الرئيسية بلوق الصفحة 67

يمر بأزمة مالية، ويقيم في بلاد غربية مع والديه، ومحرج من طلب رجوعهما لبلدهما

يمر بأزمة مالية، ويقيم في بلاد غربية مع والديه، ومحرج من طلب رجوعهما لبلدهما

السؤال:

يعيش كلٌّ من والداي وإخوتي البنات في بيتهم في الجزائر، وأعيش في لندن، وقد قمت مؤخرًا بامتلاك بيت جديد، وجاء كل من أبواي وإخوتي ليسكنوا معي منذ ذلك الحين، وقد تركوا البيت القديم لإخوتي الذكور – اثنين – ، والآن تغيرت الظروف ووجدت نفسي في ضائقة مالية صعبة، وقد أصبحت كبيرا أيضا.

وسؤالي هو: هل يمكنني أن أسال والداي العودة على بيتهم القديم في الجزائر الذي ما زالوا يملكونه، والذي يسكنه أخواي وزوجتاهما وأبناؤهما؟ كما أنه ليس لدي سوى خيارين إما أن أبيع البيت، أو أن أتزوج، وأعيش فيه مع زوجتي، وهذا ليس بالأمر الهين بالنسبة لي، على أية حال فلا أستطيع العيش وأنا أشعر بالإثم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر فيك أخي السائل حرصك على بر والديك، وخشيتك من الوقوع في الإثم فيما تسأل عنه من التصرف حيالهما، ونسأل الله أن يُعظم لك الأجر، وأن يوفقك لما فيه رضاه.

ثانيًا:

لا شك أنه من المؤلم أن تواجه والديك بضرورة خروجهما من بيتك، ورجوعهما إلى بلدهما، مع بقائك أنت فيهما، وخاصة إن كان السبب هو تزوجك، وإحضار تلك الزوجة لتحل محلهما ، ونحن نقدِّر ذلك ، ونشعر به ، ولكن ثمة خيار لم تذكره، ونحن نرى أنه الخيار الشرعي المطابق للشرع، والملائم لحالتك، وهو: رجوعك مع والديك إلى بلدكما الأصلي، وترك تلك الديار التي تسكنها، وتزوجك في بلدك من مسلمة، تقية، وشراء بيت جديد يسعك ووالديك، أو توسعة بيتهما القديم ليسع الأسرة جميعها.

* وفي هذا الحل عدة فوائد:

  1. ترك بلاد الكفر التي تسكنها، والتي أسكنتَ فيها والديك.
  2. عدم إيذاء والديك بخيار خروجهما من بيتك.
  3. تزوجك من امرأة من أهل دينك، وبلدك.
  4. تجميع الأسرة جميعها في مكان واحد، وعدم التسبب في تفرقها.
  5. بقاء أخويك في بيت والديك، وعدم خروجهما منه.

هذا ما نرى أنه الخيار الأسلم، لك، ولأهلك جميعا، فإن أبيتَه، وأبيت إلا البقاء في تلك الديار: فنرانا مضطرين لنصحك بالخيار الآخر، وهو أقل الشرَّيْن، وأهون الخطبيْن، وهو أن تبيع بيتك، ثم تنفق ثمنه في أمرين:

الأول: في إرجاع والديك لبلدهما، مع توسعة بيتهما ببناء يسعهما، ويكفيهما.

والثاني: في زواجك بذات دين، وإعفاف نفسك، والسكن في بيت مستأجَر، حتى يوسع الله عليك.

ونوصيك بالتأمل في الحكم الشرعي في بقائك في تلك الديار، فلعلك أن تستجيب لما نصحناك به، وأن تترك ذلك لله تعالى، وأنت موعود بأن يعوضك الله خيراً منه.

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ). رواه أحمد ( 22565 ) ، وصححه الألباني في ” حجاب المرأة المسلمة ” ( ص 47 ) ، وصححه محققو مسند ” أحمد بن حنبل ” ( 23074 ).

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة، فانظر أجوبة تلك الأسئلة.

 

والله أعلم.

 

 

حال كثير من النشيد والمنشدين الآن، وكيف نعالج تعلق الناس بهما

حال كثير من النشيد والمنشدين الآن، وكيف نعالج تعلق الناس بهما

السؤال:

نريد خطة لمشروع مقاطعة النشيد (الايقاع):

نحن – يا شيخ – طالبات في الجامعة، وكما تعلمون: ازداد في الفترة الأخيرة الأناشيد التي تحتوي على الإيقاع، والموسيقى – والله المستعان -، وكما تعلمون: القليل من يقتنع بتحريم هذه الأناشيد، ونحن نريد حلاًّ، أصبح الوضع مبكيًا؛ لما نراه من حال المنشدين،  وبالأخص المسلمين، وكما تعلم – يا شيخ – نحن في ” غزة ” نعيش وضعاً صعبًا، وكان في الآونة الأخيرة الحرب على ” غزة “، ولعل من أسباب النصر التي يجب علينا أن نتبعها: الرجوع إلى الله، وهذه الأناشيد شبيهة بالأغاني، فيا شيخنا الفاضل نريد أن نعمل مشروع ” المقاطعة “، فهلا أكرمتنا بخطط، أو فوائد في ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما تذكرونه عن حال النشيد والمنشدين لم يعد خافيًا على أحد، وقد ظهرت نكارته التي حذَّر العلماء من الوقوع فيها، ولم يعد المشاهد والمستمع العادي يفرِّق بين ” منشد ” و ” مغنِّي ” لا في الكلمات، ولا في الألحان، ولا في المعازف، ولا في الجمهور، ولا في الهيئة، فتجد المنشد حليقًا أو شبه حليق، مع لبس بنطال ضيق، أو ثوب مسبل، وتجد جمهوره يصفِّق، ويصفِّر، وهو مختلط من النساء والرجال، وتجد آلات الطرب تصدح إما أمامه، أو خلف الكواليس، وتجد ألحان أناشيد فيها التمييع، والتطريب، والآهات، مع حركات أيدي، وتغميض عينين، وتجد كلماتها فيها تهييج مشاعر، أو وطنية عنصرية، أو توسل بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو تغزل بالمدينة النبوية، هذا حال أكثر المنشدين وأناشيدهم هذه الأيام، وللأسف الشديد، فلا عجب بعدها أن تسمع عن ترك واحد منهم للاستقامة، وتخليه عن الهداية، ولا تعجب من تحول بعضهم إلى الغناء الصرف! وهو إمام مسجد في الأصل! ويقول بما نذكره عنهم ها هنا ومن قبل أنه لا فرق بينهم وبين المغنين، لذا فإنه كان ” صريحًا “! مع نفسه، و ” واضحًا” مع جمهوره، فالتحق بركب الغناء، وسار مع قافلة المغنين، والله المستعان.

البيان لأخطاء بعض الكتاب – ( ص 319، 320 ).

 

 

 

والعلماء لا ينكرون النشيد من حيث الأصل، وإنكارهم إنما هو لما أُدخل فيه من أمور مخالفة للشرع، وقد ذكرنا ملاحظات العلماء على هذه الأمور، وتحذيرهم منها، وخشيتهم من وجود الأسوأ، فانظر هذا كله في أجوبتنا الأخرى.

وبعد أن ذكر الشيخ صالح الفوزان حفظه الله خشيته من حصول ما هو أسوأ مما هو موجود الآن: علَّق على ذلك فيما بعد، فقال:

ولقد حصل ما خشينا منه من التطور، فيما يسمَّى بـ ” النشيد الإسلامي “، فقد أخبرني بعض الإخوة من طلاب العلم عن انتشار أشرطة كثيرة جدّاً في بلاد الشام اليوم ، يصاحب المنشدَ فيها الآلة ، حتى أصبحت أقرب إلى الغنا ؛ من أمثال أشرطة ” السرميني “، و ” الترمذي “، و ” أبي راتب “، و ” البراعم المؤمنة ” … وغيرها من الأسماء التي لا يحصرها عدد،  والتي تعمل مراكز الأشرطة، والفيديو، عندهم ليل نهار عليها، وبأرباح تفوق أرباحها من الغناء الماجن ، حتى إن بعض دور النشر في ” عمَّان ” قد فرغت نفسها لنشر هذه الأشرطة على أنه عمل إسلامي دعوي! والذين يتتبعون هذه الأشرطة من شباب المسلمين من الأحزاب المختلفة لا يقبلون أي غمز، أو اتهام في شأنها؛ فهي عندهم حل إسلامي ضروري، وملحّ، ويكاد يكون جزءًا من الدِّين، وكل من يتناول هذه الأشرطة بسوء: فهو متحجر، ومتشدد، وأصولي ، ولا يعيش واقع عصره! وأشد من ذلك: أنه قد حدثني أحد المشايخ أنه سمع شريطًا قد لحنت فيه بعض سور القرآن مع الموسيقى على شكل ” أناشيد ”  نعوذ بالله من هذا العمل، ومن أهله . ” البيان لأخطاء بعض الكتَّاب ” ( ص 319 ).

ثانيًا:

وحتى تثمر جهودكم في الحد من الظاهرة المؤسفة المنتشرة باسم الدين: فإننا ننصحكم بما يلي:

  1. التلطف في الإنكار على المخالف؛ فإنه من المعلوم تعلق قلوب كثيرين، وكثيرات! بالنشيد، والمنشدين، فليس من السهل عليهم ترك ذلك إذا استخدمت الشدة في الإنكار عليهم.
  2. إبراز فتاوى العلماء بتحريم هذه الأناشيد التي وقعت فيها مخالفات شرعية.
  3. إظهار البديل الجاد، الذي لم تقع فيها مخالفات شرعية.
  4. بيان أهمية العلم الشرعي، وبذل المزيد من الجهود والأوقات في تحصيله، والتركيز على حفظ القرآن، وبيان فضل وأجر حفظه، والمشتغل في حفظ القرآن والعلم الشرعي لا يجد وقتاً يلهو به بهذه الأناشيد، ويضيع وقته في سماعها، على حساب واجب شرعي، وهو طلب العلم.
  5. ذِكر أثر النشيد على قلوب مستمعيه، وخاصة المكثر منها، وقد تعدى أثر ذلك إلى التعلق بذات المنشدين، كما هو معروف من خلال المنتديات، ومن خلال أصحاب التسجيلات، وكثير من الناس لا ينتبه لأثر ما يفعله حتى يقع في الفتنة، فتحذير هؤلاء الناس من التمييع الحاصل في الأناشيد، ومن التمايل، وغير ذلك من المخالفات – وخاصة في ” الفيديو كليب ” – هو من المهم بمكان، حتى يؤدي المسلم واجب النصيحة المؤتمن عليها.

 

– ونسأل الله أن يعينكم على أداء رسالتكم، وأن يسددكم، ويوفقكم لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

 

 

هما على علاقة هاتفية محرَّمة ويخيرها بين قبوله زوجًا أو رجوعه للمعاصي!

هما على علاقة هاتفية محرَّمة ويخيرها بين قبوله زوجًا أو رجوعه للمعاصي!

السؤال:

أنا بنت، أخاف الله كثيرًا، تعرفت على شاب عبر الهاتف بقصد الزواج، وهو كذلك ، لكن هناك مشكلة، هو يتكلم في ” الحب “، و ” الغرام ” ، إنه يقول: ” قولي لي ” أحبك “، وإلا  لن أتزوج بك، أنتِ لا تحبيني “، وهو لا يعرف عن الدّين، ويريد أن يتوب، يسألني أيضًا عن العلاقات الجنسية بين الرجل فيما تجوز وما لا تجوز، وأنا هذا الشيء رفضته، لكن في مرات أجيب عليه! لأني أحبه، هل يجوز أن أستمر معه وهو في هذا يتكلم معي في حبه؟ وكان له علاقات جنسية مع بنات، وعندما عرفني تاب عنها، وقال: إن لم تتزوجي بي سأرجع إليها، وتكوني أنتِ السبب، وأنا خائفة إن تركته أن يذهب، ويرجع إلى المعاصي، وأكون مذنبة في ذلك، وهل أضحي وأتزوجه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لك مراسلتك لنا، وحرصك على معرفة الصواب مما ستتخذينه من قرار، ونسأل الله أن يوفقنا لدلالتك على ما ينفعك في قبرك، وعند لقاء ربك.

ثانيًا:

نعتب عليك في البداية وقوعك في معصية العلاقات المحرمة عبر الهاتف مع أجنبي عنك، وهو ما جرَّك للكلام في الحب، والغرام، واستثارة الشهوات الكامنة عند الطرفين، وقد كانت مثل هذه العلاقات المحرمة سببًا لوقوع كثير من الناس في فاحشة الزنا، وإنما نهينا عن اتباع خطوات الشيطان من أجل أن لا نقع في المحذور العظيم من كل ذنب من الذنوب.

وبما أنك قلت عن نفسك ” إنك تخافين الله “: فكان الواجب عليك تفعيل ذلك الخوف في تلك العلاقة الآثمة، واستشعار رقابة الله تعالى عليك، والخوف من ارتكاب الذنوب، والخوف من الموت على تلك المعاصي قبل التوبة والاستغفار.

والخوف من الله من أعظم ما يدفع به المسلم عن نفسه الإمارة بالسوء فعل المعاصي، ومن أمثلة ذلك وأدلته:

  1. قال تعالى عن ابن آدم مخاطباً أخاه: ( لَئِنْ بَسَطْتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) المائدة/ 28.
  2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ). رواه البخاري ( 6421 ) ومسلم ( 1031 ).

ولا يؤدي الخوف من الله للكف عن المعصية فحسب، بل يؤدي إلى أداء الواجبات، والقيام بالنوافل والمستحبات، بل ولترك الفضول في كل شيء مما لا ينفع صاحبه عند ربه.

* قال ابنُ رَجَب الحنبلي – رحمه الله -:

والقدرُ الواجبُ مِن الخَوفِ: مَا حَمَلَ عَلَى أداء الفَرائضِ، وَاجتنابِ المَحَارمِ، فَإنْ زَادَ عَلَى ذَلكَ بحيث صَارَ بَاعِثاً للنّفوسِ عَلَى التشميرِ في نوافل الطاعاتِ، وَالانكفافِ عَنْ دقائق المكروهاتِ، وَالتبسطِ في فُضولِ المُبَاحاتِ: كَانَ ذَلكَ فَضْلًا مَحْمودًا. ” التخويف من النار ” ( ص 20 ).

ولعل رسالتك هذه أن تكون خطوة مباركة، متقدمة، في سلوك طريق التوبة الصادقة، والكف عن هذا الذنب، وغيره.

ثالثًا:

وأما النصيحة المباشرة في الموضوع: فهو الترك الفوري للمحادثات الهاتفية مع أي رجلٍ أجنبي عنك، والكف الفوري عن الرجل الذي هو موضع سؤالك، ونرجو أن لا تترددي في ذلك، ولنا أسبابنا لنصحك بذلك، ومنها:

  1. قد ثبت بما لا مجال للشك فيه: أن الزواج عن طريق الهاتف، والإنترنت، بل وعموم العلاقات المحرمة قبل الزواج: أن مصيره إلى الفشل، وأنه سبب للهموم، والغموم، والشكوك، التي تصاحب الزوجين، إن لم يحصل طلاق، وأنتِ قد أغناك الله باستقامتك على دينه، فلا تتورطي فيما تندمين عليه في قابل الأيام.
  2. أن هذا الرجل الذي يتجرأ على فعل المحرمات الآن، ولا يبدو منه أثر توبة، وخوف من الله: ليس بالذي يصلح زوجاً لك، يرعاك، ويؤدبك، ويربي أولادك، فلا تجعلي من حياتك محط تجربة لشيء فاسد ترينه أمام ناظريك، وفي الخلق من أهل الاستقامة، والدِّين، من هو أليق وأفضل بأن يكون زوجًا لك، ومثل هذا لا يؤسف عليه، وعنده من النساء غيرك ما يتسلى به عنك، ولا تظني للحظة أنه يريدك زوجة عفيفة، مصونة، مكرمة، بل يريد هذا وأمثاله العبث، والتسلية، وعند إرادة الزواج حقيقة يبحث عمن ليس لها ماضٍ، ولا تخاطب الرجال الأجانب، وباختصار يبحث عن غيرك!.
  3. تهديده بأن يرجع لفعل المعاصي إن لم تقبلي به زوجًا: يؤكد ما قلناه سابقًا عنه، ويؤكد أنه ليس بالحريص على التوبة الصادقة، بل هو ليس بصادق أصلًا، ولو أراد التوبة من معاصيه، ولو خاف من ذنوبه أن تلحق به نارها، أو أن يرجع إليها: لما جعلك بينه وبينها، بل لبادر إلى التوبة بينه وبين الله، ولخاف على نفسه الوقوع فيما يُغضب ربه، وليس الصادق في التوبة من يقول لغيره: إن لم تفعل لي كذا: سأعصي ربي، وأغضبه! بل هذا حال العابثين، والمستهزئين بشرع الله، والراغبين بفعل الموبقات.

 

فالحذر الحذر من المكالمات الهاتفية معه، ومع غيره، والحذر الحذر من الاغترار بكلامه، وتحميل نفسك مسئولية هدايته، والحذر الحذر من قبوله زوجًا.

هذه نصيحتنا، وهذه وصيتنا، ونسأل الله أن يهدي قلبك لعقلها، وفهمها، وتنفيذها.

 

والله أعلم.

 

مسائل في أصل خلق الجنين، وفي كونه ذكَرًا أو أنثى، وفي شبهه بأبيه أو أمه

مسائل في أصل خلق الجنين، وفي كونه ذكَرًا أو أنثى، وفي شبهه بأبيه أو أمه

السؤال:

قرأت بعض الأحاديث عن تكون الجنين، والتي أوردها ابن القيم في كتابه ” التبيان في أقسام القرآن “، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الجنين ذكرًا وإذا سبق ماء المرأة الرجل كان الجنين أنثى … ) ثم ذكر حديثًا آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل من ماذا خُلق الإنسان؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم قائلًا ( من ماء الرجل والمرأة معًا، فماء الرجل تُخلق منه العظام والأعصاب لأنه غليظ ، وماء المرأة يُخلق منه الدم واللحم لأنه ليّن )، هل من الممكن شرح وتوضيح هذه الفكرة على ضوء هذين الحديثين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الثاني المذكور في السؤال، وهو موضع الإشكال عند الأخ السائل – كما يظهر : لا يصح، وهذا لفظه، وكلام الأئمة عليه:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود قَالَ : مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ يَا يَهُودِيُّ إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ قَالَ يَا يَهُودِيُّ مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. رواه أحمد في ” مسنده ” ( 7 / 437 ).

* قال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله -:

إسناده ضعيف؛ لضعف حسين بن الحسن، وهو الأشقر، كما بينا ضعفه في (888 ). والحديث في ” مجمع الزوائد ” ( 8 / 241 )، وقال: ” رواه أحمد والطبراني والبزار بإسنادين، وفي أحد إسناديه عامر بن مدرك، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات، وفي إسناد الجماعة عطاء بن السائب، وقد اختلط “.

” مسند أحمد ” تحقيق الشيخ أحمد شاكر ( 6 / 199 ).

وكذا ضعفه محققو المسند ( 7 / 437 ) طبعة الرسالة، وقالوا:

إسناده ضعيف؛ لضعف حسين بن الحسن، وهو الأشقر، وعطاء بن السائب اختلط بأخرة، ولم نقف على سماع أبي كدينة – وهو يحيى بن المهلب – منه، هل كان قبل الاختلاط أم بعده، وعبد الرحمن والد القاسم – وهو ابن عبد الله بن مسعود – لم يثبت سماعه لهذا الحديث من أبيه، فهو إنما سمع من أبيه شيئًا يسيرًا.  انتهى.

ومع ضعف سند الحديث: فإن في متنه إشكالًا، حيث ذُكر فيه أن لحم الجنين يكون من نطفة الأم، وعظمه من نطفة الأب، وظاهر النصوص أن اللحم والعظم من مجموع النطفتين.

* ونقل محققو المسند عن نور الدين أبي الحسن السندي رحمه الله قوله:

قوله ( وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّم ): قلت: ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) الآية – المؤمنون/من الآية 14 -: يدل على أن مجموع النطفتين يصير عظامًا. انتهى.

ثانيًا:

وأما خلق الجنين، وكونه ذكرًا أو أنثى، وشبهه بأبيه، أو أمه: فكلها مسائل لها ما يدل عليها من الكتاب والسنَّة، وفيها خلاف بين العلماء، ونحن نذكر ذلك مختصرًا:

  1. خلق الجنين:

قال تعالى: ( فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ ) الطارق/ 5 – 7.

وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، ورجحنا قول طائفة من المفسرين والعلماء أن ” الصلب ” – وهو الظهر -، و ” الترائب ” – وهي عظام الصدر -: هي للرجل نفسه.

  1. الذكورة والأنوثة، والشبه:

وفي هذا خلاف كبير بين العلماء المتقدمين والمعاصرين، ونحن نذكر طائفة من الأحاديث في المسألة، ثم نختار أشهر أقوال العلماء فيها.

  1. عن أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: ( أَخْبَرَنِى بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا ، قَالَ ابْنُ سَلاَمٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، قَالَ: ( أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ، فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ )، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. رواه البخاري ( 3723 ).

– ومعنى ( ينزع ): يذهب إليه – أو إليها – بشبهه.

  1. عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ … قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ، قَالَ: ( مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ ) قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ.

رواه مسلم ( 315 ).

  1. عن أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ ) فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ – وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ – قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَعَمْ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ، إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ ). رواه مسلم ( 311 ).
  2. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتْ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ )، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ تَرِبَتْ يَدَاكِ وَأُلَّتْ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( دَعِيهَا، وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكِ إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ ).

رواه مسلم ( 314 ).

قولها ( وأُلَّت ) هو بضم الهمزة، وفتح اللام المشددة، وإسكان التاء، ومعناه: أصابتها الأَلَّة، بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهي الحرْبة، كذا قاله النووي في ” شرح مسلم ” ( 3 / 225 ).

ونذكر هنا قولين لأهل العلم في معنى تلك الأحاديث السابقة، ومرجع الكلام إنما هو في فهم معنى ” السبق “، و ” العلو “.

أ. * قال ابن القيم – رحمه الله – :

إن سبق أحد الماءين سبب لشبه السابق ماؤه، وعلو أحدهما: سبب لمجانسة الولد للعالي ماؤه، فها هنا أمران: سبق، وعلو، وقد يتفقان، وقد يفترقان، فإن سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة، وعلاه: كان الولد ذكرًا، والشبه للرجل، وإن سبق ماءُ المرأة، وعلا ماءَ الرجل: كانت أنثى، والشبه للأم، وإن سبق أحدُهما، وعلا الآخر: كان الشبه للسابق ماؤه، والإذكار، والإناث لمن علا ماؤه.

” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 278 ).

ب. * وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ووقع عند مسلم من حديث عائشة ( إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله ) ونحوه للبزار عن ابن مسعود وفيه  ( ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما أعلى كان الشبه له )، والمراد بالعلو هنا: السبق؛ لأن كلَّ مَن سبق: فقد علا شأنه، فهو علوٌّ معنوي.

وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان – رفعه – ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله ): فهو مُشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرًا، لا أنثى، وعكسه، والمشاهد خلاف ذلك؛ لأنه قد يكون ذكرًا ويشبه أخواله، لا أعمامه، وعكسه، قال القرطبي: يتعين تأويل حديث ” ثوبان ” بأن المراد بالعلو: السبق، قلت: والذي يظهر: ما قدمتُه، وهو تأويل العلو في حديث عائشة، وأما حديث ثوبان: فيبقى العلو فيه على ظاهره، فيكون السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الاشكال، وكأن المراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه: بحسب الكثرة، بحيث يصير الآخر مغمورًا فيه، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام:

الأول: أن يسبق ماءُ الرجل، ويكون أكثر، فيحصل له الذكورة، والشبه.

والثاني: عكسه.

والثالث: أن يسبق ماءُ الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر، فتحصل الذكورة، والشبه للمرأة.

والرابع: عكسه.

والخامس: أن يسبق ماءُ الرجل، ويستويان، فيذكر، ولا يختص بشبَه.

والسادس: عكسه. ” فتح الباري ” ( 7 / 273 ).

 

* فتلخص مما سبق:

أ. أن ابن القيم رحمه الله يرى في تفسير ” السبق “، و ” العلو ” إلى أن سبق أحد الماءيْن: سبب لشبه السابق ماؤه، وعلوُّ أحدهما: سببٌ للتذكير والتأنيث.

ب. وذهب ابن حجر رحمه الله إلى أن السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه.

والأمر محتمل، ولعلَّ الحقائق – لا النظريات – الطبية الحديثة أن تقوي أحد القولين، ويمكن الرجوع إلى الكتب المتخصصة في الموضوع لزيادة المعرفة.

 

والله أعلم.

يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!

السؤال:

يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الإجابة لا بد من التنبيه على أمرٍ جلل، وهو أنه يحرم الكلام في دين الله تعالى بغير علم وهدى.

قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

كما وأنه يحرم الاعتراض على شرع الله في أحكامه، بل يجب التسليم، ولا مانع من السؤال عما خفي حكمه، أو حكمته، لكن ليس أن يبدأ بالاعتراض والرد.

قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء/ 65.

فنحن وإن كنا فرحين بمراسلتك لنا، واستفسارك عن المسألة، لكن قد أحزننا ذلك الكلام، وذلك الحوار بينك وبين صاحبك، وكان يسعكما الوقوف في المسألة، والتحاكم عند واحد من أهل العلم قبل ذلك الخوض، والأخذ والرد، والاعتراض، وعسى الله أن يرحمنا وإياكم، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.

 

ثانيًا:

أيها الأخ السائل:

لنا مع كلامك الذي سطرته آنفاً وقفات، نرجو تأملها، والتفكر بها:

  1. ما كان ينبغي لك الاعتراض على رحمة الله، وفضله، وكرمه، وأنت أحوج ما تكون لذلك؛ لأنه لا بدَّ أن يقع منك تقصير في حق الله، ما تحتاج معه لرحمة ربك تعالى، واعلم أن ما تقدمه من أعمال لا يؤهلك لدخول الجنة به، ولا يدخل أحدٌ الجنَّة – حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم – إلا برحمته عز وجل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ . قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ). رواه البخاري ( 6098 ).

 

 

  1. واعلم أن فضل الله تعالى على الناس عظيم، فهو يغفر الذنب مهما عظم، ويقبل التوب من التائب، بل ويفرح بتوبة عبده – مع استغنائه عز وجل عن جميع خلقه -، ليس هذا فحسب، بل ويبدل سيئاته حسنات! ولا فرق في هذا بين كافر أسلم، وبين عاصٍ تاب.

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70.

ومما لا شك فيه أن أمر التوبة من المعصية أهون من إسلام الكافر، فأنت تتقلب في نعم الله تعالى، والتوفيق للتوبة والاستغفار توجد له أسبابه الكثيرة وأنت في دائرة الإسلام، وأنَّى يكون مثل هذا لكافر يحتاج أولًا أن يتخلى عن دينه، ثم يدخل في الإسلام؟! ولعظم أمر التخلي عن التدين بغير الإسلام، وعظم التخلي عن المعصية: وعد الله تعالى جميع هؤلاء بمغفرة ذنوبهم، وإبدالها حسنات إن هم فعلوا الصواب، فأسلم الكافر، وتاب العاصي، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ورحمته.

فاعتراضك على أن الله يسألك عن ذنوبك، ولا يسأل الكافر إذا أسلم: في غير محله؛ لأنه جاء بما يمحو ذنوبه كلها، فبماذا جئت أنت؟ وما هو مطلوب منك أنت أيسر مما هو مطلوب منه، فمن يقال له: دع دينك الذي أنت عليه: يُغفر لك ذنبك: أتساويه بمن يقال له من المسلمين: تب من معصيتك : يُغفر لك ذنبك؟! فمن جاء بما يمحو به ذنبه من إسلام، أو هجرة، أو توبة، أو حد يقام عليه: غفر له ذنبه، ومن لم يأت من ذلك بشيء فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، إلا أن يلقى الله تعالى بالكفر، فمثله لا يغفر الله له.

قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) النساء/ 48.

وهذا وجه آخر في الرد على كلامك: وهو أن لقاء المسلم ربه بذنوبه لا يعني الجزم بتعذيبه عليها، بل قد يغفرها الله له، بخلاف الكافر فإنه مهما جاء به من أعمال حسنة فإنه إن لم يتب منها بدخوله في الإسلام: فإنه غير معرَّض للمغفرة، بل هو خالد في نار جهنم أبدًا.

  1. وهل تظن الأمر بهذه السهولة حتى تعترض عليه؟! فهل كل من جاء بالكفر، والمعاصي الكبيرة والصغيرة هل تظن مثل هؤلاء يوفق للإسلام قبل وفاته؟ وهل يعلم أحد متى تأتيه منيته؟ وهل يجزم أحد بتوبته قبل لقاء ربه؟ هذا أبو طالب مثال، فقد كان مدافعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومقتنعًا بصدقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو بنفسه الداعي له للدخول في الإسلام بكلمة واحدة، فهل قالها؟ هل وُفِّق لقولها؟ وهل انتفع والد إبراهيم بدعوة ابنه عليه السلام؟ وهل انتفعت امرأة نوح وولدها بدعوة نبي الله نوح عليه السلام؟ ليس الأمر كما ظننته أخي السائل بهذه السهولة، أن يكفر الكافر ثم يسلم وقتما شاء، أو يعصي العاصي ثم يتوب وقتما شاء، بل ليته كذلك، وهو أمر لا يزعجنا، ولا نحزن له، بل المسألة متعلقة بتوفيق الله، وهدايته، وبما تكنه صدورهم من حب الخير لأنفسهم، والبحث عن الحق.
  2. وكما أن الله تعالى يقبل توبة العاصي، وإسلام الكافر، قبل موتهما – ما لم يغرغرا – : فإنه يُحبط عمل المسلم إذا ختم حياته بردة ، ولو قضى عمر كله في الطاعة، فعاد الأمر إلى صدق الباطن وكذبه عند الطرفين، ولا علاقة لحياة الأول المليئة بالكفر والمعاصي، ولا حياة الثاني المليئة بالطاعة، بل العبرة بالخواتيم، ولا تغتر بما يظهر لك من نفسك، ومن الناس، واحرص على صلاح الباطن، فالأمر بما يعلمه الله بما في بواطن الناس لا بما ظهر لنا منها.

عَنْ سَهْل بنِ سَعْد رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري (2742) ومسلم (112).

وفي رواية للبخاري ( 6233 ) بزيادة في آخره: ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ).

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقوله ( فيما يبدو للناس ) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد، لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيّء، ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.

” جامع العلوم والحِكََم ” ( 1 / 57 ).

فتأمل أخي السائل حكمة الرب الجليل من هذا التشريع، فالطائع لا ينلغي له أن يغتر بعمله، ولا يُدرى بم يُختم له، والعاصي لا يقنط من رحمة ربه، وإذا علِم أن الله يقبل منه توبته سارع إليها، وأنت بكلامك في السؤال تريد تقنيط العاصي من التوبة، والأعظم من ذلك تقنيط الكافر من قبول توبته بإسلامه!.

* قال النووي – رحمه الله – في فوائد الحديث الأخير -:

ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغى للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغى للعاصي أن لا يَقنَط، ولغيره أن لا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.

” شرح مسلم ” ( 2 / 126 ، 127 ).

  1. واعلم أخيرًا: أن ما ذكرناه من قبول الله تعالى لإسلام الكافر، وتوبة العاصي: إنما هو في حال أن يكون ذلك منهم قبل حضور الموت، وقبل الغرغرة.

قال تعالى: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) النساء/ 18.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. رواه الترمذي ( 3537 ) وابن ماجه ( 4253 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يقبل التوبة حتى ممن جهزت الحجارة لرجمه، وجهز السيف للقصاص منه، وأصيب بمرضٍ أيس من شفائه  – كما بيناه في جواب السؤال رقم: ( 1807 ) – وكل ذلك لا يصدق عليه أنه في حال الغرغرة، ولا حضره الموت، وهذا من لطف الله تعالى، ورحمته، وعظيم فضله، وبالغ كرمه، وقد سبقت رحمته تعالى غضبه، وادخر تعالى للخلق تسعًا وتسعين رحمة في الآخرة، فهذا الرب تعالى الذي آمنَّا به، وعلمنا أسماءه وصفاته، ونرجوه أن يغفر لنا زلاتنا، ويستر علينا ذنوبنا، ويتجاوز عنها، ونرجوه عظيم فضله، وواسع جنانه يوم نلقاه.

ونرجو أن نكون وفقنا بدلالتك على الحق، وبحسن توضيحه وتبيينه، والمسألة التي ذكرتها في سؤالك جليلة القدر، فحسبنا في بيانها ما ذكرناه، وفيما أحلنا عليه من مراجع تجد زيادة في البيان.

 

والله أعلم.

 

 

 

غضب من أهل المسجد فأنشأ مسجدًا بجانبه فأقام فيه الجمعة والعيد!

غضب من أهل المسجد فأنشأ مسجدًا بجانبه فأقام فيه الجمعة والعيد!

السؤال:

نحن نعيش في مدينة صغيرة في ” الولايات المتحدة الأمريكية “، عدد المسلمين فيها حوالي 5000 مسلم، والذين يداومون على حضور صلاة الجمعة حوالي 30، وعلى صلاة العشاء والفجر حوالي عشرة، سؤالي عن مشكلة حصلت بين إمام المسجد وعضو فعَّال في المجتمع، كلهم عرب، نتج عنها خروج هذا العضو عن الجماعة، واشتراء مبنى مجاور للمسجد لا يبعد إلا دقيقتين على الأقدام، وجعله مسجدًا آخر، وأصبح يرغِّب الناس في الصلاة بالمسجد الجديد عن طريق تجهيز الولائم، والنشاطات المختلفة، فانقسم الناس، وأصبح يقام في نفس الشارع جماعتان، ووصل الحد إلى أن أصبح هناك صلاتا عيد في نفس الشارع, فهل يعتبر فعله هذا بدعة وتفريق بين المجتمع؟ وما نصيحتكم لهذا الأخ؟ وهل يجوز لنا الصلاة معهم في المسجد الجديد، أو هذا يعتبر عوناً لهم على زيادة الفرقة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك ولا ريب أن هذا من التفرق المذموم، وإذا كان تفرق المسلمين في بلادهم منكَرًا: فإنه أشد نكارة إن كان بين ظهراني الكفار، ففيه إظهار الإسلام بصورة سلبيَّة، وإظهار المسلمين أنهم أصحاب أهواء شخصية، وليسوا أصحاب رسالة خالدة.

وإذا كان في إقامة أكثر من مسجد في البقعة الواحدة فيه تشجيع على الطاعة: فإن إقامة العيد والجمعة في ذات البقعة: هو من علامات الفرقة الواضحة البيِّنة، ولذا ذهب جمهور العلماء إلى تحريم تعدد الجمعة في القرية الواحدة! إلا أن تدعو لذلك حاجة شديدة: كضيق المسجد، أو تباعد أطراف القرية، أو ضرورة: كما إذا وُجد أهل قرية متفرقين، ولم يمكن اجتماعهم في مسجد واحد إلا مع مزيد فرقة ونزاع: جاز لهم أن يصلوا في مسجدين، وليس ذلك إلا دفعاً لتركهم الصلاة، وإلا فإنهم يؤاخذون على تفرقهم، وهذه فتوى جامعة في هذه المسألة، نسأل الله أن ينفعكم بها.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما حكم إقامة الجمعة في موضعين، أو أكثر، من المدينة، أو الحارة، مع بيان الدليل الشافي؟.

فأجاب:

اعلم وفقك الله أن الذي عليه جمهور أهل العلم: تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة، إلا من حاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم في مدينته المنورة مدة حياته صلى الله عليه وسلم سوى جمعة واحدة، وهكذا في عهد خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، وهكذا في سائر الأمصار الإسلامية في صدر الإسلام، وما ذلك إلا لأن الجماعة مرغَّب فيها من جهة الشرع المطهر؛ لما في اجتماع المسلمين في مكان واحد حال إقامة الجمعة، والعيد، من التعاون على البرِّ، والتقوى، وإقامة شعائر الإسلام، ولما في ذلك – أيضًا – من الاختلاف بينهم، والمودة، والتعارف، والتفقه في الإسلام، وتأسي بعضهم ببعض في الخير، ولما في ذلك – أيضًا – من زيادة الفضل، والأجر، بكثرة الجماعة، وإغاظة أعداء الإسلام من المنافقين، وغيرهم، باتحاد الكلمة، وعدم الفُرقة.

وقد وردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنَّة في الحث على الاجتماع، والائتلاف، والتحذير من الفُرقة، والاختلاف، فمِن ذلك قول الله عز وجل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا )، وقوله سبحانه: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) – رواه مسلم ( 1715 ) -.

ومما تقدم يتضح لكم: أن الواجب هو اجتماع أهل المدينة، أو القرية، على جمعة واحدة، كما يجتمعون على صلاة عيد واحدة حيث أمكن ذلك، من دون مشقة؛ للأدلة المتقدمة، والأسباب السالفة، والمصلحة الكبرى في الاجتماع.

أما إن دعت الحاجة الشديدة إلى إقامة جمعتين، أو أكثر، في البلد، أو الحارة الكبيرة: فلا بأس بذلك، في أصح قولي العلماء، وذلك مثل: أن تكون البلد متباعدة الأطراف، ويشق على أهلها أن يجتمعوا في مسجدٍ واحدٍ: فلا بأس أن يقيموا الجمعة في مسجدين، أو أكثر، على حسب الحاجة، وهكذا لو كانت الحارة واسعة لا يمكن اجتماع أهلها في مسجدٍ واحدٍ: فلا بأس أن يُقام فيها جمعتان، كالقرية، ولهذا لما بُنيت ” بغداد “، وكانت واسعة الأرجاء: أقيم فيها جمعتان، إحداهما: في الجانب الشرقي، والثانية: في الجانب الغربي، وذلك في وسط القرن الثاني، بحضرة العلماء المشهورين، ولم ينكروا ذلك؛ لدعاء الحاجة إليه، ولمَّا قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين خلافته: إن في الكوفة ضعَفة يشق عليهم الخروج إلى الصحراء لحضور صلاة العيد أمَر مَن يقيم لهم صلاة العيد بالبلد، وصلَّى رضي الله عنه بجمهور الناس في الصحراء.

فإذا جاز ذلك في العيد للحاجة: فالجمعة مثله؛ بجامع المشقة، والحاجة، والرفق بالمسلمين، وقد نصَّ الكثير من العلماء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة، قال موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله في كتابه ” المغني ” (ص 184) الجزء الثاني، عند قول أبي القاسم الخرقي رحمه الله: ” وإذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع: فصلاة الجمعة في جميعها جائزة ” ما نصه: ” وجملته: أن البلد متى كان كبيرًا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد، ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره، أو ضيق مسجده عن أهله، كبغداد، وأصبهان، ونحوهما من الأمصار الكبار: جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعها، وهذا قول عطاء، وأجازه أبو يوسف في بغداد، دون غيرها؛ لأن الحدود تقام فيها في موضعين، والجمعة، حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين: جازت إقامة الجمعة في موضعين منه؛ لأن الجمعة حيث تقام الحدود، وهذا قول ابن المبارك، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، رحمهم الله: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد، وكذا الخلفاء بعده، ولو جاز: لم يعطلوا المساجد، حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلِّي فيه الإمام “.

* ثم قال الموفق رحمه الله: ” ولنا: أنها صلاة شُرع لها الاجتماع، والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع، كصلاة العيد، وقد ثبت أن عليًّا رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلَّى، ويستخلف على ضعَفة النَّاس: أبا مسعود البدري، فيصلِّي بهم، فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الجمعتين: فَلِغِنَاهُم عن إحداهما؛ لأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله، وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار: صليت في أماكن، ولم يُنكر، فصار إجماعًا، وقول ابن عمر يعني: ” أنها لا تقام في المساجد الصغار ويترك الكبير “.

وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود: فلا وجه له، قال أبو داود: سمعت أحمد رحمه الله يقول: أي حدٍّ كان يُقام بالمدينة؟ قدِمَها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار، فجمع بهم، وهم أربعون، فأما مع عدم الحاجة: فلا يجوز في أكثر من واحد، وإن حصل الغنى باثنين: لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد، لا نعلم في هذا مخالفًا، إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر، قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه، ويجزئ ذلك من التجمع في المسجد الأكبر، وما عليه الجمهور: أولى؛ إذ لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة واحدة، إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل ” انتهى كلامه رحمه الله.

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن صلاة الجمعة في جامع القلعة بدمشق، هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى أم لا؟.

فأجاب: ” نعم، يجوز أن يصلى فيها جمعة؛ لأنها مدينة أخرى كـ ” مصر “، و ” القاهرة “، ولو لم تكن كمدينة أخرى، فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة: يجوز عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت ” بغداد ” ولها جانبان: أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء ” انتهى كلامه رحمه الله.

وبما ذكرنا يتضح للسائل جواز إقامة جمعتين فأكثر في بلد واحدة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، إما لضيق المسجد الواحد، وعدم اتساعه لأهل البلد، أو لسعة البلد، وتباعد أطرافها، والمشقة الشديدة عليهم في تجميعهم في مسجد واحد، ومثل ذلك لو كان أهل البلد قبيلتين، أو أكثر، وبينهم وحشة ونزاع، ويُخشى من اجتماعهم قيام فتنة بينهم، وقتال، فيجوز لكل قبيلة أن تجمع وحدها، ما دامت الوحشة قائمة، وهكذا ما يشبه ذلك من الأسباب. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 351 – 356 ).

فعلى الأخ الذي تسبَّب في الفُرقة أن يتقي الله تعالى ربَّه، وأن يدع عنه تلك المسوغات لإنشاء مسجد ثانٍ، وإقامة جمعة أخرى، وبما أن المسجد قد أُقيم: فالمرجو من الأخ ترك إقامة الجمعة، والعيد، في المسجد الجديد، والعودة بنفسه، وبالمصلين معه إلى الجماعة الأم، والمسجد الأول؛ حتى تجتمع الكلمة، وينجو من إثم التسبب في تفرق المسلمين، خاصة وأنتم في بلاد غُربة، بين ظهراني قومٍ كافرين.

 

– ونسأل الله أن يصلح أحوالكم، ويهدي قلوبكم، وأن يجمع كلمتكم على الحق والهدى.

 

والله أعلم.

حكم قبول التبرعات من الكفار ومؤسسات التنصير للإعمار وبناء المساجد بها

حكم قبول التبرعات من الكفار ومؤسسات التنصير للإعمار وبناء المساجد بها

السؤال:

يوجد هناك بعض الشركات – وأيضًا بعض الحكومات غير المسلمة – التي تُعنى بما يسمَّى ” إعادة إعمار ” بعض بلاد المسلمين، التي تقع تحت الاحتلال، كالعراق، وفلسطين، وعادة ما يكون من بين البرامج : ” بناء مساجد “، علمًا أن الدولة القائمة على البرنامج دولة إما محتلة، أو حاقدة على الإسلام، كما أن هناك مساعدات كثيرة تأتي من قبل جمعيات تنصيرية، فهل هناك حرج على من يعمل ضمن هكذا برامج، أو على من يتلقى هكذا مساعدات؟.

جزاكم الله عنَّا وعن المسلمين خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل الهدية من الكفار، وخاصة ممن يتألف قلبه من أهل الكتاب منهم.

* وقد ورد ما يدل على عدم جواز قبول الهدية من الكفار:

عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً، فَقَالَ: (أَسْلَمْتَ؟ ) فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ). رواه الترمذي ( 1577 ) وأبو داود ( 3075 )، وصححه الالباني في “صحيح الترمذي “.

* وأجيب عن ذلك بأجوبة كثيرة، أقواها:

” بأن الامتناع في حق من يريد بهديته: التودد والموالاة، والقبول: في حق من يُرجى في بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام.

وهو الجمع الذي يظهر أنه ارتضاه الحافظ ابن حجر رحمه الله، كما في ” فتح الباري ” ( 5 / 231 ).

ووقع بين العلماء خلاف في هدايا الكفار الحربيين، والصحيح: جواز قبول هداياهم، وأن ما أُهدي منهم أثناء الحرب للخليفة أو قوَّاد الجيش: فيعد من الغنائم، وإن كانت الهدية من ذات دار الحرب لأحد من المسلمين: فهي لمن أُهديت إليه.

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

يجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل هدية ” المقوقس صاحب مصر “، فإن كان ذلك في حال الغزو: فقال أبو الخطاب: ما أهداه المشركون لأمير الجيش، أو لبعض قوَّاده: فهو غنيمة؛ لأنه لا يَفعل ذلك إلا لخوفه من المسلمين.

فظاهر هذا: أن ما أُهدي لآحاد الرعية: فهو له، وقال القاضي: هو غنيمة أيضًا.

وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام: فهو لمن أهدي له سواء كان الإمام، أو غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قبِل الهدية، فكانت له دون غيره، وهذا قول الشافعي، ومحمد. ” المغني ” ( 10 / 556 ).

ثانيًا:

والذي ورد في السؤال أن أصحاب الأموال المتبرع بها في إعمار بعض الدول الإسلامية مختلفون، فمنهم شركات تجارية، ومنهم الدولة المحتلة نفسها، ومنهم دول كافرة، ومنهم جمعيات تنصيرية، ولا شك أن بينها تفاوت في الحكم، وإن كنا نود أن لا نجيب على هذا السؤال إلا بالمنع المطلق من قبول أي شيء من أولئك الكفار، المحتلين، والمعادين، والمنصرِّين، لكننا نعلم الأوضاع المؤسفة للمسلمين الذي لا يقفون مع إخوانهم كما ينبغي حتى لا يحتاجوا لدينار من كافر، ونعلم السيطرة لبعض تلك الدول والمؤسسات على الهيئات العالمية، وكثير من الدول الإسلامية، بما لا يستطيع أحد منعها من مزاولة الإعمار لما قاموا بتخريبه وهدمه هم أنفسهم!.

وبسبب هذا الحال رأينا وضع ضوابط في قبول تلك الأموال من جميع أولئك الكفار، وغيرهم، وحتى لو كانت تلك الأموال ستصرف في بناء المساجد، لمن كان عنده الإرادة والقدرة على تحقيق هذه الضوابط، ومنها:

  1. أن لا يكون مقابل تلك التبرعات والإعمارات تنازلات عن شيء من الدين، فلا يُقبل بناء قواعد عسكرية لهم في أرض المسلمين، ولا يُقبل بناء كنائس، ولا يُقبل شرط اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العلم، وغير ذلك مما فيه مخالفة لأحكام الشرع.
  2. لا يجوز قبول الأموال المحرَّمة لذاتها، كمالٍ جُمع من ضرائب وغرامات من غير وجه حق، وكخمور، ولحم خنزير، وغير ذلك مما يشبهه.
  3. لا يجوز أن يكون للكفار ولاية على الأوقاف عمومًا، ولا على المساجد على وجه الخصوص.
  4. أن لا يكون في قبول تبرعات المؤسسات التنصيرية تسويقا وتلميعًا ودعاية لهم، وبذل الوسع في عدم السماح لهم في مباشرة توزيع تلك التبرعات على المسلمين.
  5. أن تخلو التبرعات من ذل المسلمين، والاستطالة عليهم بها.
  6. وبخصوص المشاركين بأعمالهم في الإعمار: فإنه لا يجوز أن يُشاركوا في إعمار أماكن تقام فيها بدعة، أو يُعصى الله فيها، فلا يجوز المشاركة مع أولئك الباذلين في بناء كنائس، أو بنوك، أو غيرها مما يقام فيها ما يخالف شرع الله.

 

 

وهذه طائفة من أقوال العلماء، وفيها بيان تلك الضوابط في قبول أموال الكفار:

1.*  قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وتجوز عمارة كل مسجد، وكسوته، وإشعاله، بمالِ كلِّ كافرٍ, وأن يبنيه بيده, ذكره في ” الرعاية “، وغيرها  ” الفروع ” ( 10 / 344 ).

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عندنا مسجد يُبنى وبجواره نصارى، والنصارى إذا أرادوا التبرع في بناء المسجد بالمال هل على المسلمين أن يأخذوا المال منهم؟.

فأجاب:

إذا كان فيه شرط يخالف الشرع: فلا، أما التبرع المجرد: فإنه ليس فيه شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم قبَل كثيرًا من هدايا المشركين.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 237 ).

  1. * سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:

تسعى المؤسسة لجمع التبرعات من المراكز الإسلامية، والمساجد، وغيرها ، وتوجد مراكز وتجمعات لفرَق من غير أهل السنة والجماعة، مثل: البريلوية، الشيعة، الصوفية، الطرقية، وغيرهم ، فهل يجوز قبول صدقات وزكوات هؤلاء أم لا </رأس>؟.

فأجاب:

لا مانع من جمع التبرعات، والمساعدات، مِن كل مَن دفعها، سواء كان الدافع من أهل السنَّة، أو من المبتدعة، وسواء كان مسلمًا، أو نصرانيًّا، فإذا جمعت: فإنَّه يخصص بها أهل السنَّة، وأهل التوحيد، ولا يصرف منها شيء لأهل البدع، كالبريلوية، والديوبندية، والقبوريين، والرافضة، وغلاة الصوفية، ونحوهم.

من موقع الشيخ حفظه الله .

http://ibnjebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12412&parent=786

  1. وجاء في قرار ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، قرار رقم : 53 ( 6 / 10 ): بشأن الاستفتاء الوارد من لجنة الإغاثة الدولية الإسلامية بأمريكا الشمالية:

هل يجوز أخذ تبرعات من غير المسلمين؟.

* فقالوا :

– وبعد تداول الرأي حيال ذلك: قرَّر المجلس ما يلى:

إذا كانت الإعانة بالأموال فقط، وكان جانبهم مأمونًا، ولم يكن في أخذها ضرر يلحق المسلمين، بأن ينفذوا لهم أغراضًا في غير صالح المسلمين، أو يستذلونهم بهذه الإعانة، وكانت خالية من ذلك كله، إنما هي مجرد مساعدة، وإعانة: فلا يرى المجلس مانعًا من قبولها، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني النضير وهم يهود معاهَدون، خرج إليهم يستعينهم في دية ابن الحضرمي.

انتهى.

 

والله أعلم.

ما دور زوج الأم تجاه أولاد زوجته من حيث تربيتهم وتعليمهم؟

ما دور زوج الأم تجاه أولاد زوجته من حيث تربيتهم وتعليمهم؟

السؤال:

ما دور زوج الأم تجاه أبناء زوجته؟ ففي هذه الحالة والد ابنتي ليس مسلمًا، ولا يريد الإسلام، فهل يتولى زوجي مسألة تعليم ابنتي، وتربيتها؟ هل يسأله الله كيف رباها؟ وكيف يتعامل زوجي معها وأنا أشعر أنه لا يحبها، ولا يرتاح معها؛ لأن عمرها ثمان سنوات، وهي لم تتلق أي تربية إسلامية من البداية، وبالتالي سلوكها ليس قويمًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الابنة تتبع أمها المسلمة في دينها، ولا تتبع أباها الكافر، وهذا قول جمهور العلماء.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 310 ):

إذا اختلف دِين الوالدين، بأن كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا: فإن ولدهما الصغير، أو الكبير الذي بلغ مجنونًا: يكون مسلمًا، تبعًا لخيرهما دينًا. هذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. انتهى.

وعليه: فلا علاقة لوالدها غير المسلم بها من حيث الحضانة، والتربية, وإنما مسئولية تربيتها، ورعايتها تقع على والدتها، دون غيرها.

ثانيًا:

وأما زوج أمها: فهو محرَّم عليه نكاح تلك الابنة إن كان قد دخل بأمها؛ لأن الابنة ربيبة له، والربيبة من المحرمات في الزواج على الرجل، بشرط أن يكون دخل بأمها، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ … وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) النساء/ من الآية 23.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يحرم على الرجل نكاح بنات المرأة المدخول بها، ويعتبر محرَماً لجميع بناتها ما قبل الزواج، وما بعده، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) إلى قوله: ( وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ )، أما إذا لم يكن دخل بها: فليس محرَما لبناتها؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 346، 347 ).

ومن هنا فإنه لا مسئولية تُلقى على زوج الأم تجاه تلك الابنة من حيث التربية، والعناية بها، إلا أن يفعل ذلك عن طيب نفسٍ، ومن باب المعاشرة بالمعروف لأمها، وهو ما ننصحه بفعله؛ حتى يكسب الأجور العظيمة، والثواب الجزيل، وبخاصة إن علَم مدى حاجتها لذلك المعلِّم، والمربِّي، والموجِّه، وأن أباها ليس قائمًا على العناية بها، ولا رعايتها، وأن الأم أضعف من أن تتحمل المسئولية وحدها، وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حيث تزوج بنساء لهن أولاد، فتكفل بتربيتهم، والعناية بهم، وهذا نموذج من ذلك:

عَن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَال: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.

رواه البخاري ( 5061 ) ومسلم ( 2022 ).

وعمرو بن سلمة هو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من أبي سلمة، وكان وُلد في الحبشة حين هاجر والداه هناك.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث من الفوائد: أنه يجب على الإنسان أن يؤدِّب أولاده على كيفية الأكل والشرب، وعلى ما ينبغي أن يقول في الأكل والشرب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ربيبه، وفي هذا حُسن خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليمه؛ لأنه لم يزجر هذا الغلام حين جعلت يده تطيش في الصحفة، ولكن علَّمه برفق، وناداه برفق ( يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك ). ” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 172 ).

وليعلم الزوج الفاضل أن عمر ابنة زوجته لا يزال في أوله، وأنه يمكنه أن ينجح في تنشئتها على الطاعة، والعفاف، من خلال كسب قلبها بالمعاملة الحسنة، وبالهدية، ولطف القول ، وإذا حصل الوئام بين الطرفين، وقويت المحبة بينهما: أمكن له أن يؤثِّر عليها بما يقوِّم أخلاقها، ويحسِّن سلوكها، وعليك أنت أيتها الزوجة دور عظيم في تحبيبها لزوجك، وفي تقوية العلاقة بينهما، وتصبير زوجك على تحمل أمرها، وتذكيره بالثواب العظيم في تربيتها، والعناية بها.

 

ونسأل الله أن يوفقكم لما خير دينكم ودنياكم، وأن يثبتكم على الهدى، وأن يرزقكم العفاف، والتقى.

 

والله أعلم.

هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟

هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟

السؤال:

هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

بعث الله تعالى رسولَه بالهدى ودين الحق، ليكون للعالَمين بشيرا ونذيرًا، وقد أدَّى النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة، وبلَّغ الرسالة، وكان ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم نساء ورجال، وهكذا قام من بعده بوظيفة التبليغ والتعليم الصحابة، ومن بعدهم، وكان في تلامذتهم نساء ورجال، وقد كانت الأمور منضبطة بضابط الشرع في أمور التعلم والتعليم، بعيدا عن الاختلاط المحرَّم، وليس فيه كشف لوجوه من تتعلم وتعلِّم.

والإسلام لا يفرِّق بين الرجال والنساء في أبواب العلم والفتيا، بل ولا العبيد والأحرار، ولذا فقد نصَّ أهل العلم على شروط المفتي، ولم يذكروا من الشروط الذكورة، ولا يُعرف في هذا خلاف بينهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

شرط المفتي: كونه مكلفا، مسلما، ثقةً، مأمونًا، متنزها عن أسباب الفسق، وخوارم المرؤة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف، والاستنباط، متيقظا، سواء فيه الحر، والعبد، والمرأة، والأعمى، والأخرس إذا كتب، أو فُهمت إشارته. ” المجموع شرح المهذب ” ( 1 / 41 ).

وقد كان في هذه الأمة العظيمة من قام بواجب التعليم والفتيا من النساء، كما قام به من الرجال، نعم، إن عدد النساء لا يمكن مقارنته بالرجال بسبب طبيعة الرجل، وتعرضه للطلب عند الرجال، وسفره من أجله، لكن كل هذا لم يمنع من وجود نساء يقمن بمهمة التعليم، والفتيا، وعلى رأس أولئك النساء: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد كانت مقصد الرجال والنساء في الفتيا؛ بسبب قربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وذكائها، وفطنتها.

* قال ابن عبد البر في ” الاستيعاب ”  ( ص 609 ):

عن مسروق قال: رأيت مشيخةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض.

وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة.

وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة.

وقال الزهري: لو جُمع عِلْم عائشة إلى عِلْم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وعِلم جميع النساء: لكان عِلم عائشة أفضل. انتهى.

وقد عدَّ ابن القيم رحمه الله المكثرين من الفتيا من الصحابة، وذكر منهم عائشة رضي الله عنها، وعدَّ أم سلمة رضي الله عنها من المتوسطين، وجعل أم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، من المقلِّين في الفتيا.

انظر ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 12 ، 13 ).

ونحن نسوق هنا من وصفها الإمام الذهبي بكونها ” عالِمة ” في كتابه ” سيَر أعلام النبلاء “، – غير من سبق ذِكره من الصحابيَّات – ونذكر ما تيسر من ترجمتها، ليقف القارئ على توكيد ما قلناه بالواقع، ومن هؤلاء:

  1. صفية بنت شيبة.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الفقيهة، العالمة.

” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 507 ، 508 ).

  1. أم الدرداء.

قال الذهبي – رحمه الله -:

أم الدرداء، السيدة، العالمة، الفقيهة، هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، وهي أم الدرداء الصغرى

روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة.

وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم، والعمل، والزهد.

قال مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة.

” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 277 ، 278 ).

  1. معاذة العدوية.

قال الذهبي – رحمه الله -:

معاذة بنت عبد الله، السيدة، العالمة، أم الصهباء العدوية البصرية، العابدة، زوجة السيد القدوة صلة بن أشيم.

روت عن علي بن أبي طالب، وعائشة، وهشام بن عامر.

حدث عنها: أبو قلابة الجرمي، ويزيد الرشك، وعاصم الأحول، وعمر بن ذر، وإسحاق بن سويد، وأيوب السختياني، وآخرون.

أرّخ أبو الفرج ابن الجوزي وفاتها في سنة ثلاث وثمانين

” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 508 ، 509 ).

 

  1. بنت المحاملي.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

العالمة، الفقيهة، المفتية، أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل.

تفقهت بأبيها، وروت عنه، وعن إسماعيل الوراق، وعبد الغافر الحمصي، وحفظت القرآن، والفقه للشافعي، وأتقنت الفرائض، ومسائل الدور، والعربية، وغير ذلك، واسمها ستيتة.

قال البرقاني: كانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة، وقال غيره: كانت من أحفظ الناس للفقهK ماتت سنة سبع وسبعين وثلاث مئة.

وهي والدة القاضي محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي.

” سير أعلام النبلاء ” ( 15 / 264 ).

  1. كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم أم الكرام المرزوية.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الشيخة، العالمة، الفاضلة، المسندة، أم الكرام، قال ابن نقطة: نقلت وفاتها من خط ابن ناصر سنة خمس وستين وأربع مئة.

قلت: الصحيح موتها في سنه ثلاث وستين.

” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 233 ، 234 ).

  1. عائشة بنت حسن بن إبراهيم.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الواعظة، العالمة، المسندة، أم الفتح الأصبهانية، الوركانية.

قال ابن السمعاني: سألت الحافظ إسماعيل عنها، فقال: امرأة صالحة، عالمة، تعظ النساء. انتهى. ” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 302 ).

وذكر الذهبي رحمه الله وفاتها في ” العبر ” سنة 460 هـ.

  1. فاطمة الدقَّاق.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

فاطمة بنت الأستاذ الزاهد أبي علي، الحسن بن علي الدقاق، الشيخة، العابدة، العالمة، أم البنين، النيسابورية، أهل الأستاذ أبي القاسم القشيري، وأم أولاده.

حدث عنها: عبد الله بن الفراوي، وزاهر الشحامي، وأبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد حفيدها، وآخرون

ماتت في ذي القعدة، سنة ثمانين وأربع مئة، ولها تسعون سنة، رحمها الله.

” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 479 ، 480 ).

 

 

 

  1. بنت زعبل.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الشيخة، العالمة، المقرئة، الصالحة، المعمرة، مسندة نيسابور، أم الخير، فاطمة بنت علي بن مظفر بن الحسن بن زعبل بن عجلان البغدادي، ثم النيسابورية.

قلت: حدَّث عنها أبو سعد السمعاني، وأبو القاسم بن عساكر، والمؤيد بن محمد، وزينب الشعرية، وجماعة.

توفيت في أوائل المحرم، سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وقيل: توفيت في سنة ثلاث وثلاثين. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 625 ).

  1. فاطمة بنت البغدادي.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

الشيخة، العالمة، الواعظة، الصالحة، المعمرة، مسندة أصبهان، أم البهاء، فاطمة بنت محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن بن علي بن البغدادي الأصبهاني.

حدث عنها: السمعاني، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، ومحمد بن أبي طالب بن شهريار، وعبد اللطيف بن محمد الخوارزمي، ومحمد بن محمد بن محمد الراراني، وجعفر بن محمد آيوسان، وابن بنتها داود بن معمر.

وقال أبو موسى: توفيت في الخامس والعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة. ” سير أعلام النبلاء ” ( 20 / 148 ).

 

* وبعد:

فهذه طائفة من نساء فاضلات، عالمات، مفتيات، ولا يمنع الإسلام من تولي النساء الفتيا في الإسلام، وبما أن الرجال يكفون المئونة للرجال: فلا حاجة لأن تفتي النساء لهم، وتبقى الحاجة لهن في فتيا النساء، وبخاصة في المسائل التي تتحرج المرأة من سؤال الرجال عنها، أو يتحرج الرجل من التفصيل فيها، ولا يلزم من قولنا بجواز أن تكون المرأة مفتية: أن تزاحم المفتين من الرجال في أماكن عملهم، ولا أن يقصدها الرجال والنساء على السواء، والذي نراه تكرمة لهؤلاء العالمات المفتيات أن يكون لهن مكاتب خاصة بهن، يقصدهن النساء دون الرجال للسؤال عن الشرع، أو تفرَّغ في بيتها من قبَل الدولة، أو بعض المؤسسات الخيرية، لتقوم بمهمة الفتيا للنساء على الهاتف، أو عبر مواقع الإنترنت الخاصة بالنساء، وقد نفتي بالتوسع لها في إجابة طالبي الفتيا من الرجال والنساء: إذا كانت الإجابة عن طريق المراسلة، وتضيق إذا كانت عن طريق الهاتف، وتُمنع إن كانت مواجهة.

 

والله أعلم.

كان له ماضٍ سيء تاب منه وهي تشك بأنه باق على حاله فهل تفسخ الزواج منه؟

كان له ماضٍ سيء تاب منه وهي تشك بأنه باق على حاله فهل تفسخ الزواج منه؟

السؤال:

أنا عمري 27 سنة، مخطوبة من 7 شهور للمرة الثانية – الأولى كانت سنتين -، قبلتُ بالشخص الثاني، وكان صريحًا من البداية بأنه اعترف لي بماضيه السيء، وأنه تاب عنه، وصدَّقته، وبعد فترة: اكتشفت أنه يكلم صديقته التي كان يزنى معها، وحلف لي أنه لم يتم بينهم شيء، وأنه فعلاً تاب، وأن الشيطان وجدها أمامه لكى يرجع عن توبته، لكنه ما زال لا يريد فعل هذه الفحشاء، لكن المشكلة أني لا أصدقه، وطلبت فسخ الخطبة، ولكنه تأثر كثيرا، وهو للعلم يتيم الأبوين، ويعيش بمفرده، وهذا هو ما يجعلني أشك به أكثر – أي: عيشته وحده -، والمشكلة الأكبر أني غير قادرة على فسخ الخطبة نهائيّا؛ بسبب أن هذه المرة الثانية، والمكان الذي أسكن به شعبي، سكانه لا ترحم، بعد فسخ الخطبة الأولى تعالجتُ نفسيّا بسبب ما حدث من كل مما حولي، لذلك لا أريد ذلك ثانيا، أستخير ربنا، ولا أعرف، أمور تسير وأمور تقف، يوم أثق ويوم لا أثق، يوم أريده ويوم لا أريده، أخاف الله، وأتمنى زوجا صالحا، وأبا يراعي الله في أولاده، وفي زوجته، أخاف من ماضيه، وأخاف من تركه، الموضوع معلق، لا أستطيع حسم أمري، وفي حيرة شديدة، فماذا أفعل بالله عليكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يطلق لفظ اليتيم على الصغير الذي فقد أباه، فإن بلغ: لم يُطلق عليه ذلك اللفظ، ولم يستحق أحكام اليتيم.

عَن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ). رواه أبو داود ( 2837 )، ورجح بعض أهل العلم وقفه على علي بن أبي طالب، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والمراد بالاحتلام: خروج المني، سواء كان في اليقظة، أم في المنام، بحُلم، أو غير حلم، وهو من علامات البلوغ عند الذكور والإناث، وفي الغالب لا يحصل الإنزال إلا في النوم بحلم، ولذا أُطلق عليه الحُلُم، كما في قوله تعالى: ( وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) النور/ من الآية 59، وأطلق عليه الاحتلام، كما في هذا الحديث.

 

 

 

قال البغوي – رحمه الله -:

اليتيم: اسم الصغير لا أب له، له سهم من الخمس، فإذا بلغ: زال عنه اسم اليتيم، فلا يستحق ما يستحق بمعنى اليتم، والمراد من الاحتلام: البلوغ.  ” شرح السنة ” ( 9 / 200 ).

ولذلك بوَّب الإمام أبو داود على الحديث بقوله : ” باب ما جاء متى ينقطع اليتم ” .

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 99 ):

يتفق الفقهاء على أن البلوغ يحصل بالاحتلام مع الإنزال ، وينقطع به اليتم. انتهى.

ثانيًا:

لم يكن لخطيبك أن يعترف لك بماضيه الغابر، وكان الواجب عليه أن يستتر بستر الله، ولا يفضح نفسه، لا أمامك، ولا أمام غيرك، وإخبار أحد الزوجين للآخر بماضيه السيء من شأنه أن يفسد ما بينهما مستقبلا، كما في حالات كثيرة جدّا، وكما نبهنا عليه مرارا.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 170 ، 171  ):

يندب للمسلم إذا وقعت منه هفوة أو زلّة أن يستر على نفسه، ويتوب بينه وبين اللّه عزّ وجلّ وأن لا يرفع أمره إلى السّلطان، ولا يكشفه لأحد كائنا ما كان؛ لأنّ هذا من إشاعة الفاحشة الّتي توعّد على فاعلها بقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )؛ ولأنّه هتك لستر اللّه سبحانه وتعالى، ومجاهرة بالمعصية. قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا هذه القاذورة، فمن ألمّ فليستتر بستر اللّه وليتب إلى اللّه، فإنّ من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه ) – رواه البيهقي ( 8 / 330 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 663 -.

وقال صلى الله عليه وسلم: ( كلّ أمّتي معافىً إلاّ المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملاً ثمّ يصبح وقد ستره اللّه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر اللّه عليه ) – رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ) -. انتهى.

ثالثا:

” الخطبة ” في اصلاح أكثر الناس والدول: أنها في المعقود عليها قبل الدخول، فيسمون هذه الفترة ” فترة الخطبة “، وهو في الحقيقة الشرعية: زواج، لكن لأنه لم يعلن الدخول: فثمة أحكام خاصة به، فيكون للمرأة نصف المهر إن حصل طلاق، ويُمنع الزوج من الدخول بها إلا بعد الإعلان عنه؛ لئلا يترتب عليه مفاسد يصعب حلها، وفسخ ” الخطبة ” هنا لا يكون إلا بالطلاق الشرعي.

وأما إن كان يُعنى بالخطبة: الرؤية الشرعية، ولم يتم بين الزوجين ووليها إيجاب، وقبول: فيكون – والحالة هذه – كلاهما أجنبي عن الآخر، ولم يجز لهما إلا الرؤية؛ من أجل القبول بإنشاء عقد الزوجية ، وهنا ليس شيء منعقد حتى يتم فسخه.

والذي ظهر لنا أن ما بينكما هو الخطبة على معناها الأول، فإن لم يكن الأمر كذلك: فلتحذروا من العلاقة بينكما؛ فإنها محرَّمة، إلا أن يكون ذلك من أجل الرؤية، والسؤال، كل منكما عن الآخر.

رابعًا:

وأما بخصوص مسألتك: فالذي شعرنا به هو صدق خطيبك – على المعنى الأول – في قوله، وأنه لو لم يكن كذلك لما أخبرك بماضيه، ولا أقسم لك على توبته؛ إذ ليس ثمة ما يلزمه بهما، واعترافه لك بحقيقة تكلمه مع تلك المرأة يدل – أيضا – على صدقه، هذا ما ظهر لنا، وحسابه على الله.

فمن أجل ذلك كله، ومن أجل ما عانيتِ منه في تجربتك الأولى: نرى أن تعيدي النظر في فسخ العلاقة بينكما، بل ننصح بتعجيل الزواج؛ حتى تقطعي الطريق على تلك الشيطانة أن تزين له إعادة العلاقة بينها وبينه، ومن أجل قطع الطريق على الشيطان بالوسوسة بما يسبب قطع العلاقة الشرعية بينكما، وإعادة كليكما إلى حال أسوأ مما كان عليه.

ولو أننا شعرنا بأنه عابث، وكاذب، أو علمنا منه ترك صلاة، أو فعل فواحش: لما ترددنا بنصحك بتركه، ولو أدى ذلك إلى مرضك نفسيّا، وبدنيّا، فهو بكل حال خير من الاقتران بمثل ذلك الرجل، لكن مثل هذا لم يظهر لنا فنصحناك بالبقاء على العلاقة بينكما، والتعجيل في إتمام الدخول.

هذا الذي ننصحك به، ونسأل الله أن لا يخيب زوجك ظننا به، كما نسأله تعالى أن يجمع بينكما على خير، وأن يؤلف بين قلبيكما، وأن يرزقكما الذرية الصالحة.

 

والله أعلم.