الرئيسية بلوق الصفحة 58

التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

السؤال:

من المعلوم أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، لكن أولم يكن آدم في الجنة؟ أولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة أيضًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذا سؤال دقيق، ويدل على فهم عند صاحبه، ونسأل الله أن يوفقه لكل خير، ونحن نذكر الحديث بنصِّه، ثم نعقبه بما يزيل الإشكال من أصله – إن شاء الله -.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه البخاري ( 3072 ) ومسلم ( 2824 ) وعنده : ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ ).

 

ثانيًا:

وأما كون آدم عليه السلام كان في جنة الخلد: فهو الراجح من قولي العلماء، وهو قول جمهور أهل السنَّة؛ لأدلة كثيرة، ليس هذا موضع بسطها؛ إذ ليس السؤال عنها.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد اختُلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ).

ومن أراد التوسع في المسألة: فلينظر ما كتبه ابن القيم رحمه الله فيها في أوائل كتابه ” مفتاح دار السعادة “، وأيضًا في كتابه ” حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح “.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وأما رؤية النبي صلى الله عليه عليه وسلم للجنة ودخوله فيها: فقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، وقد بوَّب الإمام الآجري في كتابه ” الشريعة ” على بعض تلك الأحاديث بقوله: ” باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة “، وروى تحته أحاديث، منها:

  1. عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ).

رواه البخاري ( 3069 ). ورواه مسلم ( 2737 ) من حديث ابن عباس.

  1. عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ – أَوْ طِيبُهُ – مِسْكٌ أَذْفَرُ ). رواه البخاري ( 6201 ).

وفي رواية ( لمَّا عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلَّم إلى السماء أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ … ).

– ( أذفر ): شديد الرائحة الذكية.

وفي لفظ صحيح في ” مسند أحمد ” ( 19 / 66 ): ( دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا. رواه البخاري ( 715 ).

– ( تكعكعت ): تأخرت إلى الوراء.

وللفائدة:

فقد ثبت أن جبريل عليه السلام ممن رأى الجنة، ولا يبعد أن يكون ثمة ملائكة قد رأوها أيضًا، والجواب عن رؤيته هو الجواب عن رؤية آدم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، … قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا …. رواه الترمذي ( 2560 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود ( 4744 )، والنسائي ( 3763 ).

 

 

 

 

رابعًا:

وأما توجيه تلك الأحاديث والتي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وأخيه آدم عليه السلام للجنة مع الحديث الذي ذكرناه أولًا من إعداد الله تعالى لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: فأقوى ما يقال في توجيهه:

أن هذا المعَدّ في الجنة لعباد الله تعالى الصالحين مما لم يرَه أحدٌ، ويكون اطلاع آدم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام إنما هو على بعض ما في الجنة لا على ما أعدَّه الله للصالحين مما أخفاه عن خلقه، ومن تأمل الحديث تبيَّن له قوة هذا التوجيه، فهو نص قول الله تعالى، وذلك في قوله ( بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ) أو ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ )، وهو يعني أن ذلك النعيم المعد هو غير الذي أطلعنا الله عليه مما ذكره لنا، أو مما رآه النبيان عليهما السلام.

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قلت: وأصح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ( ولا خطر على قلب بشر ذخراً من بله ما أطلعتم ) إنها بمعنى ” غير “؛ وذلك بيِّن لمن تأمله، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 8 / 517 ).

وحتى لو كان معنى ( بَلْهَ ) ” دع “، أو ” اترك “: فإنه لا يخرج عن المعنى السابق.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

فأما ( بَلْه ) فبفتح الباء الموحدة واسكان اللام، ومعناها: دع عنك ما أطلعكم عليه فالذي لم يطلعكم عليه أعظم، وكأنَّه أضربَ عنه استقلالًا له فى جنب ما لم يطلع عليه، وقيل: معناها غير، وقيل: معناها كيف.

” شرح النووي على مسلم ” ( 17 / 166 ).

 

ويؤيِّد هذا حديثان:

أ. عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: ( فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه مسلم ( 2825 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( فيها ) يدل على أنه هو المراد بالإخفاء، ويدل على أنه ثمة غيره مما ليس مخفيًّا عن الأعين.

ب. عن الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.

قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ). رواه مسلم ( 189 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا ) يدل على ما ذكرناه من كون ذلك النعيم الخاص لأولئك العباد الصالحين مما ليس مشَاهَداً من قبَل أحد.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

أما ( أردتُ ) فبضم التاء، ومعناه: اخترت واصطفيت.

وأما ( غرستُ كرامتهم بيدي ) إلى آخره فمعناه: اصطفيتهم، وتوليتهم، فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير، وفي آخر الكلام حذف اختُصر للعلم به تقديره: ” ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به، وأعددته لهم “.

” شرح النووي ” ( 3 / 46 ).

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

النصوص الشرعية منها عام يدخله التخصيص، فيقال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلا ما رآه النبي صلى عليه الصلا والسلام.

الشيء الثاني: هل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى الجنة والنار: هل رأى كل شيء في الجنة والنار أو رأى شيئًا منهما ؟!.

” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 5 ، وجه ب ).

والتوجيه الثاني الذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الأقوى، دون الأول.

 

 

 

 

* وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل هناك تعارض بين الحديث الذي جاء في وصف الجنة: أنها ( لا عين رأت ولا أُذُن سمعت )، وحديث الباب الذي يدل على أن جبريل رأى الجنة وما فيها من النعيم، وأن آدم كان يسكن في الجنة، فإنه رأى نعيمها، فكيف يقال: ( ما لا عين رأت) ؟.

فأجاب:

كون جبريل وكون آدم رأيَا الجنَّة: لا ندري هل رأوا كلَّ ما فيها؟ نعم، رأوا الجنة، لكن هل رأوا كل ما فيها؟! لا ندري، بحيث كل ما فيها قد حصل، وكل ما فيها قد شوهد؟! ما نعلم ذلك، والمقصود: أن فيها من النعيم ما لا يعرفه الناس، وما لا يدركه الناس، وفيها شيء يعرفون أسماءه وأنواعه ….

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 340 ).

 

والله أعلم.

 

ماذا تصنع من كانت أمها تثقل عليها عمل المنزل وأشقاؤها ينعمون في الراحة؟

ماذا تصنع من كانت أمها تثقل عليها عمل المنزل وأشقاؤها ينعمون في الراحة؟

السؤال:

ما حكم مشاركة البنت غير المتزوجة أمّها في أشغال البيت؟ وماذا عن الأّم التي تلقي بكلّ حمل البيت على ابنتها علمًا أنّ هذه البنت تعمل، وتدرس؟ هل من العقوق عصيانها؟ يصل الحدّ بالفتاة إلى الألم لكونها خلقت أنثى؛ لأنّ أمّها تنتقدها طول اليوم، دون أن تطلب من أبنائها الذكور أيّ شيء، بينما يقضي الذكور كامل اليوم في النوم والأكل والتجوال، لا يسعون لا لدين، ولا لدنيا.

وما أقعد الفتاة عن الزواج حتّى الآن هو عدم تقدّم الكفؤ لها، نسألكم الدعاء لها، ولكلّ بنات المسلمين.

الجواب:

الحمد لله

  1. إن الأسرة السعيدة هي الأسرة المتماسكة فيما بينها، تجتمع على الطاعة، ويسودها الحب والوئام، ولا يمكن لأسرة أن تشعر بالسعادة مع وجود التفرق فيما بين أفرادها، ووجود البغض والكراهية فيما بينها، ولذا كان لا بدَّ للأسرة من ربَّان يقود دفة البيت إلى الأمان، ويجنبه المخاطر والهلاك، وهو الأب، وتعينه على تلك القيادة زوجته، ومن هنا جعلهما الشرع المطهر مسئولين عن أفراد أسرتيهما.

عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ). رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

  1. وإن من مسئولية الأبوين تعليم أولادهما –ذكورًا وإناثًا– على البر والصلة والصلاة، وتجنيبهم كل ما يسخط الله تعالى، كما أن من مسئولية الأبوين إعداد أولادهم لتحمل مسئولية ما بعد خروجهم من بيت أهليهم، فيعوَّد الابن على ما يناسب ذكوريته من أعمال، كشراء الأغراض من المحال، ومساعدة والده في صيانة المنزل، وتعوَّد الأنثى على ما يناسب أنوثتها من أعمال، كالقيام بالتدبير المنزلي، والقيام بمساعدة والدتها في أعمال المطبخ، مع التنبيه على أنه ثمة أعمال مشتركة بين الجميع لا ينبغي التهاون فيها، كترتيب كل واحد منهم لفراشه، وغرفته، وأغراضه الشخصية، وينبغي أن يكون ذلك كله بالتدرج، والإقناع، مع الرفق، وعدم تحميل أحد منهم ما لا طاقة له به.
  2. وإن من القواعد المتبعة عند الناجحين في تربية أولادهم: أن يتولى الأب تعليم وتوجيه أبنائه الذكور، وأن تتولى الأم تعليم وتوجيه بناتها الإناث؛ لقرب كل واحد من جنسه، ولسهولة إيصال الأهداف المنشودة كلٌّ للطرف الذي يتولى تعليمه وتوجيهه.
  3. هذا، ولا ينبغي للأم أن تحمِّل ابنتها ما لا طاقة لها به من العمل المنزلي، وإنها إن فعلت ذلك فستجني شوكًا وحنظلًا جرَّاء فعلها ذاك، وليست البنت سجينة مع الأعمال الشاقة في بيت أهلها حتى تفعل الأم معها مثل ما جاء في السؤال، بل هذا مما يحرم عليها فعله، ثم هو يُنتج نتائج عكسية، وسيعود ضررها على الأم، ثم على الأسرة كلها، ومن المعلوم أن الضغط يولِّد الانفجار، وقد حصل مثل هذا مع أسرٍ كثيرة، كان من نتيجته: أن هربت البنت من بيت أهلها! ولك أن تتصور أثر تلك الفضيحة على الأسرة كلها، وقد حصل أن طُلِّقت الزوجات بسبب ذلك، وحصل – قريبًا – أن انتحر والد فتاة هربت من بيت أهلها.

لذا: فعلى الأم أن تتقي الله ربَّها، وأن تعلم أنها راعية في بيتها، وستسأل يوم القيامة عن رعيتها تلك هل نصحتها؟ هل أدت الأمانة المنُاطة بها على أحسن وجهها؟ وإن ما تفعله بعض الأمهات من تثقيل الحِمْل على بناتها في العمل المنزلي ليس صوابًا، وإن عليها أن توزع أعمال المنزل على جميع أولادها، كلٌّ حسب طاقته، ووقته.

  1. ولا ينبغي للوالدين أن يكون همهم العمل المنزلي دون أن يكون للتوجيه الديني منزلته، فيُعطى الأولاد أوقاتًا مناسبة للصلاة، وطلب العلم، والاستفادة من عمرهم لآخرتهم، ويُعطى وقت خاص للبنات لتعليمها زيادة عن أشقائها في الحياء، والعفاف، وشيء من أحكام الحيض وعلامات البلوغ، وغير ذلك.
  2. وعلى الوالد أن يتقي الله ربَّه في أبنائه الذكور، وأن يحسن تربيتهم، ويعلمهم الجد والاجتهاد، وتَرْكهم على الحال الذي جاء ذِكره في السؤال ضرر عليهم وعليه وعلى الأسرة كلها، فتَرْك توجيههم التوجيه السديد، والرضى لهم بالكسل: يدل على سوء في إدارة والدهم لدفة البيت، ويدل على تقصير في الأمانة التي حمَّله إياها ربه تعالى، فإذا أضيف إلى ذلك نظرهم لمحرَّم، واستماعهم لمنكر: صار شريكًا لهم في الإثم، وكذا تأثم والدتهم إن هي رضيت بذلك الحال السيء الذي هم فيه.

 

ونسأل الله تعالى أن يهدي الوالدين لما فيه رضاه، وأن يجمع أفراد أسرتهما على طاعة الله تعالى، وأن يصلح حالهم وبالهم.

 

والله أعلم.

حكم نشر وتوزيع علبة دواء بعنوان ” بنادول، علاج الذنوب “

حكم نشر وتوزيع علبة دواء بعنوان ” بنادول، علاج الذنوب ”

السؤال:

انتشرت في الآونة الاخيرة في التسجيلات علب كأنها علب ” البنادول “، ومكتوب فيها ” علاج فعَّال للذنوب “، فما رأيكم فيه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نحن لا نقول بأن وسائل الدعوة توقيفية، بل نقول إنها اجتهادية، وهذه الوسائل يجب أن تحاكم للشرع، فما كان منها محرَّمًا رُفض، وحرم سلوك هذه الوسيلة، وما كان مكروها فسلوكها مكروه.

وقد اطلعنا على العلبة الوارد ذِكرها في السؤال، ورأيْنا فيها:

  1. طُبع عليها اسم ” panadul ” – ” بنادول ” – بتغيير الحرف قبل الأخير من الاسم الأجنبي، ويبدو أن ذلك من أجل عدم تعرض فاعلها للمساءلة القانونية.
  2. وُضع في أسفل الاسم عبارة: ” دواء فعَّال لعلاج جميع الذنوب، والهموم، والآلام والأحزان “!.
  3. وكتب على غلافه ” دواء فعّال لجميع الفئات العمرية “.
  4. وكتب عليها عبارة ” ساري الصلاحية حتى نهاية العمر “.
  5. وكتب أيضًا: أنه ” مرخَّص من ملك الملوك “.
  6. وُضع في العلبة نشرة عن الاستغفار، وفوائده، وفي آخرها فتوى بجواز ترويج هذا المنتج، وكانت الفتوى صادرة من الشيخ عبد العزيز الفوزان حفظه الله.

وقد تختلف النشرات بعضها عن بعض زيادة ونقصًا.

وهذه صور ذلك المنتج:

http://mojil.net/site/?p=6312

وأما عن حكم ترويج هذه الوسيلة: فإننا نرى أنها بدعة منكرة، وتحتوي على مخالفات كثيرة، منها:

  1. استعمال اسم أجنبي لترويج عبادة عظيمة، أمر الله تعالى بها، وأثنى على من قام بها، ووعد فاعليها بالثواب الجزيل، ومثل هذه العبادة لا يليق أن يكون شعار ترويجها اسم أجنبي لدواء مشهور.
  2. والاستغفار عبادة، ولا يجوز تشبيهها بتناول أقراص ” البندول “، من وجوه:

أ. الاستغفار عبادة شرعها الله تعالى، والبندول دواء مخترع من كافر.

ب. الاستغفار عبادة كلها خير لصاحبها، وأقراص البندول قد تؤدي بمتناولها للهلاك، أو الضرر.

ج. ليس للاستغفار آثار جانبية، والأدوية الكيماوية كلها لها أضرار .

د. الاستغفار يكون بعد فعل ذنب، ويكون من غير فعله، وأقراص البندول لا يتناولها إلا المريض.

هـ. الإكثار من الاستغفار يزيد في الأجور، والإكثار من البندول يؤدي إلى التسمم، والهلاك.

و. الاستغفار نافع لجميع من يقوم به، والدواء – بندول وغيره – ينفع أناسًا دون آخرين.

ز. الاستغفار ينفع صاحبه بعد وفاته، والبندول ليس كذلك.

  1. وقد احتوت العلبة على كذب واضح، ومنه:

أ. أنها صالحة لجميع الفئات العمرية! فهل ينطبق هذا على الرضيع؟! وهل ينطبق على الكافر؟!.

ب. قولهم إنها ” مرخصة من ملك الملوك “: كذب، فهي فعل اجتهادي، قابل للتخطئة، وهو خطأ، وقد خطأها بعض كبار العلماء – كما سيأتي -؛ فليس كل ما فيها في داخل النشرة آيات قرآنية، بل فيها قصة منسوبة للإمام أحمد، مشكوك في صحتها، وفي آخرها فتوى اجتهادية، ولا يصح – بحال – نسبة ذلك لرب العالمين.

ج. قولهم عن الاستغفار: ” ساري الصلاحية حتى نهاية العمر “: كذب، فهو نافع صاحبه يوم القيامة.

د. وضعهم حبات دواء على الغلاف مما يوهم وجود أقراص داخلها، وليس الأمر كذلك.

  1. هذا الفعل فيه تنقص من شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وفيه فتح باب للسخرية، والاستهزاء بها، وبغيرها، وقد حصل ذلك بالفعل، فأُخرج للناس بعدها ” كريم الأذكار “!، كتب أسفله: ” يحفظك من الشر ويُبعد عنك كل ما ضر “!.

وأُخرج للناس: ” مضاد للخطايا “! كتب أسفله: ” فعّال يحط جميع خطاياك، ولو كانت مثل زبد البحر “!.

وهكذا في سلسلة متوقعة من ” كبسولات للقلق “، و ” شامبو للاكتئاب ” وغير ذلك من السخافات، والتي يمكن أن يكون منها: ( ” ريفانين ” لعلاج صداع المعاصي )!، و ( ” تامي فلو ” لعلاج انفلونزا الذنوب )! – وقد صدرت – بالفعل – نشرة بعنوان ” انفلونزا الذنوب “!.

  1. في هذه الوسيلة دعاية مجانية لذلك الدواء الأجنبي.
  2. وفيها تكلفة من غير داعٍ ، وهي قيمة علبة الدواء.

 

 

 

 

ولما سبق جميعه – وغيره مما لم نتفطن له -: لا نرى جواز استعمال هذه الوسيلة الدعوية، ويكفي من الوسائل ما تعاقبت عليه القرون من الحث على العبادات، ولا مانع من غيرها على أن تكون خالية من المحاذير الشرعية، ونرجو من المشايخ الكرام الذين أفتوا بالجواز أن يعيدوا النظر فيما قالوه، وأن ينظروا فيما يعقب القول بالجواز من فتح باب شر من السخرية والاستهزاء، وتسويق شركات الدواء لأدويتها، وتسويق شركات التجميل لموادها، بمثل تلك الطريق، ولن يعدموا مواد جاهزة لتكون نشرة داخل تلك العلب المسوَّقة.

 

ولا غرو أن يفتي بعض كبار العلماء بمنع هذه الوسيلة، والتحذي منها، ومنهم: الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، فقد سئل عنها، فأجاب:

هذا عمل لا يليق، تشبيه الاستغفار – وهو عبادة – تشبيهه بالبندول: هذا فيه تنقص من الاستغفار، فهذا لا يجوز، هذا العمل لا يجوز، لأن معناه أن العبادة تشبَّه بالبندول، والعبادة أمرها عظيم، والبندول دواء فقط ، فكيف تشبه العبادة بالبندول؟! هذا فيه تنقص للعبادة. انتهى.

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=181680

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

ما هي أطول مدة تمكثها المرأة وهي حامل؟

ما هي أطول مدة تمكثها المرأة وهي حامل؟

السؤال:

أولًا: جزاكم الله خيرًا على جهدكم الطيب المبارك في هذا الموقع.

ثانيًا: أود أن أعرف ما هي أكثر مدة للحمل، وما أطول مدة له؛ حيث إني قد دار نقاش بيني وبين الوالد بعد قراءة فتوى لكم بهذا الخصوص، حيث إن الوالد من أهل الاختصاص في مسائل الحمل، حيث إنه يعمل طبيب أشعة تشخيصية، وهو يقول باستحالة هذا الحمل طبًّا، وإن كان قد حدث قبل ذلك، وهو ما استنكره بشدة، فهو غالبا لم يكن حملًا حقيقيًّا، وإنما اشتباه بحمل، أو حمل كاذب، وقد استدل الوالد بآية ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا )، كما استدل بأدلة طبية كثيرة تمنع هذه المدة من طول الحمل ويقول أنه بذلك قد فتح الباب لإلحاق أحد الأولاد برجل ليس هو أباه!.

وما جاء في الفتوى هو كلام العلماء رحمهم الله جميعا، غير أنه لم يستدل بحديث إلا بحديث ( الولد للفراش ) متفق عليه، وما أعرفه أن هذا الحديث عن عائشة قالت‏:‏ ‏” ‏اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال سعد :‏ يا رسول اللّه ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة‏ :‏ هذا أخي يا رسول اللّه ولد على فراش أبي فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى شبهه فرأى شبهًا بيِّنا بعتبة فقال :‏ ( هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ) قال :‏ فلم ير سودة قط‏‏‏.‏

ففي هذا لم يذكر مدة حمل وغير ذلك مما استدل به على هذه المسألة.

أفتونا مأجورين، هل هناك تناقض بين الدِّين والعلم، مع أن القرآن قد وقَّت للحمل والرضاعة عامين وستة أشهر على الأكثر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن مسألة ” أطول مدة لحمل المرأة ” من أكثر مسائل الخلاف بين علماء الشرع، وهي ضيقة الخلاف عند الأطباء، وأضيق منها في قوانين الأحوال الشخصية في غالب العالم العربي.

* أما عند علماء الشرع: فقد اختلفوا في أقصى مدة تمكثها المرأة وهي حامل إلى أقوال:

  1. أقصى مدة للحمل: هي المدة المعهودة، وهي تسـعة أشـهر، وبه قال داود، وابن حزم الظاهرييْن.
  2. أقصى مدة للحمل: سنَة واحدة، وهو قول محمد بن عبد الحكم، واختاره ابن رشد.
  3. سنتان، وهو مذهب الحنفية.
  4. ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد.
  5. أربع سنين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأشهر القولين عند المالكية.
  6. خمس سنين، وهي رواية عن الإمام مالك.
  7. ست سنين، وهي رواية عن الزهري، ومالك.
  8. سبع سنين، وبه قال ربيعة الرأي، وهي رواية أخرى عن الزهري، ومالك.
  9. لا حد لأكثر الحمل، وهو قول أبي عبيد، والشوكاني، وقال به من المعاصرين: المشايخ: الشنقيطي، وابن باز، والعثيمين.

انظر: ” المحلى ” لابن حزم ( 10 / 316 )، ” المُغني ” لابن قدامة المقدسي ( 9 / 116 )، ” أضواء البيان ” ( 2 / 227 ).

وأما عند الأطباء: فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال:

  1. عشرة أشهر.
  2. 310 يومًا.
  3. 330 يومًا.

وأما في قوانين الأحوال الشخصية في غالب البلاد العربية: فقد ذهبوا إلى تحديد المدة بسنة، ومنهم من حسبها باعتبارها سنة شمسية – وهم الأكثر -، ومنهم من نصَّ على كونها سنَة قمرية.

ثانيًا:

والذي يظهر لنا ويترجح من الأقوال: أن أقصى مدة حمل للمرأة ما بين التسعة أشهر إلى السنَة، وهو قول ابن عبد الحكم، وابن رشد، رحمهما الله، وليس بعيدًا عن قول الأطباء، وهو مطابق لقوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلاد الإسلامية؛ وهذا أمرٌ يُدرك بالمشاهدة، واليقين، وهو ما لم يتوفر عند علماء الشرع الأقدمين، وما قاله أولئك الأعلام إنما هو بحسب ما كانت تدَّعيه بعض النساء في زمانهم، وقد يكون كذبًا، أو وهمًا، أو حملًا كاذبًا، أو خطأ في الحساب، وكل ذلك محتمل، وما قاله أولئك الأعلام من امتداد مدة الحمل إلى سنوات تصل إلى السبعة: فهو أمرٌ مرفوض في عالم الطب، وعالم الإنجاب الواقع بالمشاهدة، والمتابعة، ولذا رفضه غالب الباحثين المعاصرين من الأطباء، والعلماء، وطلبة العلم الشرعي.

* وقد سبق لابن حزم تكذيب تلك الأخبار الصادرة من أولئك النسوة المجهولات -غالبًا-، فقال رحمه الله- تعليقًا على الأخبار التي تروى عن نساء حملن لعدة سنين: 

وكلُّ هذه: أخبارٌ مكذوبةٌ، راجعةٌ إلى مَنْ لا يَصْدق، ولا يُعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا.

” المحلى ” ( 10 / 316 ).

ثالثًا:

وقد استدل من قال من الفقهاء بامتداد مدة الحمل إلى سنوات كثيرة بأدلة، وأقوال، وآثار، لا يسلم منها شيء من النقد، وقد تتبعها ابن حزم رحمه الله بالتضعيف، والإنكار، ومن أشهر تلك الأدلة والآثار:

  1. عن أَبي ذَرٍّ قال: لَأَنْ أَحْلِفَ عَشْرَ مِرَارٍ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ هُوَ الدَّجَّالُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ.

قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي إِلَى أُمِّهِ قَالَ: ( سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ ) قَالَ: فَأَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيْهَا فَقَالَ: ( سَلْهَا عَنْ صَيْحَتِهِ حِينَ وَقَعَ ) قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا ….

رواه أحمد ( 35 / 246، 247 ) وقال المحققون: ” حديث منكر، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الحارث بن حصيرة … وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا، وله غير حديث منكر … “.

وهذه اليهودية قد تكون واهمة، أو كاذبة – لو صحَّ قولها -، فليس هو كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الثابت عنه، وإلا لما ترددنا بالقول به.

  1. عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “مَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْلِ عَلَى سَنَتَيْنِ.

رواه الدارقطني في ” سننه ” ( 3 / 322 )، والبيهقي في ” سننه ” ( 7 / 434 ).

وهو أثر ضعيف، فابن جريج مدلس، ولا يُعرف له سماع من جميلة، وجميلة مجهولة، لا يُعرف لها سماع من عائشة.

 

رابعًا:

وبخصوص من قال بما رجحناه:

  1. جاء في التوصيات الصادرة عن ” المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ” في موضوع ” أقصى مدة الحمل ” – الندوة الثالثة سنة 1987 م -:

يستمر نماء الحمل منذ التلقيح حتى الميلاد معتمدًا في غذائه على المشيمة، والاعتبار: أن مدة الحمل بوجه التقريب: مائتان وثمانون يومًا، تبدأ من أول أيام الحيضة السوية السابقة للحمل.

فإذا تأخر الميلاد عن ذلك: ففي المشيمة بقية رصيد يخدم الجنين بكفاءة لمدة أسبوعين آخرين, ثم يعاني الجنين المجاعة من بعد ذلك، لدرجة ترفع نسبة وفاة الجنين في الأسبوع الثالث والأربعين, والرابع والأربعين, ومن النادر: أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعين أسبوعًا.

ولاستيعاب النادر والشاذ: تُمد هذه المدة اعتبارًا من أسبوعين آخرين، لتصبح ثلاثمائة وثلاثين يومًا, ولم يُعرف أن مشيمة قدِرت أن تمدَّ الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة, وقد بالغ القانون في الاحتياط مستندًا الى بعض الآراء الفقهية، بجانب الرأي العلمي, فجعل أقصى مدة الحمل: سنَة. انتهى.

  1. وقد ذكر الأستاذ عمر بن محمد بن إبراهيم غانم في خاتمة كتابه ” أحكام الجنين في الفقه الإسلامي ” النتائج التي توصل إليها، ومنها:

– إن أقصى مدة للحمل هي: سنَة قمرية واحد ، ولا عبرة لما ذهب إليه الفقهاء من أقوال تزيد عن هذه المدة، بنيت على الظنون، والأوهام، ولا أساس لها من الحقيقة، بل إن معطيات العلم الحديث تبددها.

انتهى

  1. وقال الدكتور محمد سليمان النور في مقاله ” مدّة الحمل بين الفقه والطب وبعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة “:

وترجح للباحث أنها ثلاثمائة وثلاثون يومًا، ويمكن أن تزيد إذا ثبت بالفحص ما يتسمى عند الأطباء بـ ” السبات “، وهو يحدث عندما يتم الحمل، وفي مرحلة ما يتوقف هذا الحمل عن النمو لفترة، لكنه موجود حيٌّ، وفق الفحوصات، والاختبارات الطبية، فتزيد مدة الحمل بقدر زيادته، واختلف الأطباء في أكثر مدة الحمل على ثلاثة آراء: أنها: عشرة أشهر، ( 310 ) يومًا، ( 330 ) يومًا، وهي آراء متقاربة، وأحوطها: الرأي الأخير، وعلل بعض الأطباء حكايات الحمل الممتد لسنين بعدة تعليلات، وهي: الحمل الوهمي أو الكاذب، الخطأ في الحساب من بعض الحوامل، ظهور أسنان عند بعض المولودين حديثًا، موت الحمل في بطن أمه وبقاؤه فيها مدة طويلة، عدم صحة هذه الأخبار.

وذهبت قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة، ومشروعات قوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلاد الإسلامية: إلى أن أكثر مدة الحمل: سنًة واحدة.

” مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الكويتية “، عدد شعبان، 1428 هـ.

  1. وقال الدكتور عبد الرشيد بن محمد أمين بن قاسم:

وبالتأمل في الأقوال السابقة: يظهر لي: أن أقصى مدة الحمل التي تبنى عليها الأحكام الشرعية: هي المدة المعهودة، تسعة أشهر، والتي قد تزيد أسابيع محدودة، كما هو الواقع، أما المدد الطويلة: فهي نادرة، والقاعدة الفقهية أن ” الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها “، والقاعدة: ” العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له “، والواقع المعاصر يبدِّد وهم القائلين بامتداد حمل امتد لسنوات، حيث يولد في العام الواحد عشرات الملايين من البشر، ولو قدِّر وجود أمثال هذا الحمل: لتناقلته وسائل الإعلام، والأطباء، حيث أنهم يهتمون بنقل ما هو أقل من هذا الحدَث بكثير، وقد اختار هذا الرأي: عامة الباحثين المعاصرين، الذين تناولوا هذه المسألة.

” أقل وأكثر مدة الحمل، دراسة فقهية طبية ” ( ص 10 ) – ترقيم الشاملة -.

 

وعليه:

فالذي نراه صوابًا: هو ما سبق ذِكره، وأنه لا ينبغي أن تزيد مدة حمل المرأة عن سنَة قمرية واحدة، ومرجع هذه المسألة: هو الحس، والواقع المشاهَد، وهو عمل الأطباء، ولا يمنع هذا الذي رجحناه وجود حملٍ لأكثر من هذا، لكنه نادر، ولا ينبغي جعل النادر قاعدة، ولا عدده حدًّا أعلى، لكن لا بدَّ من ثبوت ذلك باليقين، وبخصوص مسألتنا: لا بدَّ أن يكون الحمل ثابتاً قبل وفاة الزوج، أو تطليقه.

 

* قال ابن رشد – رحمه الله -:

وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة، والتجربة، وقول ابن عبد الحكم، والظاهرية: هو أقرب إلى المعتاد، والحُكم: إنما يجب أن يكون بالمعتاد، لا بالنادر ، ولعله أن يكون مستحيلًا.

” بداية المجتهد ” ( 2 / 358 ).

 

* وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عُرف من أمر النساء.

” الاستذكار ” ( 7 / 170 ).

 

والله أعلم.

 

 

التفصيل في حكم ” عقود الصيانة ” ومتى يكون لها حكم ” التأمين التجاري “

التفصيل في حكم ” عقود الصيانة ” ومتى يكون لها حكم ” التأمين التجاري ”

السؤال:

بعدما سمعت أن بعض المشايخ أجازوا ” التأمين التجاري ” بحكم أنه يشبه حماية القوافل في الماضي: خطر في بالي هذا التساؤل:

ما الفرق بين التأمين التجاري، وعقود الصيانة العامة؟ وأعني بعقود الصيانة: هي أنني صاحب منشأة حكومية – كوزارة التجارة مثلًا – أكتب عقدًا مع شركةٍ ما للصيانة، أدفع لها سنويًّا مبلغًا وقدره مليون ريال – مثلًا -، ومقابل هذا المبلغ: أتكفل بصيانة الكهرباء، والسباكة، من ناحية أجور اليد فقط – وقد يكون حساب القطع عليهم، أو على شركة الصيانة -، طبعًا وقلْ مثل ذلك في صيانة أجهزة الحاسب الآلي للشركات الكبرى، أو البنوك، وقل مثله في عقود صيانة البرامج المحاسبية – مثلًا -….  الخ.

أرجو أن تكون الصورة وضحت.

إذا كان هذا العقد جائزًا: فما الفرق بينه وبين عقد التأمين التجاري؟ شركة التأمين تأخذ مني مبلغًا مقابل أن تصلح لي سيارتي، وشركة الصيانة تأخذ من الوزارة مبلغًا مقابل إصلاح ما فسد في السباكة، والكهرباء.

شركة التأمين لديها التزامات مالية – تكاليف قانونية، استئجار معارض، موظفون، معدات، وأجهزة … الخ -، وشركة الصيانة لديها التزامات مالية – تكاليف قانونية، موظفون، معدات، وأجهزة … الخ -.

فما الفرق بينهما؟ هذا ما دار في نفسي من تساؤل.

  1. هل هناك فرق دقيق بينهما لم أنتبه إليه يجيز عمل شركة الصيانة، ويحرم عمل شركة التأمين؟ .
  2. إذا كان عمل شركة الصيانة حرامًا: فمعناه أن كل مال تساهم به في هذه الشركة هو مال حرام، هل هذا صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” عقود الصيانة ” من العقود المستحدثة، وقد اختلف العلماء في تخريجها على ما يناسب حالها من أبواب الفقه، وبسبب اختلاف صور عقود الصيانة: فإنه تختلف تبعًا لذلك أحكام تلك العقود، فليست كل عقود الصيانة جائزة، بل منها ما هو محرَّم لا يحل إنشاؤه.

 

 

ويمكننا جمع أشهر صور تلك العقود مع بيان أحكامها فيما يأتي:

  1. أن تتكفل الشركة البائعة للجهاز بالصيانة الدورية، أو بالصيانة في حال حدوث خلل فيه، وقد تكون الصيانة مجرد إصلاح، وقد تكون مع وضع قطع بديلة لما يتلف منها، على أن تكون هذه القطع البديلة يسيرة لا يعتبر العاقدان لها حسابًا في العادة.

وحكم تلك الصور جميعها: الجواز، ويجوز للشركة البائعة أن ترفع سعر بيع الجهاز إن كان مشتملًا على تلك الخدمات.

  1. أن تتكفل ” شركة صيانة ” – وليس الشركة البائعة – بالفحص الدوري على الجهاز – أسبوعيًّا، أو شهريًّا – مقابل مبلغ معيَّن، ويُعرف في العقد عدد الأجهزة المراد فحصها وصيانتها، وتعرف نوعية الصيانة، ويكون العقد لمدة محدودة.

وحكم هذا العقد: الجواز، ويخرَّج على عقود ” الإجارة “، ويشترط لجوازه – بالإضافة لما سبق – أن لا يشتمل عقد الفحص والصيانة على توفير قطع غيار لما يتلف من قطع الجهاز، وإلا صار عقد مقامرة.

فإن كانت المواد المستعملة في الصيانة يسيرة لا يُحسب لها حساب في العادة، أو كانت معروفة أنها من لوازم الصيانة، أو كانت المواد – من قطع غيار وغيرها – على صاحب الجهاز: لم يكن ذلك بمانع من القول بحل ذلك العقد، فهو عقد جائز.

  1. أن يشتمل عقد الصيانة مع الفحص الدوري على استبدال القطع التالفة بأخرى جديدة.

وحكم هذا العقد: التحريم؛ لأنه يشتمل على الغرر الفاحش، وهو عقد مقامرة، فقد يكون ثمن القطع الجديدة أضعاف قيمة عقد الصيانة، وقد لا تحتاج الأجهزة لتبديل قطع شيء منها، وصاحب الجهاز في هذه الحال إما أن يكون ” غانمًا” ، أو ” غارمًا”، وهذا هو ضابط عقود المقامرة، فيغنم صاحب الجهاز في حال حصوله على قطع غيار بأكثر مما دفعه لشركة الصيانة، وقد يغرم بأن لا تحتاج أجهزته لقطع غيار، فيضيع عليه ما دفعه لهم.

وهذه الصورة من عقود الصيانة تشبه ” عقود التأمين التجاري المحرَّم.

  1. أن يكون عقد الصيانة ليس دوريًّا، ولكن على حسب حصول الخلل في الأجهزة المعقود عليها، فإذا حصل خلل فيها: تمَّ استدعاء شركة الصيانة، وإن لم يحصل خلل: لا يأتي أحد لرؤيتها.

وحكم هذا العقد: التحريم، وهو عقد مقامرة، وقد سبق البيان في توضيح ذلك في النقطة السابقة، وفي هذا الحال فإن الغنم لصاحب الجهاز بكثرة تعطل الجهاز، وكثرة مجيء شركة الصيانة لصيانته، ويحصل له الغرم في حال انتهاء العقد دون حصول خلل في الجهاز.

 

 

ومثله – للفائدة -:

العقود التي تُجرى مع أطباء، أو مستشفيات، فما كان منها معقودًا على فحص دوري: فهو جائز، وما كان منها عند حصول طارئ، أو حدوث مرض، أو كان العقد مشتملًا على أدوية: فهو عقد محرَّم؛ لأنه عقد غرر، وميسر – مقامرة -.

وهذه الصورة – أيضًا – من عقود الصيانة تشبه ” عقود التأمين التجاري المحرَّم.

 

ثانيًا:

وأما الفتاوى الواردة عن اللجان العلمية، والمشايخ فيما سبق ذِكره وتفصيله: فنذكر منها:

  1. قرار ” مجلس مجمع الفقه الإسلامي “:

ففي قرار رقم: 103 ( 6 / 11 ) بشأن ” عقد الصيانة ” قال ” المجمع “:

الحمد لله رب العالمين، والسلام على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله ، وصحبه، وسلم.

أما بعد:

فإن ” مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي ” المنبثق عن ” منظمة المؤتمر الإسلامي ” في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من 25 – 30 رجب 1419 هـ ( 14 – 19 نوفمبر 1998 ) : بعد اطِّلاعه على الأبحاث المقدمة إلى ” المجمع ” بخصوص موضوع ” عقد الصيانة “، واستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله:

قرر ما يلي:

أولًا: عقد الصيانة هو عقد مستحدث مستقل تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود، ويختلف تكييفه، وحكمه، باختلاف صوره، وهو في حقيقته عقد معاوضة، يترتب عليه التزام طرف بفحص وإصلاح ما تحتاجه آلة، أو أي شيء آخر، من إصلاحات دورية، أو طارئة، لمدة معلومة ، في مقابل عِوض معلوم، وقد يلتزم فيه الصائن بالعمل وحده، أو بالعمل والمواد.

ثانيًا: عقد الصيانة له صور كثيرة، منها ما تبين حكمه، وهي:

  1. عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر، يلتزم فيه الصائن بتقديم العمل فقط، أو مع تقديم مواد يسيرة لا يعتبر العاقدان لها حساباً في العادة.

هذا العقد يكيَّف على أنه عقد إجارة على عمل، وهو عقد جائز شرعًا، بشرط أن يكون العمل معلوماً، والأجر معلومًا.

  1. عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر، يلتزم فيه الصائن تقديم العمل، ويلتزم المالك بتقديم المواد.

تكييف هذه الصورة، وحكمها: كالصورة الأولى.

  1. الصيانة المشروطة في عقد البيع على البائع لمدة معلومة.

هذا عقد اجتمع فيه بيع وشرط، وهو جائز، سواء أكانت الصيانة من غير تقديم المواد، أم مع تقديمها.

  1. الصيانة المشروطة في عقد الإجارة على المؤجر، أو المستأجر.

هذا عقد اجتمع فيه إجارة وشرط ، وحكم هذه الصورة: أن الصيانة إذا كانت من النوع الذي يتوقف عليه استيفاء المنفعة: فإنها تلزم مالك العين المؤجرة من غير شرط، ولا يجوز اشتراطها على المستأجر، أما الصيانة التي لا يتوقف عليها استيفاء المنفعة: فيجوز اشتراطها على أيٍّ من المؤجر، أو المستأجر، إذا عُيِّنت تعيُّنًا نافيًا للجهالة.

وهناك صور أخرى يرى ” المجمع ” إرجاءها لمزيد من البحث، والدراسة.

ثالثًا: يشترط في جميع الصور: أن تعيَّن الصيانة تعيينًا نافيًا للجهالة المؤدية إلى النزاع، وكذلك تبيين المواد إذا كانت على الصائن، كما يشترط تحديد الأجرة في جميع الحالات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.

” مجلة المجمع ” ( العدد الحادي عشر ج 2، ص 5 ).

  1. * سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

صاحب شركة صيانة سيارات يسأل عن عقد الضمان وصورته: أن يتعاقد صاحب شركة الصيانة مع صاحب معرض سيارات مستعملة، أو ما يسمَّى بصالات السيارات المستعملة، وخاصة المستوردة من الخارج، فيقوم صاحب الشركة بفحص السيارة، ويعطي شهادة ضمان على السيارة السليمة مدة محددة على حسب صلاحية السيارة، على أن يدفع صاحب المعرض – أو الصالة – مبلغًا مقطوعًا مرة واحدة، ويتكفل صاحب الشركة بضمان السيارة تلك المدة المحددة بحيث لو حصل للسيارة عطل: فإن مشتري السيارة من المعرض يرجع على صاحب الشركة الضامنة، فتقوم بإصلاح السيارة بدون دفع مال، بشرط أن لا يقوم المشتري عند حصول عطل بإصلاح السيارة في مكان آخر.

ويستثنى من الأعطال ما هو خارج عن الإرادة مثل حوادث السيارات.

فأجاب:

نرى أن مثل هذا لا يجوز ؛ فإنه داخل في عمل ” التأمين ” الذي رَجَّح العلماء عدم جوازه؛ وذلك لأن صاحب المعرض – أو صاحب صالات السيارات – يدفع مبلغاً محددًا لشركة الصيانة، سواءً حصل أعطال، أو لم يحصل، فتارة لا يحصل تعطيل لهذه السيارات: فيأخذ صاحب شركة الصيانة ذلك المال من صاحب المعرض في غير مقابل، ولا يرد عليه شيئًا؛ حيث لا يحصل ما يحتاج إلى الإصلاح.

وأحيانًا قد يحصل تعطيل كثير في السيارات، ينفق عليها صاحب شركة الصيانة أموالًا طائلة أكثر مما دفعه له صاحب صالات السيارات المستعملة، فيتضرر صاحب الشركة، ثم إن هذا التعاقد، وهذا الضمان قد يسبِّب أن أكثر المشترين يتهورون، ويخاطرون في مسيرهم، فتكثر الحوادث، ويحصل أنواع التعطيل، وإذا نصحوا باستعمال الرفق يحتجون بأن السيارة مضمونة لمدةٍ محددة كسنَة، أو أكثر.

فعلى هذا نقول: إن على صاحب المعرض – أو ما يسمى بصالات السيارات المستعملة – سواءً مستوردة من الخارج، أو غير مستوردة: أن يفحص سياراته بنفسه، أو يستأجر عُمَّالًا يفحصونها، ويصلحون ما فيها من الأخطاء، ثم يبيعونها، ولا بأس أن يضمنوا للمشتري إصلاحها لمدة محددة، ولأشياء خاصة، باستثناء الحوادث المرورية، وما أشبهها.

” الفتوى رقم 816 ” من موقع الشيخ رحمه الله.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=816&parent=4193

وفتوى الشيخ رحمه الله مطابقة لوضع الصورة الرابعة التي ذكرناها سابقًا، وهي الصيانة عند حدوث الخلل في الجهاز المباع.

وما ذكره أخيرًا – رحمه الله – يطابق وضع الصورة الأولى، وهو ضمان التصليح من الشركة البائعة للجهاز – أو الآلة -، بخلاف ما قبله فإن الضمان فيها على ” شركة الصيانة ” لا على ” الشركة البائعة “.

  1. وقال الشيخ سامي السويلم – حفظه الله -:

إذا كانت الشركة البائعة للأجهزة هي التي تقوم بالصيانة: فلا مانع من ذلك، ولا مانع من أن يختلف المبلغ المدفوع للصيانة تبعًا لاختلاف الخدمة ذاتها، أما أن تقوم شركات بالصيانة غير الشركات التي باعت السلعة: فلا يجوز؛ لأنه يكون صورة من صور التأمين التجاري المحرم، وبذلك يتبين حكم عقد الصيانة، فالضمان الذي تقدمه شركة الصيانة تابع للعمل الذي تقوم به، وهو عمل الصيانة الدورية، وهذه الصيانة الدورية من شأنها أن تقلل من احتمالات وقوع الخلل، ومن ثم تقلل من الحاجة للضمان ابتداء، أما إذا كان عقد الصيانة مجرد ضمان بلا عمل يدرأ الخطر: فهو تأمين تجاري بحت.

http://almoslim.net/node/54932

 

 

 

 

ثالثًا:

وما ذكرناه سابقًا من صور عقود الصيانة الجائزة لا ينطبق على أمرين:

أ. على المؤسسات الربوية كالبنوك، أو المصانع التي تنتج المحرمات، كمصانع الخمور، والدخان، أو الشركات التي تبيع المنكرات، كشركات اللحوم والدجاج التي تُذبح بغير طريقة شرعية، أو مواقع الإنترنت ومنتدياتها التي تدعو لبدعة، أو فسق، أو فجور، أو الممتلكات التي تعود لأشخاص يستعملونها في المعصية، أو البدعة.

 

ب. كما لا ينطبق ما ذكرناه من صور عقود الصيانة الجائزة على الأجهزة التي تستعمل في المحرمات، يقينًا، أو بغلبة الظن، كأجهزة التلفاز، أو أجهزة بث القنوات غير الإسلامية.

 

وبما سبق يتبين عدم دقة القول أن عقود الصيانة تشبه عقود التأمين التجاري المحرَّم  فليس الأمر كذلك مطلقًا، ولا هو بالمنفي مطلقًا.

 

والله أعلم.

 

 

شرح حديث ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم )

السؤال:

شرح حديث ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم ) ومن هم الخلفاء في الحديث:

جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذهب نبي خلفه نبي، وأنه ليس كائن بعدي نبي فيكم، قالوا: فما يكون يا رسول الله؟ قال: تكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم )

أرجو أن تشرحوا لي هذا الحديث، وهل هناك خلفاء في يومنا هذا؟ وهل يوجد اليوم من يجب علينا معاملته كخليفة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنْه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ). رواه البخاري ( 3268 ) ومسلم ( 1842 ).

وأما شرحه:

* فقد قال الحافظ العيني – رحمه الله -:

قوله ( تسوسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) أي: تتولى أمورهم، كما تفعل الأمراء، والولاة، بالرعية.

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه؛ وذلك لأنهم كانوا إذا أظهروا الفساد بعث الله نبيّاً يزيل الفساد عنهم، ويقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غيَّروا من حكم التوراة .

قوله: ( خَلَفَه نبي ) بفتح اللاَّم المخففة، يعني: يقوم مقام الأول، والخلَف بفتح اللام، وسكونها: كلُّ مَن يجيء بعد مَن مضى، إلا أنه بالتحريك: في الخير، وبالسكون: في الشر، قال الله تعالى ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِم خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ ).

قوله ( لا نبي بعدي ) يعني: لا يجيء بعدي نبي فيفعل ما يفعلون.

قوله ( خلفاء ) جمع خليفة.

قوله ( فيكثرون ) بالثاء المثلثة من الكثرة، وحكى عياض عن بعضهم بالباء الموحدة، وهو تصحيف، ووجه: بأن المراد إكبار قبايح فعلهم.

قوله ( فُوا ) بالضم، أمرٌ لجماعة مِن ” وفى، يَفي ” والأمر منه: ” فِ، فِيَا، فُوا “.

قوله ( بيعة الأول فالأول ) معناه: إذا بويع لخليفة بعد خليفة: فبيعة الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني: باطلة، يحرم الوفاء بها، سواء عقدوا للثاني عالِمين بعقد الأول، أو جاهلين، وسواء كانا في بلديْن، أو أكثر، وسواء كان أحدهما في بلد الإمام المنفصل، أم لا.

ولم يبين حكم الثاني في هذا، وهو مبيَّن في رواية أخرى: ( فاضربوا عنقه )، وفي رواية أخرى ( فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان.

قوله ( أعطوهم حقَّهم ) أي: أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة؛ فإن الله يحاسبهم بالخير والشر عن حال رعيتهم.

” عمدة القاري ” ( 16 / 43 ) باختصار يسير.

* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، أي: تُبعث فيهم الأنبياء، فيصلحون من أحوالهم، … فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له الخلفاء، خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث: خلفاء السلطة.

ولهذا قال ( سيكون خلفاء ويكثرون، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ ) يعني: مَن نَفِي ببيعته؟ قال: ( الأول فالأول ) فإذا بايعوا الخليفة: وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كل من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على مَن أراد الخلافة في حياته؛ لأن كل من نازع السلطان في سلطانه: فإنه يجب أن يقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة؛ فإن الناس لو تُركوا فوضى وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزبًا يقاتل به السلطان: فسدت الأمور.

وفي آخر الحديث حمَّل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الخلفاء ما عليهم، وأمَرَنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، وأن نسأل الله الذي لنا، لا نقل ” هؤلاء ظلموا “، ” هؤلاء جاروا “، ” هؤلاء لم يقوموا بالعدل “، ثم ننابذهم، ولا نطيعهم فيما أَمرنا الله به، لا ، هذا لا يجوز فيجب أن نوفي لهم بالحق وأن نسأل الله الحق الذي لنا ….

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تسوسهم الأنبياء ): دليل على أن دين الله – وهو دين الإسلام – في كل مكان، وفي كل زمان: هو السياسة الحقيقية النافعة، وليس السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.

السياسة – حقيقية -: ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول: إن الإسلام شريعة وسياسة، ومَن فرَّق بين السياسة والشريعة: فقد ضل.

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 634 – 637 ) باختصار.

وقد حصل ما قاله صلى الله عليه وسلم من كثرة الخلفاء، لذا قال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

” شرح مسلم ” ( 12 / 231 ).

ثانيًا:

والأصل أن يكون للمسلمين في جميع أقطار الأرض – ولو تباعد بعضها عن بعض – خليفة واحد، وله في الأمصار أمراء، ونوَّاب، وبعض أهل العلم جوَّز وجود خليفتين في الأقطار المتباعدة، وفي العصور الأخيرة فُرض واقع البيعة للخليفة والإمام على كل قُطر، ولو كان الآخر قريبًا منه، وهو واقعنا الحالي، ولا يختلف علماء العصر في السمع والطاعة للمسلم المتولي عليهم ، الذي يحكمهم بالقرآن والسنَّة ؛ إذ هذه هي الإمارة، كما عرَّفها الماوردي رحمه الله حيث قال في ” الأحكام السلطانية ” ( ص 3 ): ” الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدِّين، وسياسة الدنيا “، وفي الحديث إشارة إلى هذا التعريف، حيث يقوم السلطان مقام النبي الحاكم من بني إسرائيل، وحيث لا نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم: فالسلطان يقوم مقام النبي في حراسة الدين، ويقوم بوظيفة الحاكم بسياسة الدنيا، كما أنه يقوم العلماء بوظيفة النبي في التعليم، ولذا جاء في الحديث ( العُلُمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) رواه الترمذي ( 2682 ) وأبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

فحيث وُجد الحاكم المسلم الذي يتبنى الشرع دينًا، ويقوم على حراسته، وتنفيذه: فهو من خلفاء النبوة، وتجب له البيعة، والطاعة، ولو تعدد هؤلاء السلاطين والحكام في الأقطار، وأما في البلد الواحد: فلا يجوز أن يبايع لخليفتين، بل البيعة للأول منهما.

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه، مربوطة به، كما كان في أيام الصحابة، والتابعين، وتابعيهم: فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول: أن يُقتل إذا لم يتب عن المنازعة، وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد: فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما، فإن استمرا على الخلاف: كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك.

وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه: فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلى إمام، أو سلطان، وفي القطر الآخر – أو الأقطار – كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر، ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله: كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار؛ فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها، أو سلطانها، ولا يدرى من قام منهم، أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه: تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد؛ فإن أهل الصين، والهند: لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب، فضلًا عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمين، وهكذا العكس، فاعرف هذا؛ فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفَرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن: أوضح من شمس النهار، ومَن أنكر هذا: فهو مباهت، لا يستحق أن يُخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها.

” السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ” ( ص 940، 941 ).

 

والله أعلم.

 

 

حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك

حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك

السؤال:

لدي مشكلة غريبة جدًّا، زوجي الذي يتميز بطبعه الحريص جدًّا، لديه طابع سيء جدًّا، فعندما تواجهنا بعض الصعوبات: يقول أشياء مثل: ” لماذا يفعل الله معنا نحن هكذا من دون الناس؟ “، و ” إن الله تعالى يستهزئ بنا، وهو الآن يضحك علينا!! ” ( أستغفر الله )، ولكنني أرى هذه الصعوبات كفارة لسيئاتنا، أما هو فليس عنده سوى هذه الكلمات، وإنني في هذه الحالة أظل صامتة؛ لأنني من خلال تجربتي معه: رأيت أن محاولة إسكاته تزيد الطين بلة، أما إن بقيت صامتة: فإنه يسكت بعد جملة، أو جملتين.

وسؤالي هو: هل أفعل الصواب؟ أشعر أنه عليَّ إسكاته بطريقة ما، وأن أجعله يظل صامتًا، ولكنني بالفعل لا أدري ماذا أفعل؟ أسأل الله تعالي أن يغفر لزوجي، ولكن ماذا ترى أني فاعلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قاله الزوج عظيم في حق الله، يبعث على الأسى، ويصيب القلب بالكمد ، فكيف لمسلم أنعم الله تعالى بخير دين، وأنعم الله بنعَم لا يمكنه إحصاءها، ثم يأتي ويعترض على قدر الله تعالى، ويطعن بحكمته؟! إنها لإحدى الكُبَر، ثم لا يكتفي بهذا حتى يجعل ربه تعالى في موقف الساخر منه، المستهزئ به، الضاحك عليه! فكيف يجرؤ من أنعم الله عليه بلسان يتكلم أن ينطق بهذا؟! وكيف لمنتسب للإسلام أن يتفوه بذلك الكلام العظيم في حق ربه عز وجل؟!.

إن ما قاله الزوج من الاعتراض على قدر الله تعالى، والطعن بحكمته، وسؤاله لماذا يفعل الله معنا هكذا “: فهو من التسخط على قدر الله، وهو من كبائر الذنوب، وقد يؤدي به إلى الكفر المخرج من الملة ؛ فهو طريق موصل إلى الردة، والله تعالى له الحكمة البالغة فيما يفعل ويقدِّر، وهو تعالى ( لاً يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلونَ ) الأنبياء/ 23.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ). رواه الترمذي (2396) وابن ماجه (4031)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

 الناس حال المصيبة على مراتب أربع:

المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:

النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه، يغتاظ مما قدَّره الله عليه : فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ).

النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل، والثبور، وما أشبه ذلك ، وهذا حرام.

النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 110 ).

ثم إن العبد إذا ابتليَ بالمصائب لم يكن ذلك علامة على أنه غير مرضي عند الله، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير الناس، وأعلم الناس، وأخشاهم، وأتقاهم، قد ابتلي كثيرًا، فاتهم في عقله، وطعن في عرضه، وجُرح وكُسرت رَباعيته، مع ما لاقاه صلى الله عليه وسلم من الأذى من كفار قريش، وسفهاء الطائف، وغيرهم، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد صحَّ عنه أنه قال ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) رواه أحمد.

فالمتسخط على قدر الله تعالى، وعلى ما ابتلاه به من شدَّة وصعوبة: قد أخطأ في ظنه أنه ما ابتلاه الله إلا من سخطه عليه، لذا فإن الصبر على ما يقدره الله تعالى على العبد: من واجبات الإيمان المحتمات، والرضا به من المستحبات، والتسخط من المحرمات.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله – تعليقًا على الحديث السابق وما في معناه -:

و في هذه الأحاديث: دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيمانًا: ازداد ابتلاء، وامتحانًا، والعكس بالعكس، ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام، الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء، كالحبس، أو الطرد، أو الإقالة من الوظيفة، ونحوها: أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! و هو ظن باطل، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر: كان أشد الناس – حتى الأنبياء – بلاءً ، فالبلاء – غالبًا – دليل خير، وليس نذير شر.

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 144 ).

ثانيًا: وإن تصوير زوجكِ الربَّ تعالى بما قاله في حقه: من استهزائه به، وضحكه عليه: كل ذلك من الكفر المخرج من الملة؛ لدخوله في تنقيص قدر الرب تعالى، ولدخوله في حكم الاستهزاء به عز وجل، ولتشبيه الله تعالى بأفعال الناقصين من البشر، وكل ذلك كفر بالله تعالى ، لا يُختلف فيه.

قال تعالى: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) التوبة/ 65.

ولو كان مثل الوصف منه في حق النبي صلى الله عليه وسلم لكان كفرًا بإجماع المسلمين، فكيف وقد جعله في الله تعالى؟!.

– ولينظر الإجماع في كفر المنتقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم: في أجوبتنا الأخرى.

وليس شرطًا أن يكون ذلك الزوج عالماً أنه قد جاء بالكفر المخرج من الملة، فالحكم على فعله وقوله هو للشرع، وليس له.

* شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في شرح الآيات السابقة -:

فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ، فبيَّن أن الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله: كفرٌ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرَفوا أنَّه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 273 ).

ثالثًا:

ولذا فعلى الأخت السائلة أن تعلم هذا، وأن تُخبر به زوجها، وعليها أن تطلب منه أن يتلفظ بالشهادتين، ويتوب على ما صدر منه من كلمات، ويندم عليها، ويعزم على عدم العود لها ، أو لمثلها.

وإلى ذلك الحين: فنرى أنه يحرم على الأخت أن تمكنه من نفسها، وأن تظهر عليه بزينتها؛ لأن عقد الزوجية مفسوخ، حتى يعلن رجوعه إلى الإسلام، وتعتد منه حيضة واحدة، فإن رجع للإسلام خلال العدة: فتعود له زوجته بالعقد الأول، ولا حاجة لتجديده، فإن انقضت العدة: فالأمر إليها، إن شاءت رجعت له على العقد الأول، وإن شاءت رفضته، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم في المسألة.

 

والله أعلم.

هل عقد التسبيح بعد الصلاة يكون باليد اليمنى أم بكلتا اليدين؟

هل عقد التسبيح بعد الصلاة يكون باليد اليمنى أم بكلتا اليدين؟

السؤال:

وجدت هنا أن حديث تسبيح الرّسول صلى الله عليه وسلم بيمينه ضعيف، هل هذا صحيح؟.

وجدت هذا البحث في الموقع الآتي:

http://www.alewaa.com/vb/showthread.php?t=708

فقد كنت لسنوات أعقد التسبيح بعد الصلوات وفي غير الصلوات بيدي اليمين فقط, وبعد أن قرأت كتاب ” لا جديد في أحكام الصلاة ” للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى وأعلى درجته \, تحولت إلى التسبيح بكلتا اليدين \, وذلك لاقتناعي بما حققه الشيخ في هذا الموضوع, والمسلم يتبع الدليل متى ما علمه.

وقد ذكر الشيخ رحمه الله التالي:

ويحتج لها بما ورد في بعض ألفاظ الرواة لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه ” رواه أبو داود والبيهقي، وهي لفظة تفرد بها ” محمد بن قدامة بن أعين ” عن جميع الرواة، وتبين منزلة هذا ” التفرد ” بجمع ألفاظ الرواة, والوقوف على مخرج الحديث, هل هو مختلف فيه أم متحد.

وعليه: فاعلم أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما رواه أصحاب السنن الأربعة, وغيرهم, ولفظه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خلتان مَن حافَظَ عليهما أدخلتاه الجنة … ) قال: ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده.

وفي لفظ: ( يعقد التسبيح ).

وفي لفظ: ( ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد هكذا ), وعدَّ بأصابعه.

وهذا الحديث من حيث سنده: فردٌ في أوله, تفرد به عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

وعن عبد الله تفرد به: السائب بن زيد أو ابن مالك, وعن السائب, تفرد به عنه ابنه: عطاء بن السائب.

وعن عطاء اشتهر, رواه عنه جماعة منهم: شعبة, وسفيان الثوري, وحماد بن زيد, وأبو خيثمة زهير بن حرب, وإسماعيل بن علية, والأعمش.

وهؤلاء جبال في الرواية والحفظ, والإتقان والعلم.

وكلهم يقولون ( بيده ) لا يختلفون البتة, فليس فيهم واحد يقول: ( بيمينه ).

والاختلاف إنما حصل من طريق أحد الرواة، عن عثام بن علي عن الأعمش به, من رواية شيخ أبي داود: محمد بن قدامة عن عثام به، بلفظ ( بيمينه ) رواه أبو داود، ومن طريقه البيهقي.

ومحمد بن قدامه بهذا يخالف أقرانه الآخرين عن عثام, الذين رووه بمثل لفظ الجماعة أقران الأعمش: ( بيده )، أو بمعناه، بلفظ: ( يعقد التسبيح ).

… ثم عن طريق الأعمش، انفرد بروايته عنه: عثام بن علي العامري الكوفي، وهو صدوق.

وعن عثام رواه جماعة منهم:

  1. ابنه: علي بن عثام, وهو إمام ثقة.

وروايته به بلفظ: ( … رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) أخرجه الحاكم في: ” المستدرك ” ( 1 / 547 ).

  1. محمد بن عبد الأعلى الصنعاني وهو ثقة .
  2. الحسين بن محمد الذراع البصري، صدوق.

كلاهما به بلفظ: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) أخرجه النسائي في ” سننه ” ( 3 / 79 ).

ومن طريق محمد بن عبد الأعلى الصنعاني, أخرجه الترمذي بلفظ: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده ).

وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه, عن الأعمش عن عطاء بن السائب.

وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب, بطوله.

  1. أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري، صدوق.

ولفظه : ( … رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) أخرجه البغوي في ” شرح السنة ” ( 5 / 47 ).

وبلفظ : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده ) رواه بن حبان كما في ” موارد الطمآن ” ( ص 580 ).

  1. عبيد الله بن ميسرة البصري، ثقة ثبت.

* قال أبو داود – رحمه الله تعالى – في ” سننه ” ( 2 / 81 ): حدثنا عبيد الله بن ميسرة, ومحمد بن قدامة, في آخرين قالوا: حدثنا عثام, عن الأعمش, عن عطاء بن السائب, عن أبيه, عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح.

* قال ابن قدامة: ( بيمينه ) انتهى.

  1. محمد بن قدامة المصيصي، ثقة، من شيوخ أبي داود.

ولفظه: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه ).

رواه أبو داود في سننه ( 2 / 81 ) والبيهقي من طريقه في السنن الكبرى ( 2 / 187 ).

فهؤلاء خمسة من تلاميذ عثام، وهم مابين ثقة ثبت أو ثقة أو صدوق، ومنهم أخص به: ابنه علي بن عثام الإمام الثقة الحافظ كما وصفه الذهبي بذلك كلهم به بلفظ ( يعقد التسبيح )…..

وانفرد شيخ أبي داود: محمد بن قدامة المصيصي من بين الآخذين عن عثام بلفظ:

( يعقد التسبيح بيمينه ) ولم يتابعه عليها أحد وليس لها شاهد.

… الخ. انتهى

ومن حين قراءة هذا النص أعلاه عملت بمقتضاه، وبلَّغت به من حولي من الإخوة، ولكنهم لم يعملوا به , فلا أدري هل يوجد حديث آخر كدليل على التسبيح باليمين, أم ماذا؟.

بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

التسبيح بعد الصلاة باليمين من مسائل الخلاف المشتهرة، وخاصة بين العلماء المعاصرين، ويمكن حصر الأقوال في المسألة في ثلاثة أقوال:

الأول: أن السنَّة التسبيح باليمنى، ولا يجوز التسبيح معها باليسرى.

وهو قول الشيخ الألباني رحمه الله.

الثاني: أن السنَّة التسبيح باليدين، وعدم اقتصار التسبيح على اليمنى.

وهو قول الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله.

الثالث: أن الأفضل التسبيح باليمنى، وجواز التسبيح معها باليسرى.

وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسبِّح الله عز وجل بيده اليمنى فقط، أو باليد اليسرى، في حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح بيده، في حديث آخر كان صلى الله عليه وسلم يسبح بيمين، هل هذان الحديثان صحيحان أم لا؟.

فأجابوا:

أمر الله تعالى في كتابه بالتسبيح، وحثَّت السنَّة الثابتة عليه، وبيَّنت فضله مطلقاً ومقيَّدًا بزمن، أو حال، أما كونه باليد أو بأناملها: فقد روى في ذلك الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن يسيرة بنت ياسر رضي الله عنها – وكانت من المهاجرات – قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات ) – أحمد ( 6 / 371 ) وأبو داود ( 1501 ) والترمذي ( 3583 ) -، وروى الترمذي – ( 3486 ) – من طريق الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب قال: وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بقوله، ورواه أبو داود – ( 1502 ) – عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن قدامة في آخرين قالوا: حدثنا عثام عن الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح ) قال ابن قدامة : ( بيمينه ).

من هذا يتبين للسائل ألفاظ الروايات التي روي بها هذا الحديث، وليس بينها تناف، بل بعضها مجمل وبعضها مبيَّن مفسَّر، ويشهد لاختيار التسبيح باليمين: عموم حديث عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله ) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

والأمر في ذلك واسع، ولا حرج في استعمال أنامل اليدين جميعًا كما هو ظاهر من حديث يسيرة المتقدم، ولكن استعمال أنامل اليد اليمنى في ذلك أفضل؛ لما تقدم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 7 / 105 – 107 ).

 

ثانيًا:

وسبب الخلاف بين الشيخين الألباني – ومن رجح قوله -، وبكر أبي زيد – ومن رجح قوله – هو الحكم على زيادة الراوي محمد بن قدامة – شيخ أبي داود – أنه صلى الله عليه وسلم كان ( يعقد التسبيح بيمينه )، فلفظ ” بيمينه ” تفرد بها ذلك الراوي، وهو ثقة، لكنَّ غيره من  رواة الحديث ذاته لم يذكروا هذه اللفظة في حديثهم، فحكَم عليها الشيخ بكر أبو زيد بالشذوذ، فردَّها، وردَّ العمل بها، وجعل لفظ ” بيده ” دالاَّ على التسبيح بكلتا اليدين؛ لأن اللفظ اسم جنس، وأما الشيخ الألباني فقد صحح تلك الزيادة، وعمل بمقتضاها، وجعل التسبيح باليد اليمنى هو السنَّة، لا غير.

وتوسَّط أصحاب القول الثالث فقالوا بصحة الزيادة، ولم يمنعوا من التسبيح باليسرى؛ لما يدل عليه لفظ حديث آخر وهو ( وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِل فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاَت مُسْتَنْطَقَات ).

 

 

والذي يترجح عندنا هو قول الشيخ الألباني رحمه الله؛ لأمور:

الأول: ثبوت لفظة ” بيمينه ” وعدم شذوذها.

الثاني: أن العقد بالتسبيح من الأشياء الكريمة الحسنة، والتسبيح عبادة، ولا يصلح له إلا اليد اليمنى؛ لما كان يجعل النبي صلى الله عليه وسلم اليمنى من أجله.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدهما: استحب فيه التياسر.

” فتح الباري ” ( 1 / 270 ).

الثالث: دلالة لفظ ” بيده ” على أن التسبيح بيد واحدة، لا بيدين اثنتين، ولا يتعين إلا اليد اليمنى.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

( يعدهنَّ بيده ): يعني: اليمنى، كما في رواية لأبي داود – ( 1502 ) -، ومَن زعم من المعاصرين الأحداث في هذا العلم – ويقصد به: ” حسن السقَّاف ” – أنها زيادة مدرجة من شيخ أبي داود – محمد بن قدامة – فمن جهله أتي، ثم هي زيادة مفسرة لرواي ( بيده )؛ مناسبة لجلالة ذكر الله وتسبيحه، كما يدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: ( كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى ) رواه أبو داود بسند صحيح – ” صحيح أبي داود ” ( 26 ) – ولا يشك ذو لب أن اليمنى أحق بالتسبيح من الطعام، وأنه لا يجوز أن يلحق بـ ( ما كان أذى )! وهذا بيِّنٌ لا يخفى إن شاء الله.

وبالجملة: فمن سبَّح باليسرى: فقد عصى، ومن سبَّح باليدين معًا – كما يفعل كثيرون -: فقد ( خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم ) -، ومن خصَّه باليمنى: اهتدى، وأصاب سنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

”  صحيح الأدب المفرد ” ( 1216 ).

* وقال الشيخ – رحمه الله -:

وفي رواية لأبي داود ( يعقد التسبيح بيمينه )، وإسنادها صحيح عندي، وحسَّنها النووي في ” الأذكار ” لكنه عزاها للنسائي فوهم؛ فإن الذي خرجه النسائي إنما هو الرواية الاولى، وأما أبو داود فأخرجهما كلتيهما معا، وقال الحافظ في ” نتائج الأفكار “: ” حديث حسن، رجاله كلهم ثقات، إلا عطاء بن السائب اختلط، ورواية الأعمش عنه قديمة فإنه من أقرانه “.

قلت  وقد تابعه ” حمَّاد بن زيد ” باللفظ الأول، وهو إنما سمع من ” عطاء ” قبل الاختلاط، فالسند صحيح قطعًا، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه – ( 2343 ) -، وإنما خص الحافظ الرواية الاولى بالكلام لكونها نصًّا في التسبيح باليمنى، وإن كانت الأولى لا تخرج عن معناها، كما هو ظاهر، وعليه: فالتسبيح باليدين كلتيهما معًا: خلاف السنة، وكيف يليق بالمسلم أن يسبح باليد التي يستنثر بها ويستنجي بها؟.

” الكلِم الطيب ” ( 112 ).

ومع ترجيحنا لكون التسبيح هو باليد اليمنى إلا لسنا مع الشيخ الألباني رحمه الله في التشدد في هذه المسألة، وقد سبق بيان حجة المخالف، فهو لم يخالف بجهل، ولا بهوى، فنرى أن السنَّة أن يسبِّح المسلم بيمينه، مع عدم الإنكار على المخالف ممن يرى جواز التسبيح باليدين، وهو قول الشيخ العثيمين رحمه الله – ويمكن جعل قوله قولاً رابعًا في المسألة -.

* فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن عد التسبيح هل يكون باليد اليمنى فقط؟.

فأجاب:

السنَّة أن يسبِّح باليمنى؛ لأن هذا هو ما رواه أبو داود من أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كان يعقد التسبيح بيمينه )، ولكن لا ينبغي التشديد في هذا الأمر بحيث يُنكَر على من يسبِّح بكلتا يديه، بل نقول: إن السنَّة أن تقتصر على اليمين؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأن ذلك أفضل وأكمل؛ لأن اليمين تقدم في الأمور المحمودة، واليسرى في الأمور الأخرى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 243 ).

 

والله أعلم.

أدعية وأذكار للوقاية من الأمراض والأوبئة، وتعليق على دعاء باطل

أدعية وأذكار للوقاية من الأمراض والأوبئة، وتعليق على دعاء باطل

السؤال:

هل هناك دعاء من الكتاب، أو السنَّة، للوقاية من الأمراض والأوبئة، مثل ” انفلونزا الخنازير “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

حفلت السنَّة النبوية المطهرة بأحاديث صحيحة كثيرة تحث المسلم على الإتيان بما فيها من أدعية وأذكار تقال من أجل وقاية قائلها من الضرر، والشرور، وهي شاملة بمعانيها العامَّة للوقاية من الإصابة بالأمراض والأوبئة المختلفة، ومنها:

  1. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ 🙁 مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ ).

رواه أبو داود ( 5088 )، ورواه الترمذي ( 3388 ) – وصححه – بلفظ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ).

  1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: ( أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ ). رواه مسلم ( 2709 ).
  2. عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ: ( أَصَلَّيْتُمْ؟ ) فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَال: ( قُلْ )، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ( قُلْ )، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ( قُلْ )، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ( قُلْ: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ).

رواه الترمذي ( 3575 ) وأبو داود ( 5082 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ومما يحصل به الأمن والعافية والطمأنينة والسلامة من كل شر: أن يستعيذ الإنسان بكلمات الله التامات, من شر ما خلق ثلاث مرات صباحا ومساء: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) فقد جاءت الأحاديث دالة على أنها من أسباب العافية، وهكذا: ( باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات صباحا ومساء, فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قالها ثلاث مرات صباحا لم يضره شيء حتى يمسي ومن قالها مساء لم يضره شيء حتى يصبح ).

فهذه الأذكار والتعوذات من القرآن والسنَّة: كلها من أسباب الحفظ والسلامة والأمن من كل سوء .

فينبغي لكل مؤمن ومؤمنة الإتيان بها في أوقاتها, والمحافظة عليها، وهما مطمئنان، وواثقان بربهما سبحانه وتعالى، القائم على كل شيء، والعالِم بكل شيء، والقادر على كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه, وبيده التصرف والمنع والضر والنفع, وهو المالك لكل شيء عز وجل .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 454، 455 ).

  1. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي وَقَالَ عُثْمَانُ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي ).

رواه أبو داود ( 5074 ) وابن ماجه ( 3871 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال الشيخ أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

( اللهم إني أسالك العافية ) أي: السلامة من الآفات الدينية، والشدائد الدنيوية، وقيل: السلامة من الأسقام والبلايا، وقيل: عدم الابتلاء بها والصبر عليها والرضا بقضائها، وهي مصدر أو اسم من عافى ، قال في القاموس: والعافية دفاع الله عن العبد وعافاه الله تعالى من المكروه عفاء ومعافاة وعافية: وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاه.

– ( اللهم إني أسالك العفو ) أي: محو الذنوب والتجاوز عنها.

– ( والعافية ) أي: السلامة من العيوب.

– ( في ديني ودنياي )، أي في أمورهما.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 8 / 139 ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَال: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ). رواه مسلم ( 2739 ).

* قال المناوي – رحمه الله -:

والتحويل: تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فكأنه سأل دوام العافية، وهي السلامة من الآلام والأسقام. ” فيض القدير ” ( 2 / 140 ).

 

* وقال شمس الحق العظيم آبادي – رحمه الله -:

وتحول العافية: إبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر.

” عون المعبود شرح سنن أبي داود ” ( 4 / 283 ).

وما ذكرناه من أدعية ثابتة في السنَّة النبوية أنها تحفظ قائلها بإذن الله من الضرر ينبغي أن يعتقد المسلم أنها من جملة الأسباب التي قد يشاء الله تعالى تعطيل نفعها لحكَم جليلة، وقد نقلنا في ذلك فتوى مهمة عن الشيخ عبد العزيز بن باز.

ثانيًا:

ومما اشتهر بين الناس، وخصوصًا في مواقع الإنترنت: دعاء يقال للوقاية من الأوبئة، وقد نشره أصحابه على اعتبار نفعه في الوقاية من ” انفلونزا الخنازير “! وهذا الدعاء لم يصح في كتب السنَّة، بل ليس له ذِكر، وإنما هو من اختراع الرافضة، منسوبًا – كالعادة – لأحدٍ من أهل البيت – وهو جعفر الصادق هنا – حتى يحصل على تسويق له!.

وقد ذكروا أنه: حدث مرة وباء، وتلف فيه خلق كثير, وبيوت كثيرة، غير بيت واحدٍ لم يدخله الوباء؛ حيث كان أهله مواظبين على قراءة هذا الدعاء, وقد لفت ذلك نظر والي بغداد آنذاك فأرسل إلى كبير البيت وسأله متعجبًا: كيف لم يدخل الوباء بيتَكم؟ فذكر له أنه قال هذا الدعاء!.

ونص الدعاء :

” بِسْمِ اللهِ الرّحمَنِ الرَّحِيْمِ اللهُمَّ اِني أسئلك بعدد خلقك, بعزة عرشك, برضى نفسك, بنور وجهك, بمبلغ علمك وحلمك, ببقاء قدرك ببسط قدرتك, بمنتهى رحمتك, بأدراك مشيئتك, بكلية ذاتك، بكل صفاتك, بتمام وصفك, بنهاية أسمائك, بمكنون سرك, بجميل برك, بجزيل عطائك  بكمال منك, بفيض جودك, بشديد غضبك بسباق رحمتك, بعدد كلماتك, بغاية بلوغك, بتفرد فردانيتك, بتوحيد وحدانيتك, ببقاء بقائك, بسرمدية أوقاتك، بعزة ربويتك, بعظمة كبريائك, بجاه جلالك, بكمالك، بجمالك، بأفعالك, بإنعامك, بسيادتك, بملوكيتك، بجباريتك، بمشيئتك, بعظمتك, بلطفك, بسرِّك, ببرك, بإحسانك, بحقك, وبحق حقك, وبحق رسولك محمد المصطفى صلى الله عليه وآله ( !! ): أن تجعل لنا فرجاً ومخرجًا, وشفاء من الغموم والبلاء والوباء والطعن والطاعون والعناء، ومن جميع الأمراض والآفات والعاهات والبليات، في الدنيا والآخرة, وبحق ” كهيعص “، وبحق ” طه ” و ” يس ” و ” ص “، وبحق ” حمعسق “، وبحق ( إنا فتحنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ), وبرحمتك يا أرحم الراحمين, وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين”. انتهى.

ومصدر هذا الدعاء: كتاب ” التحفة الرضوية في مجربات الإمامية ” ( ص 188 ).

ولا يخفى على موحِّد ما في هذا الدعاء من مخالفات للشرع، كالتوسل بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وبحق آله، وكلفظة ” تمام وصفك ” و ” نهاية أسمائك “!، مع ما في العبارات من سماجة، وألفاظ متكلفة، ينزَّه الشرع المطهَّر عن ذلك كله.

وانظر ما كتبناه حول ” انفلونزا الخنازير “.

 

والله أعلم.

 

 

 

ما هو مرض ” نقص الانتباه ” عند الأطفال؟ وهل يجوز تناول دواء ” الريالتين ” له؟

ما هو مرض ” نقص الانتباه ” عند الأطفال؟ وهل يجوز تناول دواء ” الريالتين ” له؟

السؤال:

ما هو حكم الإسلام في إعطاء ” الريتالين ” لطفلة تم تشخيص حالتها على أنها تعانى من اضطراب ” نقص الانتباه “، وتجد الطفلة صعوبة في التعلم، ولا تستطيع التركيز لفترات طويلة، ولهذا فقد وصف لها طبيب أطفال ” الريتالين “، والوالدان في غاية الحيرة، ويعارضان إعطاءه لطفلتهما؛ لأنه يتسبب في زيادة سرعة الطفلة، لكن الأهم من اهتمامهما بمصلحة الطفلة فهما لا يريدان أن يقترفا إثمًا أمام الله سبحانه وتعالى.

برجاء تقديم العون للوالدين، فهما في أشد الحاجة إليها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تعريف المرض – واختصاره ADD، أو ADHD -:

جاء في ” الموسوعة العربية العالمية “:

” اعتلال نقص الانتباه ” Attention deficit disorder “:

اعتلال نقص الانتباه: مشكلة سلوكية، يجد الذين يعانون منها صعوبة غير معتادة في الانتباه، والجلوس، دون حركة، أو التحكم في اندفاعاتهم العصبية، والمصطلح الرسمي المستخدم للإشارة لهذا الاعتلال هو: ” اعتلال نقص الانتباه – فرط النشاط “، وهو أكثر المشاكل السلوكية شيوعًا بين الأطفال، ويبلغ معدل الإصابة بهذا الاعتلال لدى الصبيان أكثر من ضعف معدل الإصابة لدى البنات، ويعاني عدد ملحوظ من المراهقين والراشدين أيضًا من هذا الاعتلال….

ويُظهر الأطفال الذين يعانون من هذا النوع قدرًا كبيرًا من التململ العصبي، والضجر، ويكونون – في الغالب – من النوع الذي لا يستطيع انتظار دوره لكي يتحدث في الفصل، أو يشارك في النشاط الجماعي، ولا يُظهر الأشخاص الذين يعانون من النوع اللاانتباهي أي علامات جسدية للتململ، والضجر، ولكنهم يجدون صعوبة في التركيز، ويتسم هؤلاء بالنسيان، وعدم النظام، ويفشلون – غالبًا – في إكمال فروضهم المدرسية، أو الواجبات الأخرى التي كلفوا بأدائها، وتتعرض الفتيات للإصابة بالنوع اللاانتباهي أكثر من تعرضهن للإصابة بالنوع الذي يتسم بفرط النشاط، ويعاني معظم مرضى ” نقص الانتباه – فرط النشاط ” من النوع المشترك الذي يجمع بين أعراض كلٍّ من ” فرط النشاط ” و ” النوع اللانتباهي “.

http://mousou3a.educdz.com/c/c00050_1.htm

 

ثانيًا:

حقيقة المرض، والعلاج بغير العقاقير:

ومما علمناه من كلام الخبراء والاختصاصيين في هذا المرض:

  1. أنه لم تتفق كلمة الأطباء إلى الآن على الجزم بسبب هذا المرض، ولذا تعددت الآراء فيه.

أ. ففي ” الموسوعة العربية “:

ويعتقد معظم الخبراء أن لاعتلال نقص الانتباه سبب جسدي لم يتم التعرف عليه بعد. انتهى.

ب. وقال الدكتور خالد التركاوي – استشاري طب الأطفال بالرياض -:

إن أسباب المرض ما زالت غير معروفة، والفرضيات حوله كثيرة، مع وجود بعض الدلائل غير القاطعة التي تشير إلى دور للعوامل الوراثية في ذلك.

جريدة ” الشرق الأوسط “، الاثنيـن 27 جمـادى الأولـى 1421 هـ، 28 أغسطس 2000 العدد 7944.

  1. إجماع الأطباء والخبراء على حتمية العلاجات الأخرى غير الدوائية، كالعلاج النفسي، والتربوي، والسلوكي، وغيرها.

أ. ففي ” الموسوعة العربية:

ويستفيد الأطفال الذين يعانون من المرض – أيضًا – من تقنية ” تعديل السلوك “، وفي هذه المعالجة يساعِد البالغون الأطفالَ على اكتساب التحكم الذاتي، عن طريق توفير الإشراف الحميم، وتقديم المكافآت المتكررة، في مقابل السلوك الملائم.

http://mousou3a.educdz.com/c/c00050_1.htm

وقالوا:

إنَّ تناول ” الريتالين ” فقط لا يكفي للقضاء على أعراض نقص الانتباه، ومرض النشاط المفرط، فمعظم مرضى هذا المرض في حاجة إلى علاج يتضمن إعمال أساليب نفسية، وسلوكية. انتهى.

http://mousou3a.educdz.com/c/c00078_1.htm

ب. وقال الدكتور خالد بن عوض بازيد – استشاري الطب النفسي – أطفال ومراهقين – مركز الظهران الصحي، مستشفى أرامكو السعودية -:

علا ADHD :

  1. ” العلاج السلوكي المعرفي “، حيث يهدف هذا النوع من العلاج إلى إعانة الطفل على تقوية التركيز، وتقليل التشتت الذهني، وتعديل السلوك الاندفاعي من خلال النظام، والتدريب، والوضوح، والتدعيم.
  2. ” الإرشاد النفسي التربوي للوالدين والمعلمين والمرشدين الطلابيين ” في كيفية التعامل مع الطفل المبتلى بـADHD في البيت، أو المدرسة.
  3. ” توفير المناخ التعليمي الخاص للحالات الشديدة “، من خلاله تدريبهم على المهارات الاجتماعية المفقودة، وإعانتهم في تحصيلهم العلمي

انتهى.

http://www.lakii.com/vb/showthread.php?t=111369

ثالثًا:

وقفة مع دواء ” الريالتين ” وأعراضه الجانبية:

وأما الدواء الطبي الذي يُستعمل – غالبًا – في علاج هذا المرض فهو : ” الميثيلفنديت “، والمعروف تجاريًّا باسم ” الريتالين “.

أ. ففي ” الموسوعة العربية “:

” الريتالين ” اسم تجاري لعقار ” الميثيلفنديت “، وهو دواء يوصف – غالبًا – لعلاج ” نقص الانتباه ” ومرض ” النشاط المفرط “…..

ونظرًا لشيوع هذا المرض فإن ملايين من الناس يتناولون الريتالين، ويحسِّن هذا الدواء درجة التركيز، ويخفض القلق لمعظم مرضى قصور الانتباه، والنشاط المفرط.

انتهى.

http://mousou3a.educdz.com/c/c00078_1.htm

 

ب. وقال الدكتور حسان المالح – استشاري في الطب النفسي، عضو الجمعية البريطانية للعلاج النفسي والأسري، وعضو الجمعية الأمريكية للطب النفسي -:

العلاج الدوائي: وهو يتضمن العلاج بالمنشطات النفسية، من زمرة ” الأمفيتامين “، وقد بدأ استعمالها منذ 1937، ويعتبر مثيلفينيديت (Methylphenidat – Ritalin ) أكثرها استعمالًا بعد سن السادسة. انتهى

http://www.hayatnafs.com/specialtopics/adhd-overview.htm

رابعًا:

النصيحة:

والذي ننصح به أن لا يستعمل أي دواء كيميائي لعلاج هذا المرض، وأن يكتفى بالعلاجات الأخرى المعنوية، وهي كفيلة – إن شاء الله – أن تساهم في تقويم سلوك الأطفال، وقد يكون ما يراه الآباء والأمهات تصرفًّا طبيعيًّا من أولادهم، فيسارعون إلى أطباء العقاقير، وأطباء النفس، لعلاج أولادهم، ولا يكون الأمر مستحقًّا لشيء من ذلك، وقد تكون ظروف البيت غير ملائمة لتنشئة الطفل على قوى الانتباه، وتركيزه على النشاطات المختلفة، وقد تكون طبيعة الأب في تعامله مع أولاده فيها خلل، وقد يتعرض الأولاد فيما يشاهدون وما يرونه في البيت، أو المدرسة، أو الشارع، ما يسبب لهم تشتت الانتباه، وكل هذا ليس بحاجة لعقاقير تدخل بدن ذلك الصغير؛ فتسبب له مضاعفات، قد لا تظهر عليه صغيرًا، بل عندما يكبر، وأما الحركة الزائدة، وما يسمونه النشاط المفرط: فليس فيه ما يخيف، حتى تسارع الأم، ويهرول الأب، للمستشفيات، والعيادات الخاصة ، فطباع الأطفال تختلف من واحد لآخر.

وقد سبق أن قدمنا الإجماع على عدم اتفاق الأطباء على سبب تلك التصرفات – المرض – عند الأطفال، وإجماعهم على وجوب وجود أنواع أخرى للعلاج، كالعلاج التربوي، والسلوكي.

ولا نرى خيراً لعلاج أولئك الأولاد – إن كان ما فيهم من تلك التصرفات يسمى مرضًا – من تحفيظهم القرآن، وأخذهم لبيوت الله للصلاة، ومن مجالستهم للكبار، ومن القراءة.

وأما تناول الأدوية والعقاقير: فلا ننصح بها البتة؛ لمَا نعلمه من عدم الحاجة لذلك في كثير من الأحيان، ولوجود الأعراض الجانبية لتلك الأدوية والعقاقير.

وفي ” دليل الأدوية البريطاني للأطفال ” (British National Formulary for Children) طبعة عام 2007 م: نجد عند ذِكرهم للأعراض الجانبية للـ ” ميثيلفنديت ” يقولون بما ترجمته:

آلام البطن، دوار وقيء، عسر هضم، نقص الوزن، تسارع القلب، عدم انتظام ضربات القلب، تغيرات في ضغط الدم، أرق، عصبية، ضعف عام، اكتئاب، سرعة الانفعال، العدوانية، صداع، نعاس، دوخة، اضطرابات حركية، حمَّى، آلام مفاصل، طفح، حكة، صلع.  انتهى.

 

وبالطبع لا تحصل هذه الأعراض كلها مع كل المرضى، ولكنها أعراض ذلك الدواء على مجموعات المرض المختلفين، تقل، وتكثر، في الشخص الواحد.

 

وكلا هذين التنبيهين – تناول الدواء لغير المصاب، والأعراض الجانبية – قد نبَّه عليه الخبراء من الأطباء، فقد جاء في ” الموسوعة العربية العالمية “:

ويَخشى بعض الخبراء في الحقل الطبي من أن يصف الأطباء في بعض الأحيان ” الريتالين ” لأشخاص لا يحتاجونه، وبرغم أن معظم الأطباء يعتبرون أن تناول ” الريتالين ” غير ضار! إلا أنهم يحذرون من أن فوائد، ومخاطر تناوله لفترات طويلة: لم تعرف بصورة كاملة حتى الآن. انتهى.

http://mousou3a.educdz.com/c/c00078_1.htm

 

ونسأل الله أن يصلح بالكم، وحالكم، وأن يهديكم لما فيه صلاح دينكم، ودنياكم.

 

والله أعلم.