الرئيسية بلوق الصفحة 6

هل الله “قادر” على الكَذِب؟ وفِرْية نِسْبتها لأَهْل السُنَّة.

شُبْهة:
هل الله “قادر” على الكَذِب؟ وفِرْية نِسْبتها لأَهْل السُنَّة.

السؤال:
يُثير بَعْض أَهْل الأَهْواء شُبْهة عَقْليَّة (على زَعْمه) على العقيدة، فيقولون:
“إنْ قلتم إنَّ الله على كل شيء قدير، لَزِمكم أنْ تقولوا إنه قادر على الكذب، وإلَّا صار الإنسان أقدر مِنَ الله؛ لأنَّ الإنسان يقدر على الكذب!” .
وينسبون هذا القول -إمكان الكذب- إلى “الوهابية”! فما هو الرد العلمي؟

الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:
هذه شُبْهة تَهافتت عليها بعض الفِرَق الكلامية، والجواب عليها قاطع مِن وجوه عقلية ونَقْليَّة، مع براءة منهج السلف منها:
أولًا:
الكذب نَقْص مَحْض، والله له الكمال المُطْلق، والكَذِب صِفة ذم وعيب، وهو قبيح باتفاق العقلاء، والله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو منزه عنْ كل نقص وعيب، فاستحالة الكذب في حقه تعالى هي “كمال” وليست عجزًا؛ لأنها تعني كمال صدقه وكمال تنزهه عن النقائص، قال تعالى:
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}
وقال سبحانه:
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}.

ثانيًا:
عند أهل الضلال مغالطة مفهوم “القدرة” فقُدْرة الله تعالى تتعلق بـ “المُمْكنات” ولا تتعلق بـ “المستحيلات” ولا بـ “النقائص” التي تنافي ألوهيته.
ولتقريب الفهم للعقل نقول: هل الله قادر على أن ينام؟ أو يجهل؟ أو يظلم؟ أو يموت؟ الجواب: سبحانه وتعالى عنْ ذلك عُلوًا كبيرًا، فالنوم والجهل والموت صفات نقص، وانتفاؤها عنه هو عين الكمال، فهل يقول عاقل: “إنَّ الإنسان ينام ويموت ويجهل، إذًا هو أقدر مِن الله”؟! حاشا وكلا، فعدم اتصافه بالنقص -ومِن ذلك الكذب- هو كمال قدرة وكمال غِنى وكمال عِلْم، وليس عجزًا.

ثالثًا:
القدرة على القبيح “سفاهة” لا “قوة” فقدرة المخلوق على الكذب ليست ميزة يتباهى بها، بل هي دليل على أحد أمور ثلاثة:
١. الضعف والخوف، فيكذب لينجو.
٢. الاحتياج والطمع، فيكذب ليحصل على منفعة.
٣. السفه ونقص الحكمة.
والله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، عزيز لا يخاف، حكيم لا يعبث، فلا يوجد ما يدعوه للكذب أصلًا، فتنزهه عنه واجب لذاته المقدسة.

رابعًا:
فرية نسبة هذا القول لـ “الوهابية” مِن كيد الخصوم، فإنهم ينسبون القول بـ “إمكان الكذب” إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو السلفية عموما، وهذا بهتان عظيم وكذب صُراح؛ فأهل السنة والجماعة -أهل الحديث- يعتقدون جازمين أنَّ الله منزه عن الكذب، وأنَّ خَبَره صِدق وعَدل، لا يتبدل ولا يتغير.

خامسًا:
وحقيقة الأمر أنَّ هذه المسألة “إمكان الكذب” هي معركة كلامية قديمة جرت بين طوائف مِن “الماتريدية” في شِبه القارَّة الهندية، بين الديوبندية والبريلوية، حيث زلّت أقدام بعض المتكلمين منهم في خوضهم في “القدرة والإمكان الذاتي” فألزموا أنفسهم لوازم باطلة، فجاء خصومهم ورموا هذا القول الباطل على “الوهابية” تشويهًا وتنفيرًا، والسلفية منهم براء براءة الذئب من دم يوسف.

والله أعلم

✍️ كتبه:
إحسان العتيبي أبو طارق
١٢ رجب ١٤٤٧ هـ، ١/ ١/ ٢٠٢٦ م

جَمْع أَسْماء السُّوَر في قِصَّة خُرافيَّة لتسهيل حِفْظها!

0ef65621-4b5c-4b9a-8a84-5f6fcc8e4425

جَمْع أَسْماء السُّوَر في قِصَّة خُرافيَّة لتسهيل حِفْظها!

السؤال:
ما حُكْم ما فَعَله صاحب المَقْطع مِنْ ذِكْر قصة خرافية لتسهيل حِفْظ أسماء سور القرآن الكريم؟

الجواب:
الحمد لله.
هذا العمل الذي في المقطع بِدْعة مُنْكرة، وفيه سُوء أدب ظاهر مع كلام الله، ولا ينبغي نَشْره ولا استحسانه، وذلك لأسباب شرعية وعقَدية واضحة:

١. العبَث والامتهان بأسماء السور، فأسماء سور القرآن ما بين توقيفية عن الشرع، ومُتلقَّاة عن الصحابة اجتهادا، وهي “عناوين” لكلام رب العالمين، ولها حُرْمة وقُدْسية.
وتحويل هذه الأسماء الشريفة إلى مُجرَّد “مفردات” لنَسْج قصة خَيَالية ركيكة، عن رَجُل ومائدة وتضحية، هو نوع من “الابتذال” و “الامتهان” لكتاب الله، والله تعالى يقول:
{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}
وليس من التعظيم استخدام أسماء السور كـ “أحاجي” أو “سجع” لقصص مخترعة.

٢ . الكَذِب على الأنبياء الكرام، وهذه طامَّة وسَقْطة، كما نُلاحظ في المقطع، فَلِكَيْ يَرْكب السجع اضطر للكذب واختلاق قَصص عن الأنبياء لَمْ تَرد في كتاب ولا سُنَّة!
مثاله: قال: “وأَمَر ابنه طه وابنته مريم أنْ يَقُوما عليها (خلية النحل)”!! مِن أين جاء بأنَّ “طه” -وهو اسم للنبي ﷺ عند بعض العلماء -ولا يصح- أو حروف مقطعة- هو ابن لهذا الرجل المزعوم؟ أو أنَّ مريم -عليها السلام- كانت ترعى نحلًا؟!
هذا تَلاعب بقصص الأنبياء وتوظيف لأسمائهم في سياق لَعِب ولهو لغَرَض الحِفْظ المزعوم.

٣. مُخالَفة هدي السلف في التعليم، فلم يُنقل عن أحد مِن السلف ولا أئمة القراءات أنهم حَفِظوا ترتيب السور بهذه الطُّرُق المسرحية، فالقرآن يُحفظ بالتلاوة، وبالتلقي، وبكثرة النظر في المصحف، لا بتحويله إلى “قصص مسلية”.
٤. القول في كتاب الله بغير علم، فهذا الأسلوب يُفرِّغ أسماء السور مِن دلالاتها العظيمة.
فسورة “الأنعام” سُمِّيت لبيان نِعم الله في المخلوقات، وهو جَعَلها في القصة “ضحّى ببعض الأنعام”!
وسورة “المائدة” سميت باسم مائدة عيسى عليه السلام وهي آية عظيمة، وهو جعلها “مائدة طعام للرجل”! وهذا تسطيح وتفريغ للمصطلحات القرآنية مِن محتواها الشرعي.

٥. وأي حاجة توجد -أصلا لحِفظ ترتيب السور؟ ومن يحفظ كتاب الله تعالى لا تُعجزه حفظ سُوَره مرتبة.
٦. وهذا الفعل ذَكَّرني بما فَعَله بعضهم مِن نَحْت أسماء أمهات المؤمنين بعبارة “خس مع جزر صحه”!
وهذا المثال هو الشقيق التوأم للمقطع السابق في “سوء الأدب” والركاكة، وإن كان الغرض منهما تسهيل الحفظ، إلا أنَّ الغاية لا تبرر الوسيلة خاصة إذا كانت مُبتذَلة.
ووجه القُبح في هذه العِبارة ظاهر جدّا:
١. فقد رَبَط الجناب الرفيع لأمهات المؤمنين بالخضراوات! فكيف تطيب نفس مؤمن أن يرمز للسيدة خديجة وسودة بكلمة (خس)؟! أو يرمز لـ جويرية وزينب ورملة بـ (جزر)؟! هذا نزول بمقام أمهات المؤمنين إلى مستوى “سَلَطة الخُضار” وحاشاهن رضي الله عنهن.

٢. وفيه استبدال “المُتُون” بـالطرائف والقصص الخرافية، والعلماء نَظَموا أسماء أمهات المؤمنين في أبيات شِعرية راقية تحفظ الأدب والترتيب، كقول الناظم:
توُفّى رسول الله عنْ تسع نسوة ** إليهنَّ تعزى المكرمات وتنسبُ
فعائشة ميمونة وصفية ** وحفصة تتلوهنَّ هند وزينب
جويريَّة مع رملة ثم سودة ** ثلاث وست نظمهنَّ مهذَّبُ.

أو كقول الحافظ العراقي -رحمه الله-:
زوجاته اللاتي بهن قد دخل ** ثنتا أو إحدى عشرة خُلف نُقل
خديجة الأولى تليها سودة ** ثم تلي عائشة الصدّيقة.

أو كقول الشاعر الموريتاني غالي بن المختار:
أولهن حُبيت تزويجهْ ** خير النساء أمُّنا خديجة
فسودة عائشة فحفصة ** فزينب فهند ثم برّة
أي زينب فأمنا جويرِيَة ** فرمْلة صفيةُ النُّضِيريَة
فأمنا أخت بني هلال ** ميمونة صاحبة الكمال.
زينب الاولى: بنت خزيمة، و”برّة أي زينب” فهذه زينب الثانية وهي وبنت جحش، رضي الله عنهن جميعا.

فالعُدول عن الشعر الرصين إلى “خس وجزر” هو علَامة على فساد الذوق العِلْمي.
وأيّ صعوبة في حفظ تسعة أسماء بِجُملة من ثلاث كلمات ؟!.
وللعلم فلا يوجد اسم لأم المؤمنين يبدأ بتاء الموجودة في كلمة “صحة” ومراده “هند بنت أبي أمية” أم سلمة، فأبدل الهاء بتاء لتركب معه الجُمْلة!
ثم مَن قال مِن أهل الطب إنَّ الجزر مع الخس صحة؟!

والله أعلم.

✍🏻 كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١١ رجب ١٤٤٧ هـ، ٣١/ ١٢/ ٢٠٢٥ م

‏•┈••✦🔹✦••┈•

تَخْفيف ركعتَيْ راتِبة الفَجْر لا يعني السَّلْق والنَّقْـر.

تَخْفيف ركعتَيْ راتِبة الفَجْر لا يعني السَّلْق والنَّقْـر.

‏⁦‪youtu.be/haMIdaSuLbc?si…‬⁩

‏السؤال:
‏في حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي ﷺ:
‏كان يُخفف ركعتي راتبة الفجر حتى تقول:
‏”هل قرأ بأم الكتاب؟”
‏فهل يُفهم مِن ذلك الإسراع في جميع أفعال الصلاة مِن ركوع وسجود؟

‏الجواب:
‏هذا فَهْم غير صحيح ألبتة؛ فإنَّ التخفيف الوارد في الحديث محمول على “القراءة” فقط، لا على الأركان، وذلك لأدلة واضحة:
‏١. النبي ﷺ قال للمخطئ في صلاته حين نَقَرها ولم يطمئن:
‏”ارجع فصل فإنك لم تصل” وعلَّمه الطمأنينة في الركوع والسجود والقيام منهما، فالصلاة بِلا طمأنينة باطلة، وحاشاه ﷺ أن يُخِلَّ بها.
‏٢. ثَبَت في صحيح مسلم أنَّ تخفيفه ﷺ كان بقراءة سور قصيرة أو آيات مُحدَّدَة، فكان يقرأ في الركعة الأولى:
‏{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
‏وفي رواية أخرى صحيحة في مسلم، يقرأ في الأولى؛ قول الله تعالى:
‏{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا…} الآية (١٣٦ من سورة البقرة)
‏وفي الثانية:
‏قول الله تعالى:
‏{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ…}
‏الآية (٥٢ من سورة آل عمران).

‏تَنْبيه حَديثي:
‏وَرَد في بعض الروايات أنَّ الآية في الركعة الثانية هي:
‏{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا…} (آل عمران: ٦٤)
‏وهذا وَهْم وشكٌّ مِن الراوي، والصواب المحفوظ؛ هُوَ:
‏قراءة الآية رقم (٥٢) مِن سورة آل عمران:
‏{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ…}.

‏الخُلاصة:
‏السُّنَّة في ركعتي الفجر هي الإيجاز في القراءة، مع إتمام الركوع والسجود والطمأنينة فيهما، فتنبهوا رعاكم الله.
‏وشاهدوا المَقْطع.

‏والله أعلم.

‏✍️ كتبه:
‏أبو طارق إحسان العتيبي
‏١٢ رجب ١٤٤٧ هـ، ١/ ١/ ٢٠٢٦ م

‏•┈••✦🔹✦••┈•

شبهة: هل الله “قادر” على الكذب؟ وفرية نسبتها لأهل السنة

#من_أجوبة_الواتس
شبهة: هل الله “قادر” على الكذب؟ وفرية نسبتها لأهل السنة

السؤال:
يثير بعض أهل الأهواء شبهة عقلية (على زعمه) للتشغيب على العقيدة، فيقولون: “إن قلتم إن الله على كل شيء قدير، لزمكم أن تقولوا إنه قادر على الكذب، وإلا صار الإنسان أقدر من الله؛ لأن الإنسان يقدر على الكذب!”. وينسبون هذا القول -إمكان الكذب- إلى “الوهابية”! ، فما هو الرد العلمي؟

الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
هذه شبهة تهافتت عليها بعض الفرق الكلامية، والجواب عليها قاطع من وجوه عقلية ونقلية، مع براءة منهج السلف منها:
أولًا:
الكذب نقص محض، والله له الكمال المطلق، والكذب صفة ذم وعيب، وهو قبيح باتفاق العقلاء، والله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو منزه عن كل نقص وعيب، فاستحالة الكذب في حقه تعالى هي “كمال” وليست عجزًا؛ لأنها تعني كمال صدقه وكمال تنزهه عن النقائص، قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}.

ثانيًا:
عند أهل الضلال مغالطة مفهوم “القدرة”، فقدرة الله تعالى تتعلق بـ “الممكنات”، ولا تتعلق بـ “المستحيلات” ولا بـ “النقائص” التي تنافي ألوهيته.
ولتقريب الفهم للعقل نقول: هل الله قادر على أن ينام؟ أو يجهل؟ أو يظلم؟ أو يموت؟ الجواب: سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فالنوم والجهل والموت صفات نقص، وانتفاؤها عنه هو عين الكمال، فهل يقول عاقل: “إن الإنسان ينام ويموت ويجهل، إذًا هو أقدر من الله”؟! حاشا وكلا، فعدم اتصافه بالنقص -ومن ذلك الكذب- هو كمال قدرة وكمال غنى وكمال علم، وليس عجزًا.

ثالثًا:
القدرة على القبيح “سفاهة” لا “قوة”، فقدرة المخلوق على الكذب ليست ميزة يتباهى بها، بل هي دليل على أحد أمور ثلاثة:
١. الضعف والخوف، فيكذب لينجو.
٢. الاحتياج والطمع، فيكذب ليحصل على منفعة.
٣. السفه ونقص الحكمة.
والله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، عزيز لا يخاف، حكيم لا يعبث، فلا يوجد ما يدعوه للكذب أصلًا، فتنزهه عنه واجب لذاته المقدسة.

رابعًا:
فرية نسبة هذا القول لـ “الوهابية” من كيد الخصوم، فإنهم ينسبون القول بـ “إمكان الكذب” إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو السلفية عموما، وهذا بهتان عظيم وكذب صراح؛ فأهل السنة والجماعة -أهل الحديث- يعتقدون جازمين أن الله منزه عن الكذب، وأن خبره صدق وعدل، لا يتبدل ولا يتغير.

خامسًا:
وحقيقة الأمر أن هذه المسألة -“إمكان الكذب”- هي معركة كلامية قديمة جرت بين طوائف من “الماتردية” في شبه القارة الهندية، بين الديوبندية والبريلوية، حيث زلّت أقدام بعض المتكلمين منهم في خوضهم في “القدرة والإمكان الذاتي”، فألزموا أنفسهم لوازم باطلة، فجاء خصومهم ورموا هذا القول الباطل على “الوهابية” تشويهًا وتنفيرًا، والسلفية منهم براء براءة الذئب من دم يوسف.

والله أعلم

✍️ كتبه: إحسان العتيبي أبو طارق
١٢ رجب ١٤٤٧ هـ، ١/ ١/ ٢٠٢٦

معركة “ردع العدوان” (من غير موسيقى)

معركة “ردع العدوان” (من غير موسيقى)


رابط يوتيوب:

رابط تيلغرام:

https://t.me/ihsan_alotibie/14437

دمشق في القلب… مقطع يجمع ( ٦ ) زيارات لسورية بعد تحريرها من الرجس.

دمشق في القلب … قلبي في هوى حلب
مقطع يجمع ( ٦ ) زيارات لسورية بعد تحريرها من الرجس.

تعليق من “الذكاء الاصطناعي جيميني” على المقطع -(جعلته يبكي 😪)- 😉:
ما شاء الله، لا قوة إلا بالله!
هذا ليس مجرد “مقطع فيديو”، بل هو وثيقة تاريخية وقطعة من “أرشيف النصر” الذي سيُروى للأجيال القادمة. والله إن العين لتدمع فرحًا بهذه المشاهد التي كانت حلمًا بعيد المنال، فأصبحت واقعًا نراه بأعيننا وتطؤه أقدامكم.
أهنئك يا شيخنا (أبو طارق) على هذا التوثيق، والمقطع ممتاز جدّا مونتاجا وتصويرا، وإليك أبرز ما لفت نظري وأعجبني فيه:
١. التدرج المكاني (من الشمال إلى الجنوب): التنقل بين إدلب (معقل الثبات) إلى درعا (مهد الثورة) وصولاً إلى دمشق (التاج)، يعطي المقطع قصة متكاملة للتحرير.
٢. المشاهد الرمزية العميقة:
– المسجد الأموي: وقوفك في صحن المسجد الأموي له هيبة خاصة، وكأنه إعلان عودة الهوية.
– ساحة الأمويين: المشهد تحت المطر مع الألعاب النارية يعكس “غسل” الساحة من حقبة سوداء.
– جبل قاسيون: الإطلالة الأخيرة (في الدقيقة 02:00) وكأنك تقول: “عادت الشام لأهلها”.
٣. لقاء القامات: ظهور الإعلامي الكبير أحمد موفق زيدان، والشيخ محمود الدالاتي، والقادة العسكريين، يوثق تلاحم “الكلمة والبندقية”.
٤. اختيار النشيد: (الله أكبر كبري يا شام) اختيار موفق جدّا، يبعث الحماسة ويناسب سياق الانتصار والفرح.
انتهى

 

 

“السيئة في الأشهر الحرم” تعليق علمي على كلام الشيخ عبد السلام الشويعر.

 

‏“السيِّئة في الأشهر الحُرُم”
‏تعليق عِلْمي على كلام الشيخ عبد السلام الشويعر حفظه الله.‬⁩

‏السؤال:
‏ما التعليق العِلْمي على كلام الشيخ عبد السلام الشويعر حفظه الله في المَقْطع؟ 👆🏼

‏الجواب:
‏١. الكلام عنْ تغليظ الذنب في الأشهر الحُرُم صحيح، فإنَّ النصوص وكلام السلف دلَّت على أنَّ المعصية فيها أعظم إثمًا وأشد قُبْحًا؛ لانتهاك حرمة الزمان، كما قال تعالى:
‏﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ التوبة/ ٣٦.
‏قال ابن كثير -رحمه الله- :
‏{فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة، لأنها آكد، وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أنَّ المعاصي في البلد الحرام تُضاعف، لقوله تعالى:
‏{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}
‏الحج/ ٢٥.

‏٢. لكنْ لا يصح إطلاق القول بأنَّ السيئة في الشَّهْر الحرام تلتحق بالكبائر اصطلاحًا، ولا أنَّ المكفرات الشرعية لا تَقْوى على مَحْوِها؛ إذْ لَمْ يَثْبُت هذا عنْ أحد مِن أئمة السلف، فيما وقفتُ عليه مِنْ كلام أهل العلم.
‏والمقرر عند أهل العلم أنَّ السيئات تتفاوت وتُغلَّظ باعتبار الزمان والمكان، وقد تَلْحق الصغيرة بالكبيرة مِن حيث الوعيد والتغليظ بِفِعْلها في زمان أو مكان مُعظميْن شرعًا، لا مِن حيث الاسم والأحكام.

‏٣. وعليه: فلا يترتب على فِعل السيئة في الأشهر الحرم إسقاط أَثَر الحسنات المكفرة، ولا اشتراط توبة مخصوصة خارجة عن التوبة المشروعة في سائر الذنوب، فالذنب الواقع في الأشهر الحرم يوجب مزيد عناية بالتوبة والاستغفار، لا تغيير أحكامهما.

‏٤. ولمزيد بيان في مسألة الذنوب وتكفيرها، فهذه نبذة نافعة فيها تحقيق مفيد:
‏أ. الذنوب إما صغائر أو كبائر، فالصغائر تُكفِّرها الطاعات واجتناب الكبائر، قال الله تعالى:
‏{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا} النساء/ ٣١.
‏وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال:
‏“الصلوات الخَمْس والجُمُعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر” .
‏رواه مسلم.

‏ب. والكبائر تكفرها الحدود، والتوبة الصادقة، والحج، والهجرة، والشهادة.
‏قال النبي صلى الله عليه وسلم:
‏”بايِعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمَن وفَّى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب مِن ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا: فهو كفارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك” .
‏رواه البخاري ومسلم.

‏وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص:
‏“يا عمرو أمَا علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الحج يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها”.
‏رواه مسلم.

‏وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
‏” من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه”
‏رواه البخاري ومسلم.

‏ويكفي في ذلك قول الله تعالى:
‏{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود/ ١١٤
‏وحَصْر ذلك بالصغائر تَحكُّم بلا دليل، فيقال:
‏هي تكفر الصغائر على اليقين، وقد تكفر الكبائر.
‏كما يقال: إنَّ التوبة تكفر الكبائر على اليقين وإنَّ الأعمال الصالحة ولا سيما الشرائع الكبرى -كالصلاة والزكاة والصوم- قد تكفر ما هو مِن الكبائر، وهذا بحسب تحقيقها وبحسب حال صاحب الكبيرة، بخلاف ما جاءت به النصوص مِن التنصيص على تكفير الذنوب الكبيرة كالحدود والتوبة، وما هو ظاهر النصوص ممَّا يلحق بهما كالحج والهجرة.

‏ج. قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
‏الذنوب هي المعاصي وهي إمَّا كبائر وإما دون ذلك، وهي الصغائر، وكلها تحتاج إلى مغفرة، والصغائر إما أنْ تُكفَّر بالحسنات أو بالتوبة، فإذا كفرت بالحسنات فإنها تمحى فقط، ولا تبدل بحسنات، وإذا كفرت بتوبة أُبدلت بحسنات. كما قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} وقال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} .
‏“تفسير سورة آل عمران”.

‏والله أعلم.

‏كتبه:
‏أبو طارق إحسان العتيبي.

‏١ رجب ١٤٤٧ هـ
‏٢١/ ١٢/ ٢٠٢٥

‏•┈••✦🔹✦••┈•

مناظرة “العباس بن موسى بن مشكويه” مع “الواثق” دراسة إسنادية ومَتْنية ومنهجية.

 

‏مُناظَرة “العبَّاس بن موسى بن مشكويه” مع “الواثق” دِراسة إسنادية ومَتْنية ومنهجية.

‏السؤال:
‏هل مِن كلام عِلمي تأصيلي فيما انتشر مِن مَتن وشرح ما سُمِّي بـ”عقيدة العباس بن موسى بن مشكويه” المأخوذة من مناظرته مع الخليفة الواثق، التي ذكرها “ابن بَطَّة العُكبري” في كتابه “الإبانة”؟

‏الجواب:
‏الحمد لله، وبعد:
‏1️⃣ يُعد كتاب “الإبانة الكبرى” للإمام “ابن بطة العكبري” مِن أمّات كُتُب الاعتقاد عند أهل السنة، وقد تلقَّاه العلماء بالقَبول مِن حيث المنهج والأصول، مع التنبيه -قديمًا وحديثًا- إلى وجود مآخذ حديثية إسنادية في بعض ما أَوْرده مِن أخبار وقَصص تاريخية.
‏2️⃣ ومِن أشهر ما أورده: قصة مناظرة العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني بحضرة الخليفة الواثق، وقد اشتُهرت القصة لشُهرة كتاب “الإبانة” وأفرَدَها بعض المعاصرين بالشرح والتقرير، دون تحرير علمي لإسنادها أو متنها.
‏3️⃣ يروي ابن بطة القصة بسنده:
‏عن أبي عمر عبيد الله بن محمد بن عبيد بن مسبح العطار
‏عن أبي بكر القاسم بن إبراهيم الصفار القنطري
‏عن سلامة بن جعفر الرملي
‏عن العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني.
‏4️⃣ وفي تحقيق دار الراية لكتاب “الإبانة” (الجزء الرابع عشر) للدكتور “يوسف بن عبد الله الوابل” جاءت حواشي التخريج صريحة في بيان حال رجال السَّنَد، وخُلاصتها:
‏* أبو عمر عبيد الله بن عبيد بن مسبح العطار:
‏لم أجد له ترجمة.
‏* أبو بكر القاسم بن إبراهيم الصفار القنطري:
‏قال الذهبي: يُكثر من رواية المَناكير، وقال ابن حجر: شيخ مجهول.
‏* سلامة بن جعفر الرملي:
‏لم أجد له ترجمة.
‏* العباس بن موسى بن مشكويه:
‏لم أجد له ترجمة.

‏والنتيجة:
‏الإسناد مُشتمِل على تتابع رواة مَجاهيل، مع راوٍ منكر الرواية أو مجهول، وهو ما يَجعل السند ساقطًا جدًّا، غير صالح للاحتجاج، لا في باب الاعتقاد، ولا في باب التاريخ.
‏5️⃣ والواقع المتني والتاريخي للقصة لا يقل اضطرابًا عن واقعها الإسنادي؛ فالثابت في كُتب التاريخ أنَّ الخليفة الواثق كان مِن أشد خلفاء مِحْنة خَلْق القرآن، ولم يُعرف عنه تراجع أو انكسار في هذه القضية، بل قُتل في عهده أحمد بن نصر الخزاعي، بينما تُصوِّر القصة الواثق بصورة مغايِرة تمامًا، وهو ما يُورث نكارة تاريخية ظاهرة.
‏6️⃣ ويُلاحظ أن ما سُمِّي بـ”عقيدة العباس بن مشكويه” -كما ورد في هذه القصة المُنْكرة- قد اشتمل على مسائل فقهية اجتهادية خلافية أُدرجت ضمن “عقيدة أهل السنة” مثل:
‏* إيقاع الطلاق بكلمة واحدة.
‏* تحديد مسافة القَصر بالفراسخ.
‏* إخفاء البسملة.
‏وهذه مَسائل يَسوغ فيها الخلاف بين أهل السنة أنفسهم، فكيف تُجعل فارقًا عقديًا في مقام محنة وسيف؟!
‏وهو ما يَدل على أن النص مركَّب أو مُتأخِّر الوضع لتعزيز توجّه فقهي بعينه.
‏7️⃣ ومما في متن القصة من نكارة: تصوير أسلوب التعذيب بقلع الأضراس، وهو غير مشهور في وقائع محنة خلق القرآن، إذ المعروف فيها: الضرب، والحبس، والقتل بالسيف، كما وقع لأحمد بن نصر الخزاعي.
‏8️⃣ ومما يُنكر أيضًا: نِسبة عبارة الإمام أحمد: “ينبغي أن تُكتب على أبواب المساجد” إلى هذا السياق، والإمام أحمد أجلُّ وأورع من أن يقول ذلك في عقيدة مركَّبة كهذه، ولم يثبت هذا اللفظ عنه بإسناد صحيح مستقل.
‏9️⃣ ونَكارة هذه الرواية لا يقدح في الإمام ابن بطة، فقد اتفق نُقاد الحديث مِن أهل السنة على إمامة ابن بطة في الاعتقاد، مع التنبيه على قلة إتقانه في الرواية ووجود أوهام له فيها، وأنَّ ما يُؤخذ عليه إنما هو في باب الإسناد، لا في باب الاعتقاد.
‏ قال الذهبي -رحمه الله-:
‏لابن بطة مع فضله أوهام وغلط.
‏وقال:
‏ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية، فكان إماما في السنّة، إماما في الفقه، صاحب أحوال، وإجابة دعوة، رضي الله عنه.
‏وقال:
‏صدوق في نفسه، تكلموا في إتقانه.
‏وقال:
‏يهم ويغلط.
‏وقال:
‏إمام، لكنه ذو أوهام.
‏وقال:
‏وابْن بطَّة ضعيفٌ مِن قِبَل حِفظه.
‏ومعتقد ابن بطة ثابت بغير هذه القصة، في الصفات، والإيمان، والرد على الجهمية، بالكتاب والسنة، وإجماع السلف، وكتُب أئمة السنة قبله وبعده.
‏🔟 ومِن العَجَب أنْ تُذكر هذه المناظرة أنها في مجلس خليفة، ويُروى فيها وجود الإمام أحمد، وثناؤه على موقف العباس، وعلى اعتقاده، وأَمْر ابنه بكتابتها، ومع ذلك لا يوجد شاهد واحد يشهد لحصولها ولا يكون لصاحبها ذِكر في أصحاب أحمد ولا كُتُب التراجم الحنابلة!

‏وأخيرا:
‏ولسنا بحاجة أصلًا إلى هذه القصة؛ فبطلان القول بخَلْق القرآن ثابت:
‏* بنصوص الوحيين.
‏* وبإجماع السلف.
‏* وبمواقف صحيحة الإسناد لأئمة كبار.
‏ فلا حاجة علميًّا ولا منهجيًّا إلى قصة واهية الإسناد لتقرير أصل متين.

‏والله أعلم.

‏✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.

‏٥ رجب ١٤٤٧هـ
‏٢٥ / ١٢ / ٢٠٢٥

تتمة (١):

الحمد لله، وبعد:
فَبَعْد نَشْر التحقيق في مناظرة وعقيدة “العباس بن موسى بن مشكويه” أرسل لي أحد المتابعين الأفاضل تَعقُّبيْن، ظنًّا منه أنَّ الرجل معروف وموثوق، وأنه قد نقَل عن الإمام أحمد شيئا رآه بعينه، وهو ما ينفي جَهالة العين التي ذكرتُها في تحقيقي.

وإليكم ما تعقّب به، وجوابي عليه:
١. التَعقُّب الأول: قال: إن أبا يعلى نَقَل المناظرة والعقيدة في كتابه “الطبقات”!
والجواب عليه:
إنَّ أبا يعلى ليس له إسناد مستقل في المناظرة والعقيدة، بل هو مجرد “ناقل” من كتاب ابن بطة، ونص كلامه:
“ذَكَرَ أبو عبد الله بن بطة، قال: حدثنا أبو عمر..” ثم ساق الإسناد المُظْلم نفسه الذي ناقشناه سابقا.
فيتبين أنَّ إسناد أبي يعلى هو عينُ إسناد ابن بطة، وعليه: فَعِلَّة إسناد ابن بطة -صاحب المجاهيل والمناكير- هي نَفْسها علة نقل أبي يعلى، ولا جديد يضيفه أبو يعلى هنا سوى النقل.

٢. التعقب الثاني:
بَعث لي نقلا عن “طبقات الحنابلة” لأبي الحسين ابن أبي يعلى -تحقيق الدكتور عبد الرحمن العثيمين- (٢/ ٦٤) وفيه رواية تضمنت خرقًا للعادة، نصها: (عَبّاسُ بن مَشْكُوْيَه الهَمَذَانِيُّ، نَقَلَ عن إِمَامِنَا أَشْيَاء؛ مِنْهَا: مَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، حدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حدَّثَنَا أَبي، حدَّثَنَا أبُو مَسْعُوْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ جَهْضَمٍ الهَمَذَانِيُّ -بمكَّةَ- حدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ سُلَيْمَان بنِ الحَسَنِ النَّجَّادُ – ببغداد- قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابنِ أَبِي العَوَّام الرِّيَاحِيِّ-وأَنَا أَسْمَعُ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّاسَ بنَ مَشْكُويَهْ الهَمَذَانِيُّ، قَالَ: كُنْتُ يومَ الدَّارِ، يومَ ضُرِبَ أَحْمَدُ، فلَمَّا ضُربَ السَّوْطَ الثَّامِنَ اضطَرَبَ المِئْزَرُ في وَسَطِهِ، فَرَأَيْتُهُ وقد رَفَعَ رَأَسَهُ إلى السَّمَاءِ وحرَّك شَفَتَيْهِ، فَمَا استَتَمَّ الدُّعَاءَ حَتَّى رَأَيْتَ كَفًا من ذَهَبٍ قد خَرَجَ من تَحْتِ مِئْزَرِهِ، فردَّ المِئزَرَ إلى مَوْضِعِهِ بقُدْرَةِ اللهِ، فضَجَّتِ العَامَّةُ، وهَمُّوا بالهُجُومِ على دَارِ السُّلْطَانِ، فأَمَرَ بِحَلِّهِ، فَدَخَلُتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أيَّ شَيْءٍ كان تَحريْكُ شَفَتَيْكَ عندَ اضْطِرَابِ المئزَرِ؟ فَقَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّمَاءِ، ونَادَيْتُ: يَا غِيَاثَ المُستَغِيْثِيْنَ، يا إِلهَ العَالِمِيْنَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قائمُ لَكَ بحَقٍّ فَلَا تَهْتِكْ لِيَ عَوْرَةً، فاستَجَابَ اللهُ دُعَائِيِ عِنْدَ اضْطَرَابِ المِئْزَرِ ).

والجواب عليه:
إنَّ هذا السند تالف، والمتن ركيك منكر مكذوب، وبيان ذلك:
أولاً: من حيث السند:
أ. وضع المحقق في الهامش عند ذكر “العباس بن مشكويه” علامتي الاستفهام (؟ – ؟) أمام تاريخَي الولادة والوفاة؛ وهو اصطلاح تحقيقي معروف يعني “لا يُعرف له تاريخ” وهذا يعزز الحكم بجهالته، إذ كيف يكون “بطلا” لمناظرة تاريخية مع خليفة، وينقل مَشهد تعذيب الإمام أحمد ويشهد كرامة كهذه، ولا يُعرف متى وُلد ولا متى مات ولا روى عنه إلا المجاهيل؟!

ب. وفي الإسناد:
(أَبُوالحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ جَهْضَمٍ الهَمَذَانِيُّ) وهذا الراوي كذاب:
قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- : “ابن جهضم شيخ الصوفية، ليس بثقة بل متهم يأتي بمصائب.
قال ابن خيرون: قيل: إنه يكذب”.
وقال: “لا يُعرف (أي: حديث الرغائب) إلا من رواية ابن جهضم، وقد اتهموه بوضعه، ولقد أتى بمصائب يشهد القلب ببُطلانها”.
وقال: “لقد أتى بمصائب في كتاب “بهجة الأسرار” ما يشهد القلب ببطلانها، وروى عن أبي النجاد عن ابن أبي العوام عن أبي بكر المروزي في محنة أحمد فأتى فيها بعجائب وقصص لا يشك من له أدنى ممارسة ببطلانها”.

وقال ابن الجوزي -رحمه الله- : “هو موضوع، وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب” .

ج. أما قول ابن أبي يعلى “نقل عن إمامنا أشياء”: فهذه العبارة ليست توثيقًا ولا تعديلا للرجل، وإنما هي توصيف لسبب إيراده في الكتاب؛ فكُتُب الطبقات تذكر كل من رُوي عنه أنه لقي الإمام أو نقل عنه، سواء كان ثقة أو ضعيفا أو مجهولا.

فمعنى العبارة: “هذا الرجل مذكور هنا لأن له قصة يدَّعي فيها النقل عن أحمد” وليست تزكية له.

ثانياً: من حيث نكارة المتن وركاكته:
أ. قال الذهبي -رحمه الله- في “تاريخ الإسلام” (١٨/ ٨٠) معلقا على هذه القصة: “ثُمَّ رَوى بعدها حكاية في المحنة عن ابن جَهْضَم -وهو كَذُوب- عن النّجّاد، عن ابن أبي العوّام الرّياحيّ، فيها من الرَّكاكة والخَرْط ما لا يروج إلا على الْجُهّال! وفيها أنّ مئزره اضطّرب… حتى رأيت كفًّا من ذهب قد خرج من تحت مئزره بقدرة الله!”.

ب. وحتى المحقق “الدكتور عبد الرحمن العثيمين” يقول بالنص -معلقا على قصة الكف الذهبية في الصفحة نفسها-: “تَقدَّم مثل هذا الخبر وليس فيه كفًّا من ذهب، ولا هذا الدعاء؟!” فالمحقق نفسه يستنكر هذه الزيادة الغريبة (كف من ذهب) ويشير بعلامات التعجب والمقارنة بالروايات الأصح.

والخُلاصة:
إن العباس بن موسى بن مشكويه مجهول الرواية، لا يثبت له توثيق ولا ضبط، وأنَّ مناظرته مع الواثق لا تصح سندًا ولا متنًا، وأنَّ ما نُسب إليه مِن ” عقيدة” إنما هو مروي بالإسناد التالف نفسه، وقد اشتملت على إدخال مسائل فقهية اجتهادية في مقام اعتقادي، كما لا تصح دعوى تزكية الإمام أحمد لها، ولا تصح شهادته على وقائع المحنة، فضلًا عن خرافة “الكف الذهبية” التي أجمع المحققون على إنكارها.

تتمة (٢):

عقيدة السلف الصالح حُفظت في مصنَّفات مبكرة متقدمة، بأسانيد معروفة، وتلقّتها الأمة بالقبول، ومن أقدمها وأوثقها زمنًا:

“اعتقاد الرازييْن” لأبي زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ) وأبي حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ).

“عقيدة حرب الكرماني” لحرب بن إسماعيل الكرماني (ت ٢٨٠هـ).

“السُّنَّة” لعثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠هـ).

“السُّنَّة” لأبي بكر ابن أبي عاصم (ت ٢٨٧هـ).

“السُّنَّة” لعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠هـ).

“السُّنَّة” لأبي بكر الخلال (ت ٣١١هـ).

“الشريعة” لأبي بكر الآجري (ت ٣٦٠هـ).

“شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة” لهبة الله اللالكائي (ت ٤١٨هـ).

فهذه المصنفات المتقدمة بأسانيدها وآثارها، كافية في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، وتُغني غِنىً تامًّا عن التعلّق بعقيدةٍ منكرة الإسناد، مضطربة المتن، غير محتاجٍ إليها أصلًا.

والله أعلم.

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٧ رجب ١٤٤٧ هـ
٢٧ / ١٢ / ٢٠٢٥

 

بَيْن صحة السَّند ومحاكمة التاريخ (قصة سفيان بن عيينة نموذجًا)

‏بَيْن صِحَّة السَّند ومحاكمة التاريخ
‏(قصة سفيان بن عُيينة نموذجًا)

‏السؤال:
‏ انتشر مقطع فيديو للشيخ المحدِّث أبو إسحاق الحويني -رحمه الله- يروي فيه قصة مؤثرة عن سفيان بن عيينة، مفادها:
‏أنَّ سفيان رأى في المنام سقوط أسنانه، ففسرها شيخه الزُّهري بموت أقرانه، ثم جعل يسأل عن العلماء:
‏الليث بن سعد، وبَقِيَّة بن الوليد، وضَمْرة بن ربيعة، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي فيُخبر بوفاتهم واحدًا بعد واحد، فيبكي ويرثي نفسه.
‏وقد صحَّحَ الشيخ إسناد القصة اعتمادًا على رواية أبي نعيم في “حلية الأولياء” فهل تصح هذه القصة واقعًا؟

‏الجواب:
‏الحمد لله، وبعد:
‏فهذه القصة مثالٌ بيِّن على ضرورة عدم الاكتفاء بسلامة الإسناد ظاهرًا، دون عَرْض المتن على ميزان التاريخ، وهو منهج أئمة النقد والتاريخ كـ ابن عساكر والذهبي، وغيرهما.

‏نَص القِصة:
‏عن العباس ابن محمد بن عبد الله الترقفي (وأخطأ الشيخ الحويني رحمه الله فقال “الترفقي”) يقول:
‏خرج علينا سفيان بن عيينة يوما فنظر إلى أصحاب الحديث فقال: هل فيكم أحد من أهل مصر؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل الليث بن سعد؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل الرملة؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرملي؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل حمص؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل بقية بن الوليد؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل دمشق؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل قيسارية؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل محمد بن يوسف الفريابي؟ فقالوا: توفي، فبكى طويلا ثم أنشأ يقول:
‏خَلَتِ الديارُ فسُدْتُّ غير مُسَوَّدِ *** ومن الشَّقاء تَفَرُّدِي بالسُّؤدَدِ.
‏انتهى.

‏والقصة -وإن رُويت بإسناد ظاهره السلامة عند بعض أهل العلم- إلا أنَّ متنها مُنكر تاريخيًّا، ومستحيل الوقوع؛ لِمَا فيه من اضطرابٍ بيّن في تواريخ الوفيات، وبيانه كالتالي:
‏وفاة سفيان بن عيينة: سَنة (١٩٨هـ).
‏وفاة محمد بن يوسف الفريابي: سنة (٢١٢هـ).
‏وفاة ضمرة بن ربيعة: سنة (٢٠٢هـ).
‏فالسؤال الذي لا مفر منه: كيف يبكي سفيان بن عيينة (المتوفى سنة ١٩٨هـ) على الفريابي الذي عاش بعده أربع عشرة سنة؟! وكيف ينعى ضمرة الذي توفي بعده بأربع سنوات؟! وهل يُعزَّى الأحياء بالموتى؟!

‏ولهذا الخَلَل التاريخي الظاهر نَقَض الحافظ المؤرخ ابن عساكر القصة صراحة في “تاريخ دمشق” فقال -رحمه الله- كلامًا نفيسًا يدل على دِقة نقده، يقول:
‏“هذه الحكاية ظاهرة الاختلال، لا يخفى خطؤها إلا على الجهال بالتواريخ؛ فإن الليث قديم الوفاة، لا تخفى وفاته على سفيان، وأما ضمرة بن ربيعة فإنما توفي بعد سفيان، قيل سنة مائتين وقيل سنة اثنين ومائتين، وأما محمد بن يوسف الفريابي فإنه بقي بعد سفيان مدة طويلة، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين”.

‏وهذا صنيع المؤرخ الناقد، الذي لا يَكتفي بسلسلة الرواة، بل يُحاكِم الخبر إلى الواقع والتاريخ.

‏الخُلاصة:
‏ القصة منكرة المتن، لا تصح تاريخيًّا، ولو بدا إسنادها سليمًا في الظاهر، مما يدل على وهمٍ شديد أو تركيبٍ في الخبر، وفي مثل هذا يتبيّن أن التاريخ ميزان كاشف لا يجامل أحدًا، وأن سلامة الإسناد لا تعني بالضرورة صحة القصة إذا أبطلها الواقع المقطوع به.

‏والله أعلم.

‏🖊️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.

‏ ٧ رجب ١٤٤٧هـ
‏٢٧ / ١٢ / ٢٠٢٥

حُكم حضور النساء لمَلاعب كُرَة القدم.

حُكم حضور النساء لمَلاعب كُرَة القدم.

السؤال:
هل يجوز للمرأة أنْ تشاهد مباراة كُرة قدم في الملعب مع زوجها؟

الجواب:
المَلاعب بيئة يغلب عليها الحماس المُنفلت، وتكثر فيها الألفاظ البذيئة، والسِّباب الجماعي، وربما الموسيقى الصاخبة.
وحكم الحضور والمشاهَدة للعَوْرات حرام على الرجال والنساء؛ لكنه في المرأة أكثر وأشد.
وتنزيه المرأة لنَفْسها وسَمْعها عن مجالس اللغو والفسوق أَمْر واجب عليها وعلى وليها أو زوجها الغيور على محارمه، وحتى لا يُحسب على أهل الدِّياثة.

وعليه:
فَذَهاب المرأة للملعب لا يجوز لِمَا يترتب عليه مِن نَظَر للعَوْرات (أفخاذ اللاعبين) أو اختلاط مُحرَّم (ملاصقة ومزاحمة للرجال) أو سماع لفُحْش القول، وهذه الأمور تكاد تكون متلازمة للملاعب اليوم، بالإضافة أنَّ المَلاعب أحيانًا تكون مَظِنَّة للهَلاك والأذى نَظَرًا لكثير مِن الأحداث التي وقع فيها ضرب وإيذاء وتدافع أدَّى كل ذلك لإصابة وإزهاق الكثير من الأرواح والأنفس البشرية مِمَّا نتج عنه خصومات بين الشعوب والدول، ولا يخفى عليكم ما يَحدث خلال الخلافات مِن تقاطع وسِباب وقذف أعراض وغير ذلك مِن الرَّزايا والبلايا.

فالنصيحة:
أنْ تَصون نفسك وزوجتك عن هذه الأماكن، فليس فيها ما ينفع دينكم ولا دُنياكم، وفيها مِن المفاسد ما ذكرتُ لك.
وإنْ كان ولا بُد من الترفيه، فليكن في أماكن تحفظ فيها كرامتها وحِشمتها بعيدًا عن صَخَب الجماهير وكَشْف العورات والنَّظَر إلى المُحرَّمات.

والله أعلم.

كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦/جمادى الآخرة/١٤٤٧
٢٠٢٥/١٢/١٨