الرئيسية بلوق الصفحة 55

تطلب منه أمه التنازل عن ميراث أبيه لصالح أخيه وتسيء إليه فماذا يصنع؟

تطلب منه أمه التنازل عن ميراث أبيه لصالح أخيه وتسيء إليه فماذا يصنع؟

السؤال:

أنا شاب، متدين، ومحافظ على ديني وصلاتي، ولا أزكي نفسي على الله، وبار بوالدتي، وأحب لها الخير، وأدعو لها، وأتصدق عنها، وأزورها يومين، وأعيِّد عليها قبل ابنيها، وأعطيها من راتبي كل شهر، لكن المشكلة: أنها تنسى هذا كله، وكأنني لم أفعل شيئًا،  وسبب هذا: أنها تطيع ابنها الأكبر، وتسمع كلامه لو كان كذباً أو خطأً، وهي تعرف أنه كذاب لكن لا تستطيع أن تقول له أنت مخطئ، وعمره 55 سنة، ولا يصلي! وبيته أمام المسجد، ورجل فاسد، لكن أمي تحبه حبًّا جنونيًّا لدرجة أنها تعادي من يعاديه، وتحب من يحبه، وبعد أن نصحتها أن هذا تفريق بين أولادك لا يجوز ولا بد أن تعدلي بينهم، وأن فعلها سوف يبني الحقد والبغض بينهم: لا تلتفت لهذا الكلام، وكان ابنها الأكبر قد أكل ورث إخوته وحقوقهم النقدية، وكان يضغط عليهم – بمساعدة أمي – أن يتنازلوا له عن الأراضي، وحين رفضتُ أنا غضبت أمي عليَّ وعادتني، وكانت تقول: هذا الورث من حقه، وأنتم ليس لكم شيء! ونصحتها أن عملها هذا حرام، فزعلت عليَّ، وصبرتُ عليها، وتحملتُ، وقلت: حقي من ورث والدي لن أتنازل عنه، فصارت تعاديني، وتقف مع ابنها الأكبر، وتحقيري أمام الناس، وإحراجي في المناسبات، ورفضهم أن أُحضرها، مما جعلني في همٍّ وغمٍّ من تحقيرهم لي أمام الناس، وبعد أن عرفتُ أن والدتي لن يتغير طبعها معي وترك الظلم لي وأنها مصرة على الوقوف مع ابنها الأكبر، وخوفًا على ديني، وأن تفلت أعصابي، أو يوسوس لي الشيطان وأخطئ في حق والدتي: تركتها، وتركت زيارتها، وسافرت لمنطقة بعيدة؛ كي أنساهم، لكن – والله العظيم – يا شيخ – إني أتصدق عنها، وأدعو لها في كل صلاتي أن الله يهديها وتترك الظلم وترجع لي الحق وتترك ابنها الذي يوسوس لها مثل الشيطان.

يا شيخ: هل فعلي هذا عقوق؟. ( يا شيخ كثير من الشباب عقوا والديهم بسبب التفريق بينهم ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما تفعله من بر والدتك، والإحسان إليها: هو من الأعمال الجليلة، والواجب فعلها من كل ولد تجاه أبويه، وخاصة والدته.

ثانيًا:

وما تقوله من أن التفريق في معاملة الوالدين تجاه أولادهم يؤدي إلى الفرقة، والتباغض، والتحاسد: صحيح، ولذلك منعت الشريعة المطهرة الآباء والأمهات أن يهبوا لأحد أولادهم ما لا يفعلوه مع باقيهم، ومن شأن من خالف هذا أن يسبب بغضًا وتنافرًا في الأسرة الواحدة، سواء تجاه من أعطى منهما، أو من أخذ من إخوانه، وقد يكون البغض لكليهما.

ثالثًا:

وما يطلبه شقيقك وأمك منك أن تتنازل عن نصيبك في ميراث والدك: ليس من العدل في شيء، بل هو من الظلم، ومن أكل الأموال بغير حق، ولا يلزمك طاعة أمك فيه، بل عليهما أن يتقيا الله في طلبهما ذلك منك؛ فإنه لا يحل لهم، وعلى أخيك أن يتقي الله تعالى فيعطي كل ذي حق – من إخوته – حقَّه، وما أخذه من نصيبهم من الميراث فهو سحت يأكله، ومالٌ حرام يطعمه، ونأسف أن نقول إن والدتك شريكة في هذه الحرمة؛ حيث أعانته ومنته من ذلك الأمر، بل وتطلب منك بقوة أن تتنازل عن حصتك من أجله.

وما قلناه إنما هو بحسب الصورة التي ذكرتها لنا، وما خفي من أمور فلا يُحمل كلامنا عليه، فقد تكون الأسرة في حاجة ماسة للنفقة، وليس عندها إلا ميراث أبيك، وينفق أخوك الأكبر عليهم من نصيبهم لعدم توفر مصدر آخر لهم، فهنا لا حرج عليه في أخذه نصيبهم لأجل أن ينفق عليهم، ولا يلزمه النفقة من ماله الخاص مع توفر أموالهم لديهم، فهذه الصورة محتملة، ولكننا لا نجيب السائل إلا بحسب ما يذكره من حال.

رابعًا:

وما فعلتْه أمك معك من الإساءة والتحقير، وما تطلبه منك من إعطاء حصتك في الميراث لأخيك: لا يبيح لك – بحال – أن تعاديها، ولا أن تعقها، ولا أن تترك برَّها والإحسان إليها، نعم، ولا يلزمك طاعتها فيما تطلبه منك من التنازل عن حصتك في الميراث، وقد أمرك الله تعالى بالإحسان إليها وبرَّها حتى لو كانت تجاهدك لتكفر بالله تعالى! فكيف وهي تجاهدك للتنازل عن شيء من لعاع الدنيا؟! فلا يلزمك طاعتها فيما يحرم عليها طلبُه – كالتنازل عن نصيبك في الميراث -، ولا يحل لك ترك برِّها والإحسان إليها بالقول والفعل.

وابتعادك عن البيت قد يكون له آثار إيجابية من مثل ما ذكرت، لكن هذا لا يعفيك من استمرار الاتصال بأمك والسؤال عنها، والإحسان، وعدم قطيعتها، وكذلك إخوتك هم بحاجة إليك وإلى وقوفك بجانبهم، ولذا فإننا ندعوك للتفكر مليًّا بقرارك، ونحن معك فيه إن رأيتَ في قربك منهم خوفًا على دينك، ولسنا معك إن كنت تستطيع الصبر عليهم، مع عدم وقوعك فيما حرَّم الله عليك تجاه والدتك.

وأخبر والدتك بسبب قرارك الابتعاد عنها أنه خشية من الوقوع فيما حرَّم الله عليك من عقوقها، وأخبرها بأن تدعو لها في صلاتك، وأنك تتصدق عنها، فلعلَّ ذلك الإخبار أن يكون سببًا في تغيير موقفها تجاهك.

خامسًا:

ومن الضروري نصح أخيك بالصلاة، وبيان خطر تركها عليه، وكذا تنصح أمك بأن تنقذ ولدها من النار بدلًا من الحرص على دنياه وتجميع المال بين يديه! وقد ثبت كفر تارك الصلاة في القرآن والسنَّة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فليس الأمر بالهين، ولا باليسير، وماذا ينفعه أن يعيش في الكفر والظلم؟ وما هي السعادة التي ينعم بها؟ إن الحياة أقصر من أن يأمل البقاء فيها، وإن الدنيا أحقر من أن يعيش من أجلها، فليسارع إلى طاعة ربه بإقامة الصلاة، ولتتق أمك ربَّها تعالى من السكوت عن كفره كما سكتت عن ظلمه لإخوته.

 

وقد بيَّنا جواب سابق أن الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته، ولا يقبل منه عمل، لا زكاة، ولا صيام، ولا حج ولا شيء، والذي لا يصلي ويموت وهو تارك للصلاة لا يدفن في مقابر المسلمين .

 

والله أعلم.

 

هل ثبت حديث في أن أعلى المؤمنين منزلة من يرى الله في الجنة مرتين كل يوم؟

هل ثبت حديث في أن أعلى المؤمنين منزلة من يرى الله في الجنة مرتين كل يوم؟

السؤال:

سمعت أحدهم يقول: إن أفضل الناس رؤية لوجه الله هم الذين يرونه مرتين في اليوم هذا الكلام حرك تساؤلات لديَّ، هل هذا الكلام صحيح؟ وهل رؤية المؤمنين لله كذلك تتفاوت بحسب الأعمال والصلاح؟ أم الكل يرى بنفس الدرجة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة من اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وقد كثرت النصوص من الوحي على ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر ” الصحيح ” في ” كتاب التوحيد “، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم.

وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، ممن يرد النصوص الصحيحة؛ لخيالات فاسدة، وشبهات باطلة، يخيلها لهم الشيطان، فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلًا، ويسميه تشبيهًا أو تجسيمًا، فينفرون منه. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 4 / 63 ).

* وقال الذهبي – رحمه الله -:

وأما رؤية الله عيانا في الآخرة: فأمر متيقن، تواترت به النصوص، جمع أحاديثها: الدارقطني، والبيهقي، وغيرهما. ” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 167 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها، ولا منعها.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 279 ).

ثانيًا:

وأما ما ورد من رؤية المؤمنين ربَّهم تعالى كل يوم مرتين: فلم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الغيب الذي لا يُقبل من أحد إلا بوحي.

وقد ورد ذلك في عدة روايات، وكلها من حديث عن ابْنِ عُمَرَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً )، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ). رواه الترمذي ( 2553 ).

وقال:

وقد روي هذا الحديث عن غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر مرفوع. ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر موقوف. وروى عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قوله، ولم يرفعه. حدثنا بذلك أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر نحوه ولم يرفعه. انتهى.

والحديث لا يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا، وعلة المرفوع والموقوف: ثوير بن أبي فاختة.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

واهي الحديث. ” مستدرك الحاكم ” ( 2 / 553 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

لا أعلم أحدًا صرح بتوثيقه، بل أطبقوا على تضعيفه، وقال ابن عدي: الضعف على أحاديثه بيِّن. ” فتح الباري ” ( 13 / 419 ).

* وقال الهيثمي – رحمه الله -:

في أسانيدهم – أي: أحمد وأبو يعلى والطبراني -: ثوير بن أبى فاختة، وهو مجمع على ضعفه. ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 401 ).

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

فلا يصح الحديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 4 / 451 ).

ثالثًا:

وهل يعني وهاء الحديث وضعفه أنه ليس ثمة تفاوت بين المؤمنين في رؤية ربهم تعالى يوم القيامة؟ والجواب على ذلك: أن هذا من الغيب الذي لا يمكن الجزم به، والذي يظهر هو وجود تفاوت بين المؤمنين في الرؤية، لكن دون جزم بذلك.

* سئل الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

هل هناك تفاوت بين المؤمنين في رؤية الله عز وجل؟.

فأجاب:

الظاهر: أنها حسب العمل والدرجة ؛ لأنه لا يستوي أبو بكر رضي الله عنه مع مؤمن ناقص الإيمان.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 228 / السؤال رقم 3 ).

 

والله أعلم.

هل تحف الملائكة من يستمع لدرس علمي في فضائية أو يشارك في منتدى إسلامي؟

هل تحف الملائكة من يستمع لدرس علمي في فضائية أو يشارك في منتدى إسلامي؟

السؤال:

قال صلى الله عليه وسلم فيما معناه: ( ما من قوم اجتمعوا يذكروا الله في مجلس إلا حفتهم الملائكة ).

الآن نحن في عصر التكنولوجيا والمنتديات، هل القسم الإسلامي، أو المنتدى الاسلامي، يندرج تحت اسم ” المجلس ” الذي ورد في الحديث؟ وعليه: هل تحف الملائكة مَن وُجد بالقسم أو كتب فيه وشارك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الحديث المشار إليه في السؤال قد رواه مسلم – ( 2699 ) – عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( … وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ).

وظاهر هذا الحديث يحصر الفضل الوارد فيه في مجالس العلم المعقودة في المساجد دون غيرها من الأماكن، لكن ورد حديث آخر يجعل ذلك الفضل لكل من كان في مجلس يتعلم فيه شرع الله تعالى، أو يعلِّمه، وليس يختص في كونه يُعقَد في بيت من بيوت الله.

عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ).

رواه مسلم ( 2700 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في مدرسة، ورباط، ونحوهما – إن شاء الله تعالى -، ويدل عليه الحديث الذى بعده، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب، لا سيما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يُعمل به.

” شرح مسلم ” ( 17 / 22 ).

والسؤال الآن: أنه يحصل أن يحضر كثير من المسلمين لحلقات علمية ومحاضرات شرعية في الفضائيات، أو يستمعون لدروس في الإذاعات، أو من خلال أجهزة التسجيل، وقد يشاركون في منتديات إسلامية بكتابة مقالات، ومناقشة أحكام شرعية، فهل يدخل أولئك في الحديث الثاني، ويستحقون الفضل الوارد فيه؟.

 

والجواب عن هذا يكون بتقسيم تلك الوسائل إلى قسمين:

الأول: حلقات علمية، ودروس شرعية، مباشرة، سواء من فضائية، أو من إذاعة، وكتابات في منتديات إسلامية ضمن نقاش مباشر.

الثاني: حلقات علمية، ودروس شرعية، مسجلة، أو معادة، وكتابات وقراءات في منتديات إسلامية مخزَّنة أو بمشاركة لاحقة، ويجمعها كلها أنها غير مباشرة في بثها، وكتابتها.

والذي يظهر لنا – والله أعلم -: أن القسم الأول يُرجى أن يكون داخلًا في الفضل الوارد في الحديث، وأن من حضر مجلس علم مباشر في فضائية، أو إذاعة، أو من خلال غرفة في برنامج ” البال توك “، أو كان في نقاش مباشر في حلقة كتابية علمية في منتدى إسلامي: أنه يرجى لجميع أولئك أن يصدق عليهم أنهم قعدوا في مجلس علم، وأنهم يستحقون ذلك الفضل الوارد في الحديث.

وأما من حضر حلقة علمية معادة، أو استمع لدرس من خلال جهاز تسجيل، أو شارك في الكتابة في منتديات إسلامية غير مباشرة: فإن جميع أولئك مأجورون على تعلمهم، وتعليمهم، وقضاء أوقاتهم في النافع المفيد، لكننا لا نرى أنه يصدق عليهم ذلك الحديث؛ لبُعد واقعهم عن الواقع الأول، فقد يكونون يحضرون حلقة علم لعالِم قد مات منذ أمدٍ بعيد، وقد يشاركون في موضوع في منتدى إسلامي يستمر النقاش فيه سنوات، وكل ذلك يجعل واقعهم غير الواقع المذكور في الحديث.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

مجموعة من النساء لا يستطعن أن يحضرن إلى المساجد لسماع الندوات فتضطر إحداهن لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات، فهل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟.

فأجاب:

لا، الذين يستمعون إلى الأشرطة ليسوا كالذين يحضرون إلى حلقة الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامع للأشرطة له أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط – كما نعلم – خفيف المحمل، سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، ويمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشيًا في طريقه، ومن أجل ذلك كانت هذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 26 / 140 ).

 

 

ونرى أن ذلك التفصيل قول وسط بين من أدخل كل حضور لحلقة علم مسجلة أو مباشرة، أو شارك في موضوع في منتدى إسلامي مباشر وغير مباشر، فجعل ذلك داخلاً في الحديث، وبين من أخرج كلا القسمين – المسجَّل والمباشر – من الحديث والفضل الوارد فيه.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

تزوج الأولى إرضاء لأهله ثم عدَّد، وهو يميل للثانية، فماذا يصنع؟ وبم يُنصح؟

تزوج الأولى إرضاء لأهله ثم عدَّد، وهو يميل للثانية، فماذا يصنع؟ وبم يُنصح؟

السؤال:

تزوجت قبل سنوات طويلة بزوجة أخي بعد وفاته، وهي أكبر مني بسنوات كثيرة، وكان الزواج إرضاء لوالديَّ فهذا طلبهم، وكي نربي بنات أخي، ويكونون قريبات من أبي وأمي، والزوجة لها محرم في منزل والدي, ورزقت – بحمد الله – بأبناء منها، وعشت سني عمري غير مقتنع بالزواج، وأهرب كثيرًا من مسؤوليات كثيرة، فالأمر خارج عن إرادتي، فما يجمعني بها إلا المودة والرحمة والأبناء.

ومرَّت السنوات، حتى قررت الزاوج بفتاة بِكر، وصغيرة، وملتزمة، والحمد لله وفقني الله، وعوَّضني كثيرًا بهذه الزوجة، كما لا يخفى عليكم بأن أمر التعدد أمر صعب, وأنا أعترف بأني لا أستطيع أبدًا أن أعدل مهما حاولت، وإضافة إلى ذلك: الميل القلبي لزوجتي الثانية، فأنا أراه هو الزواج الأول بالنسبة لي، كما أنها استطاعت وبقوة – بعد فضل الله – أن تكسبني كثيرًا بالكلام الطيب، والفعل الحسن مع والدي وزوجتي وأبنائي وأخلاقها الحسنة مع جميع أقاربي، كما أنها دائمًا تكرر ” سامحتك ” و ” حللتك لوجه الله “، وزوجتي الأولى في مرات تغضب ” ولا تحللني”, ومرات لأني أخبرها بطيبة الثانية وكلمتها الغالية فتقول: ” الله يسامحك ” ، و ” الله يوفقك “، أي: فقط غيرة منها – والله العالم -.

شيخي الغالي:

أنا تزوجتها وهي تعرف بكل الظروف, وأخبرناها منذ الخطبة أني سأتزوج ببكر بعد فترة ووافقت, لماذا الآن الغيرة طغت عليها وبدأت تضغط عليَّ من ناحية العدل؟! هي حقها كزوجة معلوم لكن أنا إنسان لم أعدد إلا رغمًا عني، من المفترض أن تتنازل كثيرًا، وأن تقدر ظروفي النفسية والمادية والمعنوية.

باختصار – يا شيخ – الزوجة الأولى فازت بأمور لم تفز بها الثانية! والثانية: أحاول أن أعوضها كثيرًا بما لا أستطيع أن أقدِّمه في هذه الفترة لها، مثلًا: الآن زوجتي الأولى تسكن في دور أرضي كامل مؤثث بالكامل والحمد لله بيتها جميل، وفي الدور الثاني تسكن زوجتي الثانية في شقة, وتوجد شقتان أيضاً مؤجرة، هل يحق لي أن أزيد من مصروف الزوجة الثانية عوضًا عن البيت؟ هل يجوز لي أن أهديها وأن أسفِّرها، وأن أشتري لها ذهبًا عوضًا عن البيت؟ سمعت أنه من العدل والمفترض إعطاؤها من إيجار الشقة الثانية؟ فهل هذا صحيح؟ علمًا أن زوجتي الثانية لم ترزق حتى الآن بأبناء، والله يرزقنا بالذرية الصالحة.

بماذا تنصحني يا شيخ؟.

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل أن العدل بين زوجتيك منه ما هو واجب عليك، ومنه ما هو غير مستطاع لا منك ولا من غيرك من الأزواج المعددين.

أ. أما العدل الذي أوجبه الله تعالى عليك:

  1. فهو العدل في النفقة، بأن تعطي كل زوجة حاجتها من الطعام والشراب وضروريات الحياة.
  2. والعدل في الكسوة، بأن توفر لكل واحدة منهما كسوة في الصيف والشتاء.
  3. والعدل في المبيت، بأن تجعل لكل واحدة منهما ليلة تبيت عندها، ثم تبيت عند الأخرى في الليلة التي بعدها.
  4. والعدل في السكن، بأن تُسكِن كل واحدة منهما بالسكن الملائم لحالها بما هو في مقدورك، ولا يلزم أن يكون كلا السكنين بسعة واحدة، والمهم: أن لا يكون بينهما تفاوت متعمد.

وهذا العدل هو أمر واجب مستطاع، فهو في أمر ظاهر يستطيع المعدد ضبطه وإعطاء كل ذات حق حقها، ومن لم يستطع القيام به: فيحرم عليه أن يعدد، بل يكتفي بزوجة واحدة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) النساء/ 3.

ب. وأما العدل غير الواجب:

فهو ليس في استطاعتك، ولا في استطاعة أحد غيرك، وهو العدل في المحبة القلبية، وفي ذلك يقول تعالى: ( وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) النساء/ 129.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فقال بعض أهل العلم بالتفسير: ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ) بما في القلوب، فإن الله عز وجل وعلا تجاوز للعباد عما في القلوب.

– ( فلا تميلوا ) تتبعوا أهواءكم.

– ( كل الميل ) بالفعل مع الهوى، وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.

” الأم ” ( 5 / 158 ).

وعليه:

فقولك ” لا أستطيع أبدًا أن أعدل مهما حاولت “: غير مقبول منك إذا كان قصدك منه العدل الواجب.

وقولك ” وإضافة إلى ذلك: الميل القلبي لزوجتي الثانية “: قد سبق منا بيان أن هذا من المعفو عنه، بشرط عدم الميل الكلي.

ثانيًا:

واعلم أنه لا ذنب لزوجتك الأولى أن تكون تزوجتها إرضاء لأهلك، فلها عليك حقوق يجب أن تؤديها لها، ولا ينبغي لك أن تقارن بينها وبين الزوجة الثانية؛ فالخطأ منك وأنت تحملها إياه، فقد تزوجتها من غير رغبة، وتزوجت الأخرى برغبة جامحة، فكيف تقارن بينهما؟ وكيف تريد إلزامها بمسامحتك إن أخطأتَ في حقها، فليس ثمة ما يوجب عليها فعل ذلك.

فاتق الله تعالى ربَّك في زوجتك الأولى، وبما أن هذا هو ظرفك : فأمامك خيارات:

الأول: أن تبقي عليها مع تحقيق العدل في الأمور الظاهرة، والتي أوجبها عليك ربك عز وجل، فإن أبقيتها مع ظلمها: استحققت إثم الظالمين، وعاقبة الظلم وخيمة، وهو من الذنوب التي يعجل الله عقوبتها في الدنيا، فاحذر من سخط الله وأليم عذابه.

الثاني: أن تطلقها، وتسرحها سراحًا جميلًا، وتعطيها حقوقها المالية.

الثالث: أن تصالحها، بأن تبقيها في عصمتك مع رضاها بالتنازل عن حقوقها التي أوجبها الله تعالى عليك.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يطلقها: فلها أن تسقط حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 426 ).

ثالثًا:

وكل ما سألتَ عنه في آخر كلامك إنما هو من الميل الواضح للزوجة الثانية، فاتق الله تعالى أن تفعل شيئًا مما قلتَه وسألتَ عنه، فطالما أنك تنفق على زوجتك الثانية ما يكفيها: فليس لك أن تزيد في نفقتها لأنها تسكن في شقة والأولى في دور أرضي، فلا تقارن بين زوجة لها أولاد، وأخرى ليس لها ذرية، فحاجة الأولى لمسكن واسع يحتم عليك أن تهيأ مسكنًا يتسع لها ولأولادها، وإسكانك الثانية في شقة وحدها كافٍ في تحقيق العدل الواجب عليك.

فليس لك أن تعطيها نفقة زائدة مقابل أنها تسكن في شقة أوقل سعة من الأولى، وليس لك أن تعطيها من أجرة الشقة المؤجرة التي تملكها، وليس لك أن تهبها ذهبًا، ولا أن تسفرها، دون أن تحقق هذا العدل مع زوجتك الأولى، فتعطيها مثل ما تعطي الأولى، وتقرع بينهما في السفر فمن خرجت قرعتها سافرتَ بها، وإن سافرت بالثانية دون قرعة: أثمتَ، ولزمك قضاء كل الأيام التي قضيتها مع الثانية فتجعلها من نصيب الأولى.

– ونرجو منك التفقه في أحكام التعدد، وقد أجبنا عن جملة وافرة من تلك الأحكام فانظرها هنا:

http://islamqa.com/ar/cat/355&pp=100

 

ونسأل الله تعالى أن يهديك لتحقيق العدل بين نسائك، وأن يشرح صدرك للحق، وأن يرزقك الذرية الصالحة الطيبة.

 

والله أعلم.

 

زنت في أوائل شبابها مرات عديدة وأصيبت بأمراض ثم تابت فكيف تصنع مع الزواج؟

زنت في أوائل شبابها مرات عديدة وأصيبت بأمراض ثم تابت فكيف تصنع مع الزواج؟

السؤال:

على الرغم من أني نشأت وترعرعت كمسلمة إلا أني كنت بعيدة كل البعد عن الإسلام، فقد كنت أمارس البغاء بشكل مستمر، وقد عاشرت العديد من الرجال، حتى إن ذلك تسبب لي ببعض الأمراض التناسلية، تبت منذ عام ولله الحمد، وأسعى لأن أجد شخصًا أتزوج به، لكن هناك مشكلتان رئيسيتان تعترضاني: الأولى هي: أني – كما أسلفت – عانيت من بعض الأمراض التناسلية المعدية، والتي قد تنتقل إلى الطرف الآخر إذا تزوجت، على الرغم من أن الأطباء طمئنوني وقالوا لي: إن هذا المرض ليس بالخطير جدًّا وإنه قد يزول تلقائيًّا إلا أن إمكانية انتقاله إلى الطرف الآخر حتمية، لذلك أنا في موقف مضطرب، هل أخبر زوج المستقبل أم لا؟! أعلم كذلك أن الستر أولى، وقد قرأت في ذلك العديد من المقالات، لكن ما العمل في مثل هذه الحالة؟ أأخبره بذلك وأفضح نفسي وأسرتي وأجلب لنفسي المتاعب؟! أم أسكت وينتقل المرض إليه وتُثار التساؤلات والشكوك من قبله بعد الزواج؟!.

المشكلة الثانية هي: أنني أخاف من كل عَرض زواج يأتيني، رغم أن أسرتي تسعى جاهدة في إيجاد زوج لي إلا أني أرفضه للأسباب الآنفة الذكر، وخشية أن أفتح على نفسي وأسرتي بابًا من المشاكل نحن في غنًى عن فتحه، في الوقت ذاته أعيش في قلق نفسي خشية أن يمضي الوقت ولم أتزوج فأعود إلى ما كنت عليه من الرذيلة، وكما تعلمون أن ليس من السهل أن تجد الفتاة زوجًا أو أن تجهر بأنها تريد الزواج علانية، فلا أدري كيف أجد الزوج المناسب؟ وإذا وجدته كيف سأطرح له قضيتي، وهل سيتفهمها أم لا؟ أرجو المساعدة.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لقد ساءنا ما كنتِ عليه أيام حياتك الأولى من الوقوع في فاحشة الزنا عدة مرات، ومن غفلتك عن دينك، والالتزام بواجباته، وترك منهياته، ثم فرحنا بما أنعم الله تعالى عليكِ من التوبة والرجوع إليه تعالى، فعسى الله أن يثبتك على دينه، وأن يربط على قلبك، ويزيدك هدى وسدادًا، ولا تنسي أن التوفيق للتوبة نعمة عظيمة جليلة، وكم من المسلمين خُتم له بشر وسوء ولم يوفق لتوبة يلقى بها ربَّه، فاشكري ربَّك على هذه الهداية بالاعتراف له بالجميل بقلبك، وبذكر ذلك بلسانك، وبظهور ذلك على جوارحك، فامتنعي عن السماع المحرَّم للأغاني وغيرها من المحرمات، وابتعدي عن مشاهدة المحرَّمات كالنظر إلى الرجال الأجانب في الحقيقة أو على الفضائيات، واقطعي صلتك بكل من كان يؤزك على فعل المحرمات السابقة، فبهذا تشكرين ربَّك تعالى قلبًا، ولسانًا، وعملًا.

ثانيًا:

وما أصابك من أمراض نتيجة فعل الفاحشة هو من عقاب الله تعالى لكِ، ولا شك أن تحريم الله تعالى للزنا له حكَم جليلة، ومنها أن يقي المسلم بدنه من الأمراض، والتي قد يؤدي كثير منها للهلاك.

فالإصابة بالأمراض لصاحب المعصية عقاب على ما فعل، فإن تاب من معصيته واستمر به المرض فيكون ابتلاء له ، فاصبري على ما ابتلاك الله تعالى به.

ثالثًا:

وقد جاءت أحكام الشريعة الإسلامية المطهرة بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وفي مسألتك هذه كان حُكم الله تعالى أن تستري على نفسك ولا تفضحيها، لا لخاطب، ولا لأهل، ولا لصديقة، بل استري ما ستره الله، وهي وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصية أصحابه رضي الله عنهم، ووصية علماء هذه الأمة قديماً وحديثاً.

أ. عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( اِجْتَنِبُوا هَذِهِ اَلْقَاذُورَاتِ اَلَّتِي نَهَى اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اَللَّهِ تَعَالَى وَلِيَتُبْ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَنْ يَبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اَللَّهِ ). رواه الحاكم ( 4 / 244 ) والبيهقي ( 8 / 330 )، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 149 ).

* قال عبد الرؤف المناوي – رحمه الله -:

( اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة، وهي كل قول أو فعل يُستفحش أو يُستقبح، لكن المراد هنا الفاحشة يعني: الزنا؛ لأنه لما رجم ماعزًا ذكره.

سمِّيت قاذورة لأن حقها أن تُتقذر فوصفت بما يوصف به صاحبها، أفاده الزمخشري. ” فيض القدير ” ( 1 / 201 ).

ب. عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتُها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تُخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة. انظر: ” تفسير الطبري ” ( 9 / 583، 584 ).

ج. * قال الصنعاني – رحمه الله -:

وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألمَّ بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة، فإن أبدى صفحته للإمام والمراد بها هنا حقيقة أمره: وجب على الإمام إقامة الحد. ” سبل السلام ” ( 4 / 15 ).

 

فيتبين مما سبق بيانه: أنه لا يجوز لك الاعتراف لمن يأتيك خاطبًا بما وقع منك من الفاحشة، وأنه عليك أن تستتري بستر الله عليك.

وأما بخصوص ” فقدان غشاء البكارة “: فيمكنكِ استعمال التورية في كلامكِ، والمعروف أن غشاء البكارة يُفقد من غير جماع في بعض الأحيان، فيمكن استثمار ذلك في التورية.

رابعًا:

وأما بخصوص ما أصابك من أمراض تناسلية معدية: فهي نوعان:

الأول: أمراض معدية غير مهلكة، ولا مسببة لتلف شيء من البدن.

الثاني: أمراض معدية مهلكة، مثل ” الإيدز “.

ولا يجوز للمخطوبة كتمان كلا النوعين على الخاطب ولا أقل من هذا العيب؛ لأنه خلاف النصح ، وهو داخل في الغش.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

عن ابن سيرين: خاصم رجلٌ إلى شُرَيْح، فقال: إن هؤلاء قالوا لي: ” إنا نُزوِّجُك بأحْسَنِ الناسِ “، فجاؤوني بامرأة عمشاءَ، فقال شُريح: ” إن كان دلِّس لك بعيب لم يَجُز “.

فتأمل هذا القضاء، وقوله: ” إن كان دلِّس لك بعيب ” كيف يقتضى أن كل عيب دلست به المرأةُ: فللزوج الردُّ به.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 184 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز للخاطب عندما يخطب لابنه أو أحد أقربائه زوجة أن يخفي ما في ابنه أو غيره من عيوب، كأن يكون أعرج أو أعمى؟.

فأجاب:

ليس له أن يخفي العيوب، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، فالواجب: البيان؛ لأن المسلم أخو المسلم، والرسول يقول: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) – رواه مسلم – ، ويقول جرير رضي الله عنه: ” بايعتُ النبي على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ” – متفق عليه -، فليس له أن يخفي عيوبه، وليس لها أن تخفي عيوبها، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، بل عليهم أن يوضحوا إلى الرجل ما هي عليه، صحيحة أو مريضة، عوراء أو عمياء، عرجاء أو غير ذلك ، حتى يُقدِم على بصيرة.

” فتاوى نور على الدرب ” ابن باز ( شريط رقم 372 ).

وننبه إلى أمر مهم وهو أن النوع الأول من الأمراض لو أظهرته المخطوبة للخاطب ورضي به: فإنه لا مانع من النكاح أن يُعقد.

وأما النوع الآخر – ومنه مرض ” الإيدز ” – فقد وقع خلاف بين العلماء المعاصرين فيما لو كان أحد طرفي النكاح مصابًا به ورضي بذلك الآخر، فمنعه طائفة منهم، وأجازه آخرون، والذي أجاز منهم من اشترط عدم الإنجاب، ومنهم من أجازه حتى مع الإنجاب؛ لعدم القطع بإصابة الذرية به.

وقد تبنى القول الأول: الدكتور الشيخ إبراهيم الخضيري – قاضي التمييز في محكمة الرياض – كما في ” جريدة الرياض ” عدد ( 15019 ) تاريخ 16 شعبان 1430 هـ -، والدكتور راشد بن مفرح بن راشد الشهري، كما في رسالته للدكتوراة بعنوان ” أثر مرض الإيدز في الأحكام الفقهية “، ومما خلص إليه فيها من نتائج قوله:

إذا كان الخاطب مصابًا ووافقت عليه المخطوبة ووليها: فإن هذا يتنازعه أصول، أرجحها: المنع من ذلك؛ نظرًا لخطورة المرض، ودرءًا للمفاسد المترتبة؛ ولأن الشارع قد حظر القدوم على المناطق الموبوءة فكيف بالنكاح من الموبوء بمثل الإيدز.

إذا كانت المخطوبة هي المصابة: فلا بد من إخبار الخاطب بذلك.

متى قبل بها مصابة وأراد الإقدام على ذلك: فإنه يُمنع؛ لأن هذا سفه، والحجر على من هذا عقله أولى من الحجر على من سفه في ماله؛ لأن الصحة أهم من المال بل لا مقارنة في ذلك. انتهى.

* والذي نراه في هذا:

أ. أنه لا يجوز تزوج المرأة المصابة بهذا المرض برجل سليم، ولا العكس، إن كان سيحصل بينهما جماع وإنجاب، وقد صدر قرار من ” مجمع الفقه الإسلامي ” يبين أن المرض ينتقل بالجماع، وأنه ينتقل إلى الذرية ، فقد جاء فيه قولهم:

” تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:

  1. الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
  2. نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
  3. استعمال الإبر الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة.
  4. الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة “. انتهى.

ب. إن تزوج مصاب بآخر ولن يكون في واقعهم جماع: فيظهر أنه يجوز النكاح، ومن المعلوم أنه ليس كل زواج يكون فيه جماع، فحاجة الرجل للمرأة – والعكس – ليست فقط حاجة جنسية، فهناك الرعاية والحماية والنفقة والأنس والإعانة على الطاعة، بل قد يكون محبة أحد الطرفين أن يرثه الآخر من دواعي هذا الزواج، ومثله: الزواج بالصغيرة التي لا تقوى على الجماع، فإنه نكاح شرعي صحيح وإن لم يكن بينهما جماع، وعليه: فلا مانع من أن يكون بينكما زواج واتفاق على عدم الجماع.

 

وقد قال جمهور العلماء بجواز تزوج المسلم في مرض موته إن كان عاقلًا رشيدًا، وأي حاجة للجماع في هذه الحال يتزوج من أجلها؟!.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

نكاح المريض في مرض الموت صحيح وترث المرأة في قولي جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ولا تستحق إلا مهر المثل لا الزيادة عليه بالاتفاق.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 446 ).

وقد ثبت أن مجرد المعايشة والمخالطة لا تسبب انتقال المرض من المصاب إلى السليم.

وفي قرار المجمع السابق قالوا:

” المعلومات الطبية المتوافرة حاليًّا تؤكد أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري ” مرض نقص المناعة المكتسب ” ( الإيدز ) لا تحدث عن طريق المعايشة، أو الملامسة، أو التنفس، أو الحشرات، أو الاشتراك في الأكل أو الشرب، أو حمامات السباحة، أو المقاعد، أو أدوات الطعام، ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العاديّة. انتهى.

ج. إن ثبت باليقين الطبي أن استعمال الواقي في جماع المريضة للسليم – والعكس – نافع، ولا ينتقل معه المرض إلى السليم: فيجوز الجماع، وإلا فلا يجوز.

د. لا مانع من تزوج المصابة بمرض ” الإيدز ” بمصاب مثلها، بشرط عدم الإنجاب؛ لما ذكرناه من أن انتقال المرض للذرية.

وبه أفتى الشيخ إبراهيم الخضيري حفظه الله، كما في جريدة ” الرياض “، وقد سبق ذكر تاريخها ورقم عددها.

خامسًا:

اعلمي أن الإخبار بالمرض للخاطب – في الحالين – لا يلزم منه الإخبار بسببه، وأنه قد حصل منك ارتكاب فاحشة؛ لما هو معلوم من أن المرض ينتقل لأهل العفاف والدين بأسباب أخرى غير فعل الفاحشة، ومن أشهرها ” نقل الدم “، فيمكن أن يقال هذا السبب للخاطب، ولو كان كذبًا؛ فإن الكذب ها هنا جائز، بل حتى لو بحلف يمين؛ لما حصل من التوبة الصادقة، ولما في إظهار الحقيقة من تشهير بالنفس، وفضيحة لها، وقد ذكرنا جواز هذا الكذب والحلف عليه في جواب سابق.

واعلمي أنه لا يكشف الضر عنكِ إلا رب العالمين، فاصدقي في توبتك، واستمري في علاج ما أصابك من أمراض، واصبري على ذلك ولو طال بك العمر، فإن الله جاعل لك تيسيرًا وتسهيلًا إن شاء سبحانه.

 

والله أعلم.

 

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في الدين؟

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في الدين؟

السؤال:

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في دينه؟ وإذا وقع فيها فماذا يتوجب عليه لدرء هذه الفتنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن صلاح دين المرء في الدنيا يعني سعادته وفوزه في الآخرة، ولقد أحسن السائل في اختيار موضوع السؤال لما له من أهمية عظمى، وإن رأس مال المسلم دينه، فمن فرَّط فيه وعرَّضه للفتن فقد خاب وخس، ومن حافظ عليه واعتنى بتقويته أفلح ونجح، ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ).

رواه مسلم ( 2720 ).

* قال المناوي – رحمه الله -:

( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ) أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإن مَن فسد دينُه فسدت جميعُ أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة.

” فيض القدير ” ( 2 / 173 ).

ثانيًا:

ويستطيع المسلم – بتوفيق الله له – أن يحصِّن دينَه من الفتن وذلك بسلوكه سبيل المؤمنين فيما أوصوا به من أمور، ومن ذلك:

  1. الابتعاد عن بيئة الفساد الديني والخلقي، فيبتعد عن السكنى في ديار الكفر، وينأى بنفسه عن مخالطة الفسَّاق، ومن ابتعد وسائل الفساد حفظَ دينه من الضياع بإذن الله، وتوشك بيئات الكفر ومخالطة أهلها أن تؤثر في الساكن بينهم من المسلمين، وقد رأينا وسمعنا ما يفطِّر القلب ممن انتكس على عقبيه، وباع دينه بمتاع من الدنيا زائل، وكان ذلك بسبب انبهاره ببيئة الكفر وأهلها، وموت قلبه في السكنى بينهم، أو بمخالطتهم.

 

ومما يشبه ما سبق: الابتعاد عن الدخول في معترك الخلافات بين المسلمين، وخاصة إذا أدَّى الاختلاف بينهم إلى التقاطع والتدابر والعراك.

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين: تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحدٌ فحمد عاقبة دخوله؛ لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت مِن باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به الذي قال الله فيه ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

” منهاج السنَّة النبوية ” ( 4 / 410 ).

  1. ومما يعين المسلم على تحصين دينه: تقوية إيمانه، بفعل الطاعات الواجبة، وترك المنكرات المحرَّمة، ومن أعظم الطاعات الواجبة: الصلاة، فيحافظ المسلم على إقامتها في أوقاتها، بشروطها، وأركانها، وخشوعها، قال تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام بعموم الطاعات للنجاة من فتن الدين، وحذَّر من فتن الدنيا كالمال والنساء والجاه أن تكون سببًا ليبيع دينه من أجلها، وأخبر أنه قد يكون المرء مسلماً في الليل فيرتد في النهار! أو يكون مسلمًا في النهار فيرتد في الليل.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ). رواه مسلم ( 118 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

المهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من هذه الفتن التي كقطع الليل المظلم، يصبح الإنسان مؤمناً ويمسى كافرًا – والعياذ بالله – يومٌ واحدٌ يرتد عن الإسلام، يخرج من الدَّين، يصبح فيه مؤمنًا ويمسى كافرًا – نسأل الله العافية – لماذا؟ يبيع دينه بعرَض من الدنيا، ولا تظن أن العرَض من الدنيا هو المال! كل متاع الدنيا عرَض، سواء مال، أو جاه، أو رئاسة، أو نساء، أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع: فإنه عرَض، كما قال تعالى: ( تبتغون عرَض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة) فما في الدنيا كله عرَض.

فهؤلاء الذين يُصبحون مؤمنين ويمسون كفارًا، أو يمسون ويصبحون كفارًا: كلهم يبيعون دينهم بعرَض من الدنيا. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن، واستعيذوا دائما من الفتن. ” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 20 ).

  1. ومنه: الدعاء، وقد أرشدنا ربنا تعالى، وعلَّمَنا نبينا صلى الله عليه وسلم من جوامع دعائه ما ينفع من أراد حماية دينه من الفتن، ومنه: قوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم ) في كل ركعة، ومنه: ( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ … ) – رواه والترمذي ( 464 ) وحسَّنه، وأبو داود ( 1425 ) – وهو ما يقوله المسلم في قنوت الوتر، وغير ذلك كثير، مما فيه الاستعانة بالله تعالى أن يهدي الداعي للدين القويم، والصراط المستقيم، وأن يثبته عليهما، وأن يدلَّه على خير طريق وأقصره مما يوصله إلى رضوانه تعالى.
  2. البُعد عن الرفقة السيئة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ ). رواه أبو داود ( 4833 ) والترمذي ( 2378 ) وحسَّنه.

* قال الخطابي – رحمه الله -: 

لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته؛ فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، فلا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًّا في دينه ومذهبه.

” العزلة ” ( ص 141 ).

  1. تعلم العلم الشرعي، والرجوع إلى أهل العلم الثقات.

فمِن أعظم ما يرد به المسلم الفتنة في دينه عنه هو بالعلم الشرعي، ولذا كان الجاهل عرضة للفتنة في دينه، فانظر من يطوف حول القبور، ومن يعتقد النفع والضر بالأموات، فإنك إن تأملت حالهم رأيتهم من الجهلاء، ومن كان منهم على علم فهو ممن باع دينه ليأكل به عرَضاً من الدنيا زائل.

 

ثالثًا:

ومن وقع في شيء من فتن الدِّين:

  1. فليبادر إلى الخروج منها، والانفكاك عنها بالكلية.
  2. وليغيِّر بيئته إلى بيئة طاهرة نظيفة.
  3. وليدعُ ربَّه تعالى – بصدق وإخلاص – أن يخلِّصه منها.
  4. وليعقب بعدها بأعمال صالحة.
  5. وإذا تعين عليه فعل شيء من المعصية ولم يتمكن إلا أن يفعل: فليدفع أعلى المفسدتين بارتكاب أخفهما.

 

والله أعلم.

 

هل ثبت حديث أن الصحابة رقصوا ويستدل بذلك على الرقص في حلَق الذِّكر؟

هل ثبت حديث أن الصحابة رقصوا ويستدل بذلك على الرقص في حلَق الذِّكر؟

السؤال:

الكثير من المتصوفة يتخذون هذا الحديث دليلًا لرقصهم ودروشتهم ويقولون: إن شيخ الاسلام ابن تيمية وغيره قالوا بصحته، هذا الحديث في ” مسند أحمد ” برقم ( 860 ): قال علي رضي الله عنه: زرت النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر وزيد بن حارثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: ( أنت مولاي ) فبدأ زيد يحجل ويقفز على رجل واحدة حول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لجعفر: ( أما أنت فتشبهني في خَلقي وخُلقي ) فحجل جعفر كذلك، ثم قال لي: ( أنت مني وأنا منك ) فحجل خلف جعفر.

فما تعليقكم على هذا الحديث؟ هل هو صحيح؟ وهل يمكن للشخص أن يرقص ويقفز بهذا الشكل لإرضاء الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الوارد في السؤال رواه أحمد ( 2 / 213 )، ولم يصححه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا نعلم أن الصوفية يقيمون وزنًا لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى يقبلوا قوله في الحكم على الأحاديث.

وليعلم أن الصوفية الذين يرقصون في الذِّكر ليس ينطلقون بفعلهم ذاك من نصوص الوحي، بل ولا يقيمون له وزنًا، فهم يبتدعون البدعة بأهوائهم، أو من منامات شيوخهم، ثم لما حاججهم أهل السنَّة بأفعالهم وعقائدهم البدعية راحوا يبحثون عن نصوص توافق ما ابتدعوه في دين الله تعالى، وإلا فأين النصوص التي فيها أن الصحابة تراقصوا وتمايلوا في حلقات يذكرون فيها ربَّهم تعالى؟! إنهم لن يجدوها حتى في الأحاديث الضعيفة، وكل ما يستدلون به من نصوص إما أنها لا يصح، أو أنها لا تنهض للاحتجاج لهم، ومنها هذا الحديث، فلا هو بالصحيح، ولا هو بالذي يحتج به لبدعتهم.

ثانيًا:

والحديث المذكور في السؤال فيه علتان:

الأولى: جهالة أحد رواته، وهو ” هانئ بن هانئ “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، قال: وكان يتشيع، وقال ابن المديني: مجهول، وقال حرملة عن الشافعي: هانئ ابن هانئ لا يُعرف وأهل العلم بالحديث لا يثبتون حديثه لجهالة حاله. ” تهذيب التهذيب ” ( 11 / 22 ).

والثانية: تدليس أبي إسحاق السبيعي.

* قال أبو سعيد العلائي – رحمه الله -:

عمرو بن عبد الله السبيعي أبو إسحاق، مشهور بالكنية، تقدم أنه مكثر من التدليس. ” جامع التحصيل في أحكام المراسيل ” ( ص 245 ).

والحديث ضعفه محققو مسند الإمام أحمد ( 2 / 213، 214 ) وقالوا:

إسناده ضعيف، هانئ بن هانئ تقدم القول فيه، ومثله لا يحتمل التفرد، ولفظ ” الحجل ” في الحديث منكر غريب. انتهى.

وللحديث طريق أخرى رواها ابن سعد في ” الطبقات ” (4 / 35، 36 ) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: إن ابنة حمزة لتطوف بين الرجال … فقام جعفر فحجل حول النبي صلى الله عليه وسلم دار عليه فقال النبي عليه السلام: ( ما هذا؟ ) قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم.

والحديث ضعيف، فهو مرسل، فمحمد الباقر بن علي زين العابدين لم يدرك أحدًا ممن ذُكر في الحديث من الصحابة رضي الله عنهم.

وقد حكم عليه بالإرسال : الزيلعي في كتابه ” نصب الراية لأحاديث الهداية ” ( 3 / 268 )، والألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3 / 256 ).

ثالثًا:

والحديث رواه البخاري في صحيحه – ( 2552 ) – وليس فيه تلك اللفظة المنكرة والتي استدل به الصوفية على رقصهم.

* ونص روايته:

” … فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالَتِهَا وَقَالَ: ( الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ) وَقَالَ لِعَلِيٍّ: ( أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ ) وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: ( أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي ) وَقَالَ لِزَيْدٍ: ( أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا ). انتهى.

رابعًا:

وحتى على فرض صحة الحديث فليس فيه أنهم رقصوا في حلقة ذِكر لربهم – حاشاهم -، وإنما فيه أنهم عبَّروا عن فرحهم بثناء النبي صلى الله عليه وسلم بقفزة على رِجل واحدة، وهو فعل مباح في نفسه، وإنما الحكم عليه يكون تبعًا لسبب فرحهم، وحاشا أحدًا من العقلاء أن يستدل به على رقص أثناء ذِكره لربه تعالى.

* قال البيهقي – رحمه الله -:

وفى هذا – إن صح! – دلالة على جواز الحجَل وهو أن يرفع رجلًا ويقفز على الأخرى من الفرح، فالرقص الذى يكون على مثاله يكون مثله في الجواز، والله أعلم.

” السنن الكبرى ” للبيهقي ( 10 / 226 ).

وحتى هذا الجائز – إن تنزلنا مع الخصم وأن الحديث صحيح وأنه يستدل به على الجواز – فإنه لا يليق بأهل الفضل والقدوة أن يفعلوه، فكيف أن يكون هذا الرقص منهجاً تعبديّاً في حلَق الذِّكر؟!.

* قال البيهقي – رحمه الله -:

والحجَل: أن يرفع رِجلًا ويقفز على الأخرى من الفرح، فإذا فعله إنسان فرحًا بما أتاه الله تعالى من معرفته أو سائر نعمه: فلا بأس به، وما كان فيه تثنٍّ وتكسُّر حتى يباين أخلاق الذكور: فهو مكروه ؛ لما فيه من التشبه بالنساء.

” الآداب ” ( 626 ).

* وقال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

والحجَل هو الرقص، وذلك يكون لفرح، أو شوق، فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محمودًا، والرقص يزيده ويؤكده: فهو محمود، وإن كان مباحا: فهو مباح، وإن كان مذمومًا: فهو مذموم، نعم لا يليق اعتياد ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة؛ لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب، ومالَهُ صورة اللعب واللهو في أعين الناس: فينبغي أن يجتنبه المقتَدى به؛ لئلا يصغر في أعين الناس فيترك الاقتداء به.

” إحياء علوم الدين ” ( 3 / 300، 301 ).

* وقد سُئل الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

ما تقول السادة الفقهاء – أحسن الله توفيقهم – فيمن يسمع الدف والشبانة والغناء ويتواجد، حتى إنه يرقص، هل يحل ذلك أم لا؟ مع اعتقاده أنه محب لله وأن سماعه وتواجده ورقصه في الله؟! أفتونا مأجورين، رحمكم الله.

فقال:

الجواب وبالله التوفيق:

إن فاعل هذا مخطئ، ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل: مردود الشهادة في الشرع، غير مقبول القول، ومقتضى هذا: أنه لا تُقبل روايته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شهادته برؤية هلال رمضان، ولا أخباره الدينية.

وأما اعتقاده محبة الله: فإنه يمكن أن يكون محبًّا لله سبحانه، مطيعًا له، في غير هذا، ويجوز أن يكون له معاملة مع الله سبحانه، وأعمال صالحة في غير هذا المقام.

وأما هذا: فمعصية ولعب، ذمَّه الله تعالى ورسوله، وكرهه أهل العلم، وسموه: بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يُتقرب الى الله سبحانه بمعاصيه، ولا يُطاع بارتكاب مناهيه، ومَن جعل وسيلته الى الله سبحانه معصيته: كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب دينًا: كان كمن سعى في الأرض الفساد، ومن طلب الوصول الى الله سبحانه من غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنَّته: فهو بعيد من الوصول الى المراد.

” جزء فيه فتيا في ذم الشبَّابة والرقص والسماع ” لابن قدامة، مخطوط ( ورقة 2 ).

* وسُئل علما اللجنة الدائمة:

عن حكم الإسلام فيمن يذكرون الله وهم يتمايلون يمينًا وشمالًا في حالة قفز، وفي جماعة، وفي صوت عالٍ؟.

فأجابوا:

لا يجوز؛ لأنه بهذه الكيفية بدعة محدثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 529 ).

 

فالخلاصة:

أن الحديث الوارد في السؤال ضعيف لا يصح، والشاهد المذكور لا يصلح لتحسينه؛ لوجود راوٍ مجهول في الحديث الأول، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يصححه، وأنه لو صحَّ فليس فيه دليل على الرقص في العبادة، بل فعل ذلك بدعة منكرة قبيحة لا يليق بعاقل أن ينسبها لدين الله تعالى.

 

والله أعلم.

 

النصيحة بكتب ومقالات ومواد مرئية لمن أراد دعوة شيعي لطريق أهل السنَّة

النصيحة بكتب ومقالات ومواد مرئية لمن أراد دعوة شيعي لطريق أهل السنَّة

السؤال:

أسألكم ما هي الطريقة التي تساعد فتاة سعودية شيعية الى أن تصبح سنية؟ هل هناك كتب أو أي شيء يساعدني على دعوتها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يسددك وأن يوفقك لما يحب ويرضى، ولا شك أن الدعوة إلى الإسلام، وإلى اعتقاد أهل السنَّة هو أولى ما صرفت فيه الأوقات، وبذل من أجله الغالي والنفيس، وهي وظيفة المرسلين الجليلة، وقد أوجب على الله تعالى على أمة النبي صلى الله عليه وسلم أن تقوم بهذه الأمة، قال تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران/ 104.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

والمقصود من هذه الآية: أن تكون فِرْقَة من الأمَّة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 91 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به، وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه: فعليه أن يقوم به.  ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 166 ).

ثانيًا:

ومما يساعدك على دعوة تلك الفتاة الشيعية لدعوتها لاعتقاد أهل السنَّة والجماعة:

  1. من الكتب المهمة في معرفة عقائد الشيعة والرد على شبهاتهم:

أ. ” منهاج السنَّة النبوية ” لشيخ الإسلام ابن تيمية.

http://www.waqfeya.com/book.php?bid=589

ب. ” أصول مذهب الشيعة الإمامي الإثني عشرية – عرض ونقد ” للشيخ ماصر القفاري.

http://www.dd-sunnah.net/records/view/action/view/id/66/

ج. ” أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق ” إعداد وجمع: سليمان بن صالح الخراشي.

http://saaid.net/book/open.php?cat=89&book=1747

د. ” علماء الشيعة يقولون ” وثائق مصورة من كتب الشيعة، إعداد: مركز إحياء تراث آل البيت.

http://www.alburhan.com/cd_download/shia_s/shia-book.rar

هـ . ” ربحتُ الصحابة ولم أخسر آل البيت ” ، تأليف : علي بن محمد القضيبي – وهو مهم لأنه من تأليف شيعي مهتدي لطريق أهل السنَّة -.

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=89&book=1851

  1. ومن المواد المرئية:

” مناظرات قناة المستقلة “.

هنا مقتطفات منها:

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=37908

وهنا مادة متنوعة من المناظرات:

http://alburhan.com/cd_download/cd.rar

  1. ومن المواقع الإلكترونية المهمة:

أ. ” شبكة الدفاع عن السنَّة “.

http://www.dd-sunnah.net/

ب. ” موقع البرهان “.

http://alburhan.com/

  1. ومن المقالات المهمة في باب دعوة تلك الفتاة لاعتقاد أهل السنَّة:

” أفكار في دعوة الشيعة الإثني عشرية ” للأخ أبي أحمد.

http://www.saaid.net/afkar/71.htm

  1. وأخيرًا:

عليك بهذا الكتاب وهو مؤلَّف لموضوع دعوة الشيعة، وفيه بيان الوسائل النافعة لذلك:

” كيف تدعو شيعيًّا؟ وسائل علمية وعملية لدعوة الشيعة “، تأليف: عبدالمجيد بن عبد الرزاق العمير.

http://saaid.net/book/open.php?cat=5&book=4711

 

والله الموفق.

 

فوائد دراسة التاريخ وحكم دراسة التاريخ الفرعوني تحديدًا

فوائد دراسة التاريخ وحكم دراسة التاريخ الفرعوني تحديدًا

السؤال:

” التاريخ الفرعونى ” أو بمعنى أصح: ” التاريخ المصرى القديم “، ما حكم دراسته بصفة عامة، حيث أنه تاريخ يختص بقوم قد كفروا بالله؟ وما حكم دراسته بصفة أن دراسته تحتاج إلى التعامل مع آثار مثل: تماثيل، ونقوش على جدران المقابر والمعابد، حيث أن تلك الآثار هى سبيل دراسة هذا النوع من التاريخ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

في كتاب الله تعالى دعوات متعددة للنظر في أحوال الأمم السابقة – وخاصة المكذبة للرسل والطاغية في الأرض -، ودعوات للتأمل في حالهم كيف كان وهلاكهم كيف صار، ومن ذلك:

  1. قال تعالى: ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) آل عمران 137.
  2. وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج/ 46.
  3. وقال تعالى: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) الروم/ 9.

 

ثانيًا:

وفي معرفة أحوال الأمم السابقة، وخاصة من أهلكها الله لطغيانها وكفرها: فوائد جمة، ومن أعظمها: أخذ العبرة من هلاكهم وعقوبتهم، والسعي لعدم السير على طريقهم وإلا أصاب المشابهين لهم ما أصاب أسلافهم.

يقول ابن خلدون – رحمه الله -:

اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.

” تاريخ ابن خلدون ” ( 1 / 9 ).

 

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 427 ).

ومن هنا نعى ابن الأثير الجزري رحمه الله على من لم يقم لعلم التاريخ وزنًا، فقال:

لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية: يحتقر التواريخ ويزدريها، ويُعرِض عنها ويلغيها؛ ظنًّا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار؛ وهذا حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، ومن رزقه الله طبعًا سليمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا: علم أن فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والأخروية جمَّة غزيرة.

” الكامل في التاريخ ” ( 1 / 7 ، 8 ).

 

ومما ذكره – رحمه الله – من الفوائد الدنيوية:

أن الملوك ومَن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ورأها مدوّنةً في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا الى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال: استقبحوها، وأعرضوا عنها واطَّرحوها، وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأنّ بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالهم درّت: استحسنوا ذلك ورغبوا فيه، وثابروا عليه وتركوا ما يُنافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخرًا. انتهى.

 

ومما ذكره – رحمه الله – من الفوائد الأخروية:

أن العاقل اللبيب إذا تفكّر فيها، ورأى تقلّب الدنيا بأهلها، وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنّها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تُبقِ على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غنيّ ولا فقير: زهد فيها، وأعرض عنها، وأقبل على التزوّد للآخرة منها، ورغب في دار تنزّهت عن هذه الخصائص، وسلم أهلها من هذه النقائص. انتهى.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

والتاريخ الفرعوني هو حقبة من تاريخ الدنيا، ولا شك أن فيه العبرة والعظة لمن تأمله، ولكننا نجد في هذا الزمان من يريد بذكره لذلك التاريخ عكس ما تريده الشريعة، ومن ذلك:

  1. أنه يراد بتلك الحقبة تأصيل العنصرية في نفوس أهل تلك البلاد، بل إن بعضهم لينسب بلاده إلى ” الفراعنة “! وكذا رأيناه في تسمية فرقهم الرياضية، وأخيرًا – وليس آخرًا – تسمية قناة فضائية باسم ” الفراعنة “.
  2. أنه قد جُعل التاريخ الفرعوني بديلًا – في المناهج الدراسية – عن التاريخ الإسلامي!.

 

قال الدكتور جمال عبد الهادي – حفظه الله -:

ألغي في ” مصر ” التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب، فبينما كان التاريخ الفرعوني يدرَّس في ( 75 ) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط: أصبح يدرَّس في المراحل الثلاث وفي ( 317) صفحة!.

هذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرَّس في المراحل الثلاث في ( 307 ) صفحة، ليختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى ( 32 ) صفحة!. ” مجلة البيان ” ( عدد 130 ).

 

  1. تعظيم الأصنام والأوثان الفرعونية، ورعايتها، وجعلها محطات سياحية، للنظر، والاستمتاع، فلا عبرة بزوال تلك الدولة وطغاتها، ولا اعتبار لتحريم الشريعة المطهرة لبقاء الأصنام شامخة تُرعى، وتُحرس، وتُعظَّم!.

 

هذا بعض ما نراه من سوء وشر ومخالفة للشرع في دراسة ” التاريخ الفرعوني “، ولو كانت الدراسة لتلك الحقبة من باب التأمل والاعتبار بزوال تلك الحقبة بعدما أرست قواعدها في الأرض لكان لتلك الدراسة وجه شرعي، بل لرغَّبنا بها، ولكننا نجد لتلك الحقبة تعظيمًا في نفوس أهل تلك الديار من قبَل أناس مخصوصين – كرفاعة الطهطاوي وأحمد لطفي السيد ومن تبعهم -، ونرى واقعًا مخالفًا للشرع من جهة تعظيم طغاة تلك الحقبة، ومن جهة ورعاية أصنامهم.

 

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما يبيِّن ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا في القرآن قصَّة أحد إلا لنعتبر بها، وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول وكانا مشتركين في المقتضى والحكم، فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين للرسل – فرعون ومن قبله -: لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، لكن الأمر كما قال تعالى: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ )، وقال: ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ )، وقال تعالى: ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ )، وقال: ( يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ).

” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 216 ).

 

وعليه: فما كان من دراسة لتلك الحقبة من التاريخ يسير في الاتجاه المخالف للشرع – من تعظيم للأصنام وأصحابها الطغاة: فهو غير جائز، وما كان من دراسة لتلك الحقبة خاليًا من تلك المخالفات: فهو جائز.

 

والله أعلم.