الرئيسية بلوق الصفحة 56

التوكيل في الأضحية لتذبح في خارج بلد المضحي بين المانعين والمجوزين

التوكيل في الأضحية لتذبح في خارج بلد المضحي بين المانعين والمجوزين

السؤال:

الأضحية في بلدنا تصل لمبلغ 1200 ريالًا أو أكثر، والتكلفة عالية حتى لو كان الشخص مقتدرًا، لكن هل دفع هذا المبلغ للجهات التي ترسل أضاحي خارج البلد بقيمة 200 أو 300 ريالًا تقابل 3 أضاحي بدلًا من واحدة بقيمة المحلِّي أفضل بالأجر أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يرغب كثير من المضحين أن ينتفع المسلمون في البلاد الفقيرة بلحوم أضاحيهم وقت العيد، فيوكلون هيئات خيرية لتقوم بذبح تلك الأضاحي في تلك البلاد، فهل يجوز لهم توكيل تلك الجهات لتذبح عنهم أضاحيهم في ذلك البلد؟.

اختلف علماؤنا المعاصرون في ذلك، فمنع منه بعض، وقالوا: إنه خلاف السنَّة، ومن هؤلاء: الشيخ العثيمين رحمه الله والشيخ صالح الفوزان حفظه الله، وأجازه آخرون، ومن هؤلاء: الشيخ الجبرين رحمه الله.

  1. قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وعكس ذلك: أقوام يبذلون أموالهم ليضحَّى بها في أماكن أخرى، وهذا غلط! بعض الناس يعطي ” هيئة الإغاثة ” أو غيرها من الجهات دراهم ليضحَّى عنه في أماكن أخرى، هذا لم يؤد الأضحية، الأضحية شعيرة ينبغي أن تقام في كل بلد، ومن نعمة الله عز وجل أنه لما اختص الحجاج بالهدايا يذبحونها تقربًا إلى الله في أيام العيد: شرع الله لمن لم يحج أن يضحي، حتى يشاركوا الحجاج في شيء من شعائر الله عز وجل، ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الحج/ 36، فإذا كان هذا هو المقصود من الأضحية: قلنا للإنسان: لا تضح خارج بيتك، ضحِّ في بلدك، أقم هذه الشعيرة، والأضحية في مكان يبعث بالدراهم إليه: مخالف للسنَّة، يفوت بها مصالح كثيرة، أذكر منها ما يلي:

أولًا: إخفاء شعيرة من شعائر الله في بلادك، وهي ” الأضحية “.

ثانيًا: يفوتك التقرب إلى الله تعالى بذبحها؛ لأن المشروع في الأضحية أن يباشر الإنسان ذبحها بيده، فإن لم يحسن: فقال العلماء: يحضر ذبحها، وهذا يفوته.

ثالثًا: يفوتك ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأضحية إذا كانت عندك في البلد: فأنت الذي تذكر اسم الله عليها، وقد أشار الله إلى هذه الفائدة بقوله: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) الحج/ 34، فتذهب أضحيتك إلى مكان بعيد لا تدري هل يذكر اسم الله عليها أم لا، وتحرم نفسك من ذكر اسم الله عليها.

رابعًا: يفوتك أن تأكل منها؛ لأنها إذا كانت في ” البوسنة والهرسك “، و ” الشيشان “، و ” الصومال “، وغيرها، هل يمكن أن تأكل منها؟! لا، يفوتك الأكل منها، وقد قال الله عز وجل: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) الحج/ 28، ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) الحج/ 36، فبدأ بالأكل، ولهذا ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن الأكل من الأضحية واجب، كما تجب الصدقة يجب الأكل، وهذا قطعًا يفوت إذا ضحيت في غير بلادك.

خامسا: أنه يفوتك التوزيع المطلوب؛ لأن المطلوب في الأضحية أن تأكل، وتهدي، وتتصدق، وهذا يفوت، إذا وزعت هناك لا ندري أتوزع صدقة على الفقراء، أم هدية على أغنياء ، أم هدية على قوم ليسوا بمسلمين؟!.

سادسًا: أنك تحرم أهل بلدك من الانتفاع بهذه الأضاحي، أن تقوم بالإهداء إلى جيرانك، وأصحابك، من الأضحية، وبالصدقة على فقراء بلدك، لكن إذا ذهبتْ هناك: فات هذا الشيء.

سابعًا: أنك لا تدري هل تُذبح هذه على الوجه الأكمل، أو على وجه خلاف ذلك، ربما تذبح قبل الصلاة، وربما تؤخر عن أيام التشريق، وربما لا يسمِ عليها الذابح، كل هذا وارد، لكن إذا كانت عندك ذبحتها على ما تريد، وعلى الوجه الأكمل.

ولهذا ننصح بألا تدفع الدراهم ليضحى بها خارج البلاد، بل تضحى هنا، وننصح – أيضًا – بأن من عنده فضل مال فليتصدق به على إخوانه المحتاجين في أي بلاد من بلاد المسلمين، ولتكن الأضحية له من غير غلو ولا تقصير.

” اللقاء الشهري ” ( لقاء رقم 26 ).

 

  1. وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

أيها المسلمون: الأضحية سنة مؤكدة في حق من يستطيعها، تذبح في البيوت، ويأكلون منها في بيوتهم، ويهدون منها لجيرانه ، ويتصدقون منها على من حولهم من الفقراء.

وأما ما أحدثه بعض الناس من دفع ثمن الأضحية للجمعيات الخيرية لتذبح خارج البلد وبعيدًا عن بيت المضحي: فهذا خلاف السنة، وهو تغيير للعبادة، فالواجب: ترك هذا التصرف، وأن تذبح الأضاحي في البيوت، وفي بلد المضحي، كما دلت عليه السنَّة، وكما عليه عمل المسلمين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حصل هذا الإحداث، فإني أخشى أن يكون بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ).

ومن أراد أن يتصدق على المحتاجين: فباب الصدقة مفتوح، ولا تغير العبادة عن وجهها الشرعي باسم الصدقة – قال تعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) الحشر/ 7.

” مجلة الدعوة “، العدد ( 1878 ) في 27 / 11 / 1423 هـ.

 

وأما الشيخ عبد الجبرين رحمه الله : فالفتاوى عنه كثيرة ، فقد سئل:

هل يجوز ذبح الأضاحي في خارج المكان المتبرع فيه كأن تتبنى مؤسسة خيرية المشروع في المملكة وترسل المبالغ إلى إحدى الدول الفقيرة لعمل المشروع؟.

فأجاب:

لا شك أن الأضاحي تُعتبر صدقات، ويقصد أهلها حصول الأجر بالصدقة على الفقراء، والمستضعفين، حتى يُشاركوا غيرهم في أيام الأعياد فرحتهم وسرورهم بالأكل من هذه اللحوم، والتفكه بها، وحيث أن أهل المملكة عندهم الكثير والكثير من الأضاحي كوصايا عن الأحياء والأموات: فنرى إرسال كثير منها إلى خارج المملكة؛ لذبحها في البلاد الفقيرة؛ توسعة على المسلمين هناك، وتأليفًا لهم، حتى يعرفوا أن إخوانهم في البلاد الإسلامية يحبونهم، ويواسونهم، ويوصلون إليهم ما يحتاجون إليه بقدر الإمكان، فإخراجها وإرسالها إلى الدول الفقيرة: أولى من ذبحها في البلاد الغنية، حيث أن أهلها قد يُصبرونها في الثلاجات، ويأكلون منها عدة أشهر، ولا يجدون الفقراء إلا قليلًا، وقد يجتمع عند فقير أكثر من حاجته، وفي إرسالها إلى الدول الفقيرة تخفيف على المتبرعين، لقلة أثمانها، فيتصدقون بما زاد على ثمن الأضحية في وجوه الخير. انتهى.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?vie…15&parent=1262

 

والذي نراه في هذه المسألة:

  1. أن الأصل في ذبح الأضحية أن تكون بيد المضحي وفي بيته؛ إظهارًا لهذه الشعيرة، ليحضرها ويقوم عليها، فحيث وُجد أهل بيت استطاعوا التضحية فلا نرى إرسالها للخارج لتذبح عنهم في بلاد فقيرة أو غيرها.
  2. أنه يوجد أسباب يمكن من خلال تحققها أن ترسل أثمان الأضاحي للخارج لتذبح عن أصحابها، ومن هذه الأسباب:
  3. رغبة أكثر من فرد في الأسرة الواحدة أن يضحي، فحيث أن السنَّة أن يَذبح أهل كل بيت أضحية واحدة: فإنه إذا رغب أحدٌ من أهل البيت أن يضحي أضحية أخرى غير ما سيضحيه رب البيت: فنرى أن إرسال هذه الأضحية مرغبٌ فيه، وهو موافق للشرع.

ومثله يقال: لو كانت ثمة رغبة من المضحي نفسه أن يذبح أكثر من أضحية، فنوصيه بذبح واحدة في بلده، وإرسال ما يشاء من غيرها في البلاد الفقيرة.

وعليه: فما ذكره الأخ السائل من أن قيمة أضحية واحدة في بلده تعادل ثلاث أضاحي في غيره: ليس عذرًا ليوكل من يذبح عنه تلك الثلاث خارج بلده؛ لما ذكرناه من عدم جواز ذلك لمن يجد ثمن أضحية، ولما قاله بعض أهل العلم  من عدم مشروعية ذبح أكثر من أضحية من الشخص الواحد.

  1. عدم قدرة المضحي على التضحية في بلده بسبب غلاء أسعار الأضاحي، فمثل هذا لا نحرمه من شعيرة الأضحية، ولا نحرم الفقراء في البلاد الفقيرة من الاستفادة من لحومها، فمثل هؤلاء يُفتى لهم باستحباب إرسال أثمان أضاحيهم لبلاد فقيرة لتقام هذه الشعيرة فيها.

 

والله أعلم.

 

معترضة على تخليد الكفار في جهنم وتزعم أن هذا ليس من الرحمة!

معترضة على تخليد الكفار في جهنم وتزعم أن هذا ليس من الرحمة!

السؤال:

إذا كان الله أكثر رحمة بالشخص مِن أمّه ومَن في الأرض جميعًا فلماذا يدخله النار؟ أنا أعلم أن ذلك من باب العقوبة، ولكن نعلم أن الأم ما كان لها أن تضع ابنها قرب النار أبدًا فكيف بحق الله؟ حيث يُوضع الشخص في النار خالدًا فيها، وأي نار؟! إنها نار جهنم، ولا تسأل عنها.

بالنسبة لي: فلا أرى في ذلك رحمة، حتى أسوء الناس لا أظن أنهم يستحقون النار؛ فإنهم لم يطلبوا أن يأتوا إلى هذه الدنيا، بل جاءوا رغمًا عنهم.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. جاء في بيانات السائل أنها أنثى وأنها مسلمة! وأنها تعيش في الغرب! ونأسف – إن كانت البيانات صحيحة – أن يصل الحال بمسلم إلى هذا الحد من الجهل والكفر؛ حيث تعتقد تلك السائلة أنه حتى المشرك بالله تعالى أو ساب الرب عز وجل – ولا أسوأ منهما – لا يستحقان النار! وتعتقد أن إدخال مثل هؤلاء النار – فضلًا عن الخلود فيها – ليس من الرحمة في شيء.

وأما إن كانت البيانات غير صحيحة: فليس يستبعد من الملحدين والزنادقة مثل هذا الاعتراض على الرب عز وجل والطعن في علمه وحكمته ورحمته.

  1. وليُنظر إلى التناقض الوارد في السؤال: فالسائلة تعتقد أن الله تعالى هو الخالق، وهو الذي خلق جهنَّم، وهو الذي يحاسب ويعذِّب، ومع ذلك كله لا تبحث عما يُرضي الله تعالى لتتجنب سخطه وعذابه، ولا تعمل للفوز بمرضاته، فأي شيء يفيدها أنها جاءت إلى الدنيا رغمًا عنها؟! وأي شيء تستفيد منه في حكمها على ما يفعله الله تعالى بالكفار أنه ليس من الرحمة؟! إنه لو كان عندها مسكة عقل لعلمت أن ما تقوله هو ضار بها، وأن واقعها الآن هو أنها على قيد الحياة، وأن مصيرها إلى حفرة مع اعتقادها وأعمالها، وأنها ستلقى ربها بما تعتقده وبما كانت قد عملته.
  2. وتلخيص جواب إشكالاتها – ومعه كثير من إشكالات مشابهة – هو بكلمة واحدة لا غير، وهي ” الحكمة “! فمن اعتقد أن الله تعالى خالقه العالِم بما خلق، والقادر على كل شيء، والمحيط بخلقه: أنه يتصف – سبحانه وتعالى – بالحكمة: زال عنه كل إشكال، بل لم يرد عليه إشكال أصلًا، فالله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى، وأفعاله تعالى صادرة عن حكمة بالغة، وقد أكثر الله تعالى في كتابه الكريم من ذِكر ذلك في صور متعددة، منها:

أ. التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه، كقوله تعالى ( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ) القمر/ 5.

ب. إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله تعالى ( ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) المائدة/ 97.

ج. الإتيان بـ ” كي ” الصريحة في التعليل، كقوله تعالى ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) القصص/ 13.

د. ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو ” من أجل “، كقوله تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) المائدة/ 32.

هـ. إنكاره سبحانه وتعالى على من زعم أنه لم يخلق الخلقَ لغاية ولا لحكمة، كقوله تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) المؤمنون/ 115، وقوله (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) القيامة/ 36، وقوله ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الدخان/ 38، 39، والحق هو الحِكَم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله.

وغير ذلك كثير من الصور المتعددة والمتنوعة.

  1. وكل من زعم مثل زعم من قال بمثل ما جاء في السؤال فقد أساء الظن بربه تعالى غاية الإساءة، وليعلم أن له سلف فيما يقول، لكنه سلف سوء من نفاة ” الحكمة ” عن الله تعالى، ومن الملاحدة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وسبحان الله! كيف يستجيز أحدٌ أن يظن برب العالمين، وأحكم الحاكمين: أنه يعذِّب كثيرًا من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير غاية، ولا حكمة، ولا سبب، وإنما هو محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب، فلا سبب هناك، ولا حكمة، ولا غاية، وهل هذا إلا من سوء الظن بالرب تعالى!.

” شفاء العليل ” ( ص 205 ).

  1. ويقال لمن اعترض على خلق الله تعالى للنار، وعلى خلق إبليس، وعلى خلْق من علم أن يكفر به تعالى ويخلَّد في نار جهنَّم: يقال لهم:

أ. ” العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالًا ظهرت فيها حكمته، ووقعت على أتم الوجوه، وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت كذلك، ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه: لم يسعهم غير التسليم؛ لما عرفوا مِن حكمته، واستقر في عقولهم منها، وردُّوا منها ما جهلوه إلى محكَم ما علموه.

هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم، حتى إن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم! فإذا جاءهم إشكال على قواعد أئمتهم ومذاهبهم قالوا: هم أعلم منَّا، وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة، ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه! فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول؟! “.

ب. ويقال لهم: إن الرب سبحانه وتعالى من أسمائه أسماء مزدوجة كالقابض الباسط، ومن صفاته تعالى صفات متقابلة كالحب والبغض، والرضا والسخط، وهذه صفات كمال للرب تبارك وتعالى لم يتعطل مقتضاها وموجبها، وقد تعلقت بمحالها التي تليق بها، ومن فهم باب الأسماء والصفات لله تعالى كان هذا كافٍ له لإزاحة الإشكال إن كان طرأ عليه.

والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة، وفوات ظهورها منافٍ لكمال تلك الأسماء والصفات واقتضائها لآثارها.

والسائلة تريد تعطيل صفة السخط، والغضب، والانتقام، وتريد أن لا يظهر من صفاته إلا ” الرحمة ” بمفهومها هي ولو كانت لغير مستحقها، وفي غير مكانها! فالله تعالى قال: ( ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف/ 156، والسائلة تريد هذه الصفة تشمل الذين يفسقون، ولا يؤتون الزكاة، والذين هم بربهم كافرون!! ولا شك أن هذا من أعظم الجهل والضلال، ويكفي لنقضه تصوره وذِكره.

ج. وأي حكمة في جعل الناس كلهم مؤمنين، ومرحومين، وفي الجنة؟! وإنما تتبين الأشياء وتُعرف قيمتها بوجود أضدادها، ” فلولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحُسن، ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عُرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا لما عُرف قدره، ولو جعل الليل سرمدًا لما عُرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرف قدر الإيمان به، فتبارك مَن له في خلقه وأمره الحِكَم البوالغ، والنِّعَم السوابغ “.

ما سبق مستفاد – ملخصًا مهذَّبا – من كتاب ” شفاء العليل ” لابن القيم رحمه الله ( ص 190 – 252 )، وما بين علامتي التنصيص فمن نص قوله رحمه الله.

  1. ونختم بالقول: بأن مفهوم ” الرحمة ” الذي تريده السائلة لو كان محقّقًّا في الأرض: لانتشر بسببه – مع الكفر – الفسق والفجور، ولو لم تكن العقوبات الدنيوية والأخروية في تشريع الله تعالى لحصل الفساد في الأرض، ودعنا هنا نرد على السائلة بعينها في قولها المنكر ” حتى أسوء الناس لا أظن أنهم يستحقون النار “، وإننا نسألها بالله تعالى أن تجيب صادقة: لو كان لأسرة ابنة في الخامسة من عمرها واجتمع عليها أربعة من الرجال فاغتصبوها ونزفت حتى ماتت! وقد صوروا فعلتهم تلك ونشروها مستمتعين، لا يبالون ببكائها، ولا بضعفها، ثم جيء بأولئك الذئاب البشرية لتلك الأسرة وقيل لهم: احكموا عليهم بما شئتم، ونفذوا فيهم ما تطيب به خواطركم من أحكام! فهل تعتقدين أنهم سيكونون بعقليتك النظرية ويرون أنهم ولو كانوا سيئين وفعلوا ما فعلوا فإنهم لا يستحقون عقابًا في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة؟! والجواب يعلمه كل عاقل، ولذا فإن فهمك لمعنى ” الرحمة ” يعني انتشار الكفر والفسوق والفجور، إلا أن يهون عندك الكفر فتجوزين وقوعه من أي أحد كان، وأما المعاصي والموبقات فإنك تعاقبين فاعلها أشد العقوبات، وحينها يكون التناقض.

قال ابن الجوزي – رحمه الله – وفي كلامه ردٌّ على عين مسألتك -:

ومنهم – أي: العوام – من يقول الرب كريم والعفو واسع والرجاء من الدِّين، فيسمُّون تمنِّيهم واغترارهم ” رجاء “! وهذا الذي أهلك عامة المذنبين!.

قال أبو عمرو بن العلاء: بلغني أن ” الفرزدق ” جلس إلى قوم يتذكرون رحمة الله، فكان أوسعَهم في الرجاء صدرًا، فقال له: لم تقذف المحصنات؟ فقال: أخبروني لو أذنبتُ إلى والديَّ ما أذنبته إلى ربي عز وجل أتراهما كانا يطيبان نفسًا أن يقذفاني في تنور مملوء جمْرًا؟ قالوا: لا، إنما كانا يرحمانك، قال: فإني أوثق برحمة ربي منهما.

قلت: وهذا هو الجهل المحض؛ لأن رحمة الله عز وجل ليست برقة طبع، ولو كانت كذلك لما ذُبح عصفورٌ، ولا أُميت طفل، ولا أُدخل أحدٌ إلى جهنم.

وبإسناد عن عباد قال الأصمعي: كنت مع ” أبي نُوَاس ” بمكة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبِّله عند الحجر الأسود! فقلت: ويلك، اتق الله عز وجل فإنك ببلد حرام، وعند بيته الحرام، فقال: ما منه بدٌّ، ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس فوضع خدَّه على خدِّ الغلام فقبَّله وأنا أنظر، فقلت: ويلك أفي حرم الله عز وجل؟! فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشد يقول:

وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود

فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد

قلت: انظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها إلى الرحمة ونسي شدة العقاب بانتهاك تلك الحرمة، وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا أن رجلًا زنى بامرأة في الكعبة فمسخا حجرين.

ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له: تب إلى الله عز وجل، فقال: إياي تخوِّفون؟! حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لكل نبي شفاعة وإني أختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) أفترى لا أكون أنا منهم.

 

 

 

 

قال المصنف رحمه الله:

وخطأ هذا الرجل من وجهين:

أحدهما: أنه نظر إلى جانب الرحمة الله، ولم ينظر إلى جانب العقاب.

والثاني: أنه نسي أن الرحمة إنما تكون لتائب، كما قال عز وجل: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ )، وقال: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ).

وهذا التلبيس هو الذي هلك عامَّة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الإباحة.

” تلبيس إبليس ” ( 1 / 345 ، 346 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

الرد على من زعم أن معنى ( وَفِّرُوا اللِّحَى ) يصدق على من أخذ منها!

الرد على من زعم أن معنى ( وَفِّرُوا اللِّحَى ) يصدق على من أخذ منها!

السؤال:

جاء أحد المشايخ ودحض فكرة عدم جواز الأخذ من اللحية، حيث استدل بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وفّروا اللحى … ) لا يقصد به هنا عدم الأخذ مطلقًا؛ لأن الشخص قد يكون له مال مُدخر في البنك، وقد يكثر هذا المال أو يقل، وفي كلتا الحالتين يُعتبر موفرًا، ويستطيع أن يقول إنه وفّر ماله في البنك حتى لو لم يكن المبلغ الموفّر إلا ريالًا واحدًا، فما قولكم في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نأسف أن يكون مثل هذا التمحل في مناقشة الأدلة الشرعية من قبَل بعض المشتغلين بالعلم، وقد قرأنا في الآونة الأخيرة عبثًا كثيرًا باسم العلم الشرعي من أجل الوصول إلى إباحة الأخذ من اللحية ولو دون القبضة، وإلى إباحة المعازف والغناء ولو كانت المغنية – أو المغني – من أفجر خلق الله! حتى إنك لترى بعض أولئك يلبسون البنطال الضيق، ويقصون لحاهم إلى أدنى درجة، ثم تراه مستمتعًا بسماع أغنية من فاجر أو فاجرة، فهل مثل هؤلاء يؤمنون على دين الله أن ينسبوا له حكمًا؟!.

 

ثانيًا:

ونرد على ذلك المتمحل من وجهين، شرعي، ولغوي:

أما الوجه الشرعي: فنقول له: هب أنك نجحت في تحريف هذه اللفظة النبوية (وفِّروا) فماذا أنت صانع بأخواتها ( أعفوا ) و ( أرخوا ) و ( أرجوا ) و ( أوفوا ) وكلها ألفاظ نبوية جاءت في أحاديث صحيحة تحمل المعنى نفسه وهو ترك اللحية وعدم التعرض لها بحلق أو قص؟!.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما ( أوفوا ) فهو بمعنى ( أعفوا ) أي: اتركوها وافية كاملة، لا تقصوها … .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( وأرخوا ) معناه: أخروها، واتركوها، وجاء في رواية البخاري – ( 5553 ) -: ( وفِّروا اللحى )، فحصل خمس روايات: ( أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا ) ومعناها كلها: تركها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا، وغيرهم من العلماء. ” شرح مسلم ” ( 3 / 142 و 143 ).

 

 

وقد جاءت هذه الكلمة ببعض مشتقاتها بما يدل على معناها في كتاب الله تعالى:

قال تعالى : ( قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا ) الإسراء/ 63 .

قال الطبري – رحمه الله -:

( جزاءً موْفُورًا ): يقول : ثوابًا مكثورًا مكملًا.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 490 ).

وقال ابن كثير – رحمه الله -:

قال مجاهد: وافرًا، وقال قتادة: مُوَفّرا عليكم، لا ينقص لكم منه.

” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 93 ).

فالمعني الشرعي لكلمة ” وفر ” – وهو موافق لمعناها اللغوي -: التكثير، وعدم الإنقاص، وهو يطابق ما ذكرناه من معنى الحديث، وأنه لا يجوز إنقاص شعر اللحية بالأخذ منه.

وأما الوجه اللغوي: فنقول له: إنك لم تصب في قولك ذاك من جهتين:

الجهة الأولى: أنك خالفت المعنى اللغوي للفظة ( وفِّروا )، فجعلت اللفظة تصدق على أخرج شعيرات في وجهه وقضى على غيرها، وهذا تحريف لمعنى تلك اللفظة من حيث وضعها اللغوي الدال على ” الكثرة ” وهذا يقتضي الإبقاء عليها وعدم الأخذ منها حتى تصير وافرة موفورة.

قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

وقوله ( وفِّروا ) بتشديد الفاء: أمرٌ من التوفير، وهو الإبقاء، أي: اتركوها موفرة. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 22 / 46 ).

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

أما قوله وفروا فهو بتشديد الفاء من التوفير وهو الإبقاء أي اتركوها وافرة.

” فتح الباري شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 350 ).

ومثله يقال في باقي ألفاظ الحديث، ولنذكر مثالًا على ذلك لفظة ( أعفوا )، وذلك من كلام أهل اللغة:

قال ابن منظور – رحمه الله -:

وعَفا القومُ: كَثُرُوا، وفي التنزيل ( حتى عَفَوْا ) أَي: كَثُرُوا، وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يَعْفُو فهو عافٍ: كثُرَ وطالَ، وفي الحديث ” أَنه صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بإعْفاء اللِّحَى ” هو أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَصَر كالشَّوارِبِ، من عَفا الشيءُ: إذا كَثُرَ. ” لسان العرب ” ( 15 / 72 ).

 

 

 

وأما الجهة الثانية: فنقول له: إنك جئت للفظة ” التوفير ” بمعنى عامي لا يوافق الواقع اللغوي للكلمة، بل حتى لو وافقها فإنه لا يؤدي لأن تدل على مقصودك، وبيان ذلك:

أن لفظة ” التوفير ” في البنك التي جعل ذلك الشيخ! معناها يصدق على من وضع ريالًا في حسابه: غير موافقة لمعناها اللغوي، وأن اللفظة اللغوية المناسبة والمستعملة على وجهها الصحيح هو ” الادخار “!.

وحتى على المعنى الخطأ الذي استعملها ذلك الشيخ فيه فإنه يرد عليه بها؛ وذلك أن معنى ” التوفير ” في حالة ” الادخار ” في البنك هو ” التكثير “! فمن رغب بالتوفير فهو يعني الجمع بلا حد! والتكثير لماله، فتبين أنه لم يصب لا في استعمال الكلمة بمعناها اللغوي، ولا بمعناها العرفي، بل قد انقلب استدلاله عليه!، وحتى على المعنى الآخر الشائع لدى العامة للفظ ” التوفير ” بمعنى ” الاقتصاد ” و ” التقتير ” فإنه يمكن توجيهه على المعنى الصحيح للفظة وهو ” التكثير “! فهم يوفرون في النفقة لتكثر أموالهم!.

وننقل الآن كلامًا لأحد المختصين باللغة العربية ليرد على ذلك الشيخ، وذلك ببيان معنى كلمة ” التوفير ” لغة ، وعرفًا، ووجه الخطأ في الاستعمال وصوابه:

قال الأستاذ الدكتور مكّي الحسَني الجزائري – وفقه الله -:

جاء في معاجم اللغة وكتبها:

أ. وَفَرَ الشيءُ يَفِرُ وَفْرًا و وُفُورًا: كَثُر واتسع فهو وافر ( واسم التفضيل أوفر؛ يقال: فلانٌ أوفرُ من فلانٍ حظًّا في النجاح ).

فالوَفْر: مصدرٌ بمعنى الكثرة والاتساع، كالوفرة، ويوصف به فيقال: مالٌ وَفْرٌ، ومتاعٌ وَفْرٌ: أي كثير واسع، كالوافر ( ومن المولَّد: الوفير بمعنى الوافر ).

والوَفْر: الغنى [ تستعمل العامة ( الوفر ) بمعنى ما اقتُصد، ما أمكن استبقاؤه وعدم إنفاقِه / استهلاكه، ونرى أنْ لا أثَرَ لهذا المعنى في اللغة ].

قال الجاحظ ( البخلاء / 264 ): ” … ومَن كان سببًا لذهاب وَفْرِه: لم تعدَمْه الحَسْرةُ من نفسه، واللائمة من غيره، وقلّة الرحمة وكثرة الشماتة “. [ وَفْرِه: سَعَتِه].

أما الموفور (الوافر ) فهو التام من كل شيء، يقال: أتمنى لكم موفور الصحة.

ب. وَفَّرَ الشيءَ توفيرًا: كَثَّره.

وَفَّر لفلانٍ طعامه: كَمَّلَه ولم يَنْقُصْه وجَعَلَه وافرًا.

وفّر له الشيءَ توفيرًا: إذا أَتَمَّه ولم يَنْقُصه.

جاء في ( محيط المحيط ): ” والعامة تستعمل ( التوفير ) في النفقة بمعنى التقتير، وضد الإسراف “.

أقول: بل الشائع لدى العامة الآن هو استعمال ( التوفير ) بمعنى الاقتصاد في النفقة واختصارها ( لا التقتير ).

ويمكن توجيه هذا الاستعمال، باعتبار أن الاقتصاد في النفقة يُوفِّر ( يُكثِّر ) الباقي في حوزة المنفِق … .

ج – تَوَفَّر الشيءُ ( مطاوع وَفَّر ): إذا تَحَصَّل دون نقص.

ومن المجاز: توفّر على كذا: صرف هِمَّته إليه. تَوَفَّر على صاحبه: رَعَى حُرُماتِه وبَرَّه. ( ” وأرجو مخلصاً أن يتوفر المؤتمر على حلّ هذه المشكلة “، الكلام موجَّه إلى مؤتمر مجمع القاهرة ).

حكى صاحب الأغاني قَوْلَ بشّار: ” إن عدم النظر يُقوِّي ذكاء القلب، ويقطعُ عنه الشغل بما ينظر إليه من أشياء، فيَتَوفَّر حِسُّه “.

وقال المرتضى في أماليه: ” فيتَوفَّرُ اللبنُ على الحَلْب “.

وقال أبو علي المرزوقي في شرح الحماسة: ” وإن العناية متوفّرة من جهتهم “.

وقال أبو حيّان التوحيدي في مُقابساته: ” ولهذا لا تتوفَّر القُوَّتان للإنسان الواحد “.

وبهذا يستبين أن: ( تَوَفَّر الشيءُ ) يعني: وَفَرَ وتَجَمَّع … .

د. تَوافَرَ الشيءُ: تَوَافُرًا: كَثُر واتسع فهو وافر.

جاء في معجم ( متن اللغة ): ” وهُم متوافرون: هُم كثير، أو فيهم كَثْرة، متكاثرون “.

انتهى باختصار من مقال بعنوان: ” نحو إتقان الكتابة باللغة العربية ” ( مقالة رقم 4).

وقد ذكر الكاتب في آخر مقاله استعمالات للكلمة جانبها التوفيق، وذكر الصواب في استعمالها، ومنها:

قولهم: ” كان همّه أن يوفر أكبر قدْرٍ من دخله “.

والصواب:

كان همه أن يدّخر / يستبقي / يستفضل / أكبر قدر من دخله.

وقولهم: ” استطاع أن يوفر هذا المبلغ الضخم في سنة واحدة

والصواب:

استطاع أن يقتصد / يدّخر هذا المبلغ الضخم في سنة واحدة.

انتهى.

وكما لاحظنا فإن استعمالات كلمة ” وفَّر ” ومشتقاتها لم تخرج عن الاتساع والكثرة وعدم الإنقاص.

به يتبين أن قول الشيخ الذي نقله عنه الأخ السائل لا يصح شرعًا، ولا لغة، وأن الاستعمال العرفي له خطأ، ويمكن توجيهه بما يوافق المعنى الشرعي واللغوي له.

 

والله أعلم.

معنى ” العالِم ” و ” الشيخ ” وكلمة في الإخلاص في طلب العلم وعدم الاستعجال فيه

معنى ” العالِم ” و ” الشيخ ” وكلمة في الإخلاص في طلب العلم وعدم الاستعجال فيه

السؤال:

ما الفرق بين العالِم والشيخ؟ وكيف يتسنَّى لطلاب العلم الوصول لهذه الألقاب مثل ” عالم “، ” مفتي “، ” شيخ “، ” إمام ” … الخ؟ وكيف نستطيع أن نختار عالمًا نثق به ونتبعه لا سيما وأن الخلافات والاختلاف في الرأي هذه الأيام كثيرة بين رجال العلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” العالِم “: هو المحيط علمًا بما في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من أحكام، وهو المحقق للناسخ والمنسوخ، والعارف بفيَّد المطلق، ومخصص العام، وهو المميز لصحيح الحديث من ضعيفه، والمطلع على اختلاف العلماء، مع معرفته لجملة وافرة من علوم الآلة كأصول الفقه، واللغة العربية.

وهذه جملة من أقوال العلماء في ذلك:

  1. قال عبد الملك بن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول: كانوا يقولون: لا يكون إمامًا في الفقه من لم يكن إمامًا في القرآن والآثار، ولا يكون إمامًا في الآثار من لم يكن إمامًا في الفقه.

قال: وقال لي ابن الماجشون: كانوا يقولون: لا يكون فقيهًا في الحادث من لم يكن عالمًا بالماضي. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 47 ).

  1. قال الحاكم النيسابوري:

قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم، والناسخ والمنسوخ من الحديث: لا يسمَّى عالمًا.

” معرفة علوم الحديث ” للحاكم ( ص 60 ).

  1. وروى ابن عبد البر – رحمه الله – عن سعيد بن أبي عروبة قال: مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالمًا. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 46 ).

 

 

 

 

 

 

ثانيًا:

وأما ” الشيخ “: فتطلق على الكبير في السن، والكبير في العلم، والكبير في القدر.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يصح أن تطلق كلمة ” الشيخ ” لكل أحد من الناس, ولا سيما أن هذه الكلمة أصبحت متفشية؟ فأرجو توضيح ذلك.

فأجاب:

كلمة ” شيخ ” في اللغة العربية لا تكون إلا للكبير, إما كبير السنِّ، أو كبير القدْر بعلمه، أو ماله، أو ما أشبه ذلك, ولا تطلق على الصغير, لكن كما قلتَ: تفشت الآن حتى كاد يلقب بالشيخ من كان جاهلًا أو لم يعرف شيئًا, وهذا فيما أرى لا ينبغي؛ لأنك إذا أطلقت على هذا الشخص كلمة ” شيخ ” وهو جاهل لا يعرف: اغتر الناس به, وظنوا أن عنده علمًا، فرجعوا إليه في الاستفتاء، وغير ذلك، وحصل بهذا ضرر عظيم, وكثير من الناس – نسأل الله لنا ولهم الهداية – لا يبالي إذا سئل أن يفتي ولو بغير علم, لأنه يرى إذا قال: ” لا أدري “: كان ذلك نقصًا في حقه, والواقع: أن الإنسان إذا قال فيما لا يعلم ” لا أدري “: كان ذلك كمالًا في حقه, ولكن النفوس مجبولة على محبة الظهور إلا من عصم الله عز وجل.

فالذي أرى: أنها لا تطلق كلمة ” شيخ ” إلا على من يستحقها, إما لكبره، أو لشرفه وسيادته في قومه, أو لعلمه, وهذا كما كان بعض الناس الآن يطلق كلمة ” إمام ” على عامة العلماء, حتى وإن كان هذا العالم من المقلدة يقول: هو إمام, وهذا أيضًا لا ينبغي, ينبغي ألا تطلق لفظ ” إمام ” إلا على من استحق أن يكون إمامًا، وكان له أتباع, وكان معتبرًا قوله بين المسلمين.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 117 / السؤال 11 ).

ثالثًا:

وقد لفت نظرَنا قولُك ” وكيف يتسنَّى لطلاب العلم الوصول لهذه الألقاب مثل ” عالم “، ” مفتي “، ” شيخ “، ” إمام ” … الخ؟ “! وننبهك على أمرين مهمين:

  1. الإخلاص في الطلب.

فطالب العلم إنما يطلبه لأجل أنه فريضة فرضه الله تعالى عليه، ولأجل أن يرفع الجهل عن نفسه وعن الآخرين، وحتى يحوز الطالب على رضا ربه تعالى وعلى منزلة وفضل طلب العلم: لا بدَّ أن يكون مخلصًا في طلبه للعلم، وأنه لا يقصد بطلبه أن يشار له بالبنان، وأن ينتشر اسمه في الآفاق، وأن يصرف وجوه الناس إليه، وإنه لو لقي ربَّه وهو جاهل أهون من أن يلقاه عالمًا بهذه النيات، ونكتفي بذكر حديثين في هذا الباب لعلهما أن يكونا كافيين لمن نوى بطلبه العلم ما ذكرنا:

  1. عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ … وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَه نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُه وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَال عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ … . ).

رواه مسلم ( 1905 ) ورواه الترمذي ( 2382 ) وفي آخره: فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) والثلاثة في الحديثين هم: عالم، ومنفق، ومجاهد.

  1. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ).

ابن ماجه برقم ( 253 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

وفي ” حاشية السندي على ” سنن ابن ماجه “:

قوله ( ليماري به السفهاء ) أي: يجادل به ضعاف العقول.

قوله ( أو ليباهي به ) أي: يفاخر.

( أو ليصرف وجوه الناس إليه ) أي: ينوي به تحصيل المال والجاه، وصرف وجوه الناس العوام إليه، وجعلهم كالخدم له، أو جعلهم ناظرين إذا تكلم متعجبين من كلامه إذا تكلم، مجتمعين حوله إذا جلس. انتهى.

  1. عدم الاستعجال لتفتي أو تؤلف أو تدرِّس.

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولا يجوز للإنسان أن يتصدَّر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا ) – متفق عليه -.

والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ولكنه يأتي حتى يدركه وينشره: فإنه إن فسح له الأجل حتى أدرك ما أراد: فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقضى الله عليه الموت: فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.

وكم من إنسان تعجَّل في التدريس والفتيا فندم؛ لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا خرجت من فم صاحبها ملكَتْه، وإذا كانت عنده ملكَهَا .

 

 

 

فليحذر الإخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل، وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة، وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يبيع، بل يدرك من يشتري منه، بل العلم إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعرًا حين الفتوى شيئين:

الأول: أنه يقول عن الله عز وجل وعن شريعة الله.

الثاني: أنه يقول عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء.

” كتاب العلم ” ( ص 135 ، 136 ).

 

رابعًا:

وأما العالِم الذي يُستفتى في دين الله تعالى: فهو الذي جمع بين العِلم والتقوى، ويجب على العامي أن يتحرى ذلك كما يتحرى في أمور دنياه، ولكل شيء قواعده، فهيئة العالِم واستدلاله بالنصوص وحكمه على الأحاديث وعدم مسايرة الواقع: كل ذلك يستطيع العامي معرفة وجوده فيمن يستفتيه وفي خلوه منه، ولا يكلفه الله إلا ما في وسعه وطاقته.

والراغب بمعرفة حكم الله في المسألة إما أن يكون قادرًا على البحث في الأدلة، وتقليب النظر فيها والترجيح بين أقوال العلماء، أو لا يستطيع من ذلك شيئًا، فإن كان حاله الأول فيبحث ويتحرى الصواب، ويفتي نفسه، وإن كان حاله الثاني: فيسأل من يثق بعلمه ودينه، ويأخذ بفتواه.

 

والله أعلم.

 

تخفي إسلامها منذ سنوات ويريد أهلها تزويجها لنصراني! فماذا تصنع؟

تخفي إسلامها منذ سنوات ويريد أهلها تزويجها لنصراني! فماذا تصنع؟

السؤال:

إحدى الفتيات اللاتي أعرفهن اعتنقت الاسلام منذ سنوات، وتمارسه بشكل سري؛ خوفًا من عائلتها الكارهة للإسلام، وقد كانت آنذاك لديها مخطط للزاوج من أحد الشباب المسيحيين ولكن ذلك لم يتم، الآن قام والداها بالتحضير للزواج من جديد، وهي لا تريد أن تتزوج لأنها لا تريد أن تغادر الإسلام، كما تعلم أن الزواج من غير المسلم حرام، فكيف تتعامل مع هذه المشكلة؟ وهل تصبح كافرة؟ ما لو تزوجت به؟ وهل يجوز لها أن تهرب من البيت؛ لأن هذا ما تخطط له كنوع من أنواع الحلول، فما رأيكم؟ وما دوري أنا كشاب مسلم أعرف هذه الفتاة والوضع الذي هي فيه؟ إنها في حالة يُرثى لها، وتخشى أن تذهب إلى الجمعيات الإسلامية خشية أن ينتشر الأمر ويسيء ذلك لسمعة أسرتها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى ونشكره أن وفق تلك الفتاة للدخول في الإسلام، ونسأله تعالى أن يثبتها على الحق والهدى، وأن يزيدها توفيقًا وثباتًا.

 

ثانيًا:

وتزوج المسلمة بكافر لا شك أنه محرَّم، وهو عقد فاسد، ولا تكفر المسلمة لو فعلت ذلك فتزوجت من كافر، لكنها لا شك آثمة، قال تعالى: ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ من الآية 10.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

هذه الآية هي التي حَرّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة؛ ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها، وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه. ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 93 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 133 ):

ولا يجوز زواج المسلمة من غير المسلم، ولو كان ذميا أو كتابيا. وذلك باتفاق الفقهاء لقوله تعالى: ( وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ) البقرة/ من الآية 221، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ من الآية 10. انتهى.

ثالثًا:

وإذا أصرَّ أهل تلك الفتاة أن تتزوج بذلك الكافر فإننا نرى أن تجهر بإسلامها، وأن تجد ملجأً عند أحد المراكز الإسلامية الموثوقة، أو عند إحدى الأسر المسلمة المأمونة، إلى أن تجد زوجًا من المسلمين يتزوجها فتعيش معه.

 

ولا تدري تلك الفتاة فلعلَّ في إظهار دينها خيرًا كثيرًا، فقد يُسلم بعض أفراد أسرتها، وهذا ما حصل مع غيرها من الأخوات اللاتي أظهرنَ إسلامهن، وقد قال تعالى ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) النساء / من الآية 19.

 

وإنما يعذر مِن المسلمين في البقاء بين أظهر الكفار ولا يظهر شعائر دينه مَن كان مستَضعفًا منهم، وأما من وجد مخرجًا يرفع عنه ذلك العذر فلا يحل له البقاء بين أظهر الكفار، لا في بيتهم، ولا في بلدهم، فإن وجد ملجأ آمنًا في البلد نفسه انتقل من بيته إليه، وإن كان البلد نفسه غير آمن انتقل من بيته إلى بلد مسلم يأمن فيه على نفسه، ويتمكن من إظهار شعائر دينه.

 

ونحن لم نعرف عمر تلك الفتاة، ولا بلدها، والذي يظهر لنا أنها قادرة على الخروج من بيتها ولكنها تخاف من أن يُساء إلى سمعة أهلها! وهذا ليس عذرًا مقبولًا منها، وغالب قوانين الدول تحفظ لأفراد شعبها حق اختيار ما تشاء من الأديان، فيمكن استثمار ذلك بالشكوى للدولة إن كانت ستتعرض لأذى من أهلها.

 

وبكل حال: نعلم أن الأمر صعب على فتاة، لكنَّ دينها يستحق منها أن تبذل ما في وسعها للتمسك به وإظهار شعائره، وعدم الوقوع في محرَّم.

 

ونسأل الله تعالى أن يفرِّج همَّها، ويزيل كربتها، وأن يهدي أهلها للإسلام، ونسأله تعالى أن يرزقها زوجًا صالحًا وذرية طيبة.

 

رابعًا:

وننبه هنا على أمور:

  1. أنه إن تزوجها مسلم فلا بدَّ لها من ولي يقوم على نكاحها، فإن كان ثمة أحد من أهلها – من الرجال – مسلمًا: فيكون هو وليها، وإن لم يكن: فالقاضي المسلم، أو المفتي، أو المسئول عن أحوال المسلمين يقوم هو مقام الولي لها؛ لأنه لا ولاية لكافر – ولو كان كتابيًّا – على امرأة مسلمة.

 

  1. وننبهك أنت أخي السائل أنه لا يحل لك أن تكون على علاقة بتلك الفتاة، فهي أجنبية عنك، وإن أردت مساعدتها – وهو واجب عليك عند القدرة – فدلَّها على أخوات مسلمات يرعينها، أو على أسرة مسلمة مأمونة تعيش في كنفها .

 

ولا تبق على علاقة معها؛ لأنك أجنبي عنها، وقد حرَّمت الشريعة المطهرة هذا العلاقات.

 

  1. لا يصح تسمية النصارى بـ ” المسيحيين “.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل يجوز ضرب المصروع بالعصا وغيرها؟

هل يجوز ضرب المصروع بالعصا وغيرها؟

السؤال:

في الرقية الشرعية هل يجوز الضرب بالعصا أو غيرها ضربًا مبرحًا بعد استحضار الجن أثناء القراءة ورفضه الخروج من الجسد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أجمع أهل السنَّة على أنه يمكن للجن أن يصيب الإنس بمس، وأنه يدخل الجن في بدن الإنسي.

 

ثانيًا:

والطريقة المثلى الشرعية في علاج المصروع هو بالرقية الشرعية، تُقرأ على المصروع، ويؤمر الجني بالخروج من بدن من صرعه.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب على صدر مصروع، وأمر الجني بالخروج من بدن من صرعه، وهذا غاية ما ثبت في السنَّة بخصوص ضرب المصروع، دون استعمال العصا أو السوط أو غيرهما.

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: لَمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ( ابْنُ أَبِي الْعَاصِ ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( مَا جَاءَ بِكَ؟ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَوَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي، قَالَ: ( ذَاكَ الشَّيْطَانُ ادْنُهْ ) فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ وَتَفَلَ فِي فَمِي وَقَالَ: ( اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ) فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ( الْحَقْ بِعَمَلِكَ ) قَالَ: فَقَالَ عُثْمَانُ: فَلَعَمْرِي مَا أَحْسِبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ. رواه ابن ماجه ( 3548 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وأما ضرب المصروع بعصا أو سوط أو غيرهما: فقد ثبت عن بعض أئمة السلف:

  1. 1. جاء في ” طبقات الحنابلة ” ( 1 / 233 ) للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفرَّاء: أن الإمام أحمد بن حنبل كان يجلس في مسجده فأنفذ إليه الخليفة العباس المتوكل صاحباً له يعلمه أن جارية بها صرع، وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له، وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس الجارية وتقول له – يعني الجن -: قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين؟ فمضى إليه، وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، وخرج من الجارية وهدأت ورزقت أولادًا، فلما مات أحمد عاودها المارد، فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروذي وعرفه الحال، فأخذ المروذي النعل ومضى إلى الجارية، فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله، فأمرنا بطاعته.

انتهى.

  1. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإنه يُصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه ويضرب على بدنه ضربًا عظيما لو ضُرب به جملٌ لأثَّر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله. ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 277 ).

وقال – رحمه الله -:

ولهذا قد يحتاج فى إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب، فيُضرب ضربًا كثيرًا جدًّا، والضرب إنما يقع على الجني ولا يحس به المصروع، حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر فى بدنه، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة، أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل بحيث لو كان على الإنسى لقتله، وإنما هو على الجني، والجني يصيح ويصرخ ويحدِّث الحاضرين بأمور متعددة، كما قد فعلنا نحن هذا، وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 60 ).

  1. وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وحدَّثني – أي: شيخه ابن تيمية – أنه قرأها مرة – أي: قوله تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ) المؤمنون/ 115 – فى أُذن المصروع، فقالت الروح: نعمْ ، ومد بها صوته، قال: فأخذتُ له عصا، وضربتُه بها فى عروق عنقه حتى كَلَّتْ يدَاىَ من الضرب، ولم يَشُكَّ الحاضرون أنه يموتُ لذلك الضرب، ففى أثناء الضرب قالت: أَنا أُحِبُّه، فقلتُ لها: هو لا يحبك، قالتْ: أنَا أُريد أنْ أحُجَّ به، فقلتُ لها: هو لا يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ مَعَكِ، فقالتْ: أنا أدَعُه كَرامةً لكَ، قال: قلتُ: لا، ولكنْ طاعةً للهِ ولرسولِه، قالتْ: فأنا أخرُجُ منه، قال: فقَعَد المصروعُ يَلتفتُ يمينًا وشمالًا، وقال: ما جاء بى إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضربُ كُلُّه؟ فقال: وعلى أي شيء يَضرِبُنى الشيخ ولم أُذْنِبْ؟ ولم يَشعُرْ بأنه وقع به الضربُ ألبتة.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 68 ، 69 ).

فيتبين بما سبق أن ضرب المصروع جائز من حيث الأصل، لكن له شروط، منها:

  1. أن يكون الضرب من خبير بمواضع الضرب، وبحال المضروب، وبحال الجني في بدن المصروع، فقد يقع الضرب على مواضع حساسة فيؤثر فيها تأثيرًا بالغًا أو يفقدها صاحبها، وقد تُضرب المرأة الحامل فيسقط جنينها، وقد يضرب المصروع ولا يكون الجني قد دخل في كامل بدن المصروع، وكل ذلك يؤكد على أهمية هذا الشرط، وكم حصل من ضربٍ لمصروع من جاهل أحمق فمات المصروع بين يديه، فأسيء بعده للرقية، وللإسلام.
  2. أن لا يقع الضرب على المصروع بل على الجني، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما سبق -: ” وإنما هو – أي: الضرب – على الجني “، ويتبين ذلك بأمرين:

أ. بوجود الأثر على البدن.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما سبق -: ” ولا يؤثِّر فى بدنه “.

ب. أو بإحساس المصروع به.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما سبق -: ” والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب “، وقال: ” لم يحس بشيء من ذلك “، وقال عن المصروع – كما في نقل ابن القيم -: ” ولم يَشعُرْ بأنه وقع به الضربُ ألبتة “.

فهذه هي الضوابط الشرعية للذين يستعملون الضرب بالعصا في علاج المصروع، وعلى من لا يحسن ذلك أن يكتفي بالضرب اليسير على الصدر، أو بقراءة الرقية الشرعية، وأن لا يزيد على قول ” اخرج عدو الله “.

قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ولكنني من جانب آخر أُنكر أشد الإنكار على الذين يستغلون هذه العقيدة، ويتخذون استحضار الجن ومخاطبتهم مهنة لمعالجة المجانين والمصابين بالصرع، ويتخذون في ذلك من الوسائل التي تزيد على مجرد تلاوة القرآن مما لم ينزل الله به سلطانًا، كالضرب الشديد الذي قد يترتب عليه أحيانا قتل المصاب، كما وقع هنا في ” عمَّان “، وفي ” مصر “، مما صار حديث الجرائد والمجالس.

لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفرادًا قليلين صالحين فيما مضى، فصاروا اليوم بالمئات، وفيهم بعض النسوة المتبرجات، فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية لا يقوم بها إلا الأطباء عادة، إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معا، فهي – عندي – نوع من الدجل والوساوس يوحي بها الشيطان إلى عدوه الإنسان ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )، وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في الجاهلية المذكورة في قوله تعالى ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا )، فمن استعان بهم على فك سحر – زعموا – أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى، مسلم أم كافر، وصدقه المستعين به ثم صدق هذا الحاضرون عنده: فقد شملهم جميعا وعيد قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد )، وفي حديث آخر: ( … لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ).

 

فينبغي الانتباه لهذا، فقد علمت أن كثيرًا ممن ابتلوا بهذه المهنة هم من الغافلين عن هذه الحقيقة، فأنصحهم – إن استمروا في مهنتهم – أن لا يزيدوا في مخاطبتهم على قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” اخرج عدو الله “، مذكِّرًا لهم بقوله تعالى : (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

” السلسلة الصحيحة ” ( 6 / 417 ).

 

والله أعلم.

 

هل كان السلف يعملون أم كانوا متفرغين للعلم؟ وما فائدة قراءة تراجم العلماء؟

هل كان السلف يعملون أم كانوا متفرغين للعلم؟ وما فائدة قراءة تراجم العلماء؟

السؤال:

عندي مشكلة وهي عندما أقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أشعر بالسعادة وحب العمل الصالح والإقدام عليه، وكذا عندما أقرأ سير الصحابة رضوان الله عليهم، فأشعر بالحياة السعيدة عندهم في الدارين، لكن عندما أقرأ سير السلف (أي: من بعدهم ) أشعر بالحزن، وأشعر أن الدين والإلتزام به خالٍ من الحياة، يعني: بمعنى آخر: لا أشعر أن بعض السلف يعيشون الحياة كما يعيشها الصحابة، ولذلك أجد أن الصحابة يعملون في الزراعة وغيرها مثلا من أمور الدنيا، بينما أجد بعض سير السلف أو كثير ممن قرأت لهم لا يوجد فيها سوى طلب العلم والحفظ والعمل دون وجود لهم في الحياة العامة وكرهم للدنيا المبالغ فيه في فهمي – وأعلم أن هذا من فهمي السقيم الذي أريد منكم توضيحه لي -.

الأمر الآخر: أشعر بالتحطم إذا قرأت سير السلف الصالح لأني أشعر أنني ولا شيء مقارنة بهم ويجعلني هذا الشعور لا أعمل أحيانا فما هو السبب لهذا خلافًا عندما أقرأ في سير الصحابة رغم أني أحب جميع السلف حبًّا كبيرًا والذين قدموا لهذا الدين الشيء الكبير وعلى رأسهم الإمام الليث بن سعد رحمه الله؟.

فأرجو منكم أن تريحوا بالي أراحكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك ولا ريب في أن ما فهمته من واقع سلف هذه الأمة أنه خطأ محض،فالسَّلف الصالح ليسوا مَجْموعة عُلماء عاشوا على الأوقاف والعطايا! بل إنَّ لهم مُساهَمة فاعلة في بِناء حضارة الإسلام، وبناء بُلدانهم، وقد برز ذلك في تنوُّع أعمالهم ومِهَنهم، فلَمْ يكن العلم الشرعي ليمنعهم مِن أنْ يكون أحدهم تاجرًا، أو مُزارعًا، أو نجَّارًا، أو حدَّادًا، أو قصَّابًا، وأن يكون طبيبًا، أو فلكيًّا، فقد ساروا على ما سار عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مِن فَهْم للدِّين على وجهه الصحيح، ثم تطبيق ذلك في واقعهم العملي، وبما أنَّك تُحب الإمام الليث بن سعد رحمه الله -وهو حري بتلك المحبة- فاجعل منه أنموذجًا على ما نقوله هنا، فقد كان رحمه الله مِن التجار، ولَمْ تمنَعْه تجارته أنْ يكون مِن أعلام المُسلمين، وقُل مِثل ذلك في الإمام التَّاجر عبد الله بن المبارك رحمه الله.

ولو أنه قُدِّر لك – أخي السائل – الاطلاع على تراجم الأئمة بدقة وتأمل: لما حصل عندك الخلل في ذلك الفهم لواقع أولئك الأئمة الأعلام، ففي تراجم أولئك الأئمة كان يُذكر صنعة أحدهم، أو عمله، فيُنسب لتلك المهنة، أو لذلك العمل، وقد جمع طالب علم جاد هذه التراجم، وتلك المهن، في كتاب مستقل أسماه ” الطرفة فيمن نسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة ” وهو الأخ عبد الباسط الغريب وفقه الله، وقد جمع في كتابه قرابة أربعمائة حرفة ومهنة، منسوبة إلى قرابة ألف وخمسمائة محدِّث، وفقيه، وأدي، ولو أنه قدِّر لك الاطلاع على ذلك الكتاب لما كان عندك ثمة إشكال، ولا خلل في فهم حال أولئك الأئمة الأعلام.

ومن النماذج التي يمكن ذكرها ها هنا لأولئك الأعلام:

  1. الآجرِّي، نسبة إلى عمل الآجر وبيعه، ومن العلماء المشهورين بتلك النسبة: أبو بكر محمد بن الحسين الآجرِّي، صاحب كتاب ” الشريعة “.
  2. الأنماطي، نسبة إلى بيع الأنماط، وهي الفرش التي تبسط، ومن العلماء المشهورين بتلك النسبة: عثمان بن سعيد بن بشار أبو القاسم الأنماطي البغدادي الأحول.

قال ابن قاضي شهبة – رحمه الله -:

أحد أئمة الشافعية في عصره، أخذ الفقه عن المزني والربيع، وأخذ عنه أبو العباس ابن سريج، قال الشيخ أبو إسحاق: كان هو السبب في نشاط الناس لكتب فقه الشافعي وتحفظه. ” طبقات الشافعية “( 1 / 80 ).

  1. البحراني، نسبة إلى ركوب البحر، أو قيادة السفن، ومن العلماء المشهورين بتلك النسبة: محمد بن معمر بن ربعي البحراني القيسي البصري، وقد روى عنه الأئمة الستة.
  2. البربهاري، نسبة إلى بربهار، وهي الأدوية التي تُجلب من الهند، ومن العلماء المشهورين بتلك النسبة: الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري.

قال ابن أبي يعلي – رحمه الله -:

شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ للأصول المتقين، والثقات المؤمنين .

” طبقات الحنابلة ” ( 2 / 16 ).

  1. الحداد، والحدَّادي، نسبة إلى الحدادة، وهي العمل في الحديد، ومن العلماء المشهورين بتلك النسبة: محمد بن الحسين.

 

 

 

قال الذهبي – رحمه الله -:

شيخ مرو، القاضي الكبير، أبو الفضل، محمد بن الحسين بن محمد بن مهران المروزي الحدادي.

قال الحاكم: كان شيخ أهل مرو في الحديث والفقه والتصوف والفتيا.

” سير أعلام النبلاء ” ( 16 / 470 ).

 

ثانيًا:

أما الأمر الآخر الذي تذكره في سؤالك: فهو مما يستغرب منه؛ لأن قراءة سير أعلام النبلاء من الأئمة الأعلام تشحذ الهمم وتقوي العزيمة على العمل لا على التثاقل والكسل! وما تقرؤه من أعمال أولئك ليس مستحيلًا على المرء أن يقتدي به، بل يمكنه أن يعمل أكثر منه، وأن يكون عند الله تعالى أعلى منزلة من كثيرين منهم، فالتنافس بينك وبينهم قائمة سوقه، ولك في بعض المعاصرين من أهل العلم والزهد والطاعة قدوة وأسوة، فها هو الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله – مثلًا – قد ضرب أروع الأمثلة في إمكان أن يكون المسلم منَّا سبَّاقًا لمن جاء قبله من الأئمة الأعلام في الطاعة، والعبادة، فلم يُختم التنافس على التقرب من الله تعالى بانتهاء القرون الثلاثة، نعم لهم فضلهم، ولهم مكانتهم العالية، لكن لا يعني هذا أنه لا يستطيع أحدٌ أن يقوم بأعمالهم، بل يمكن للمسلم المعاصر إن وفقه ربه أن يأتي بأكثر من أعمال من سبقه.

لذا أخي السائل لا ينبغي لك أن يصيبك اليأس من اللحاق بركب من سلف من الأئمة، ولتجعل من قراءتك لسيرهم دافعًا نحو العمل بجد واجتهاد، وهذا من أعظم فوائد قراءة التراجم لأولئك العلماء، والعبَّاد، والمجاهدين.

 

قال الشيخ عبد الحي اللكنوني – رحمه الله – في مقدمة كتابه ” الفوائد البهية في تراجم الحنفية ” ( ص 2 ) -:

وأجلها: فن تراجم الكبار، وأخبار الأخيار، ففيه غير ما مضى فوائد جمة، ومنافع مهمة.

منها: الإطلاع على مناقبهم وأوصافهم ونباهتهم وجلالتهم؛ ليحصل التأدب بآدابهم والتخلق بأخلاقهم فيحشر في زمرتهم، ويدخل فيهم وإن لم يكن منهم … .

ومنها: الاطلاع على آثارهم وحكاياتهم وفيوضهم وتصنيفاتهم، فيتحرك عرق الشوق إلى الاهتداء بهديه ، والاقتداء بسيرهم. انتهى.

 

 

 

 

* وقال الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد – وفقه الله – في مقدمة كتابه ” تراجم لتسعة من الأعلام ” – ( ص 1 ):

فإن الهمم لتخمد، و إن الرياح لتسكن، وإن النفوس ليعتريها الملل، وينتابها الفتور، وإن سيَر العظماء لمِن أعظم ما يذكي الأوار، ويبعث الهمم، ويرتقي بالعقول، ويوحي بالاقتداء، وكم من الناس من أقبل على الجِد، وتداعى إلى العمل، وانبعث إلى معالي الأمور، وترقى في مدارج الكمالات بسبب حكاية قرأها، أو حادثة رويت له.

 

هذا، وإن من أعظم المقاصد لكتابة تلك التراجم: بيان الجوانب المشرقة – وما أكثرها – من سير عظمائنا، والتنويه بما لهم من أعمال جليلة، وأياد بيضاء، وإيقاظ الهمم وحفزها، والارتقاء بالأخلاق وتقويم عوجها، وتزويد القارئ بشيء من خلاصات التجار، وقرائح الأفهام. انتهى.

 

والله أعلم.

 

 

اختلاف حكم الألباني على حديث في العقيقة، وهل يجزئ ذبح العقيقة قبل اليوم السابع؟

اختلاف حكم الألباني على حديث في العقيقة، وهل يجزئ ذبح العقيقة قبل اليوم السابع؟

السؤال:

أخرج الألباني في كتابه ” صحيح الجامع ” حديث ( العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين ) الذي رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي، وقال عنه: حديث صحيح، في حين وجدت الحديث في كتاب ” الإرواء ” – نفس الحديث ، وقد ضعفه.

المرجو الرد على هذا السؤال، وما حكم أن يعق في اليوم الواحد والعشرين؟.

وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ننبه إلى لفظة وردت في السؤال جاءت في غير مكانها، وهي قول السائل ” أخرج الألباني ” ثم ذكر حديثًا في كتابٍ من كتب الشيخ الألباني رحمه الله، والصواب: أن يقال: ” أورد الألباني “، أو ” ذكَرَ “، وذلك أن كتاب الشيخ رحمه الله ليس مصدرًا أصليًّا في الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي وغيرها مما روى أصحابها الأحاديث بأسانيدها.

والكتب التي تخلو من الأسانيد – كالكتب المعاصرة – إذا نُقل الحديث منها: فيقال ” ذكره “، أو ” أورده “، أو ” نقله ” ومثيلاتها من العبارات، وأما من يذكر الحديث بإسناده فيقال عند نسبة الحديث إليه: ” رواه ” و ” أخرجه “.

ثانيًا:

أما الحديث الذي سأل عن صحته الأخ السائل: فنحن نذكر نصَّه، وكلام العلماء حوله.

جاء الحديث المشار إليه من حديث بريدة، وحديث أم كرز:

أ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( الْعَقِيقَةُ تُذْبَحُ لِسَبْعٍ وَلأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَلإِحْدَى وَعِشْرِينَ ). رواه الطبرانى في ” المعجم الأوسط ” ( 5 / 136 ) والبيهقي ( 9 / 303 ).

قال الهيثمي – رحمه الله -:

رواه الطبراني في ” الصغير “، و ” الاوسط “، وفيه إسماعيل بن مسلم المكى، وهو ضعيف لكثرة غلطه ووهمه. ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 59 ).

 

 

ب. عن عطاء عن أم كرز وأبي كرز قالا: نذرت امرأة من آل عبد الرحمن بن أبي بكر إن ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا جزورًا فقالت عائشة رضي الله عنها: ” لا، بل السنَّة أفضل، عن الغلام شاتان مكافئتنان، وعن الجارية شاة، تقطع جُدُولا، ولا يكسر لها عظم، فيأكل، ويطعم، ويتصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن لم يكن: ففي أربعة عشر، فإن لم يكن: ففي إحدى وعشرين  “.

رواه الحاكم في  المستدرك على الصحيحين ” ( 4 / 266 ).

” جُدُولاً ” أي: أعضاء، والجَدْل – بفتح الجيم -: العضو.

والحديث ضعيف.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وعلى هذا فظاهر الإسناد: الصحة، ولكن له عندي علتان:

الأولى: الانقطاع بين عطاء وأم كرز؛ لما ذكرته فيما تقدم من الكلام على طرق حديث أم كرز هذه عند حديث عائشة، رقم ( 1166 ).

والأخرى: الشذوذ والإدراج، فقد ثبت الحديث عن عائشة من طريقين كما سبق هناك، وليس فيهما قوله: ” تقطع جدولًا … “، فالظاهر أن هذا مدرج من قول عطاء، ويؤيده أن عامر الأحول رواه عن عطاء عن أم كرز قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة ). قال: وكان عطاء يقول: ” تقطع جدولا … ” دون قوله ” ولكن ذاك يوم السابع … ” أخرجه البيهقي ( 9 / 302 )، فقد بيَّن عامر أن هذا القول ليس مرفوعًا في الحديث، وإنما هو من كلام عطاء موقوفًا عليه، فدل أنه مدرج في الحديث.

” إرواء الغليل ” ( 4 / 369 ).

وبه يتبين أن ضعف الحديث هو المتعين، وأن ما ذكره الشيخ الألباني رحمه الله من تصحيح الحديث في كتابه ” صحيح الجامع ” هو من القديم المجمل، وأن ما ذكره من التضعيف في كتابه ” إرواء الغليل ” هو من الجديد المفصَّل.

ثالثًا:

وأما من حيث الحكم الشرعي العملي: فإنه قد اختلف العلماء في الوقت التي تُجزئ فيه العقيقة على أقوال، مع اتفاقهم على استحباب كون ذلك الذبح في اليوم السابع.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 30 / 278 ، 279 ):

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن وقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله، بل تكون ذبيحة عادية.

وذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت العقيقة يكون في سابع الولادة ولا يكون قبله.

واتفق الفقهاء على استحباب كون الذبح في اليوم السابع على اختلاف في وقت الإجزاء كما سبق.

وقال المالكية: إن وقت العقيقة يفوت بفوات اليوم السابع.

وقال الشافعية: إن وقت الإجزاء في حق الأب ونحوه ينتهي ببلوغ المولود.

وقال الحنابلة – وهو قول ضعيف عند المالكية -: إن فات ذبح العقيقة في اليوم السابع يسن ذبحها في الرابع عشر، فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين من ولادة المولود فيسن ذبحها فيه وهو قول عند المالكية، وهذا مروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها. انتهى.

والراجح من تلك الأقوال: أن العقيقة تستحب في اليوم السابع من ولادة المولود، وأنه إن فات ذلك اليوم: فتُذبح في أي يوم؛ لضعف الحديث الوارد في كونها تُذبح في اليوم الرابع عشر، والواحد والعشرين، إن فات اليوم السابع، وأن ذبحها متعلق بالولادة، فتجوز قبل السابع وبعده، وهو قول الشافعية والحنابلة  – كما سبق -، وهو ما رجحه ابن القيم رحمه الله، ووافقه عليه علماء اللجنة الدائمة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والظاهر: أن التقييد بذلك – أي: اليوم السابع – استحباب وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده: أجزأت.

” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 63 ).

وقال علماء اللجنة الدائمة:

العقيقة سنَّة مؤكدة عن الغلام شاتان تجزئ كل منهما أضحية، وعن الجارية شاة واحدة،  وتذبح يوم السابع، وإذا أخرها عن السابع: جاز ذبحها في أي وقت، ولا يأثم في تأخيرها، والأفضل تقديمها ما أمكن.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 439 ).

وقالوا – أيضًا -:

وتحديد اليوم السابع للذبح لا يؤخذ منه أن مشروعيتها لا تبدأ إلا في اليوم السابع؛ فإن الولادة هي سبب طلب العقيقة، واليوم السابع هو الوقت الأفضل لتنفيذ هذا الأمر المشروع، ولهذا لو ذبحها قبل السابع: أجزأت، كما قال ابن القيم ومن وافقه من أهل العلم.  الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 445 ، 446 ).

 

والله أعلم.

أوجه الترويح عن البنات وذكر ضوابط ركوبهن الدراجة الهوائية

أوجه الترويح عن البنات وذكر ضوابط ركوبهن الدراجة الهوائية

السؤال:

لدي بنت عمرها ست سنوات، هل يجوز لي أن أشتري لها دراجة هوائية لكى تلعب بها؟ وإلى أي عمر تبقى تلعب بها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا تمانع الشريعة المطهرة من لعب الأولاد – ذكورًا وإناثًا – في سن الطفولة، بل أمر فطري لا يمكن أن تمنعه الشريعة الخالدة، ولذا حفلت السنَّة المطهرة بأمثلة لذلك، وبما أن السؤال بخصوص الإناث: فنذكر منه ما يتيسر من الترويح الخاص بهن، ومنه:

  1. اللعب بالعرائس:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي.

رواه البخاري ( 5779 ) ومسلم ( 2440 ).

( صواحب ) جمع صاحبة، وكن جواري صغيرات من أقرانها في السن.

( يتقمعن منه ) يدخلن البيت ويستترن منه ثم يذهبن.

( فيسربهن إلي ) يرسلهن واحدة بعد الأخرى.

قال ابن بطال – رحمه الله – :

كان النبى عليه السلام أحسن الأمة أخلاقًا، وأبسطهم وجهًا، وقد وصف الله ذلك بقوله: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٌ عَظِيمٍ ) القلم/ 4، فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم، وروي عنه أنه قال: ( إِنِّي لأَمْزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقّاً )، وكان يسرِّح إلى عائشة صواحباتها ليلعبن معها، فينبغى للمؤمنين الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه صلى الله عليه وسلم.

والذي يراد من الحديث: الرخصة فى اللعب التى تلعب بها الجواري وهي البنات، فجاءت فيها الرخصة، وهي تماثيل، وليس وجه ذلك عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان، ولو كان فى الكبار: لكان مكروهًا، كما جاء النهي فى التماثيل كلها، وفي الملاهي. ” شرح صحيح البخاري ” ( 9 / 304 ).

 

 

 

  1. اللعب بالأرجوحة:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ … فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي … . رواه البخاري ( 3681 ) ومسلم ( 1422 ).

قال النووي – رحمه الله -:

( والأرجوحة ) بضم الهمزة هي: خشبة يَلعب عليها الصبيان والجواري الصغار، يكون وسطها على مكان مرتفع، ويجلسون على طرفيها ويحركونها، فيرتفع جانب منها، وينزل جانب. ” شرح النووي ” ( 9 / 207 ).

  1. المسابقة بالأقدام:

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ بِتِلْكَ.

رواه أبو داود ( 2578 ) وابن ماجه ( 1979 ) وأحمد ( 25745 ) – واللفظ له -، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الخطابي – رحمه الله -:

وفي الحديث دليل واضح على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرم الأخلاق، وحسن المعاشرة مع الأهل، وتطييب قلوبهم.

” معالم السنن ” ( 3 / 66 ).

وإذا جاز مثل هذا الترويح مع الزوجة فلا يُمنع أن يكون مع البنات والأبناء.

 

ثانيًا:

ولعب البنت على الدراجة الهوائية من الألعاب المباحة التي لم تأت الشريعة بمنعها، لكنَّ هذا المباح – كعموم المباحات – له ضوابط يحسن التنبيه عليها، ومنها:

  1. الالتزام باللبس الساتر، وعدم لبس القصير، أو الضيق، وهذا فيما لو كان ثمة غيرها من أشقائها من يلعب معها، أو وُجد من محارمها من ينظر إليها.
  2. عدم الخروج من المنزل واللعب بها في الشارع؛ لما في ذلك من خطر عليها من الذئاب البشرية التي لا تتقي الله تعالى في صغير أو كبير، ولا في ذكر ولا أنثى، بل يكون اللعب بها في حدود الأمان من الأماكن، وتحت نظر أهلها، ولا خير من جعل ذلك اللعب في بيت أهلها.
  3. الحرص على الدراجات الآمنة، وعدم تمكينها من قيادة الدراجة إلا بعد إتقان قيادتها، والانتباه من احتمال سقوط البنت من الدراجة.

وفي ” الولايات المتحدة ” – مثلًا – ذكرت تقاريرهم أنه يُصاب أكثر من 11 ألف طفل ومراهق سنويًّا بحوادث اصطدام الدراجات الهوائية والسقوط من عليها، وأن ثلث إصابات الأطفال كانت تكون في الرأس، مما يعرِّض الدماغ لإصابات بالغة.

  1. وأخيرا: لا ننصح بأن يستمر لعب البنت بالدرجة الهوائية في عمر 8 سنوات فأكثر؛ لما يذكره الاختصاصيون من الأطباء من أثر ذلك الركوب على الإناث، سواء في المقاعد السيئة المصنوعة للدراجات – وهو السبب الأكثر وقوعًا – أو جراء سقوطها عنها.

* وقد وقفنا على عدة تحذيرات مهمة في هذا الباب لطائفة من الاختصاصيين، ومنهم:

أ. الدكتور سليم رجب، الاستشاري بالجراحة النسائية والتنظيرية والتوليد والعقم وأطفال الأنابيب، حيث قال:

” ركوب الدراجة الهوائية غير مستحب للبنات؛ بسبب تماس مقعد الدراجة بشكل مباشر مع المهبل، حيث يكثر الوذح ( السماط ) والالتهاب، وقد تتعرض الفتاة للسقوط الذي يعرِّض غشاء البكارة ( للأذى )، أو الجرح “. انتهى.

ب. الدكتور لوك باينز، رئيس قسم أمراض النساء والولادة في مستشفى جامعة بروكسل في بلجيكا، حيث قال:

” إن مقاعد الدراجات الهوائية الأنيقة وذات التجاويف: تشكِّل خطرًا، بشكل خاص على الإناث “. انتهى.

وقد ذكر بعض الأطباء أن الإحصائيات الحقيقية لإصابة الإناث بمشكلات في الأماكن الحساسة عندهن أكثر مما وصل لهم؛ بسبب الإحراج الذي يمنع كثيرات من الاعتراف بما أصابهن نتيجة كثرة الجلوس على كراسي الدراجات الهوائية.

ولذا فإننا ننصح بالتقليل من ركوب الإناث للدراجات الهوائية، مع ضرورة الاهتمام بشراء دراجات ذات مقاعد صحية، والتوقف عن ركوبها لمن بلغت سن الثامنة، وليس هذا على القطع واليقين، وإنما هو للاحتياط.

وأما من أخذت بالضوابط الشرعية من حيث اللبس والنظر، وبالضوابط الصحية من حيث ليونة الكراسي واتساعها: فلا حرج عليها من ممارسة الرياضة بالدراجات الهوائية ولو كانت عجوزًا كبيرة السن.

 

والله أعلم.

كيف تمثَّل الشيطان للكفار في غزوة بدر وهو مصفَّد؟ وهي في رمضان؟!

كيف تمثَّل الشيطان للكفار في غزوة بدر وهو مصفَّد؟ وهي في رمضان؟!

السؤال:

من المعروف أن الشيطان كان حاضرًا معركة ” بدر “، وهذه الغزوة كانت في رمضان، لماذا لم يكن الشيطان مصفَّداً في ذلك الوقت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اشتهر في كتب التفسير والسيرة أن الشيطان كان حاضرًا معركة ” بدر “، وأنه تشكَّل على صورة ” سراقة بن مالك “، ويُذكر ذلك في تفسير قوله تعالى ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الأنفال/ 48.

ولكن ذلك لم يثبت بإسنادٍ صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده نظر؛ فهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا سُرَاقَةُ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ قَالَ: ( إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلاَئِكَةَ. رواه الطبري في ” تفسيره ” ( 13 / 7 ).

وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه أخذ عن ثقات أصحابه، عنه، والقول الوسط في رواياته عنه في التفسير: أنها جيدة في الشواهد.

 

وقد روى الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 5 / 47 ) عن رفاعة بن رافع الأنصاري نحو رواية ابن عباس، وإسناد الأثر ضعيف ؛ فيه ” عبد العزيز بن عمران “، وهو ضعيف، وقد ضعفه الهيثمي بسببه في ” مجمع الزوائد ” ( 6 / 82).

 

 

 

ولعله مما يقوِّي معنى ما في الأثرين: حديثٌ مرسل، رواه مالك في “الموطأ” ( 944 ) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا رُئِيَ إِبْلِيسُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرَى مِنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، إِلاَّ مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ.

– وقوله ( يزع الملائكة ) أي: يرتبهم، ويسويهم، ويصفهم للحرب.

 

فالخلاصة:

أن أقل أحوال قصة تشكل الشيطان بسراقة بن مالك – قبل إسلامه -: الحُسن.

 

ثانيًا:

كانت غزوة ” بدر ” – على الراجح – يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وكان تشريع صيام رمضان قبل تلك الغزوة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشياطين تُصفَّد في رمضان، ومن هنا وقع الإشكال عند الأخ السائل، إذ كيف تشكَّل الشيطان في صورة ” سراقة ” في غزوة ” بدر ” مع كونها في ” رمضان “، والشياطين تكون فيه مصفَّدة؟!.

والجواب عليه من وجوه، منها:

  1. أن المتشكل بصورة ” سراقة ” هو شيطان من الشياطين، وأما المصفَّد فهم المردة منهم.

روى النسائي ( 2108 ) عن عتبة بن فرقد قال : النبي صلى الله عليه وسلم (في رَمَضَانَ تُفْتَحُ فيه أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فيه أَبْوَابُ النَّارِ وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيد ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

وروى ابن خزيمة في ” صحيحه ” ( 3 / 188 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( إِذَا كَانَ أَوُّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان صُفِّدَتْ الشَّيَاطِين مَرَدُةُ الجِنِّ )، وبوَّب عليه الإمام ابن خزيمة بقوله: ” باب ذكر البيان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بقوله: ( وصفدت الشياطين ) مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين ؛ إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم “.

  1. أنه لا يمكن الجزم بأن ما قاله صلى الله عليه وسلم من تصفيد الشياطين أنه كان في أول تشريع الصوم، وهكذا في فضائل رمضان وميزاته الأخرى، بل الغالب أن ذلك كان على سنوات؛ لأن نعم الله تعالى متجددة، ولا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قال كل تلك الفضائل والميزات لشهر رمضان في مجالسه الأولى من تشريع الصوم فيه، ويمكن الجزم بذلك من خلال تتبع الروايات ورواتها الذين سمعوا ذلك منه صلى الله عليه وسلم ، وكان تأخر إسلامهم.
  2. أن تصفيد الشياطين – لو قيل بعمومهم -: إنما هو في حق المؤمنين الصائمين، دون الكفار، وقد كان مجيء الشيطان للكفار من أسباب نصر المؤمنين، وعزتهم؛ حيث حثَّ الشيطان الكفار على الخروج للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم نكص على عقبيه ، فصار النصر للمؤمنين على المشركين.

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

إنما تُغلُّ عن الصائمين الصوْم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه.

” شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ” ( 3 / 137 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والمصفَّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون فى غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملًا: دفعَ الشيطانَ دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص. ” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 246 ).

  1. أن تصفيد الشياطين – لو قيل بعمومهم، وعموم أثرهم في الناس فهو لا يمنع من الوسوسة، والتزيين، وهذا الجواب يصلح لمن يرى ضعف القصة في تشكل الشيطان على صورة سراقة، فالمصفَّد من الشياطين تضعف قوته، لكن لا يمتنع أن يُؤذي الناس، ولا يمتنع من التزيين، والوسوسة، وفي الآية ما يدل على هذا الوجه، قال تعالى: ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) والتزيين لا يلزم منه المواجهة، ويدل عليه قوله تعالى ( تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النحل/ 63.

* قال ابن العربي – رحمه الله – في أوجه وجود المعاصي في رمضان مع تصفيد الشياطين -:

( إذا ) سلَّمنا أنه من الشيطان: فليس من شرط وسوسته التي يجدها الإنسان في نفسه اتصالها بالنفس، إذ قد يكون مع بُعده عنها؛ لأنها من فعل الله، فكما يوجد الألم في جسد المسحور والمعيون عند تكلم الساحر أو العاين: فكذلك يوجد عند وسوسته من خارج. ” شرح الزرقاني على موطأ مالك ” ( 2 / 269 ).

 

فتبين من خلال ما سبق أنه لا إشكال في مجيء الشيطان للمشركين للتزيين لهم بقتال المسلمين في رمضان، وكل ما ذكرناه من الوجوه يصلح لدفع الإشكال.

 

والله أعلم.