعلهم غير معذورين في نشر الأحاديث الضعيفة والقصص المنكر والتأويلات الشاذة لآيات القرآن، فعسى أن نجد فيهم صحوة علمية، وعقلاء يدعونهم إلى هذا الخير.

 

والله أعلم.

 

تساؤلات حول قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش والإجابة عليها

تساؤلات حول قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش والإجابة عليها

السؤال:

مقدمة السائل غير واضحة تمامًا، ولكنه يتحدث عن قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها وقصة زواجها بزيد بن حارثة رضي الله عنه، ثم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل ويقول:

  1. إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟.
  2. إذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات – آيات سورة الأحزاب – بنفسه ليخدم غرضه؟.
  3. طالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟.

أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان زيد بن حارثة رضي الله عنه في أول أمر الإسلام ابنًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبنِّي، وكان يُدعى ” زيد بن محمد “، وقد زوَّجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته ” زينب بنت جحش ” رضي الله عنها، فلمَّا أبطل الله تعالى التبنِّي نسب زيدٌ لأبيه ” حارثة ” ولما كان هذا الأمر عليه ثقيلًا أن ينزع عنه النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله تعالى بأن خصَّه بميزة تفرد بها عن المسلمين جميعًا بأن ذكر الله تعالى اسمه في القرآن في آية تتلى إلى قيام الساعة، ثم إن ” زيدًا ” رضي الله عنه اشتكى لنبينا صلى الله عليه وسلم من زوجته ” زينب “، والنبي يصبِّره ويذكره بتقوى الله تعالى، وبعد ذلك الإبطال للتبني يوحي الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن زيدًا سيطلق زوجته وأنها ستكون زوجة له! فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر – وهو تزوجه بزينب مستقبلًا – عن الناس ولم يبده لأحد، ولم يكن وحيًا مأمورًا بتبليغه، وإنما خبر سيتحقق، وقد حصل فعلًا أن طلق زيد زوجته زينب، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فقه الصحابية الجليلة عائشة رضي الله عنها أن قالت إن محمَّدًا لو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم آية العتاب هذه التي عاتبه بها ربه تعالى، وهي قوله تعالى: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب/ 37.

فليس في قصة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدح بمقامه، ولا ينزل من قدره، وما يذكره بعض المفسرين في ذلك من أقوال تخالف ما ذكرناه فكله ضعيف ومردود.

قال القرطبي – رحمه الله -:

قال ابن العربي: فإن قيل لأي معنى قال له: ( أمسك عليك زوجك ) وقد أخبره الله أنها زوجُه؟.

قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له ” زيد ” من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها.

فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه، وهذا تناقض؟!.

قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحُكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه، وتقبلوه.

” تفسير القرطبي ” ( 14 / 190 ).

ثانيًا:

وأما جواب السؤال الأول وهو ” إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟ “: فهذا لا يرِد على من فقه معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومن أعظمها في هذا الباب اسم الله تعالى ” الحكيم “، وصفته ” الحكمة “.

إن التطبيق العملي للأحكام الشرعية يختلف في قوته وأثره عن الواقع النظري، وخاصة فيما يتعلق بأمرٍ مشتهر في الجاهلية ويُراد القضاء عليه، أو بأمر يوقع على الناس الحرج لو لم يُرى في الواقع العملي، ولنضرب على ذلك أمثلة:

  1. إفطار النبي صلى الله عليه وسلم عمليًّا استعدادًا للقاء العدو.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ” كُرَاعَ الْغَمِيمِ ” فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: ( أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ). رواه مسلم ( 1114 ).

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

وإنما رفع الإناء ليراه الناس فيقتدوا بفعله … ولما كان مقصوده بإفطاره إفطار الناس: لم يكن لأحد أن يخالفه، فلما صام قوم أطلق عليهم اسم ” العصاة “.

” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 719 ).

 

  1. أكل النبي صلى الله عليه وسلم من أجرة الرقية.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيٍّ من أحياء العرب فلم يَقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تَقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلا فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن – أي: سورة الفاتحة – ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ).

رواه البخاري ( 5404 ) ومسلم ( 2201 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( واضربوا لي بسهم ): فإنما قاله تطييبًا لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث ” العنبر “، وفى حديث أبى قتادة فى حمار الوحش مثله.

” شرح مسلم ” ( 14 / 188 ).

ومن هذا الباب: التزوج فعليًّا بزوجة الابن بالتبنّي بعد تطليقها، أو الوفاة عنها؛ لتحقيق أنها ليست زوجة ابن، وأنه ليس ابنًا في شرع الله تعالى، وتطبيق ذلك عمليًّا من نبي هذه الأمة له أعظم الأثر في القضاء على التبني وآثاره، وفي ذلك يقول تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب/ 37.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ) أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك: لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال له: ” زيد بن محمد “، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ )، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم: ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم ) النساء/ 23؛ ليحترز من الابن الدَّعِي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.

وقوله: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 426 ).

 

 

وأوضح منه فيما نريده ما قاله الطاهر بن عاشور رحمه الله حيث قال:

وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة، وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دَعِيِّه، فلما أبطله الله بالقول إذ قال: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكَمْ أَبْنَاءَكَم ) الأحزاب/ 4: أكَّد إبطاله بالفعل؛ حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: ” إن ذاك وإن صار حلالًا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال “، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعيّ من أفضل الناس وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

والجمع بين اللام وكي: توكيد للتعليل، كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك.

” التحرير والتنوير ” ( 22 / 39 ).

فما حصل من تزوج زيد رضي الله عنها بزينب، ثم تطليقه لها، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها: كل ذلك كائن لا محالة، وكل ذلك قد قدَّره الله تعالى أزلًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره ربُّه بالتزوج من زينب رضي الله عنها أول الأمر فكيف سيتزوجها؟ فلما قضى الله تعالى ذلك وأمره به: سارع إلى تنفيذ الأمر، فكان زواجه منها تزويجًا له من ربِّه تعالى، وفي ذلك يقول تعالى ( زَوَّجْنَاكَهَا )، ولذلك كانت زينب رضي الله تعالى تفتخر على ضرائرها بذلك – وحقَّ لها أن تفعل – بأن أهاليهن قد زوجوهن، وأما هي فقد زوَّجها ربُّها تعالى من النبي صلى الله عليه وسلم، قال أنس رضي الله عنه: ” فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ” رواه البخاري ( 6984 ).

فكيف لتلك الأحكام والفضائل أن تظهر لولا وقوع التبني فعليًّا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزويجه لابنه في التبني من ابنة عمه، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم منها بعد إبطال التبني؟!.

ثالثًا:

قول السائل ” إذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات – آيات سورة الأحزاب – بنفسه ليخدم غرضه؟! “: يدل على وقاحته وعلى أنه ليس بمسلم، وأنه كذب في تعبئة بياناته أنه مسلم، وليست هذه المرة الأولى التي نرى فيها مثل هذا التصرف، ونحن إن أجبنا هؤلاء فلما نرجوه من الخير لهم، ونجيب حتى لا يكون في ذهن المسلم أي شبهة في دينه، والمسلم يعظم نبيه غاية التعظيم، ويعتقد أن القرآن كله كلام الله، ومما يدل على جهل هذا السائل وحقده على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل عن إمكانية كونه صلى الله عليه وسلم – حاشاه – قد اختلق هذه الآية! وعلى العكس تمامًا كان كلام أهل العلم والعقل حيث جعلوا هذه الآية دليلًا على أنه عبدٌ يوحى إليه وأنه بلَّغ ما أنزل عليه، وأنه لو كان صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية! لما فيها من عتاب الله له أنه أخفى ما سيبديه ربه تعالى، وأنه خشي من المنافقين وأهل السوء أن يطعنوا به عندما يتزوج من مطلَّقة ابنه بالتبني! فيأتي هذا ويسأل ذلك السؤال السخيف والذي يدل على حقد وغيظ على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ.

رواه البخاري ( 6984 ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قولها: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ). رواه مسلم ( 177 ).

وزينب رضي الله عنها ليست غريبة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي ابنة عمته، ولو أراد التزوج بها – حتى من قبل تزوج زيد بها – لما كان ثمة عائق يحول دون ذلك، فأي حاجة لاختلاق آية ينسبها لربه تعالى ليتزوجها بها؟! إن مثل هؤلاء السائلين يفكرون بمنطق قساوستهم وأحبارهم وأسيادهم – إن كانوا رافضة -، فهؤلاء المحرفون لدين الله والمفترون على الله تعالى ما لم يشرعه صدر ويصدر منهم كثير من مثل هذا، فيأتي هذا السائل الأخرق ليسأل مثل هذا السائل ظانًّا أنه يمكن التوصل به للطعن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنَّى له ذلك.

رابعًا:

وقول السائل ” طالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنَّى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟ “: هو من باب التشكيك في الشرع ومحاولة النيل من أحكامه، فهو يعلم أن زوجة الابن من الصلب لم يقل أحد بجواز التزوج بها بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، وأنها تصير محرَّمة على والد الزوج بمجرد العقد إلى يوم القيامة، كما قال تعالى في سياق ذِكر المحرَّمات في النكاح: ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم ) النساء/ 23، فهذا نصٌّ واضح صريح في المسألة وهو تحريم زوجة الابن من الصلب، وذاك نص صريح في جواز التزوج من زوجة الابن الذي كان متبنَّى، فأي حاجة لمثل ذلك السؤال الأخرق؟!.

خامسًا:

وقول السائل ” أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها “: مما يُتعجب منه، لكن إن علمنا أنه غير مسلم – كما هو الظاهر من وقاحته في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – زال العجب، فهل الإيمان بالله تعالى ووحدانيته يتوقف على هذه المسألة؟! وهل الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة يتوقف على هذه المسألة؟! ولو أن السائل قال إنه ” كافر ” وإن هذه الشبهات تقف حائلًا بينه وبين الإسلام لاحترمنا صدقه ولأجبنا عليه مقدِّرين له سؤاله واستفساره عن ديننا، ولأثنينا عليه، كما نفعل عادة مع من يصدق معنا، وأما أن يكون الإنسان مسلمًا أصلًا فهذا لا تقف هذه المسألة حائلًا دون استمراره على دين الله، فأي حاجة تدعو هذا ليكذب علينا أنه مسلم ثم يأتي ويطعن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة الأسئلة الماكرة؟!.

وبكل حال: فنحن ندعو هذا السائل لأن يراجع نفسه، ويعلم أن دين الله تعالى قائم ومنصور، وأنه إن اهتدى فلنفسه، وإن ضلَّ فعليها، وليعلم أن هذه الحادثة قد مضى عليها حوالي خمسة عشر قرنًا ولم تكن سببًا في خروج أحدٍ من دين الله تعالى، وإنما كانت – فقط – مجالًا للطعن من المنافقين واليهود وأتباعهم، وبحمد الله قد أجاب أهل العلم على إشكالاتها، وبينوا ما في رواياتها من ضعف ونكارة، وكل من يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ويقف على أحواله وأخلاقه لا تخطر بباله هذه الوساوس، ولا يعلق إيمانه عليها؛ لما يعلمه من حقائق تقضي على تلك الشبهات وتمنع من حدوث ريبة في أفعاله أصلًا.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء؟!

هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء؟!

السؤال:

سمعت أن من مات بسبب السرطان أو حرقًا أو غرقًا فإنه يدخل الجنة، فهل هذا صحيح؟ فإني أعرف شخصًا قضى حياته مدخنًا ثم مات بسبب سرطان في الحلق، ولكن الأطباء لم يقولوا إن السرطان الذي أصابه هو بسبب التدخين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت في صحيح السنَّة أنواع من الشهداء لهم منازل الشهداء في الآخرة، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ).

وعن جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ ) قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ. وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ. وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ. وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ ). رواه أبو داود ( 3111 ) والنسائي ( 1846 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة، تَفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه و سلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء. ” فتح الباري ” ( 6 / 44 ).

وقد جعل بعض العلماء ” المرض ” داخلًا في تلك الأنواع، ولم يصحَّ في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما استدلوا به فهو ضعيف جدًّا أو موضوع، وهو:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ ).

رواه ابن ماجه ( 1615 ) وحكم عليه ابن الجوزي والألباني بالوضع، كما في ” السلسلة الضعيفة ” ( 4661 ).

 

 

ثانيًا:

ومن مات بمرض ” السرطان ” فإنه يدخل في أنواع الشهداء الوارد ذكرهم في الحديث بشرطين:

الأول: أن يكون موضع السرطان في ” البطن “، فيصدق عليه أنه ” مبطون “.

سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل يدخل من يموت بالسرَطان في ” المبطون “؟.

فأجاب:

لا؛ لأن السرطان لا يكون دائمًا في البطن، فقد يكون في غير البطن.

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 230 ).

وبما أن صاحبك كان موضع السرطان في ” حلقه ” فهو غير داخل في أي نوع من أنواع أولئك الشهداء.

الثاني: أن لا يكون ذلك المرض بسبب تناوله الدخان أو المخدرات أو الخمور، وغيرها من المحرمات، إلا أن يكون قد تاب من ذلك توبة نصوحًا، وامتنع عن تناول تلك المحرمات.

وهذا الشرط عام في كل من ذُكر في الحديث، فالحامل من زنا وتموت في الطلق ليست من الشهداء، والغريق إذا ركب البحر لمعصية أو فجور ومات غرقًا ليس من الشهداء، وهكذا من تهدم عليه حائط وهو يزني أو يشرب الخمر لا يكون من الشهداء، وقد ذكرنا في جواب سابق عن علماء اللجنة الدائمة أن مات نتيجة حادث سيارة وهو داخلها أنه يدخل في ” صاحب الهدم ” فيكون شهيدًا بإذن الله، لكن ذلك لا ينطبق – قطعًا – على من أولئك الشباب المتهورين الذين حصل معهم هذا وهم ” يفحطون ” بها ، ولا على أولئك المتسابقين في ظروف صعبة في الجبال والأودية وعلى الثلوج.

وفي جواب سابق نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغريق العاصي في ركوبه البحر لا يكون شهيدًا.

وقال – رحمه الله – في موضع آخر:

ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 381 ).

وقال السيوطي – رحمه الله -:

قال القرطبي: وهذا والذي قبله – أي: صاحب الهدم والغريق – إذا لم يغررا بنفسيهما، ولم يهملا التحرز، فإن فرَّطا في التحرز حتى أصابهما ذلك: فهما عاصيان. ” الديباج على مسلم ” ( 4 / 508 ) .

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 273 ، 274 ):

واستثني من الغريب: العاصي بغربته، ومن الغريق: العاصي بركوبه البحر، كأن كان الغالب فيه عدم السلامة، أو ركوبه لإتيان معصية من المعاصي، ومن الطلْق: الحامل بزنى. انتهى.

وإذا كان شهيد المعركة الذي يُقتل بالسيف إن كان قاتل عصبية أو حمية أو رياء لا يكون له فضل الشهداء ولا مرتبتهم، فأولى أن لا يكون لأولئك ذلك الأجر الجزيل.

 

والخلاصة:

مرض السرطان بحد ذاته لا يدخل الميت بسببه في أنواع الشهداء إلا أن يكون المرض في بطنه, ومن كان مرضه بسبب الدخان أو غيره ومات منه قبل التوبة فلا يكون شهيدًا ولو كان موضع المرض في بطنه، فإن كان المرض في بطنه ولم يكن بسبب فعل محرَّم كان له منزلة الشهداء في الآخرة إن شاء الله.

 

والله أعلم.