الرئيسية بلوق الصفحة 29

السيرة الذاتية للأستاذ طارق إحسان العتيبي

السيرة الذاتية

* البيانات الشخصية:

الاسم: طارق إحسان محمد العتيبي.

تاريخ الولادة: 26/7/1408هـ، الموافق 15/3/1988م.

مكان الولادة: الكويت-الفروانية. الجنسية: أردني.

البريدي الإلكتروني: tareqihsab@gmail.com

عنوان السكن: الأردن، إربد، الحي الشرقي.

هاتف الجوال: 00962798968311

* البيانات الأكاديمية والمهنية:

التخصص الرئيس: الشريعة الإسلامية، والفرعي: الحديث النبويّ الشريف وعلومه .

* المؤهلات العلمية:

١. البكالوريوس:

الحديث الشريف/  كلية الحديث / الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة/ ممتاز مرتفع/  6/6/2014م.

٢. الماجستير:

أصول الدين/ جامعة اليرموك/ الأردن / ممتاز /   24/ 12/2018م.

٣. الدكتوراة:

طالب دكتوراة / الحديث الشريف وعلومه/  جامعة اليرموك / الأردن ممتاز / أنهى المنهجية فحسب.

* عناوين أطروحة الماجستير: 

١. “منهج الإمام النسائي في الرواية عن شيوخه، الحارث بن مسكين المصري أنموذجا (250هـ)”.

٢. قبول بحث محكم له بعنوان:” قياس شرط الإمام الترمذي (في جامعه) في أصحاب الزهري” في مجلة اتحاد الأكاديميين والعلماء العرب بمشاركة الأستاذ الدكتور محمد عبدالرحمن طوالبة.

* الخبرات العلمية :

١. مدرس/ وزارة التربية والتعليم/ 2017م-2022م

٢. حاصل على شهادة شكر وتقدير من وزير التربية والتعليم للمعلم المثالي.

* الاهتمامات الأخرى:

١. يحفظ القرآن الكريم غيبًا، ومجاز بالأسانيد المتّصلة برواية حفص عن عاصم من طريق طيبة والشاطبية، وبرواية قالون وابن كثير، ومجاز في علم التجويد من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأردن.

٢. الإشراف والتدريس في مراكز القرآن الكريم قرابة خمسة عشر سنة، منها ثمان سنوات في مركزي الإمام الذهبي والإمام مسلم فرع جمعية الصالحين التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأردن، وتخريج عشرات الحفاظ والحافظات.

٣. عضو إداري في جمعية الحديث الشريف وإحياء التراث، ومدرس متطوع في الجمعية من عام 2019 حتى اليوم.

٤. مدير مشروع “سكن أيتام طيبة”، لإيواء وكفالة الأيتام والأرامل، من عام 2016 حتى اليوم.

٥. حصل على شهاداتٍ علميّة في جلّ العلوم الشرعيّة، وحضر عدّة دورات علميّة مكثّفة بما لا يقلّ عن سبعمائة (700) ساعة.

٦. ألقى عدّة دورات ومحاضرات في علم النّحو والحديث والفقه وغيرها وجاهيًّا وعبر شبكة الإنترنت.

والله الموفق

التفصيل في مسألة الطب النفسي وتقييم علومهم

التفصيل في مسألة الطب النفسي وتقييم علومهم

السؤال:

لا أعلم من أين أبدأ، وأين أنتهي، لا يخفى عليكم – شيخنا – الهجمة الشرسة التي تتعرض لها أمتنا المسلمة، من تشويه للدين، ومحاولات جريئة لقلب مفاهيم هذا الدين العظيم، بالتقريب بين أوامر الإسلام، وعادات الغرب بالتمييع، نسأل الله عز وجل أن يوفقكم للخير وقول الحق.

شيخنا:

في الآونة الأخيرة انتشر بيننا مصطلح أخذ ينتشر في مجتمعاتنا بشكل كبير، ألا وهو ” الطبيب النفسي “، وإني أحدثكم – وإني على عتبات التخرج من كلية الطب بإذن الله تعالى – أن ترشدنا – شيخنا – إلى حكم الشرع في هذا المجال بالذات:” الطب النفسي “، فسؤالي: أرجو من فضيلتكم رفع الشبه عن إدعاءات الأطباء النفسانيين، وتقييم علومهم على ميزان الشرع، وأسرد لكم معاناتي: إنه في الآونة الأخير تضافرت جهود النفسانيين كي يتجمعوا تحت سقف، واسم واحد، للتسويق لبضاعتهم، فكنت من المعجبين بعلمهم، إلى أن بدأنا نأخذ علوم النفس، وطب النفس، وسماع كلام الأطباء النفسانيين، فكانت من مواضيعهم نشر ترهات ” فرويد “، باسم العلم، والتصفيق لفرضياته على أنها حقائق مسلَّمة غير قابلة للنقاش، من تقسيمه للنفس، وتحليله للذات، وذكره لحقيقة الحياة من ناحية الدوافع، وتبعها فرضيات إنما هي شذوذ في التفكير, مثالها: أن يسرد أسباب ميول الأب للبنت، وميول الأم للبنت, بقولهم:” إن الأب إنما في عقله الباطن غيرة من ابنه لحب امرأته لولدها، فمِن أجل هذا هو يفضل ابنته! “, وعلى شاكلتها، ومنها تقسيم الذات، ووصفها بالأنا، والهو، والهو الأعلى، وكل هذا كنا ندرسه باسم العلم، فكانت شرارة الحيرة لدي – شيخنا – بعدها، فأخذت أقبل بعدها على أقوال الملتحين من أطباء النفس، قلت: لعلي أجد ضالتي، وأستوضح الأمر، وأقف على بر اليقين والأمان، فسمعت منهم ما أعجبني، إذ أنهم يجرِّمون ” فرويد ” وتلاميذه، ويجرِّمون ” هيجل ” والفلاسفة بقولهم: إنما هؤلاء على ضلالة، فاستقرت نفسي فترة بسيطة، حتى دخلتها خيوط الشك، بل التساؤل بعدما أتممت أخذ مادة ” الطب النفسي “، فأصبت بخيبة أمل، إذ أنني وجدت أن ” فرويد ” ومن هم على شاكلته أصبحوا الآباء الروحيين لهذا العلم، فكل فلسفاتهم وترهاتهم أصبحت قواعد علمية، بل أسسًا يُستند عليها، ويُبنى على أساسها، فأخذتُ أناقش دكتورنا، فكان لا يتقبل، بل الطامة أنه كان يتقول على العلماء من دون الدليل؛ ليدلل على أقواله، فأخذت أراجعه أن يأتيني بقول عالِمٍ واحدٍ لما يقول، فاستغاظ من فعلي، ومن ثَم أخذ يُدلي بدلوه، وأستوقفه، لكونه كان يمهد لقواعد إن رضينا بها كان فيه مخالفة للعقيدة، وتكذيباً لصُلب هذا الدين، فما كان يطيق استوقافي له، ويبرر قوله بأنه هذا كلام الضالين، نحن فقط ننقله، ونحن مسلمون، فأصابني بالذهول، كيف ينقل كلاما فيه مخالفة لتعاليم رب العالمين للمسلمين كي يسوِّق له على أنه علم مؤطَّر، ومؤصَّل، غير ما رأيت من أسلوب معاملة المرضى، وتخصيصهم غرفًا للمرضى عبارة عن زنزانة، وإنكارهم تسلط الجني على الإنسي بالتخبط والتلبس، وتسميتها بالخزعبلات والترهات، وتصدر المنابر للإفتاء، وتعليم الناس القرآن، تاركين تخصصهم والنقاش فيه، فتولد بها عندي حصيلة من الأسئلة، وأرجو أن لا يضيق صدركم بما ذكرت أو لطول ما سردت:

  1. أليس ” الطب النفسي ” هو تخصص أصله وشهاداته من الغرب، أو من الدول الكافرة عمومًا؟.
  2. أليس حريٌّ بنا أن نعرض ما تعلَّم أطباء النفس من مفاهيم وعلوم على ميزان الشرع؟.
  3. أليس ” طب النفس ” علم طبيٌّ كما يدعي كثير من أطباء النفس؟.

فهل يحق لي – شيخنا – أن أتساءل وأقول: إذا كان ” الطب النفسي ” علماً طبيًّا: فأقول ما هي النفس على ضوء العلوم التجريبية؟ وما هو كنهها؟ وأين تستقر النفس؟ وما هي طبيعة النفس؟ وما هي العوامل التي تؤثر في النفس؟ وعلى أي أساس علمي؟ وكما يقول رواد ” الطب النفسي ” عندنا: أن الإنسان عبارة عن تفاعلات كيميائية، فهل هذا القول صحيح؟ وأقول: ما الفرق بين الحي والميت؟ ولماذا تلك المواد الكيميائية تتفاعل عند الحي ولا تتفاعل عند الميت؟ وللأسف أجدهم يجيبون تلك الأسئلة بالآيات والأحاديث، قلت: إذا كان هذا علمًا تجريبيًّا: لماذا لا يثبتونها تجريبيًّا لا بتصدر كمجالس الإفتاء وتأويل كلام الله عز وجل.

  1. أليس – شيخنا – في إعطاء مريض بلغ به الهم ما الله به عليم حبَّة مخدرة، أو مهدئة، أو مفتِّرة، أو معطلة لوظائف الأعصاب: خيانة للأمانة، ومعارضة لصريح القرآن، ومعارضة لقول الله تعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ).
  2. أليس من واجب مَن حمل هذا العلم من ” طب نفسي ” أن يحدد مصادره ومراجعه؛ ليتسنى لأهل العلم مناقشته، والاستيضاح منه؛ لأنهم عندما تسرد لهم حوادث مرت بك يقولون: هذه ليست حجة علينا، وعندما تأتيهم بأقوال في كتب النفس يقولون: هذا ليس معتمدًا، وعندما تنكر عليهم يقولون: نحن رواد ” الطب النفسي الإسلامي “، وكيف سمُّوه ” إسلامي “؟ هل لأنه مسلم يحق له أن يسمِّيه ” إسلامي ” ليتهرب من المناقشة والمسائلة؟.
  3. وأخيرًا: لاحظت فيه – شيخنا – استخدامهم للكذب كوسيلة للعلاج، والادعاء بقولهم: إنه أتانا شخص وبجلستين تم شفاء المرض، والواقع عندما رأيتهم أن الحالات تزداد، ولا تقلّ، وتسوء، ولا تتحسن، ويُعزى سوء حالة المرضى إلى مرضهم، ولا يعزونها لأدويتهم التي تعمل على إفساد أعضائهم، ويجعلون من المريض أنه هو الذي بيده العلاج؛ لأن المشكلة منبعها نفسه.

صراحة – شيخنا – في صدري الكثير، الكثير، وهمٌّ لا يعلمه إلا الله.

  1. التنويم المغناطيسي، فأرجو من فضيلتكم وضع النقاط على الحروف، وعدم الوقوف على حكم إلا بوقوفكم على الأمر، ومعطياته بنفسكم، بعيدًا عن قول الأطباء النفسيين أنفسهم؛ لأني صدمت على جرأتهم، وشجاعتهم في الكذب، وهناك منظمات ضخمة في أمريكا تناهض المدرسة النفسية، وتتهمها بالدجل، لذا أرجو من فضيلتكم تنويرنا بعلمكم، وجزيتم عنَّا خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

*سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الإسلام في التنويم المغناطيسي, وبه تقوى قدرة المنوم على الإيحاء بالمنوم, وبالتالي السيطرة عليه, وجعله يترك محرمًا, أو يشفى من مرض عصبي, أو يقوم بالعمل الذي يطلب المنوم؟.

فأجابوا:

“……. التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة باستخدام جني حتى يسلطه المنوم على المنوم, فيتكلم بلسانه, ويكسبه قوة على بعض الأعمال بالسيطرة عليه إن صدق مع المنوم وكان طوعًا له مقابل ما يتقرب به المنوم إليه, ويجعل ذلك الجني المنوم طوع إرادة المنوم بما يطلبه من الأعمال أو الأخبار بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوم، وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي, واتخاذه طريقًا أو وسيلة للدلالة على مكان سرقة أو ضالة أو علاج مريض أو القيام بأي عمل آخر بواسطة المنوم غير جائز، بل هو شرك؛ لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية التي جعلها سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم……. “. فتاوى اللجنة الدائمة1(1 / 345 – 349).

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ عبد الله بن قعود.

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

” لقد كنا في زمن مضى ابتلينا بضلالة لم تكن معروفة من قبل، وهي التنويم المغناطيسي، فكانوا يضللون الناس بشيء سموه بالتنويم المغناطيسي، يسلطون بصر شخص معين على شخص عنده استعداد لينام ثم يتكلم – زعم – في أمور غيبية، ومضى على هذه الضلالة ما شاء الله عز وجل من السنين تقديرًا، ثم حل محلها ضلالة جديدة وهي استحضار الأرواح، ولا نزال إلى الآن نسمع شيئًا عنها، ولكن ليس كما كنا نسمع من قبل ذلك؛ لأنه حل محلها الآن الاتصال بالجن مباشرة, لكن من طائفة معينين، وهم الذين دخلوا في باب الاتصال بالجن باسم الدين، وهذا أخطر من ذي قبل، فالتنويم المغناطيسي لم يكن باسم الدين وإنما كان باسم العلم، واستحضار الأرواح كذلك لم يكن باسم الدين, إنما كان باسم العلم أيضًا “. دروس للشيخ الألباني (44 / 6).

* وقال – رحمه الله -:

” ومن هذا القبيل معالجة بعض المتظاهرين بالصلاح للناس بما يسمونه بـ (الطب الروحاني ), سواء كان ذلك على الطريقة القديمة من اتصاله بقرينة من الجن كما كانوا عليه في الجاهلية, أو بطريقة ما يسمى اليوم باستحضار الأرواح, و نحوه عندي التنويم المغناطيسي, فإن ذلك كله من الوسائل التي لا تشرع لأن مرجعها إلى الاستعانة بالجن التي كانت من أسباب ضلال المشركين كما جاء في القرآن الكريم: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا )[ الجن/الآية 6] أي خوفًا وإثمًا.

و ادعاء بعض المبتلين بالاستعانة بهم أنهم إنما يستعينون بالصالحين منهم, دعوى كاذبة لأنهم مما لا يمكن عادة مخالطتهم ومعاشرتهم التي تكشف عن صلاحهم أو طلاحهم, ونحن نعلم بالتجربة أن كثيرًا ممن تصاحبهم أشد المصاحبة من الإنس, يتبين لك أنهم لا يصلحون, قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) [ التغابن / من الآية 14 ], هذا في الإنس الظاهر, فما بالك بالجن الذين قال الله تعالى فيهم: ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) [الأعراف / من الآية 27 ], السلسلة الصحيحة من 1 – 7 (1 / 466).

* قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

” ومن الصور الحديثة التي اختلف فيها العلماء، هل تدخل من الكهانة أم لا تدخل؟ وهل هي من استخدم الجن وعلم الغيب أم لا تدخُل؟ ما يُسَمَّى بالتنويم المغناطيسي, وهذا له صفته, وثَمَّ كتب كثيرة مُؤَلَّفَةْ في ذلك من مختصين في هذا, في أوربا وفي مصر وفي لبنان وفيه معاهد تُعَلِّمْ, هذا الذي يَدَّعُونَ أَنَّهُ فَنٌ أو علم من العلوم، وقد أفتت اللّجنة الدائمة عندنا في فتوىً مشهورة مُطَوَّلَة بأنَّ التنويم المغناطيسي ضَرْبٌ من ضروب الكهانة واستخدام الجن ليتسلَّطَ -بحسب ما عَبَّرُوا- الجني على الإنسي, فيَحْمِلُهُ ويَرْتَفِعْ عن الأرض ويُخْبِرْ بأمورٍ مُغَيَّبَة ويتسلط على نفسه وعلى روحه فيكون له عليها سلطان، وثَمَّ صور كثيرة، واليوم في عدد من البلاد -والعياذ بالله- ثَمَّ معاهد لتعليم عددٍ من هذه الأمور المنكرة، والواجب على المسلمين جميعاً أن يُنْكِرُوا هذا أشد الإنكار، لأنه:

–  أولًا: تَهَجُّمٌ على ما يختص الله عز وجل به.

ثانيًا: لأنَّهُ لا يكون إلا بالإشراك بالله عز وجل إذا صَدَقَ استخدامهم للجن.

–  ثالثًا: إنه فتحٌ لباب الدَّجَلْ وباب الكذب على الناس, وأخذ أموال الناس بالباطل.

وما يأخُذُهُ المُتَكَهِّنْ من المال فهو حرامٌ عليه وخبيث كما جاء في الحديث الصحيح:” حُلْوانُ الكاهن خبيث ” يعني أنه كَسْبٌ مُحَرَّمٌ خبيث، وقد جاء غلام عند أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – فأعطاه طعاماً فأكله أبو بكر رضي الله عنه، ثم قال الغلام: أتدري من أين هذا؟ قال: لا قال: كنت تَكَهَّنْتُ – يقول غلام أبي بكر لأبي بكر – رضي الله عنه – يقول: كنت تَكَهَّنْتُ لرجلٍ في الجاهلية فأعطاني هذا الحلوان، فجعل أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – يُدْخِلُ أصبعه في فيه حتى قَاءَ كل ما في بطنه “.

فهذا من حيث الكسب حرام، ومن حيث السؤال حرام، وذلك لعِظَمِ هذا الذنب، فإنه لا يجوز إقْرَارُهْ ويجب على من يقدر على إنكاره أن يُنْكِرْ “. شرح العقيدة الطحاوية  (1 / 707).

* قال الشيخ سعيد بن علي بن وهب القحطاني:

 أعظم العلاج للأمراض النفسية وضيق الصدر باختصار ما يلي:

1- الهدى والتوحيد، كما أن الضلال والشرك من أعظم أسباب ضيق الصدر.

2- نور الإيمان الصادق الذي يقذفه الله في قلب العبد، مع العمل الصالح.

3- العلم النافع، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع.

4- الإنابة والرجوع إلي الله سبحانه، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه والتنعم بعبادته.

5- دوام ذكر الله على كل حال وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وزوال الهم والغم.

6- الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان والنفع لهم بما يمكن, فالكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا.

7- الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر متسع القلب.

8- إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه: كالحسد، والبغضاء، والغل، والعداوة، والشحناء، والبغي، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام: سئل عن أفضل الناس فقال:” كل مخموم القلب صدوق اللسان “، فقالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال:” هو التقي، النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد “.

9- ترك فضول النظر والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم؛ فإن ترك ذلك من أسباب شرح الصدر، ونعيم القلب وزوال همه وغمه.

10- الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة؛ فإنها تلهي القلب عما أقلقه.

11- الاهتمام بعمل اليوم الحاضر وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل وعن الحزن على الوقت الماضي؛ فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك؛ فإن ذلك يسلي عن الهم والحزن.

12- النظر إلى من هو دونك, ولا تنظر إلى من هو فوقك في العافية وتوابعها والرزق وتوابعه.

13- نسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها فلا يفكر فيها مطلقًا.

14- إذا حصل على العبد نكبة من النكبات, فعليه السعي في تخفيفها, بأن يقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر، ويدافعها بحسب مقدوره.

15- قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة، وعدم الغضب، ولا يتوقع زوال المحاب وحدوث المكاره بل يكل الأمر إلى الله – عز وجل – مع القيام بالأسباب النافعة، وسؤال الله العفو والعافية.

16- اعتماد القلب على الله والتوكل عليه وحسن الظن به سبحانه وتعالى؛ فإن المتوكل على الله لا تؤثر فيه الأوهام.

17- العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة, وأنها قصيرة جدًّا, فلا يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار؛ فإن ذلك ضد الحياة الصِّحيَّة.

18- إذا أصابه مكروه, قارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية وبين ما أصابه من المكروه, فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم، وكذلك يقارن بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه وبين الاحتمالات الكثيرة في السلامة, فلا يدع الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات الكثيرة القوية، وبذلك يزول همه وخوفه.

19- يعرف أن أذية الناس لا تضره خصوصًا في الأقوال الخبيثة, بل تضرهم فلا يضع لها بالًا ولا فكرًا حتى لا تضره.

20- يجعل أفكاره فيما يعود عليه بالنفع في الدين والدنيا.

21- أن لا يطلب العبد الشكر على المعروف الذي بذله وأحسن به إلا من الله, ويعلم أن هذا معاملة منه مع الله, فلا يبال بشكر من أنعم عليه ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ).

22- جعل الأمور النافعة نصب العينين, والعمل على تحقيقها, وعدم الالتفات إلى الأمور الضارة فلا يشغل بها ذهنه, ولا فكره.

23- حسم الأعمال في الحال, والتفرغ في المستقبل, حتى يأتي للأعمال المستقبلة بقوة تفكير وعمل.

24- يتخير من الأعمال النافعة والعلوم النافعة الأهم فالأهم, وخاصة ما تشتد الرغبة فيه, ويستعين على ذلك بالله, ثم بالمشاورة, فإذا تحققت المصلحة وعزم توكل على الله.

25- التحدث بنعم الله الظاهرة والباطنة؛ فإن معرفتها والتحدث بها يدفع الله به الهم والغم, ويحث العبد على الشكر.

26- معاملة الزوجة والقريب والمعامل وكل من بينك وبينه علاقة إذا وجدت به عيبًا بمعرفة ما له من المحاسن ومقارنة ذلك، فبملاحظة ذلك تدوم الصحبة وينشرح الصدر ” لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر “.

27- الدعاء بصلاح الأمور كلها وأعظم ذلك ” اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، ودنياي التي فيها معاشي، وآخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر “، وكذلك ” اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت “.

28- الجهاد في سبيل الله؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:” جاهدوا في سبيل الله؛ فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة, ينجي الله به من الهم والغم “.

وهذه الأسباب والوسائل علاج مفيد للأمراض النفسية، ومن أعظم العلاج للقلق النفسي، لمن تدبرها، وعمل بها بصدق وإخلاص، وقد عالج بها بعض العلماء كثيرًا من الحالات، والأمراض النفسية، فنفع الله بها نفعًا عظيمًا.

” الدعاء، ويليه العلاج بالرقى، من الكتاب والسنَّة “.

*  سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل المؤمن بمرض نفسيًّا؟ وما هو علاجه في الشرع، علمًا بأن الطب الحديث يعالج هذه الأمراض بالأدوية العصرية فقط؟.

فأجاب:

لاشك أن الإنسان يصاب بالأمراض النفسية بالهم للمستقبل والحزن على الماضي، وتفعل الأمراض النفسية بالبدن أكثر مما تفعله الحسية البدنية، ودواء هذه الأمراض بالأمور الشرعية – أي الرقية – أنجح من علاجها بالأدوية الحسية كما هو معروف.

ومن أدويتها: الحديث الصحيح عن أبن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال : ” أنه ما من مؤمن يصيبه هم أو غم أو حزن فيقول: اللهم إني عبدك, ابن عبدك, ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا فرج الله عنه “, فهذا من الأدوية الشرعية، وكذلك أيضًا يقول الإنسان: ” لا إله إلا أنت سبحانك إن كنت من الظالمين “. ومن أراد مزيدًا من ذلك, فليرجع إلى ما كتبه العلماء في باب الأذكار, كالوابل الصيب لابن القيم، والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والأذكار للنووي، وكذلك زاد المعاد لابن القيم.

لكن لما ضعف الإيمان: ضعف قبول النفس للأدوية الشرعية، وصار الناس الآن يعتمدون على الأدوية الحسية أكثر من اعتمادهم على الأدوية الشرعية.

أو لما كان الإيمان قويًّا: كانت الأدوية الشرعية مؤثِّرة تماماً، بل إن تأثيرها أسرع من الأدوية الحسية، ولا تخفي علينا جميعاً قصة الرجل الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية, فنزلوا على قوم من العرب، ولكن هؤلاء القوم الذين نزلوا بهم لم يضيفوهم, فشاء الله – عز وجل – أن لدغ سيدهم لدغته حية – فقال بعضهم لبعض اذهبوا إلى هؤلاء القوم الذين نزلوا لعلكم تجدون عندهم راقيًا، فقال الصحابة لهم: لا نرقي على سيدهم إلا إذا أعطيتمونا كذا وكذا من الغنم، فقالوا: لا بأس، فذهب أحد الصحابة يقرأ على هذا الذي لدغ، فقرأ سورة الفاتحة فقط، فقام هذا اللديغ كأنما نشط عن عقال، وهكذا أثرت قراءة الفاتحة على هذا الرجل؛ لأنها صدرت من قلب مملوء إيماناً، فقال النبي  – صلى الله عليه وسلم –  بعد أن رجعوا إليه: ” وما يدريك أنها رقية “؟.

لكن في زمننا هذا ضعف الدين والإيمان، وصار الناس يعتمدون على الأمور الحسية الظاهرة, وابتلوا فيها في الواقع، ولكن ظهر في مقابل هؤلاء القوم أهل شعوذة ولعب بعقول الناس ومقدراتهم وأقوالهم, يزعمون أنهم قراء بررة، ولكنهم أكلة مال بالباطل، والناس بين طرفي نقيض منهم من تطرف ولم ير للقراءة أثراً إطلاقاً، ومنهم من تطرف ولعب بعقول الناس بالقراءات الكاذبة الخادعة ومنهم الوسط.” فتاوى إسلامية ” (4 / 624) .

هذه التقوى التي نتحدث عنها, تمنع الطبيب المسلم في مجال الطب النفسي من فتح موضوعات مع مراجعات و مريضات نفسيات بطريقة تؤدي إلى تعلقهن به ووقوعهن في شيء من حالات العشق كما هو معروف في عالم الطب النفسي.

” حلية الطبيب المسلم ” المنجد.

وهذا يتطلب من المربي زيادة الوعي بالمشكلات والاضطرابات النفسية والتعرف عليها، والأمر لا يعني كما سبق أن يتحول إلى أخصائي نفسي, لكن أن يملك قدرًا من الثقافة النفسية التي تتناسب مع مهمته, ومما ينبغي مراعاته في ذلك:

1- تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الطب النفسي، ومنها:

أ- النظرة السائدة لدى المربين والمتربين التي ترى أن المتدينين لا يصابون بالأمراض والمشكلات النفسية (39 ).

ب – النظرة الأخرى التي تفسر المشكلات النفسية بنقص الإيمان والتدين، وهو وإن كان عاملا مهما, إلا أنه ليس بالضرورة العامل الوحيد، ومثل هذا التفسير له أثره على من يصاب بمرض نفسي، فيشك في إيمانه, ويبالغ في اتهام نفسه مما يزيد من معاناته.

ج- النفرة من الطب النفسي, والتخوف من التعامل معه.

2- التعريف بأبرز المشكلات والأمراض النفسية المنتشرة التي يمكن أن يواجه بها الشاب، كالاكتئاب، والوسواس القهري….إلخ.

3- حسن التعامل مع الشباب, والاستماع لهمومهم ومشكلاتهم, والسعي لمساعدتهم بالرأي والتوجيه، مما يجعل المربي قريبًا منهم يستشيرونه في مشكلاتهم وهمومهم.

4- اجتناب التعامل الخاطئ مع المشكلات النفسية الذي يزيدها تعقيدًا، ومن أبرز ذلك التعامل القاسي والتأنيب لمن يصاب بالوسواس، وهي حالة تحدث في مواقف كثيرة، والبعد عن لوم المصاب بهذا المرض, وكثرة تحديثه عن تلاعب الشيطان به.

5 – تهذيب الدوافع وإشباعها بالطرق المشروعة: تعرف الدوافع بتعريفات عدة، منها أنها: ” حاجة ناقصة تتطلب الإشباع، ويظل الفرد متوترًا حتى تشبع هذه الحاجة بدرجة معينة..”. انتهى.

* قال الدكتور فالح بن محمد الصغير:

وقد أثبتت التجارب في الشرق والغرب أن معالجة الإنسان الغاضب بالعقاقير فقط خطأ جسيم، ونظرية قاصرة، وأن العلاج بالمعنويات هو السبيل الأنجع للحد من حالة الغضب وغيره، حتى صار بعض الغربيين يعتمدون في العلاج على بعض أنواع الموسيقى، أو الرقص في مواجهة مشكلاتهم النفسية، ففروا من شيء ووقعوا في أشد منه.

ومن هنا كان واجبًا على أطباء الأعصاب وأطباء النفس أن يعوا حقيقة النفس البشرية, وعلاقتها مع الشيطان, وأن يدركوا أن منشأ الغضب ومصدره هو الوسواس الخناس, التي يجري من ابن آدم مجرى الدم, كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا مناص من هذه الحقيقة ولا خلاص من المشكلة إلا بالربط بين الغضب أو أية حالة نفسية أخرى وبين الشيطان, فإذا عرف الداء، تعرف آثاره، ويعرف علاجه بإذن الله تعالى. ” الغضب، مفهومه، ومنشؤه “.

* وقال – في المقال نفسه -:

أثبتت الدراسات والوقائع أن الغضب يحدث ما يلي – أي: من الآثار الصحية -:

أ – جلطات دماغية، نتيجة الإفراز الزائد لهرمون الأدرينالين الذي يؤدي إلى زيادة ضربات القلب بشكل متكرر ودفع الدم بغزارة إلى الدماغ مما يحدث نزيفًا فيه.

ب – ترسب الدهون والشحوم في الشرايين, مما يؤدي إلى تصلبها وعدم وصول الدم إلى الدماغ، فيحدث ذبحة صدرية.

ج – الغضب الزائد والانفعال المستمر يزيد من حموضة المعدة, ويحدث فيها قرحة مزمنة قد لا تنفع معها الأدوية.

د – الغضب يحدث اضطرابًا في عمل الكليتين، لأنه يحدث اضطرابًا في توازن الأملاح فيهما.

هـ – يؤثر الغضب على الدورة الدموية الخاصة بالأعضاء التناسلية, فيؤدي إلى نوع من العجز الجنسي لدى الرجل، وبرود جنسي لدى المرأة.

و – الغضب يحدث إمساكًا شديدًا ومزمنًا للأمعاء، لأنها في حالة الغضب تكون متقلصة لا تستطيع القيام بامتصاص المواد المفيد للجسم من الأطعمة والأشربة.

ز – تنتج عن الغضب الإصابة بمرض القولون العصبي، وقد تفشى هذا المرض بشكل هائل بين الناس، وكله بسبب الانفعالات العصبية الكثيرة, وهو من الأمراض المزمنة، وصاحبه يلازم الأدوية طوال حياته.

ح – الغضب المستمر يؤدي إلى الإصابة بالسكر، نتيجة زيادة هرمون الأدرينالين عند الغضب والذي يضعف مفعول هرمون (الأنسولين) الذي يفرزه البنكرياس لحرق السكر في الدم.

ط – أكدت الدراسات الحديثة أن المصابين بالانفعالات النفسية والعصبية عندهم قابلية أكثر للإصابة بالأمراض الخبيثة، لأن الغضب يحدث اضطرابًا في الهرمونات في الغدد الصماء وعدم استقرارها يهيئ جوًا مناسبًا داخل الجسم للأمراض الخبيثة.

ي – تظهر على الغضبان آثار وأمراض لا يعرف لها مصدرًا، وقد يعالج عند كثير من الأطباء ويعمل كثيرًا من الفحوص المخبرية والإشعاعية ولا يجدون شيئًا يعالجونه فيزداد قلقه وكدره، ويتضاعف حزنه واكتئابه فيستمر معه هذا المرض أزمانًا عديدة. انتهى.

* وقال – من الأضرار النفسية -:

أ – التوتر والقلق المرافقين للإنسان الذي يغضب كثيرًا هذا في اليقظة، أما في حالة النوم فتكثر الكوابيس عليه والأحلام المزعجة التي لا تدعه ينام بالشكل الكافي، مع عدم الراحة في النوم.

ب – عدم القدرة على إنجاز الأعمال لعدم القدرة على التركيز، والشعور بالتعب بسرعة، وكذا الشعور بالملل دائمًا.

ج – عدم إدراك الأشياء على حقيقتها، فتختلط معه الحقيقة بالخيال، والواقع بالأحلام، فربما يتخيل شيئًا ويظنه حقيقة يسعى إليها.

د – قصور في التفكير الصحيح، فالغاضب قد ينصاع لأتفه فكرة، أو يقتنع بأسوأ عقيدة.

هـ – انشغال الفكر بأشياء تافهة, أو غير مهمة, والبعد عن الأشياء المهمة, فينشغل مثلاً بأن فلان عمل معي كذا وكذا، وفلان وقف مني كذا.. وكلها أوهام لا حقيقة لها.

ز – يرتب الغضبان على الأشياء التافهة مواقف ضخمة قد تؤدي به إلى نتائج خطيرة, فيصور له الشيطان أن هذه الصغائر كبائر فيتعامل معها كذلك.

ح – حدوث أمراض نفسية كثيرة – كما سبقت الإشارة إليه في الآثار الصحية – وهذه الأمراض النفسية إن لم يتداركها صاحبها ويعرف العلة الحقيقية, تزداد مع الزمن زيادة تشغله عن المهمات في هذه الحياة, فتكدرها عليه, فلا يستطيع أن يعمل بالبناء السليم في هذه الحياة، وإنما ينشغل تفكيره في نفسه المهلهلة. انتهى.

وفي آخر البحث قال:

إن هذا البحث حول حديث:” لا تغضب ” كان جولة مع الطب النفسي النبوي، الذي وصفه لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى, وإنما هو وحي يوحى، أطلعنا على كثير من أسرار النفس البشرية, ومشكلاتها, وأمراضها، التي لم نكن نعرف عنها إلا اليسير، وأرشدنا إلى الدواء الناجع لمعالجة هذه المشكلات والأمراض، وتفادي أخطارها على المسلمين وأوطانهم، ليكونوا صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأطلعنا هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم على حقيقة العلاقة بين النفس البشرية ودور الشيطان فيها، وطرقه التي يدخل منها إلى الإنسان, ويغريه بالآمال الكاذبة، ويصور له الخيال واقعًا، والحقيقة خيالًا، ودلنا عليه الصلاة والسلام على طرق الوقاية من الوسواس الخناس عند الغضب، والالتزام بالحلم في الأمور كلها, فإن الحلم صفة حميدة, لا يؤتى إلا لذي حظ عظيم, وبهذا التشخيص النبوي وهذا العلاج النفسي، يمكن للمسلم أن يعيش حياة سعيدة بعيدة عن الأحقاد والمشاجرات، ويعيش حياة هادئة بعيدة عن الأمراض النفسية والتوترات العصبية. انتهى.

الطب النفسي واليهود:

وقد أثارت حقيقة أن مؤسسي التحليل النفسي ورواده الأوائل كانوا جميعهم تقريبًا من أعضاء الجماعات اليهودية كثيرًا من الجدل حول مدى العلاقة بين ظهور نظرية التحليل النفسي ومضمونها والانتماء أو الأصل اليهودي، وذلك رغم أن فرويد وأتباعه كانوا من اليهود المندمجين وغير المتمسكين بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية اليهودية، بل كانوا يسخرون من اليهود غير المندمجين، خصوصًا يهود شرق أوربا, وقد تنصَّر بعض أتباع فرويد, حيث اعتنق أدلر البروتستانتية, واعتنق رانك الكاثوليكية، لكن رانك عاد مرة أخرى إلى اليهودية عند زواجه, غير أن كل هذا لا ينفي وجود التأثير اليهودي في فكرهم، فرغم رفضهم العقلي لليهودية ورغم اندماجهم في بيئتهم الثقافية والاجتماعية إلا أن تكوينهم الثقافي والاجتماعي اليهودي الخاص كان له تأثير لا شك فيه على كلٍّ منهم يتفاوت من حالة إلى أخرى.

وقد تعدَّدت وتباينت التفسيرات في هذا الصدد، فذهب البعض مثل إرنست جونز أحد أتباع فرويد وكاتب سيرته الذاتية (وهو غير يهودي) إلى نفي أية أهمية أو دلالة للانتماء اليهودي لفرويد وأتباعه، ولكنه كان يرى أيضاً أن تمسك فرويد بنظريته وأفكاره (رغم المعارضة الشديدة التي واجهته) ينهض دليلًا على قدرة اليهود« الموروثة » على الصمود أمام العداء والرفض، وهو تفسير سطحي متهافت, وفي محاولة تفسير وجود عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية كمؤسسين لعلم النفس والتحليل النفسي وكممارسين له، يمكننا أن نورد هذه الأسباب كمحاولة مبدئية: … – وبيَّنها –

وقد واجه التحليل النفسي هجومًا حادًّا بسبب ما كان يشكله من تهديد للمفاهيم السائدة حول السلوك البشري بشكل عام والسلوك الجنسي بشكل خاص, ولأن رواده كان أغلبهم من أعضاء الجماعات اليهودية، فقد تضاعف الهجوم عليه من قبل المعادين لليهود, ومع مجيء النازيَّة إلى أوربا، انتقل كثير من علماء النفس الأوربيين اليهود إلى الولايات المتحدة.

ولم يكن أعضاء الجماعات اليهودية من رواد التحليل النفسي في الولايات المتحدة، ولم يبدءوا في دخول هذا المجال بشكل واسع إلا بعد انتقال علماء النفس اليهود الأوربيين إلى الولايات المتحدة, إذ انتقلت معهم أيضاً بعض مدارس علم النفس الأكاديمي المهمة مثل الجشطالت. وكان لأعضاء الجماعات اليهودية، خصوصا في الولايات المتحدة، مساهمات مهمة ومتنوعة في بلورة النظريات الخاصة بعلم النفس في الفترة المعاصرة. انتهى. فرويد واليهود.

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية عبد الوهاب المسيري – (ج 8 / ص 274).

القرن التاسع عشر بداية صعود الطب النفسي وبداية توصيف وتصنيف الأمراض العقلية والنفسية وبداية معاملة المرضى معاملة إنسانية طيبة, كما تأسست أقسام لعلم النفس الأكاديمي في الجامعات الأوربية, وانتشرت معامل علم النفس في المدن الأوربية والأمريكية, وظهرت مدارس عديدة في علم النفس, تطرح كل منها تفسيراتها ونظرياتها الخاصة حول حقيقة السلوك والطبيعة البشرية ودوافعها.

وأدَّى انعتاق أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى إتاحة الفرصة لهم للالتحاق بالجامعات الأوربية, حيث وجدوا في المجالات العلمية التي كانت لا تزال حديثة وهامشية، مثل علم النفس، فرصاً أكبر للحراك والتقدم العلمي لم تكن متوافرة في المجالات العلمية الأقدم والأكثر عراقة.

وشكَّل أعضاء الجماعات اليهودية نسبة كبيرة في حقل علم النفس الأكاديمي بجميع فروعه ومدارسه، كما لعبوا دورًا رياديًّا في الطب النفسي, وفي نشأة التحليل النفسي ومدارسه, ومع هذا، لا يمكن الحديث عن « علم نفس يهودي » أو « تحليل نفسي يهودي » وهكذا، فالمحللون النفسيون وعلماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية يختلفون فيما بينهم ويتخاصمون وينتمون لمدارس وتيارات فكرية متصارعة، أُسُسها الفلسفية مختلفة.

وقد اشترك بعض أعضاء الجماعات اليهودية في تأسيس بعض معامل علم النفس في كلٍّ من بلجيكا وهولندا وألمانيا والولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر….

وقد اختلف بعض أتباع فرويد معه, ومن أبرزهم ألفريد أدلر وأوتو رانك (وهما يهوديان) وكارل يونج، وانتهى بهم الأمر إلى الانفصال عن مدرسته وتأسيس مدارس أخرى في التحليل النفسي.

وقد اختلف أدلر (1870 ـ 1937) مع فرويد حول مدى أهمية الغريزة الجنسية في تكوين الأمراض العصبية، ورأى أن « الشعور بالنقص » الذي ينشأ في الطفولة، سواء نتيجة ضعف أو نقص بدني أو متاعب وصعوبات في بيئة الطفل، هو السبب الأول في تكوين هذه الأمراض, واعتبر أن دافع القوة وتفرُّد الذات هو القوة الإيجابية المسيطرة على الحياة على خلاف فرويد الذي اعتبر الدافع الجنسي القوة المهمة الفعالة, وأطلق أدلر على نظريته الجديدة « علم النفس الفردي ».

انتهى..

” فرويد ” والمخدرات:

وركز فرويد في دراساته على العلوم الأساسية, كالتشريح وعلم وظائف الأعضاء, بدأ فرويد عام ( 1873 م ) أول سلسلة من أبحاثه العلمية الأصيلة حيث قام بدراسة الغدد التناسلية الذكرية لثعبان الماء، وقام بإجراء دراسات أخرى في مجال الأعصاب, كما أجرى بعض التجارب عن الكوكايين, وكان هو نفسه يتعاطاه ويقدمه لخطيبته وأصدقائه، ووجد أنه يشفي من الاكتئاب ويساعد على التغلب على عُسر الهضم, ونشر عام ( 1884 م ) ورقة بعنوان « حول الكوكا », تحدث فيها عن خواص الكوكايين التخديرية وربط بين استخداماته العلاجية وبين الممارسات الدينية لمواطني أمريكا الجنوبية, وكان فرويد يتصور أنه اكتشف عقارًا سحريًّا يشفي كل شيء, وأنه من ثم سيتمكن من خلاله أن يحقق لنفسه الشهرة التي كان يبحث عنها, ولكن حينما عرفت المؤسسة الطبية بأمر تجاربه،وُجّه إليه نقد شديد لاستخدامه الكوكايين خارج نطاق العمليات الجراحية.

انتهى.. ” موسوعة اليهود واليهودية “.

” فرويد ” والتنويم المغناطيسي:

وكجزء من تدريبه سافر فرويد إلى فرنسا عام ( 1885 م )، حيث اتصل بعدد من الأطباء الفرنسيين المتخصصين في الأمراض النفسية وعلى رأسهم شاركو وبيير جانيه، وكانوا في علاجهم الأمراض العقلية يستعملون التنويم المغناطيسي (ولنُلاحظ النمط المتكرر: المخدرات والعلاج النفسي, التنويم المغناطيسي والعلاج النفسي, وأخيرًا العلاج النفسي من خلال دراسة اللاوعي ), فاهتم فرويد بهذه الطريقة واكتشف أن من الممكن، في أحوال كثيرة، جعل المريض يتذكر حوادث ومشاعر, يبدو أنها كانت سبباً في إحداث أعراض مَرَضية عصبية أو نفسية, فاستنتج من هذا أن استعادة مثل هذه الذكريات وما صاحبها من تجارب انفعالية تفيد في علاج المريض، لأنه وجد أن أعراض المرض غالبًا ما كانت تختفي متى كان التذكر ممكنًا, وقد عرف من شاركو فكرة الارتباط بين المرض النفسي والجنس.

وبعد عودة فرويد إلى فيينا عام ( 1886 م ) توثقت علاقته مع جوزيف بروير الذي كان قد أجرى بعض المحاولات لعلاج المرضى المصابين بالهستريا, وقد سعى فرويد بالتعاون مع بروير إلى إكمال هذه الطريقة, لكن تبيَّن لهما أن التنويم المغناطيسي لا يُفيد إلا في مساعدة المريض على التذكر واستعادة التجارب التي أدَّت إلى المرض, وبمزيد من التجارب تبيَّن لبروير أن بالإمكان الاستعاضة عن التنويم المغناطيسي بما سماه أحد مرضاه «العلاج بالمحادثة»، وذلك بأن يتحادث مع المريض في موضوعات انفعالية دون الاستعانة بالتنويم المغناطيسي.

ولنا أن نُلاحظ أن علاقة الطبيب الذي يستخدم التنويم المغناطيسي مع مرضاه لا تختلف كثيرًا عن علاقة المحلل النفسي بمرضاه، فكلٌ من المنوم المغناطيسي والمحلل يأخذ دور الإرادة الأعلى، فهو السوبرمان، والمريض السبمان لا يمكنه أن يَشفَى إلا بأن يتخلى عما بقي لديه من إرادة، ويذعن لإرادة المنوم المتأله تمامًا، ويفضي بما داخله فيتطهر، وعملية التطهر، في حالة المحلل النفسي، تتم من خلال التفسير, بحيث يدرك المريض نفسه من خلال تفسير طبيبه النفسي.

انتهى.. ” موسوعة اليهود واليهودية “.

وفيها:

إن الرؤية الفرويدية جزء من حركة تفكيكية تقويضية عامة, بدأت في واقع الأمر مع المشروع التحديثي الغربي، وتصاعدت حدتها في القرن التاسع عشر، ثم وصلت إلى قمتها مع الحركة التفكيكية في أواخر القرن العشرين, وكان فرويد يدرك أنه جزء من هذه الحركة التفكيكية التقويضية، فقد وصف نفسه بأنه أحد ثلاثة طعنوا نرجسية الإنسان ( أي قاموا بتفكيكه ورده إلى المادة ): كوبرنيكوس, وداروين, وفرويد نفسه. وفرويد محق في ذلك تماماً؛ فكوبرنيكوس بيَّن للإنسان أن الأرض ليست مركز الكون، ومن ثم فالإنسان ليس ذا أهمية خاصة في النظام الشمسي، وإنما مجرد جزء من كل, وقد عمَّق داروين هذا الاتجاه حين بيَّن أن الإنسان سليل القرود وابن الطبيعة الذي أنتجته من خلال عملية تطورية ليس لها هدف واضح ولا يحظى الإنسان فيها بأهمية خاصة.

وأخيرًا جاء فرويد ليُبيِّن أن القرد لا يوجد خارج الإنسان وحسب, وإنما يوجد داخله وفي صميم كيانه, فإذا كان كوبرنيكوس وداروين قد حطما أي تفرُّد خارجي للإنسان، فإن فرويد حطم أيضاً أوهام التفرُّد الداخلي بحيث يصبح الإنسان خاضعاً لقوانين الطبيعة / المادة من الداخل والخارج، ومن ثم تم تحويله إلى مادة كاملة. انتهى.

شيخ عبد العزيز في بداية لقائنا في هذه الحلقة نعود إلى رسالة الأخ: عبد الهادي النور بشير من قوات الشعب المسلحة في الخرطوم، جمهورية السودان، أخونا يقول: في قطرنا توجد مستشفيات للأمراض النفسية وبعض الدكاترة يقول: إن الموسيقى هي هدوءٌ نفسي، فما حكم ذلك في الإسلام، ولا سيما أن كثيرًا من الناس يرى أنه قد استفاد منها؟. ” نور على الدرب ” ابن باز ( شريط 307 ).

الإسلام يتحدى وحيد الدين خان – (ج 1 / ص 214(.

ومن شقوة الإنسان أن علماء النفس يبذلون كل ما يمكنهم من الجهود فى الكشف عن أمراض نفسية وعصبية جديدة، ولكنهم فى نفس الوقت يهملون بذل الجهود للوصول إلى علاج لهذه الأمراض, وهذه الظاهرة تثير شعورًا كئيبًا بأن هؤلاء العلماء قد أخفقوا فى الميدان الأخير، ولذلك أكبوا على الميدان الثاني يسترون خيبتهم ويظهرون بطولتهم أمام العالم !

وإلى ذلك أشار أحد العلماء المسيحيين قائلًا: ” إن علماء الطب النفسي يبذلون كل جهودهم في كشف أسرار القفل الدقيقة الذي سوف يغلق علينا كل أبواب الصحة!. “. انتهى.

التداوي بالأدوية الحسية الخالية من المحرمات:

مسائل في التداوي والرقى – (ج 1 / ص 20(

وقد أوضحت الدراسات الطبية العصبية(9) وجود خلل في النواقل العصبية في بعض مناطق الدماغ, يُضعف قدرة الدماغ على مقاومة الوساوس الذهنية (كالأفكار العقدية ) والعملية ( كوساوس النظافة والعبادات ), مما يجعل الشخص غير قادر على متابعة تفكيره وتصرفاته بالصورة السليمة، وقد تم تصنيع أدوية نفسية متعددة تفيد كثيرًا في علاج الوساوس القهرية وتقوي قدرة الدماغ على تتابع الأفكار السليمة وطرد الأفكار العقيمة وما معها من مشاعر مؤلمة, وهذه الأدوية أجازتها الهيئات الصحية العالمية بعد دراسات مستفيضة أثبتت فاعليتها الطبية، وليس فيها مواد مخدرة أو مسكرة، ولا تؤدي إلى الإدمان، وقد أفتى بجواز استعمالها عدد من أهل العلم منهم الشيخ ابن عثيمين (10) – رحمه الله -، والشيخ صالح الفوزان (11).

وقد ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية من شخص لديه وساوس عقدية فكان من جواب اللجنة: « ادفع عنك الوساوس والخواطر الخبيثة واستعذ بالله منها، وأكثر من ذكر الله, وتلاوة القرآن, ومخالطة الأخيار، وعالج نفسك عند دكتور الأمراض النفسية والعصبية، واتق الله ما استطعت، والجأ إليه في كل ما أصابك…»(12).

انتهى من ” مسائل في التداوي والرقى ” محمد بن عبد الله الصغير.

 

 

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم – (ج 20 / ص 479):

والأمراض النفسية كثيرة جدا، وأنواعها متفرقة، جزء منها أثبتت الدراسات أن لديها جينات محددة، وتنتقل عن طريقة الوراثة، فهذه الأمراض ليس لها ارتباط بالإيمان، ولكن تنتقل عن طريق وجود تاريخ عائلي لهذا المرض أو غيره.

نحن في الطب النفسي لا نغفل الجانب الإيماني، بل إن الطبعة الأخيرة من أحد كتب الطب النفسي الغربي غيرت طريقة العلاج في الطب النفسي من علاج دوائي نفسي اجتماعي، إلى دوائي نفسي اجتماعي روحي.

فالغرب رغم بعدهم عن الجانب الروحي الذي يعيشه الإنسان المسلم الحق، ومع ذلك هم يعترفون به كعامل مهم في نجاح العملية العلاجية، فعندما نصف للمريض العلاج الدوائي، ونحوِّله إلى الأخصائي النفسي أو الاجتماعي إذا احتاج, لا نغفل جانب تذكيره بالله، وربطه بالأدعية والأذكار، والطاعات، على حسب جهده وطاقته، لكن هذا الأمر لا يكون في كل الحالات، ولا في أي وقت من العلاج، بل نتحين الوقت المناسب لزرع هذه الإيمانيات في قلب المريض.

ويجب أن تعرف –  يا أخي السائل – أن الأمراض النفسية نوعان وهي:

ذهانية: كالفصام والضلالات، وغيرها، وهذه الحالات يفقد المريض البصيرة بمرضه. انتهى.  ” المرض النفسي وضعف الإيمان “.

المجيب: د. تركي بن حمود البطي.

مس الجن للإنسان ثابت وقد قامت الأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الواقع يؤيد ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك ) مجموعة الفتاوي ( 24/276 ).

عصابية: كالاكتئاب، والوسواس القهري، والقلق، وغيرها، وهذه الحالات يكون المريض مستبصرًا بحالته، ويمكن تطبيق العلاج الروحي معه.

” مفاهيم خاطئة حول الطب النفسي ” فالح بن محمد الصغير.

” مفاهيم خاطئة عن الطب النفسي ” طارق الحبيب.

 

والله أعلم.

مشكلة عائلية مع زوجته، بسبب زوجة أبيها

السؤال:

أنا متزوج ولدي ثلاثة أولاد, ووقعت في مشاكل مع أهل زوجتي, منعوني منها, وبالذات زوجة أبيها وأختها التي تكبرها, واتهموني بما ليس فيّ مما يطعن بديني وأخلاقي, وأني لا أصلح لها زوجًا, ويظهر أن السبب في ذلك نوع حسد لزوجتي, فزوجة أبيها عاقر, وأختها الأكبر منها لم تتزوج ولم يتقدم لها أحد والله أعلم, قمت برفع مشكلتي للقضاء, فما توجيهكم لي؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا يحل لامرأتك أن تخالف أمرك في عدم رجوعها للبيت وهي بذلك تكون آثمة وناشزًا لا تستحق نفقة, كما لا يجوز لك أن تتهم أخت زوجتك أو امرأة أبيها بغير بينة، فإن كان ما يزعمونه حقّاً فلتسارع إلى التوبة والإنابة لربك، وعليه فطلبهم للطلاق مطلب شرعي.

وأما لو تبين أن ما قالوه ليس له أصل من الصحة – ومحل ذلك القضاء – فلك مطالبتهم بتعزيرهم بسبب منعك زوجتك واتهامك بما ليس فيك.

وننصحك بتوسيط أهل الخير وبينهم, وهذا خير من نشر مشكلتكم وإذاعتها بين الخاص والعام مما يؤدي إلى زيادة النفرة والكراهية وتفاقم الأمور.

 

وفقنا الله وإياك لما فيه هداه.

 

 

حكم من طلق زوجته في طهر واقعها فيه

السؤال:

طلقت زوجتي، وأنا في حالة إغلاق شديد، وذلك في طهر جامعتها فيه, فما الحكم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الإغلاق الذي لا يقع فيه الطلاق هو أن يكون المغلَق عليه في حالة ذهاب عقل قريبة من الجنون حتى لا يميز ويفقد ملكة عقله بحيث يتصرف بما لا يعي ولا يريد ولا يفكر.

فإن كان حالك مثل ذلك: فالطلاق منك لم يقع، لحديث عائشة – رضي الله عنها – أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” لا طلاق ولا عتاق في إغلاق “[1].

وأما الغضب الذي لا يذهب بالعقل: فلا يسمى إغلاقا، وتقع الطلقة فيه وسائر الأحكام.

– فعليك أن تتقي الله وأنت أعلم بما وقع منك.

ثانيًا:

أما طلاقك لها في حيض جامعتها فيه فهو مما اختلف الناس فيه، فقال جمهورهم: يقع الطلاق وتحسب على الرجل تطليقة؛ لحديث ابن عمر – رضي الله عنه -: أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمره الله[2].

وعن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:” ليراجعها “، قلت: تُحتسب؟ قال: فمه[3].

 

والله أعلم.

[1] ) أخرجه ابن ماجة , كتاب الطلاق , باب : طلاق المكره والناسي , حديث رقم (2046) , (1/660) , وأحمد –  مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها –  حديث رقم (26360) , (43/378) , والحاكم , كتاب الطلاق , حديث رقم (2802) , (2/216) , وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه , والبيهقي في ” الكبر ” , كتاب الخلع والطلاق , باب : ما جاء في طلاق المكره , حديث رقم (15097) , (7/585) , وابن أبي شيبة , كتاب , باب : من لم ير طلاق المكره شيئاً , حديث رقم (18038) , (4/83) , والدارقطني , كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره , حديث رقم (3988) , (5/65) , وأبو يعلى –  مسند عائشة رضي الله عنها –  حديث رقم (4444) , (7/421) , وحسنه الألباني . ينظر : صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (5/64) .

[2] ) أخرجه البخاري , كتاب تفسير القرآن , باب , حديث رقم (4908) , (6/155) , ومسلم , كتاب الطلاق , باب : تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، وأنه لو خالف وقع الطلاق ، ويؤمر برجعتها , حديث رقم (1471) , (2/1093) .

[3] ) أخرجه البخاري , كتاب الطلاق , باب : إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق , حديث رقم (5252) , (7/41) , ومسلم , كتاب الطلاق , باب : تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، وأنه لو خالف وقع الطلاق ، ويؤمر برجعتها , حديث رقم (1471) , (2/1095) .

 

 

وقفة مع مقطع اليتيمتين السوريتين

                      وقفة مع مقطع اليتيمتين السوريتين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
لا يخفى عليكم ما حصل قبل أيام من انتشار مقطع لطفلتين سوريتين يتيمتين في الشمال السوري وشكواهما من البرد و الجوع.
وقد دفع هذا المقطع ببعض أهل الخير للفزعة لهما وتم لهما ما أرادا من الكسوة و الدفء والطعام.
و تعليقي :
١. جزى الله خيرا كل من ساهم و سعى و بذل وأجره على الله بقدر نيته وبذله.
٢. مشكلة “الفزعة” هذه أنها لا تكون إلا عند مصيبة ولا تكون إلا لمن انتشر حالهم، وهذان الأمران هما سبب كتابتي هذه.
فقد تعود القائمون على عمل الخير في الإغاثة على دعوة الناس للتبرع والقيام على شؤون اللاجئين والمهجرين قبل حلول الكارثة من برد شديد أو صيف حار، وللأسف لا يستجيب كثيرون إلا بعد موت أناس أو غرقهم ! وإلى أن تصل تبرعاتهم ويشترى بها ما يحتاجه أولئك تكون المأساة قد زادت واشتدت.
والأمر الآخر أنهم يفزعون كلهم لأصحاب المقطع المنتشر ! دون غيرهم حتى لو كانوا أسوأ حالا منهم، وفي ذلك مفاسد كثيرة، منها :
١. وقوع الحسد والبغضاء من جيرانهم و أصدقائهم عندما يرون الخير قد تكدس عند هؤلاء دون غيرهم.
٢. الإعطاء بأكثر من الحاجة.
٣. تصوير الحدث أنه تم بذلك الإعطاء المطلوب من أهل الخير.
٤. حرمان أهل العفاف والستر من الذين لا يرضون لبناتهم ونسائهم من الظهور والتصوير، وممن تأبى كرامتهم من الرجال أن يظهر مستعطفا طالبا.
وقد حصلت هذه المفاسد كلها سابقا و تكررت و ستبقى ما دام ثمة من لا ينتبه و يعقل الأمر و يستجيب لعقلاء القائمين على الإغاثة.
وأذكر بالمقطع الذي كان في “دولة عربية” وقد ظهر فيه رجل كبير في السن يأخذ خبزا من “حاوية قمامة”، ولي معرفة تامة بخبر وأثر هذا المقطع وصاحبه للنهاية.
فقد تأثر به كل من شاهده وفزع له كثيرون جزاهم الله خير الجزاء، وقلنا لمن اتصل بنا لدعمه وإغاثته إن الرجل قد كفل كفالة تامة من بيت و أثاث وطعام و شراب و راتب شهري فكان كلهم يصر على الدعم ! وكنا نقول لهم يوجد من هو أحوج منه فيقول أريد هذا الرجل ! ونقول لهم يوجد جرحى لا يجدون علاجا، وأسرٌ قطعت عنهم الكهرباء لعدم دفعهم فواتيرها فيقول أريد هذا الرجل ! ونقول لهم يوجد نساء عفيفات لا يمكن أن تشكو حالها بمقطع وتفضّل الموت على هذا وهي أحوج ما تكون فيقول أريد هذا الرجل !.
ومع أن القائم على الأسر والعارف بحاجاتهم هو من ينبغي أن يستشار ويؤخذ بقوله إلا أنك تجد سذاجة عجيبة من بعضهم في إصرار على أمر ليس فيه ذلك النفع المرجو مع وجود من هو أولى بكثير.
وها هو الأمر يتكرر مع مقطع الفتاتين، والأصل أنه من علم أنه قد تم كفالة أسرتهما أن يتوجه بالدعم لمخيمهما و جيرانهما وأهل منطقتهما ليكونا سببا لخير يعم من حولهم فيصيرا سببا للألفة والمحبة بدلا من الحسد والبغضاء والغنى المفاجئ والذي قد يكون ضارا غير نافع.
وهكذا كنا نقول لمن يخصص أهل شقة في عمارة أيتام أو أرامل دون باقيها إنك تفسد بينهم ولا تصلح، ولو أنك تكرم جيران الأسرة (وهم مستحقون) بسبب تلك الأسرة لكنت سببا عظيما لألفة و محبة أسر تلك العمارة بعضهم لبعض.
كتبت هذا وأرجو أن أرى أثره الطيب فيما يأتي من أحداث، وسأنشر مقطعا لأبين عمليا ما ذكرته نظريا من بعض حال من يعيش في منطقة تلك الفتاتين اليتيمتين اللتين أبكتا قلوبنا قبل أعيننا، وفرحنا بعدها لفرحهما.

رابط المقطع :

https://t.me/ihsan_alotibie/4228
والله الموفق لا رب سواه
                                        وكتبه :
                           أبو طارق إحسان العتيبي
                            ١٧ جمادى الأولى ١٤٤٤ هـ
                                 ١١ ديسمبر ٢٠٢٢ م

اقترضت المؤسسة له وطلب منه تسديد جزء من الفوائد الربوية

اقترضت المؤسسة له وطلب منه تسديد جزء من الفوائد الربوية

السؤال:

أنا شاب أعزب أقوم على عائلتي المتكونة من أمي وأخوتي الأصغر مني ، نسكن بيتا شعبيّاً بأجرة شهرية زهيدة ، جيراننا هم أصحاب هذا البيت ، وسوف نطرد منه بعد حوالي سنة ، واستئجار غيره من البيوت يستغرق جلّ راتبي فلا يبقى منه ما نقتات منه ، زِدْ على هذا كله أننا لا نسلم فيه من كثير من الأذى من بعض الجيران السكارى كالكلام البذيء وسبّ الله والدين ، وعندنا هنا في الجزائر مؤسسة حكومية تبيع سكنات بالتقسيط المريح ، وكنت قد أودعت عندها ملفّا ، لكن في الآونة الأخيرة طرأ على معاملتها تغيير وهو أنها أقرضت من بنك ربوي على أن تكون تدفع هي نسبة 5 من المائة ويدفع الزبون نسبة 2 من المائة ، فهل يجوز لي شراء هذا السكن وذلك للحرج الشديد الذي يلحقني مع العلم أنه لا يمكن شراء سكن بالتقسيط بغير هذه الطريقة ولا أستطيع الاستئجار ؟ .

– أفتونا مأجورين ، وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أما شراؤك سكناً من مؤسسة حكومية أو تجارية بالتقسيط ، ودون وساطة البنوك : فإنه لا حرج فيه ، والشراء من مالكٍ بشكل مباشر نقداً أو نسيئة من العقود المباحة .

وأما توسيط البنوك أو المؤسسات الاستثمارية في الشراء ، وذلك بأن تموِّل هي السكن وتقسطه عليك مع نسبة أرباح : فهو عقد محرَّم ، فالعبرة في العقود بالمعاني ، وهذا قرض ربوي في صورة بيع وشراء ، ولذا كان مشتملاً على الحرام من جهتين : من جهة الربا ، ومن جهة التحايل.

وفي مثل الحال التي في السؤال فإن العقد فيها محرَّم لا يجوز المشاركة فيه ؛ وذلك لأن المؤسسة الحكومية قد اقترضت من البنوك الربوية من أجل تمويل المساكن على أن يدفع المشتري جزءً من الفوائد الربوية المترتبة على القرض ، وهذا فيه مشاركة في إنشاء عقد ربوي ، ولا يحل للراغب في الشراء أن يكون طرفاً في مثل هذا العقد .

وقد جاء في قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” رقم 11 ، فتوى رقم 17 :

السؤال : ما حكم شراء منزل السكنى وسيارة الاستعمال الشخصي وأثاث المنزل بواسطة البنوك والمؤسسات التي تفرض ربحا محددا على تلك القروض لقاء رهن تلك الأصول علماً بأنه في حالة البيوت والسيارات والأثاث عموماً يعتبر البديل عن البيع هو الإيجار لقسط شهري يزيد في الغالب عن قسط الشراء الذي تستوفيه البنوك ؟

الجواب : لا يجوز شرعاً . انتهى.

وإن آكل الربا ومُوكله سواء في الإثم عند الله ، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه ( 1598 ) عن جابر بن رضي الله عنه أنه قال : ” لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا ومُوكلَه وكاتبَه وشاهدَيه ، وقال : هم سواء ” .

ولتعلم أن الكثير من المسلمين يرغبون في تملك بيوتٍ يسكنون فيها وأهليهم ، وهم في حال تمنعهم من الشراء نقداً ، ويمنعهم دينهم وخوفهم من ربهم تبارك وتعالى من التعدِّي على شرعه وشراء تلك البيوت عن طريق البنوك الربوية ، أو بطريقة غير شرعيَّة ، وخير للمسلم أن يلقى ربه تعالى وهو يسكن في بيتِ إيجار من أن يلقاه وقد تملَّك بيتاً من الحرام قد لا يسكن فيه يوماً واحداً فيشتعل عليه ناراً في قبره .

 

والله أعلم.

حكم العمل في البنوك في غير قسم القروض وكيفية إنهاء العمل

حكم العمل في البنوك في غير قسم القروض وكيفية إنهاء العمل

السؤال:

أنا أعمل مبرمج كمبيوتر في أحد البنوك بالمملكة العربية السعودية و أنا متحير جدا بخصوص عملي في البنك هل يحرم أم لا لهذا أتوجه إليكم بالاستفسارات التالية :

  1. هل يحرم عملي في البنك برغم أني لا أعمل في إدارة القروض
  2. إذا كان يحرم و كان على أن أستقيل فما موقف المال الذي لدي من التوفير من راتبي
  3. إذا استقلت فسيكون لي حقوق نهاية الخدمة فما موقفها
  4. يوجد بالبنك إدارة فروع تقليديه و إدارة فروع إسلامية و إدارة قروض و إدارة كمبيوتر و غيرها من الإدارات في البنك لكن في النهاية تصب أموال البنك كلها في بوتقة واحدة بطبيعة الحال فهل يختلف وضع عملي في إدارة الكمبيوتر عن وضع الذي يعمل بإدارة الفروع الإسلامية ،آمل ردكم الواضح المدروس و الخالص لوجه الله تعالى حيث أنني أنتظره للعمل به إن شاء الله

و جزاكم الله خيرا و أثابكم على الإفادة.

 

الجواب:

الحمد لله

عملك في البنك حرام ، حتى لو كنت في قسم لا يتعامل بالمعاملات الربويَّة ، والعمل في الأقسام الأخرى إنما هو متمم ومكمل للأقسام الأخرى ، ومن كلِّ الأقسام  يتكون البنك بل كل المؤسسات الربوية .

بل إن العلماء أفتوا بعدم جواز العمل حارساً أو سائقاً في مثل هذه المؤسسات فكيف بالكاتب؟

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

لا يجوز العمل بالمؤسسات الربويَّة ولو كان الإنسان سائقاً أو حارساً ؛ وذلك لأن دخوله في وظيفة عند مؤسسات ربويَّة يستلزم الرضى بها ؛ لأن من نكر الشيء لا يمكن أن يعمل لمصلحته ، فإذا عمل لمصلحته كان راضياً به ، والراضي بالشيء المحرم يناله من إثمه .

أما من كان يباشر القيد والكتابة والإرسال والإيداع وما أشبه ذلك : فهو لا شك أنه مباشر للحرام ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ، وقال : هم سواء . ” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 401 ) .

وسئل علماء اللجنة الدائمة عن رجل يعمل حارساً ليليّاً في أحد البنوك ، وليس له علاقة في المعاملات ، هل يستمر في عمله أو يتركه ؟

فأجابوا :

البنوك التي تتعامل بالربا لا يجوز للمسلم أن يكون حارساً لها ؛ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان ، وقد نهى الله عنه بقوله { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } . وأغلب أحوال البنوك التعامل بالربا ، وينبغي لك أن تبحث عن طريق حلال من طرق طلب الرزق غير هذا الطريق . وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .” فتاوى إسلامية “( 2/ 401 ، 402).

* أما الرواتب ومكافأة نهاية الخدمة:

فإنهما يحلان لك إذا كنت جاهلاً بالحكم الشرعي وأن عملك محرم ، فإن كنتَ تعلم حكم عملك أنه حرام : فلا يحل لك الراتب ولا مكافأة نهاية الخدمة ، ووجب عليك تفريقهما في المشاريع الخيرية ، فإن كنتَ فقيراً أو محتاجاً فخذ منه ما يكفيك لضروريات حياتك .

وهذا سؤال وجوابه من الشيخ عبد العزيز بن باز في مثل حالك :

السؤال :

كنت في مصر أعمل في أحد البنوك التابعة للحكومة ومهمة هذا البنك إقراض الزراع وغيرهم بشروط ميسرة لمدة تتراوح ما بين عدة شهور إلى سنوات ، وتصرف هذه السلف والقروض النقدية والعينية نظير فوائد وغرامات تأخير يحددها البنك عند صرف السلف والقروض ، مثل 3% أو 7% أو أكثر من ذلك زيادة على أصل القرض ، وعندما يحل موعد سداد القرض يسترد البنك أصل القرض زائدا الفوائد والغرامات نقدا، وإذا تأخر العميل عن السداد في الموعد المحدد يقوم البنك بتحصيل فوائد تأخير عن القرض مقابل كل يوم تأخير زيادة عن السداد في الميعاد .

وعليه : فإن إيرادك في هذا البنك هي جملة فوائد على القروض وغرامات تأخير لمن لم يلتزم بالسداد في المواعيد المحددة . ومن هذه الإيرادات تصرف مرتبات الموظفين في البنك ، ومنذ أكثر من عشرين عاما وأنا أعمل في هذا البنك ، تزوجت من راتب البنك وأتعيش منه وأربي أولادي ، وأتصدق وليس لي عمل آخر ، فما حكم الشرع في ذلك ؟ .

الجواب :

عمل هذا البنك بأخذ الفوائد الأساسية والفوائد الأخرى من أجل التأخير كلها ربا ، ولا يجوز العمل في مثل هذا البنك ؛ لأن العمل فيه من التعاون على الإثم والعدوان ،وقد قال الله سبحانه وتعالى:{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ، وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء . رواه مسلم . . أما الرواتب التي قبضتها : فهي حل لك إن كنت جاهلا بالحكم الشرعي لقول الله سبحانه : { وأحل الله البيع وحرَّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم } . أما إن كنت عالما بأن هذا العمل لا يجوز لك : فعليك أن تصرف مقابل ما قبضت من الرواتب في المشاريع الخيرية ومواساة الفقراء مع التوبة إلى الله سبحانه ، ومن تاب إلى الله توبة نصوحا ، قبَل الله توبته وغفر سيئته كما قال الله سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } الآية .وقال تعالى : } وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } . ” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 402 ، 403 ) .

* وأما بالنسبة لعملك في فروع البنك الأخرى :

فما كان منها شرعيّاً ومستقلاً – كما قلت في إدارة الفروع الإسلامية – : فهو جائز ، وأما العمل في الفروع الأخرى – وخاصة الكمبيوتر – : فهو حرام كما سبق في جواب الفرع الأول لأنها تكمل بعضها بعضاً .

 

والله أعلم.

 

ما الفرق بين حكم الاغتصاب وحكم الزنا؟ وهل يثبت الاغتصاب بالوسائل الحديثة؟

ما الفرق بين حكم الاغتصاب وحكم الزنا؟ وهل يثبت الاغتصاب بالوسائل الحديثة؟

السؤال:

ما أحكام الاغتصاب؟ وما هي عقوبة المغتصب؟ المشكلة هو أن المذنبة دائما تكون المرأة، إن الاتهام من غير المسلمين هو أن كلمة الرجل هي العليا ولا طريق للمرأة لتثبت أنها اغتصبت، ومن هنا ينطلق الرجل حرًّا بفعلته! وكيف نثبت الجريمة على الرجل والمرأة إذا ما كانت اغتصبت أو زنت بإرادتها؟ هل للتكنولوجيا أن تتدخل في مثل هذا الأمر؟ وكيف يمكن إثبات الجريمة بحيث لا يفر الرجل بفعلته من العقاب؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اغتصاب النساء جريمة بشعة لا يقرها شرع ولا قانون، وأضرارها على المرأة وأهلها عظيمة لا تُنكر، وتختلف عقوبة المغتصب بحسب حاله من حيث كونه محصناً أو غير محصن، ومن حيث كونه استعمل القوة – السلاح أو غيره – أو لم يستعملها.

 

ثانيًا:

وأما اتهام غير المسلمين بأن كلمة الرجل هي العليا وأنه لا يؤخذ بقول النساء في هذا: فهو موافق للمنطق والعقل بل موافق لقوانينهم! ولو كان المجال مفتوحا لكل امرأة أن تدَّعي على شخص بأنها اغتصبها لأوشكت السجون أن تمتلأ بكثير من خصوم أولئك النسوة، فليست المسألة فوضى ليؤخذ قول المرأة على أنه حق ويقين، وإلا لادعته المرأة على عشيقها السابق! أو على الأغنياء والمشاهير لابتزازهم، أو على والدها وأخيها لتخرج من ولايتهم وسلطتهم، وفي هذا دمار للمجتمعات.

ولنناقش المعترض على شرع الله تعالى بواقع غير بعيد عن الحصول:

– ماذا لو رفعت جارة لذلك الشخص قضية في المحكمة تتهمه باغتصابها والاعتداء عليها؟!.

– وماذا لو ادعت عليه أخرى بأنه سرق مالها من بيتها أو جيبها؟!.

– وماذا لو ادعت عليه ثالثة أنه سبها وشتمها بألفاظ قبيحة نابية؟!.

– وماذا لو شهدت عليه رابعة بأنه هو من قتل قتيلًا؟!.

– فهل سيبقى هذا الخصم للشرع على اعتقاده ومنهجه الفاسد؟ وهل سيكون حملًا وديعًا مع أولئك النسوة وادعاءاتهنَّ؟.

– أما في شرع الله تعالى فقد حُسم الأمر بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ) رواه البخاري ( 4277 ) ومسلم ( 1711 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع؛ ففيه: أنه لا يُقبل قولُ الإنسان فيما يدَّعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بيِّنة أو تصديق المدَّعَى عليه، فإن طَلب يمينَ المدَّعَى عليه: فله ذلك، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه: لأنه لو كان أُعطيَ بمجردها: لادَّعى قوم دماءَ قوم وأموالهم، واستبيح، ولا يمكن المدَّعى عليه أن يصون مالَه ودمه، وأما المدَّعي: فيمكنه صيانتهما بالبيِّنة.

” شرح مسلم ” ( 12 / 3 ).

وفي اعتقادنا أن ذاك الخصم للشرع لن يجد في غير الإسلام من يحفظ عليه دمه وماله وعرضه وعقوبته في أمرٍ تدعيه عليه من تشاء!.

ولذا لا نعبأ بما يقوله أولئك الخصوم للدين، فما جاء به الشرع ففيه صلاح المجتمعات وفيه حفظ لأعراض الناس من اتهامهم بالباطل وفيه حفظ لدمائهم من أن تراق بغير وجه حق، وإذا لم يعترف الفاعل بفعلته أو لم يكن ثمة شهود على الاغتصاب فلا يُلتفت لقول المرأة المدعية.

– فالزنا مثل الاغتصاب يحتاج لبيِّنه إما اعتراف الفاعل أو شهادة أربعة عدول.

وإذا ثبت ببيِّنة شرعية اطمأن إليها القاضي خطف رجل – أو مجموعة رجال -لامرأة لهتك عرضها: فإنه يقام عليهم حد الحرابة حتى لو لم يحصل مقصودهم من الزنا بها، وقد ذكرنا حد الحرابة في الجواب المحال عليه آنفًا.

ثالثًا:

ولا يُقبل قول المرأة التي زنت بإرادتها أنها أُكرهت إلا بدليل أو قرينة قوية؛ لأن المكرَهة لا يُقام عليها الحد بخلاف من زنت بإرادتها.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

ولا عقوبة عليها إذا صحَّ أنه استكرهها وغلبها على نفسها، وذلك يُعلم بصراخها، واستغاثتها، وصياحها. ” الاستذكار ” ( 7 / 146 ).

رابعًا:

ووجود السائل المنوي للرجل في المرأة لا يدل على وقوع جريمة الاغتصاب! إذ قد يكون حصل ذلك بإرادتها فتكون مستحقة للعقوبة مثله، ويمكن للزانية برضاها أن تشهد على الزاني بأنه اغتصبها بسبب خلاف بينهما لتوقع عليه العقوبة أو لتبتزه، فلا يكون هذا دليلاً على وقوع جريمة الاغتصاب، بل لا يكون ذلك دليلاً على وقوع جريمة الزنا! إذ من الممكن أن لا يكون قد حصل إيلاج ويكون المني قد دخل في فرجها أو أدخلته هي، والاحتمالات القائمة كثيرة، والحدود لا تَثبت في الشرع بالقرائن بل بالبينات، ونتائج الـ ” D N A  ” قد يقع فيها الخطأ والتبديل والتزوير فلا تنهض لتكون بيِّنة شرعية تقام بها الحدود الشرعيَّة.

وقد ذكرنا في جواب سابق نص قرار ” مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ” – التابع لرابطة العالم الإسلامي – بشأن البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها، وفيه قولهم:

أولًا: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر (ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ ) وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة. انتهى.

ولئن نجا المغتصب من عذاب الدنيا بفعلته: فحاله كحال القاتل والسارق والقاذف والزاني وغيرهم من أصحاب الموبقات والجرائم الكبرى، وكل هؤلاء ينتظرهم العقاب الأليم في الآخرة إن لم يتوبوا من ذنوبهم توبة صادقة، وقد يعجل الله تعالى عقوبتهم في الدنيا قبل الآخرة.

 

والله أعلم.

صلاة الكسوف ، أحكام ومسائل

1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

تمهيد
فبعد أيام قلائل (يوم الأربعاء بإذن الله تعالى) يأتي (في أجزاء كبيرة من الأرض) على النَّاس حدثٌ عظيمٌ ، وأمرٌ مهولٌ ، وهو “كسوف الشمس” ، وليس الأمر كما يظن كثيرٌ مِن النَّاس أنه حدثٌ فلكيٌّ ، أو منظرٌ طبيعيٌّ يتسلى النَّاس برؤيته ، والاستمتاع بمشاهدته!! ، كلا والله إن الأمر جِدُّ خطيرٌ ، وأصبح همُّ الناس ما قد يصيب أعينهم من النَّظر إلى الشمس في كسوفها ، وأصبح التحذير للنَّاس لما قد يسببه النظر من أمراض – وهذا لايُجزم به – وكأنَّه يجوز لهم في غير هذه الحالة النَّظر والاستمتاع!! ، ولقد غفل النَّاس عن أحكام هذه الصلاة، – وتسمَّى صلاة الآيات كما قال شيخ الإسلام في “النبوات” (ص 190) – ، ومعانيها ، ومسائلها ، وضاعت مع ما ضُيِّع مِن الفرائض الكثيرة.

الكسوف والخسوف مِن آيات الله
كثيرةٌ هي آيات الله عز وجل ، وهي مخلوقةٌ للتفكر والاعتبار ، لكن النَّاس عن هذا في غفلةٍ ، ومنه في بُعدٍ ، قال الله تعالى { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ في السَّمواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }!!.
وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ” إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ” رواه البخاري (1044) و مسلم (901).

لا ارتباط بين الكسوف وموت أو حياة أحَدٍ من النَّاس
ويعتقد بعض النَّاس أنَّ الشمس تُكسف ، والقمر يُخسف لحياةِ أو موتِ أحدٍ مِن العظماء أو الزعماء ، وهو اعتقادٌ موروث مِن أهل الجاهلية ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ” متفق عليه – وهو تتمة الحديث السابق – ، وقد ظنَّ بعضهم ذلك أول الأمر لما كسفت الشمس يوم وفاة إبراهيم – ابن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم – ، فعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : “كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاس كَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ” رواه البخاري (1043) ، ومسلم (915) ، وتامّاً -كرواية البخاري – (915) مِن حديث جابر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : وقوله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته ردٌّ لما كان قد توهمه بعض النَّاس مِن أنَّ كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وكان قد مات وكسفت الشمس فتوهم بعض الجهَّال من المسلمين أنَّ الكسوف كان لأجل هذا فبين لهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الكسوف لا يكون سببه موت أحدٌ مِن أهل الأرض ونفى بذلك أنْ يكون الكسوف معلولاً عن ذلك وظنوا أنَّ هذا مِن جنس اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ كما ثبت ذلك في الصحيح فنفى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك وبيَّن أن ذلك مِن آيات الله التي يخوِّف بها عباده.أ.هـ “الرد على المنطقيين” (ص 271).

الكسوف والخسوف للتخويف لا للتسلية
وقد اعتاد النَّاس في كلِّ عامٍ في العالم كله تجهيز مناظيرهم ، واختيار أفضل الأماكن للسفر إليها لمشاهدة الكسوف أو الخسوف!! وهو مِن تغيير أحكام الشرع ، ومِن مخالفة السبب الذي أوجد الله له هذه الآيات : وهو تخويف عباده ‍‍‍، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ ” رواه البخاري (1048) .

و لا يمنع أن يكون ذلك معروفا بالحساب ، قال ابن دقيق العيد : ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله صلى الله عليه وسلم ” يخوف الله بهما عباده ” وليس بشيءٍ لأنَّ لله أفعالاً على حسب العادة ، وأفعالاً خارجةً عن ذلك ، وقدرتُه حاكمةٌ على كلِّ سببٍ ، فله أن يقتطع ما يشاء مِن الأسباب والمسببات بعضها عن بعضٍ ، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيءٌ غريبٌ حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد ، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسبابٌ تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها ؛ وحاصله : أنَّ الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقّاً في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى .أ.هـ ” فتح الباري ” (2/683) .

وعلَّق على كلام ابن دقيق العيد الشيخُ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، فقال : ما قاله ابن دقيق العيد هنا تحقيقٌ جيِّدٌ ، وقد ذكر كثيرٌ مِن المحققين – كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – ما يوافق ذلك ، وأنَّ الله سبحانه قد أجرى العادة بخسوف الشمس والقمر لأسبابٍ معلومةٍ يعقلها أهل الحساب ، والواقع شاهدٌ بذلك ولكن لا يلزم مِن ذلك أن يصيبَ أهلُ الحساب في كلِّ ما يقولون ، بل قد يخطؤون في حسابِهم ، فلا ينبغي أن يُصدَّقوا ولا أن يُكذَّبوا ، والتخويف بذلك حاصل على كل تقديرٍ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر . والله أعلم . أ.هـ هامش ” فتح الباري” – الموضع السابق – .

وقال شيخ الإسلام – رحمه الله – : والتخويف إنما يكون بما يكون سببا للشر قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث لم يكن سبباً لشرٍّ وهو خلاف نص الرسول.

وأيضاً : في السير أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر وقال لعائشة : “يا عائشة تعوذي بالله مِن شرِّ هذا فإنَّ هذا هو الغاسق إذا وقب” – رواه الترمذي (3366) وصححه ، وأحمد (23802) -، والاستعاذة إنما تكون مما يحدث عنه شرٌّ.

وأمر صلى الله عليه وسلم عند انعقاد أسباب الشرِّ بما يدفع موجبها بمشيئة الله تعالى وقدرته مِن الصلاة ، والدعاء ، والذكر ، والاستغفار ، والتوبة ، والإحسان بالصدقة ، والعتاقة ، فإنَّ هذه الأعمال الصالحة تعارض الشرَّ الذي انعقد سببه …. ، وهذا كما لو جاء عدو فإنَّه يُدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له وإذا هجم البرد يدفع باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء ، وهذا ما اتفق عليه الملل . أ.هـ “الرد على المنطقيين” (ص 271-272).

ما ينبغي فعله وقت الكسوف والخسوف

( 1 ) الصلاة
والأظهر أنها واجبة ، لأمر النَّبيِّ صلى الله علي وسلم بها – كما سيأتي -.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا” رواه البخاري (1402) ومسلم (914).

= وسيأتي – إن شاء الله – ذكر أحكامها.

( 2 ) الصدقة

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاس فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ …. ثُمَّ قَالَ : “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ … وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا” رواه البخاري (1044) ومسلم (901) .

( 3 ) الدعاء
عن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قال: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاس انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ” . رواه البخاري (1061) ومسلم (915).

( 4 ) ذكر الله والاستغفار
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ وَقَالَ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ” رواه البخاري (1059) ومسلم (912).

قال الحافظ ابن حجر : وفيه الندب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره لأنه مما يدفع به البلاء .أ. هـ “فتح الباري” (2/695).

( 5 ) العِتق
وإذا لم يكن في هذا الزمان رقابٌ تُعتق ، فيُعمل بالأولى وهو عتق النَّفس مِن الإثم ، ومِن النار ، والإنسان عبدٌ لربِّه فليسارع ليحرِّر نفسَه مِن عبوديَّة الهوى والشيطان ، ولعل هذه المناسبة أن تعيد العقول إلى أصحابها فيتخلوْن عن قتل الأبرياء ، وظلم الأتقياء ، وتلويث عرض الأنقياء ، وهضم حقوق الأخفياء .

عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ : “لَقَدْ أَمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ” . رواه البخاري (1054) .

( 6 ) التعوذ بالله من عذاب القبر
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُعَذَّبُ النَّاس.. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَقَامَ النَّاس وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ….وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ” .رواه البخاري (1050) ومسلم (903) – من غير الأمر بالتعوذ ، لكن فيه أنه كان يستعيذ بعده مِن عذاب القبر – .

= هذا ما تيسر ذكره مما يُفعل وقت الكسوف ، وأما الصلاة فيه فلها أحكامٌ كثيرة نوجزها فيما يأتي :

أ.عددها ركعتان
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : “انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ” .رواه البخاري (1062)

ب.القراءة فيها جهرية
وسواء كانت الصلاة في الليل أو في النهار.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : “جَهَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ” . رواه البخاري (1066) ومسلم (901).

ج. كيفيتها
وهي ركعتان ، في كل ركعة : قراءتان وركوعان وسجدتان .

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : “جَهَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ” . متفق عليه – الموضع السابق – .

د. إطالة الصلاة
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : “خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ” . رواه البخاري (1059) ومسلم (912).

هـ. الركعة الأولى أطول مِن الثانية
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّةً …. فَكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَقَامَ النَّاس وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ ثُمَّ انْصَرَفَ” . متفق عليه – وقد سبق قريباً -.

ز. ينادى لها “الصلاة جامعة” بلا أذان ولا إقامة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : “لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ فَرَكَعَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْ الشَّمْسِ قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا”. رواه البخاري (1051) ومسلم (910).
قلت : ومعنى ” سجدة ” : ركعة .
= وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ مُنَادِيًا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَاجْتَمَعُوا وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ” . رواه مسلم (901).

ح. صلاة الكسوف جماعة في المسجد
= وفيه بعض الأحاديث السابقة – ولا مانع مِن أن يصلِّيها الناس في بيوتهم فرادى ، وإن كان الأولى أن تكون في المسجد وجماعة – ، وأيضاً : عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً …”. رواه البخاري (1046).

قلت : وهذا لا يتعارض مع الندب لأداء النوافل في البيت ، فإن هذه الصلاة مما تشرع فيه الجماعة ، فصار أداؤها في المسجد خير من أدائها في البيت .
قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : وأما قوله – أي: النبي صلى الله عليه وسلم – “أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة” فالمراد بذلك ما لم تشرع له الجماعة ؛ وأمَّا ما شرعت له الجماعة كصلاة الكسوف فَفِعْلُها في المسجد أفضل بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة واتفاق العلماء .أ.هـ “منهاج السنَّة النَّبوية” (8/309).

ط. صلاة النساء في المسجد
ويسنُّ حضور النساء إلى المساجد لأداء الصلاة ، ويجب التخلي عن الطيب والزينة في كل خروجٍ لَهُنَّ ، ويتأكد الأمر ها هنا لما فيه من الفزع والتخويف بهذه الآية .

عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا النَّاس قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْتُ آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ قَالَتْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ … ” . رواه البخاري (1053) ومسلم (905).

ي. رفع اليدين في الدعاء
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهُنَّ وَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى جُلِّيَ عَنْ الشَّمْسِ فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ” . رواه مسلم (913).

ك. الخطبة بعد الصلاة
ويسنُّ الإمام بعد الصلاة أن يخطب بالنَّاس – والأصح أنَّها خطبة واحدة ، وهو مذهب الشافعي- ، يذكِّرهم باليوم الآخر ، ويرهِّبهم مِن الحشر والقيامة ، ويُعلِّمهم بحالهم في القبور وسؤال الملكين، وكلُّ هذا مِن هديه صلى الله عليه وسلم ، وإليكم نماذج مِن خُطَبِه صلى الله عليه وسلم :

= عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ قُلْتُ آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ – لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ – مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ – لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ – فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ – لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاء –ُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ” رواه البخاري (86) ومسلم (905) _ ، وسبق موضعٌ آخر في البخاري .

= عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ …. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : “قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَا أَطْعَمَتْهَا وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الْأَرْضِ” . رواه البخاري (745).

= عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ …. ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا” . رواه البخاري (1044) ومسلم (901).

= عَنْ جَابِرٍ قَالَ : انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّاسُ إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ … ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتْ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا – وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ – ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ وَقَدْ آضَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ” . رواه مسلم (904).

المعاني:
آضت: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف.
لفْحها: لهبها وحرقها.
المِحجَن: عصا معوجَّة الطرف.
قُصْبَه: أمعاءه.
الخشاش: حشرات الأرض وهوامها.

ل. يجوز أداء الصلاة ولو في وقت النهي
المعلوم أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن صلاة التنفل بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ، وقبل الزوال – أي: الظهر – ، وبعد العصر إلى غروب الشمس – وهذا ثابت في الصحيحين – ، لكن إذا كان لهذه النوافل أسبابٌ : فالصحيح أنه يجوز أداؤها ، ويبقى النَّهي عن الصلاة لغير ذوات الأسباب .

قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : ونهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لأنَّ المشركين يسجدون للشمس حينئذٍ والشيطان يقارنها وإن كان المسلم المصلِّي لا يقصد السجود لها لكن سدَّ الذريعة لئلا يتشبه بالمشركين في بعض الأمور التي يختصون بها فيفضي إلى ما هو شركٌ ، ولهذا نهى عن تحرِّي الصلاة في هذين الوقتين هذا لفظ ابن عمر الذي في الصحيحين فقصد الصلاة فيها منهيٌّ عنه.

وأما إذا حدث سببٌ تُشرع الصلاة لأجله مثل تحية المسجد ، وصلاة الكسوف ، وسجود التلاوة ، وركعتي الطواف ، وإعادة الصلاة مع إمام الحيِّ ، ونحو ذلك فهذه فيها نزاع مشهور بين العلماء والأظهر جواز ذلك واستحبابه فإنه خيرٌ لا شرَّ فيه وهو يفوت إذا ترك وإنما نهي عن قصد الصلاة وتحرِّيها في ذلك الوقت لما فيه مِن مشابهة الكفار بقصد السجود ذلك الوقت فما لا سبب له قد قصد فعله في ذلك الوقت وإن لم يقصد الوقت بخلاف ذي السبب فإنه فعل لأجل السبب فلا تأثير فيه للوقت بحال . أ.هـ “مجموع الفتاوى” (17/502).

م. بداية الصلاة ونهايتها
ويسنُّ أن يبدأ الناس بالصلاة أول وقت الكسوف ، ويستمر الوقت إلى نهاية الكسوف ، فإذا انتهى الوقت لم يشرع أداء الصلاة لانتهاء السبب وخروج الوقت .

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً … ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ وَقَالَ أَيْضًا فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ …” رواه مسلم (901) ، والبخاري (1401) – بدون الجملة الأخيرة – .

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ” رواه البخاري (1040) ، ومسلم (911) من حديث أبي مسعود الأنصاري.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : والمقصود أنْ تكون الصلاة وقت الكسوف إلى أنْ يتجلى فإن فرغ مِن الصلاة قبل التجلي ذَكر الله ودعاه إلى أنْ يتجلى ، والكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى بحسب ما يكسف منها فقد تكسف كلها وقد يكسف نصفها أو ثلثها فإذا عظم الكسوف طوَّل الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك.

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه كله. أ.هـ “مجموع الفتاوى”  (24/260).

و. مسألةهل يُصلّى للكسوف إذا لم يُر بسبب الغيوم؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فصلاة الكسوف تشرع عند رؤيته لقول صلى الله عليه وسلم: .. فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة.. ولا تُصلّى لمجرد إخبار الفلكيين به.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في مجموع فتاواه: .. لا يجوز أن يصلي اعتماداً على ما ينشر في الجرائد، أو يذكر بعض الفلكيين إذا كانت السماء غيماً ولم ير الكسوف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالرؤية، فقال عليه الصّلاة والسّلام: فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصّلاة. ومن الجائز أنّ الله تعالى يُخفي هذا الكسوف عن قوم دون آخرين لحكمة يريدها.. انتهى.

وقال في موطن آخر: .. لو كان الكسوف جزئياً في الشّمس ولا يُرى إلّا بالمنظار فإنّه لا يصلّي لأنّنا لم نرها كاسفة، والعبرة برؤية العين لا بالمناظير ولا بالحساب.. انتهى.
م.ن

فوائد :
1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : والصواب أنه لم يصلِّ – أي: النَّبي صلى الله عليه وسلم – إلا بركوعين ، وأنَّه لم يصلِّ الكسوف إلا مرةً واحدةً يوم مات إبراهيم وقد بيَّن ذلك الشافعيُّ وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنَّه صلاها يوم مات إبراهيم ، ومعلومٌ أنَّه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان .أ.هـ “مجموع الفتاوى” (1/256).

2. قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : ولم يأمرهم أن يدْعوا مخلوقاً ولا ملكاً ولا نبيّاً ولا غيرهم ومثل هذا كثيرٌ في سنَّته لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به مِن دعاء الله ، وذكره والاستغفار ، والصلاة ، والصدقة ، ونحو ذلك فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها مِن سلطان تضاهي دين المشركين والنصارى.أ.هـ “مجموع الفتاوى” (27/89-90). وكلامه – رحمه الله – : عن دعاء غير الله عز وجل.

3. قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : الخسوف والكسوف لهما أوقاتٌ مقدَّرةٌ كما لطلوع الهلال وقتٌ مقدَّرٌ وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر ، وذلك من آيات الله تعالى كما قال تعالى { وَهُوَ الذي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ والشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، وقال تعالى {هُوَ الذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إلاَّ بِالحَقِّ} ، وقال تعالى {وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} ……وكما أنَّ العادة التي أجراها الله تعالى أنَّ الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين مِن الشهر أو ليلة إحدى وثلاثين وأن الشهر لا يكون إلا ثلاثين أو تسعة وعشرين فمن ظنَّ أنَّ الشهر يكون أكثر من ذلك أو أقل فهو غالط .

فكذلك أجرى الله العادة أنَّ الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار وأنَّ القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فالقمر لا يخسف إلا في هذه الليالي والهلال يستسر آخر الشهر إما ليلة وإما ليلتين كما يستسر ليلة تسع وعشرين وثلاثين والشمس لا تكسف إلا وقت استسراره وللشمس والقمر ليالي معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف كما أن من علم كم مضى من الشهر يعلم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها ، لكن العلم بالعادة في الهلال علمٌ عامٌّ يشترك فيه جميعُ النَّاس وأمَّا العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه مَن يعرف حساب جريانهما وليس خبر الحاسب بذلك مِن باب علم الغيب ، ولا مِن باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم مِن صدقه ، فإنَّ ذلك قولٌ بلا علمٍ ثابتٍ وبناء على غير أصلٍ صحيحٍ .أ.هـ “مجموع الفتاوى” (24/254-256).

4. قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكناً لكن هذا المخبر المعيَّن قد يكون عالماً بذلك وقد لا يكون ، وقد يكون ثقةً في خبره وقد لا يكون ، وخبر المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبُه موقوفٌ ، ولو أَخبرَ مخبِرٌ بوقت الصلاة وهو مجهولٌ لم يُقبل خبرُه لكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علمٌ شرعيٌّ فإنَّ صلاة الكسوف والخسوف لا تُصلَّى إلا إذا شاهدنا ذلك وإذا جوَّز الإنسانُ صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنِّه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا حثّاً مِن باب المسارعة إلى طاعة الله تعالىوعبادته فانَّ الصلاة عند الكسوف متفقٌ عليها بين المسلمين وقد تواترت بها السنن عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ورواها أهل الصحيح والسنن والمسانيد مِن وجوهٍ كثيرةٍ واستفاض عنه أنَّه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم .أ.هـ “مجموع الفتاوى” (24/258).

5. اختلف أهل العلم فيما تُدرك به صلاة الكسوف ، والأظهر – والله أعلم – أنَّها تُدرك بالركوع الأول مِن الركعة الأولى ، وعليه : فمن فاته الركوع الأول فعليه قضاء الركعة.

والله أعلم
وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم


في : 20 ربيع ثاني 1420 هـ
1/8/1999م