٢٧- من أصحاب الشيخ الألباني ( أبو علي مصطفى خلّوف ) رحمه الله
بقلم: حسام الضميري وفقه الله
لدي استفسار وأرجو الرد عليه بصورة مفصلة وجزاكم الله خيرا.
السؤال:
في حال طُلقت امرأة وهي في الشهر الثالث من حملها، وأرادت هذه المرأة أن تتخلص من حملها خشية أن تضع أنثى فيأخذها طليقها، ولن تتمكن من رؤية طفلتها، كما أنها لا تثق في أن زوجها الأول سيرعى المولودة بشكل جيد. وفي ظل هذه الظروف، هل يجوز لها أن تتخلص من حملها دون إذن الرجل؟ وهل له أي حق فيما تحمله في رحمها بعد أن طلقها؟
و بشكل عام، هل يجوز التخلص من الحمل قبل الشهر الرابع (وأشير إلى حديث النعمان ابن بشير)؟
الرجاء تغطية كل جوانب الموضوع التي قد تكون مفيدة. والسلام عليكم.
الجواب:
الحمد لله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
فإذا كان الإنسان يحاسب على نفسه التي بين جنبيه إن قصر بها أو آذاها، فكيف يملك الإنسان نفس غيره حتى ولو كان أحد أولاده بأن يحكم له بالحياة أو يحكم عليه بالفناء؟.
فحكمَ النبي صلى الله عليه وسلم أن الأم هي أحق بأولادها منه ما لم تتزوج، وسبب الحديث أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أنت أحق به ما لم تنكحي “.
قال ابن القيم رحمه الله:
وسمعت شيخنا رحمه الله – أي: ابن تيمية – يقول:
تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكام، فخيَّره بينهما فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه فسأله، فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتَّاب والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للأم قال: أنت أحق به.
قال شيخنا: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه: فهو عاص، فلا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه، بل إما أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه من يقوم معه بالواجب، إذ المقصود: طاعة الله ورسوله بحسب.
قال شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقًا أو صالحًا بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان.
قال: فلو قُدِّر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرَّة: فالحضانة هنا للأم قطعًا.
قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البَرِّ العادل المحسن، والله أعلم.
” زاد المعاد ” ( 5 / 475، 476 ).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم:
البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها.
وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرَّة أمها.
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ).
وقال الشيخ صالح الفوزان:
ولا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به فيها، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه؛ لأنه يسيء تربيته، وينشئه على طريقته. ” الملخص الفقهي ” ( 2 / 353 ).
فإن أسقطت المرأة جنينها بعد نفخ الروح وجب عليها عشر الدية، والكفارة – عند أكثر أهل العلم -، وإن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة.
قال ابن قدامة:
وإذا شربت الحامل دواء، فألقت به جنينا، فعليها غرة، لا ترث منها شيئا، وتعتق رقبة ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه، إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة، على ما قدمنا، وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها، فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو جنى عليه غيرها، ولا ترث من الغرة شيئا؛ لأن القاتل لا يرث المقتول، وتكون الغرة لسائر ورثته، وعليها عتق رقبة؛ كما قدمنا.
ولو كان الجاني المسقط للجنين أباه، أو غيره من ورثته، فعليه غرة، لا يرث منها شيئا، ويعتق رقبة. وهذا قول الزهري، والشافعي، وغيرهما. ” المغني ” ( 8 / 328 ).
* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عن امرأة حامل تعمدت إسقاط الجنين إما بضرب وإما بشرب دواء: فما يجب عليها؟
فأجاب:
يجب عليها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة غرة: عبد أو أمة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين غير أمه، فإن كان له أب كانت الغرة لأبيه، فإن أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك، ويكون قيمة الغرة عشر دية، أو خمسين دينارا.
وعليها أيضا عند أكثر العلماء عتق رقبة فإن لم تجد صامت شهرين متتابعين، فإن لم تستطع أطعمت ستين مسكينا. ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 402 ).
قلت: لكن في إيجاب الكفارة نظر، والقول الصحيح عدم وجوبها وهو قول الحنفية، ولا يصح قياس العمد على الخطأ، لاختلاف السبب والحكم، ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على من أسقطت جنين امرأة أكثر من غرة عبد أو أمة – وهو ما يعادل عشر دية الرجل -.
عن أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر – ويروى: بعمود فسطاط -فقتلتها، فأسقطت جنينا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة، وفي الجنين بغرة عبد أو أمة. رواه البخاري ( 6512 ) ومسلم ( 1681 ).
وهذا القتل لا يعدو أن يكون شبه عمد، لا خطئًا.
قال النووي:
وفي الرواية الأخرى أنها ضربتها ” بعمود فسطاط ” هذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبا فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني، وهذا مذهب الشافعي والجماهير. ” شرح مسلم ” ( 11 / 177 ).
في الموسوعة الفقهية الكويتية:
– حكم الإجهاض قبل نفخ الروح:
في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح اتجاهات مختلفة وأقوال متعددة ، حتى في المذهب الواحد:
أ. فمنهم من قال بالإباحة مطلقا، وهو ما ذكره بعض الحنفية، فقد ذكروا أنه يباح الإسقاط بعد الحمل، ما لم يتخلق شيء منه.
والمراد بالتخلق في عبارتهم تلك نفخ الروح.
وهو ما انفرد به من المالكية اللخمي فيما قبل الأربعين يوما، وقال به أبو إسحاق المروزي من الشافعية قبل الأربعين أيضا، وقال الرملي: لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيل الجواز قبل نفخ الروح.
ب. والإباحة قول عند الحنابلة في أول مراحل الحمل، إذ أجازوا للمرأة شرب الدواء المباح لإلقاء نطفة لا علقة، وعن ابن عقيل أن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه، وقال صاحب الفروع: ولكلام ابن عقيل وجه.
ج. ومنهم من قال بالإباحة لعذر فقط، وهو حقيقة مذهب الحنفية.
فقد نقل ابن عابدين عن كراهة ” الخانية ” عدم الحل لغير عذر، إذ المُحرم لو كسر بيض الصيد ضمن لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها – من أجهضت نفسها – إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر، ونقل عن ابن وهبان أن من الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ( المرضع ) ويخاف هلاكه، وقال ابن وهبان: إن إباحة الإسقاط محمولة على حالة الضرورة.
ومن قال من المالكية والشافعية والحنابلة بالإباحة دون تقييد بالعذر فإنه يبيحه هنا بالأولى، وقد نقل الخطيب الشربيني عن الزركشي: أن المرأة لو دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتب عليه الإجهاض فينبغي أنها لا تضمن بسببه.
د. ومنهم من قال بالكراهة مطلقا.
وهو ما قال به علي بن موسى من فقهاء الحنفية.
فقد نقل ابن عابدين عنه: أنه يكره الإلقاء قبل مضي زمن تنفخ فيه الروح؛ لأن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة، كما في بيضة صيد الحرم.
وهو رأي عند المالكية فيما قبل الأربعين يوما، وقول محتمل عند الشافعية.
يقول الرملي: لا يقال في الإجهاض قبل نفخ الروح إنه خلاف الأولى، بل محتمل للتنزيه والتحريم، ويقوى التحريم فيما قرب من زمن النفخ لأنه جريمة.
هـ. ومنهم من قال بالتحريم، وهو المعتمد عند المالكية.
يقول الدردير: لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وعلق الدسوقي على ذلك بقوله: هذا هو المعتمد. وقيل يكره. مما يفيد أن المقصود بعدم الجواز في عبارة الدردير التحريم. كما نقل ابن رشد أن مالكا قال: كل ما طرحته المرأة جناية، من مضغة أو علقة، مما يعلم أنه ولد، ففيه الغرة وقال: واستحسن مالك الكفارة مع الغرة.
والقول بالتحريم هو الأوجه عند الشافعية؛ لأن النطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق مهيأة لنفخ الروح. وهو مذهب الحنابلة مطلقا كما ذكره ابن الجوزي، وهو ظاهر كلام ابن عقيل، وما يشعر به كلام ابن قدامة وغيره بعد مرحلة النطفة، إذ رتبوا الكفارة والغرة على من ضرب بطن امرأة فألقت جنينا، وعلى الحامل إذا شربت دواء فألقت جنينا.
” الموسوعة الفقهية الكويتية ” ( 2 / 58 – 60 ).
قلت: والأرجح هو القول بالكراهة إلا من عذر.
والله أعلم.
السؤال:
ما هي حقوق الزوجة على زوجها وفقا للكتاب والسنة؟ أو بمعنى آخر، ما هي مسؤوليات الزوج تجاه زوجته وبالعكس؟
الجواب:
الحمد لله
أوجب الإسلام على الزوج حقوقًا تجاه زوجته، وكذا العكس، ومن الحقوق الواجبة ما هو مشترك بين الزوجين.
وسنذكر – بحول الله – ما يتعلق بحقوق الزوجين بعضهما على بعض في الكتاب والسنة مستأنسين بشرح وأقوال أهل العلم.
أولًا:
حقوق الزوجة الخاصة بها:
– للزوجة على زوجها حقوق مالية وهي: المهر، والنفقة، والسكنى.
– وحقوق غير مالية: كالعدل في القسم بين الزوجات، والمعاشرة بالمعروف، وعدم الإضرار بالزوجة.
أ – المهر: هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها، وهو حق واجب للمرأة على الرجل، قال تعالى: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة }، وفي تشريع المهر: إظهار لخطر هذا العقد ومكانته، وإعزاز للمرأة وإكراما لها.
والمهر ليس شرطا في عقد الزواج ولا ركنا عند جمهور الفقهاء، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، فإذا تم العقد بدون ذكر مهر صح باتفاق الجمهور لقوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } فإباحة الطلاق قبل المسيس وقبل فرض صداق يدل على جواز عدم تسمية المهر في العقد.
فإن سمِّي المهر في العقد: وجب على الزوج، وإن لم يسمَّ: وجب عليه مهر ” المِثل ” – مثيلاتها من النساء -.
ب – النفقة: وقد أجمع علماء الإسلام على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن بشرط تمكين المرأة نفسها لزوجها، فإن امتنعت منه أو نشزت لم تستحق النفقة.
والحكمة في وجوب النفقة لها: أن المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من الخروج من بيت الزوجية إلا بإذن منه للاكتساب، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها، وكذا هي مقابل الاستمتاع وتمكين نفسها له.
والمقصود بالنفقة: توفير ما تحتاج إليه الزوجة من طعام، ومسكن، فتجب لها هذه الأشياء وإن كانت غنية، لقوله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [ البقرة / 233]، وقال عز وجل:{ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } [الطلاق / 7 ].
وفي السنة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة – زوج أبي سفيان وقد اشتكت عدم نفقته عليها – ” خذي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروف “.
عن عائشة قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. رواه البخاري ( 5049 ) ومسلم ( 1714 ).
وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: ” فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف”. رواه مسلم ( 1218 ).
ج. السكنى: وهو من حقوق الزوجة، وهو أن يهيىء لها زوجُها مسكنًا على قدر سعته وقدرته، قال الله تعالى: { أسكنوهنَّ من حيث سكنتم مِن وُجدكم } [ الطلاق / 6 ].
وفي السنَّة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” استوصوا بالنساء “. رواه البخاري ( 3153 ) ومسلم ( 1468 ).
وهذه نماذج من حسن عشرته صلى الله عليه وسلم مع نسائه – وهو القدوة والأسوة -:
قالت: وحدثتني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، وكنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة. رواه البخاري ( 316 ) ومسلم ( 296 ).
ج. عدم الإضرار بالزوجة: وهذا من أصول الإسلام، وإذا كان إيقاع الضرر محرما على الأجانب فأن يكون محرما إيقاعه على الزوجة أولى وأحرى.
عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ” أن لا ضرر ولا ضرار” رواه ابن ماجه ( 2340 ). والحديث: صححه الإمام أحمد والحاكم وابن الصلاح وغيرهم.
انظر: ” خلاصة البدر المنير ” ( 2 / 438 ).
ومن الأشياء التي نبَّه عليها الشارع في هذه المسألة: عدم جواز الضرب المبرح.
عن جابر بن عبد الله قال: قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: ” فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “.
رواه مسلم ( 1218 ).
ثانيًا:
حقوق الزوج على زوجته:
وحقوق الزوج على الزوجة من أعظم الحقوق، بل إن حقه عليها أعظم من حقها عليه لقول الله تعالى:{ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [ البقرة / 228 ].
قال الجصاص: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين على صاحبه حقا، وأن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه.
وقال ابن العربي: هذا نص في أنه مفضل عليها مقدم في حقوق النكاح فوقها.
ومن هذه الحقوق:
أ – وجوب الطاعة: جعل الله الرجل قوَّامًا على المرأة بالأمر والتوجيه والرعاية، كما يقوم الولاة على الرعية، بما خصه الله به الرجل من خصائص جسمية وعقلية، وبما أوجب عليه من واجبات مالية، قال تعالى: { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } [ النساء / 34 ].
قال ابن كثير:
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { الرجال قوامون على النساء } يعني: أمراء عليهن، أي: تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله.
وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 492 ).
ب – تمكين الزوج من الاستمتاع: مِن حق الزوج على زوجته تمكينه من الاستمتاع، فإذا تزوج امرأة وكانت أهلا للجماع وجب تسليم نفسها إليه بالعقد إذا طلب، وذلك أن يسلمها مهرها المعجل وتمهل مدة حسب العادة لإصلاح أمرها كاليومين والثلاثة إذا طلبت ذلك لأنه من حاجتها، ولأن ذلك يسير جرت العادة بمثله.
وإذا امتنعت الزوجة من إجابة زوجها في الجماع وقعت في المحذور وارتكبت كبيرة، إلا أن تكون معذورة بعذر شرعي كالحيض وصوم الفرض والمرض وما شابه ذلك.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح “.
رواه البخاري ( 3065 ) ومسلم ( 1436 ).
ج – عدم الإذن لمن يكره الزوج دخوله: ومن حق الزوج على زوجته ألا تدخل بيته أحدا يكرهه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة عن غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره “. رواه البخاري ( 4899 ) ومسلم ( 1026 ).
وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوانٍ ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لكم من نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن.
رواه الترمذي ( 1163 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه ( 1851 ).
وعن جابر قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “.رواه مسلم ( 1218 ).
د – عدم الخروج من البيت إلا بإذن الزوج: من حق الزوج على زوجته ألا تخرج من البيت إلا بإذنه.
بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه: ” باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره ” وروى حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها “.
قال الحافظ ابن حجر:
قال ابن التين: ترجم بالخروج إلى المسجد وغيره واقتصر في الباب على حديث المسجد وأجاب الكرماني بأنه قاسه عليه والجامع بينهما ظاهر ويشترط في الجميع أمن الفتنة.
” فتح الباري ” ( 9 / 337 ، 338 ).
وقال الشافعية والحنابلة: ليس لها الخروج لعيادة أبيها المريض إلا بإذن الزوج، وله منعها من ذلك ومن حضور جنازته؛ لأن طاعة الزوج واجبة، فلا يجوز ترك الواجب بما ليس بواجب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله, وقرأ قوله تعالى: { وألفيا سيدها لدى الباب}، وقال عمر بن الخطاب: النكاح رق, فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته، وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” استوصوا بالنساء خيرًا فإنما هنَّ عندكم عوانٍ “، فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير, فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة. ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 148 ).
قال ابن مفلح الحنبلي:
ويحرم خروج المرأة من بيت زوجها بلا إذنه إلا لضرورة، أو واجب شرعي.
” الآداب الشرعيَّة ” ( 3 / 375 ).
هـ – التأديب: للزوج تأديب زوجته عند عصيانها أمره بالمعروف لا بالمعصية؛ لأن الله تعالى أمر بتأديب النساء بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن.
وقد ذكر الحنفية أربعة مواضع يجوز فيها للزوج تأديب زوجته بالضرب، منها: ترك الزينة إذا أراد الزينة، ومنها: ترك الإجابة إذا دعاها إلى الفراش وهي طاهرة، ومنها: ترك الصلاة، ومنها: الخروج من البيت بغير إذنه.
ومن الأدلة على جواز التأديب:
قوله تعالى: { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } [ النساء / 34 ].
وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة } [التحريم / 6 ].
قال ابن كثير:
وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه، فإذا رأيتَ لله معصية قذعتهم عنها، وزجرتهم عنها.
وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 392 ).
و- خدمة الزوجة لزوجها: والأدلة في ذلك كثيرة، وقد سبق بعضها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وتجب خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية وخدمة القويه ليست كخدمة الضعيفة.
” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 561 ).
ز – تسليم المرأة نفسها: إذا استوفى عقد النكاح شروطه ووقع صحيحا فإنه يجب على المرأة تسليم نفسها إلى الزوج وتمكينه من الاستمتاع بها; لأنه بالعقد يستحق الزوج تسليم العوض وهو الاستمتاع بها كما تستحق المرأة العوض وهو المهر.
ح- معاشرة الزوجة لزوجها بالمعروف: وذلك لقوله تعالى { ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف } [البقرة / 228 ].
قال القرطبي:
وعنه – أي: عن ابن عباس – أيضا أي: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن.
وقيل: إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن قاله الطبري.
وقال ابن زيد: تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم.
والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية .
” تفسير القرطبي ” ( 3 / 123 ، 124 ).
والله أعلم.
السؤال:
1- أشعر بالنعاس الشديد دائما بعد صلاة الفجر, وإن أنا نمت الليل بأكمله.
ومشكلة أخرى, ربما أخطر من الأولى, وهي أني أعاني من الأمر ذاته عندما أقرأ القرآن (وقد سألت أحد أصدقائي عن ذلك, فقال بأنه يعاني من الأمر نفسه).
ويظهر من السخيف أن ينام الفرد أكثر من حاجته والوقت يمر بسرعة.
هل توجد مشكلة حقيقة, (أعني ضعف في التهوية, أو ضعف في التغذية, أو أن البدن غير سوي .. الخ) أم أن ذلك من إزعاج الشياطين؟
إذا كان السبب هو الأخير, فهل في الكتاب والسنة ما يمكننا أن ندفع به ذلك الإزعاج؟
2- والدتي تسعل كثيرا, وإذا سعلت, خرج منها القليل من البول, ويحدث لها ذلك أحيانا وهي في الصلاة, أو عند قراءتها للقرآن.
السؤال:
هل يجوز لها أن تمسك بالقرآن؟ وهل صلاتها مقبولة وهي تعلم أنها كلما سعلت, خرج منها شيء من البول؟
خضعت والدتي لعمليتين جراحيتين حتى الآن, ولكنها لا تزال تعاني من هذه المشكلة.
والسلام عليكم ورحمة الله.
الجواب:
الحمد لله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أولًا:
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة “.
رواه أبو داود ( 4856 )، ونحوه عند الترمذي ( 3380 ) وصححه.
والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 78 ).
– ترة: حسرة وندامة.
– فالوقت ثمين عند المسلم عليه أن يحافظ عليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نعمتان مغبون بهما كثير من الناس الصحة والفراغ “. رواه البخاري ( 6049 ).
عن صخر الغامدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اللهم بارك لأمتي في بكورها ” وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم في أول النهار وكان صخر رجلا تاجرًا وكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله. قال أبو داود: وهو صخر بن وداعة.
رواه أبو داود ( 2606 )، والترمذي ( 1212 )، وابن ماجه ( 2236 ).
والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 1300 ).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام بعد الفجر.
عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حي تطلع الشمس حسنًا. رواه مسلم ( 670 ).
1- الدعاء والاستعانة بالله أن يعينك على هذا الأمر.
2- أن تستعين المسلم على ذلك بالجوع فإن الجوع يطرد النعاس، ويفضل أن لا تتعشى أو أن تأكل قليلا، لأن الشبع وملأ المعدة له دور في هجوم النعاس والنوم على الإنسان.
3- أن تمكث في المسجد بعد الفجر لأن الذهاب إلى البيت قد يساعد على النوم وسرعته عندما يرى المسلم أهل البيت نائمين، أو غير ذلك ولا بأس أن يستغل المسلم ذلك الوقت لحفظ كتاب الله أو مراجعته.
4- لاشك أن المسلم قوي بإخوانه فاستعن بهم مثلا أن تجلسوا بعد الفجر لحضور درس علم أو قراءة القرآن أو قراءة كتاب نافع أو درس علم وأن يستمر هذا الدرس للشروق أو أن يقرأ المسلم في بيته مع أهله كتابًا نافعصا أو حلقة تعليم أو حفظ للقرآن مع زوجته وأولاده.
هذه بعض الأسباب التي تعينك على ما ذكرت ، ولا شك أن من أسباب ضياع الوقت الذنوب.
ثانيًا:
بالنسبة لوالدتك فلا شك أنها معذورة لقوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة / 286 ]، وأن صلاتها صحيحة، ويجوز لها أن تمسك المصحف وتقرأ منه، ولا حرج في ذلك إن شاء الله، ولكن تتوضأ لكل صلاة، ولطرد وسواس سلس البول ينضح المسلم سرواله من الداخل بعد الوضوء، والصلاة صحيحة وإن خرج شيء والإنسان يصلي.
والله أعلم.
السؤال:
رُزق زوجان طفلا يعاني من تخلف عقلي. وهما يريدان مولودا آخر الآن. لكن الطبيب أخبرهما بأنه في حالة حدوث حمل, فإن هناك نسبة عالية بأن يكون الطفل الجديد يعاني من نوع ما من التخلف العقلي.
وتوجد هذه الأيام اختبارات تبين حالة الجنين الصحية في مرحلة مبكرة من الحمل (خلال 3 أشهر الأول).
والسؤال:
إذا كانت نتائج الاختبارات تؤيد حقا أن الجنين ليس طبيعيا, فهل يجوز لهما أن يتخلصا من هذا الحمل. وإذا كان ذلك لا يجوز, فما هي عقوبتهما إن هما صمما على المضي قدما وعمل ما ذُكر على أية حالة؟
الجواب:
الحمد لله
رواه أبو داود ( 2050 ) والنسائي ( 6 / 65 ).
والحديث: صححه العلامة الألباني رحمه الله في ” الإرواء ” ( 1784 ).
وعن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له “. رواه مسلم ( 2999 ).
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض “.
رواه الترمذي ( 2408 ). والحديث: حسنه الألباني رحمه الله في ” صحيح الجامع ” ( 8177 ).
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًا ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًا “. رواه البخاري ( 5778 ) ومسلم ( 109 ).
فإذا كان الإنسان سيحاسب على نفسه التي بين جنبيه وهو محاسب إن قصر بها أو آذاها، فكيف يملك الإنسان نفس غيره بأن يجعل لها الحياة أو يجعل عليها الفناء، ومهما كانت هذه النفس مشوهة أو ناقصة أو غير ذلك، ومهما كانت الدواعي من شفقة أو رحمة عليه، وخذ مثالا على ذلك لو أنك رأيت مثلا في طريقك طفلا مشوها وأخذتك الشفقة والرحمة عليه وقلت في نفسك أنه سوف يتعذب في كبره فهل تملك أنت أن تريحه من هذه الحياة طبعا الجواب لا وهكذا يقال في المولود في بطن أمه.
ب. لا شك أن الطب قد تقدم ونسبة الإصابة في توقعاته عالية جدا، ولكن أيضا نسبة الخطأ واردة ولا ينكرها إلا مكابر.
فدل الحديث أن المولود تدب فيه الروح بعد أربعة أشهر عربية.
وهناك خلاف بين العلماء أن الروح هل تدب بالمخلوق بعد الأربعين الأولى أم بعد أربعة أشهر، ففي حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” يدخل الملَك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص “. رواه مسلم ( 2644 ).
قال النووي رحمه الله:
واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة اشهر، ووقع في رواية للبخاري ” إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه “، فقوله: ” ثم يبعث: بحرف ثم يقتضي تأخير كتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب بعد الأربعين الأولى، وجوابه: أن قوله ” ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب ” معطوف على قوله ” يجمع في بطن أمه ” ومتعلق به لا بما قبله وهو قوله ” ثم يكون مضغة مثله “، ويكون قوله ” ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ” معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وغيره من كلام العرب.
شرح صحيح مسلم ( 16 / 191 ) .
ولا شك أن الروح إذا تخلقت في المولود أصبح للمولود حرمة كحرمة الحي في أنه لا يجوز التعدي عليه فالصحيح أنه لا يجوز إسقاط المولود قبل الأربعين – احتياطًا للخلاف – ولا بعد الأربعة أشهر – قطعًا وجزمًا – إلا إن مات المولود في بطن أمه وخشي على الأم.
والخلاصة: أنه لا يجوز إسقاط المولود بعد التخلق، وعلى الزوجين أن يصبرا والله سيعينهما إن توكلا عليه وصبرا ونسأل الله التوفيق والإعانة لكم.
والله أعلم.
السؤال:
ما زلت عازبا وأبحث عن الزواج. لكن عندي مشكلة بسيطة تتمثل في أني أعاني من عجز جنسي طفيف وغير مؤكد وغير منتظم. والأمر الذي يشغل تفكيري دائما هو أني إذا ما تزوجت, فقد لا تقبل الزوجة بوضعي. وقد يؤول الأمر في النهاية إلى الطلاق. فما هي أفضل الأشياء التي يمكنني فعلها؟ وهل أتزوج, أم لا؟
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
لابد أن يعلم المسلم أن الزواج هو سنة الأنبياء السابقين، قال الله تبارك وتعالى:{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } [ الرعد / 38 ].
وعن أنس بن مالك -رضي الله تعالى- عنه قال: ” جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني “. رواه البخاري ( 4776 ) ومسلم ( 1401 ).
ثانيًا:
إن الشيطان له دور أساسي في تفريق الأزواج ومحاولة منع ارتباط مسلم بمسلمة.
عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعتَ شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرقتُ بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت “. رواه مسلم ( 2813 ).
ثالثًا:
أنك ذكرت أن هذا العجز طفيف وغير مؤكد وغير منتظم، وعليه: فلا داعي للخوف من ذلك ولعل هذا من وساوس الشيطان لمنعك من الزواج.
رابعًا:
نصَّ الفقهاء في مسألة ” العنِّين ” وهو الذي لا ينتشر ذكَرُه أنه يوقف سنة، ولا يفسخ عقد نكاحه إلا بعد سنة وبشرط طلب الزوجة، فإذا لم تطلب فلا يفسخ عقد نكاحه.
خامسًا:
أرى أن تتوكل على الله وأن تستعين به وأن تقدم على الزواج فهو خير لك إن شاء الله، وإن تبين شيءٌ بعد الزواج: فالعلاج والطب تقدم، وتستطيع بإذن الله أن تتعالج على فرض أن يوجد شيء، ولا داعي لإخبار من تريد أن تتقدم إليهم لأن هذا الأمر أمر فرضي وغير مؤكد، وعدم إخبارهم ليس من الغش لأن الأمر غير مؤكد وطفيف كما ذكر السائل، ولا داعي لأن تُحبط لأنك إذا ذكرت ذلك لهم وبيَّنت كما ذكرتَ أنه طفيف وغير مؤكد: فسيوسوس لهم الشيطان، وستجد نفسك محبَطا، ولا داعي لذلك إلا إذا كان الأمر مؤكَّدً من قِبَل طبيبٍ مسلمٍ ثقةٍ، وأن العجز كبير، ولا يرجى زواله؛ فعند ذلك يجب إخبارهم.
سادسًا:
عليك بالاستعانة بالله وأن تتسلح بأعظم سلاح وهو الدعاء إلى الله والابتهال إليه بأن ييسر لك الزواج ليكمل نصف دينك ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافيك وأن يرزقك زوجة صالحة.
والله أعلم.
السؤال:
كيف لنا أن نحصل على أجر الهجرة في أيامنا هذه ومع وجود كل هذه الفتن في سائر أرجاء العالم؟ وهل يوجد مكان محدد؟
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
لا بد أن نعرف قبل الكلام في المسألة معنى الهجرة:
الهجرة في اللغة: الترك، والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره.
وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه.
* وقد وقعت الهجرة في الإسلام على معنيين:
انظر: ” فتح الباري ” ( 1 / 23 ) لابن حجر العسقلاني.
ثانيًا:
اتفق الفقهاء على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى:{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } [ النساء / 97]، ودار الإسلام: هي الدار التي يأمن فيها المسلم على دينه وعرضه ونفسه وماله ويكون هذا الأمان بأيدي المسلمين لا دخول تحت حماية الكافر كما هو الشأن في من يعيش في بلاد الكفر، والشرط الثاني: أن تكون شرائع الإسلام ظاهرة من جمعة وجماعات وأذان وغير ذلك.
ثالثًا:
إن إشارة السائل إلى وجود الفتن في جميع أنحاء العالم قول صحيح، ولكن مما لاشك فيه أن هذه الفتن تتفاوت، فلا خلاف بين العقلاء مثلا أن من يعيش في أمريكا يتعرض للفتن أكثر ممن يعيش – مثلًا – في الرياض، فلا شك أن من يعيش في بلاد الكفر يتعرض للفتن هو وزوجته وأولاده أكثر ممن يعيش في بلاد المسلمين، فصحيح أنه يوجد في بلاد المسلمين فتن، ولكن يستطيع المسلم أن يتجنبها وأن يجنبها أولاده، وأما في بلاد الكفر فيصعب عليه وعلى أولاده أن يعيش بمنعزل عن المحيط حوله، وإن استطاع هو أن يسيطر على نفسه لا يستطيع السيطرة على أولاده، وهذا معلوم ومشاهد، والبلاد الإسلامية لا تزال بخير ولله الحمد وهذا الخير يتفاوت من بلد إلى آخر ومن شخص إلى آخر، وبالجملة هي أفضل من بلاد الكفر.
ثالثًا:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السكنى عند الكفار، بل قد تبرأ ممن يسكن عندهم، وقد بوَّب الإمام الترمذي في ” سننه ” بابًا أسماه: باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، ثم ذكر حديث جرير ابن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى ” خثعم ” فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما. رواه الترمذي في “سننه ” ( 1606 ) وأبو داود ( 2645 ).
والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” إرواء الغليل ” ( 5 / 29 ).
والحكمة في ذلك أن المسلم مهما كان متمسكا بالالتزام لابد أن يتأثر بهم ويأخذ من عاداتهم أو يتنازل عن شيء من التزامه أو يداهنهم ليستطيع العيش معهم، ناهيك عن عدم الأمان على نفسه أو ماله أو عرضه كما جاء في الحديث.
رابعًا:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن أفضل بلد للسكنى هل مكة أو المدينة أم بلاد الشام؟
فأجاب رحمه الله أن ذلك يتفاوت بحسب الأشخاص، وقال:
ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور.
وقد كتب أبوالدرداء – وكان في بلاد الشام -إلى سلمان الفارسي – رضي الله عنهما – وكان سلمان في العراق -: هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سليمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدِّس العبدَ عملُه ” – أخرجه مالك في موطئه ( 2 / 769 ) -.
وكان النبي قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا، وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام:{ سأريكم دار الفاسقين } [ الأعراف / 145 ]، وهى الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 283 ).
فدل ذلك أن الأرض لكل إنسان تتفاوت مع بيان أنه لا يجوز السكنى في بلاد المشركين لغير ضرورة وبالنسبة للبلاد الإسلامية فالأرض التي يعبد فيها المسلم ربه حق العبادة هي الأفضل في حقه ولا يتعين عليه بلد معين ولا بقعة معينة حتى الحرمين كما قرر ذلك شيخ الإسلام.
والله أعلم.
السؤال:
هل من المستحسن الزواج بأرملة لديها أطفال؟ أعني، هل من الأفضل لها أن تتزوج, أم تبقى بدون زواج؟ أرجو التوضيح؟
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
لا يقال في مثل هذه الحال إن الزواج من أرملة ذات أطفال أفضل من البكر، بل يرجع ذلك إلى حال الزوج، فقد يتناسب حاله والزواج من أرملة، فيكون ذلك أفضل.
وقد تكون الأرملة صاحبة دين وخلق لا يفرط في مثلها، ولا يجد من الأبكار ما هو مثل حالها.
أما من حيث العموم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب بنكاح الأبكار.
وهذا جابر رضي الله عنه قد مات والده وترك له أخوات فلم يتناسب حاله والزواج من صغيرة في أعمارهن، ورغب رضي الله عنه بنكاح ثيب تقوم على خدمتهن ورعايتهن ، فوافقه النبي صلى الله عليه وسلم.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا فأتى علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال جابر فقلت نعم قال ما شأنك قلت أبطأ علي جملي وأعيا فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنه ثم قال اركب فركبت فلقد رأيته أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تزوجت قلت نعم قال بكرا أم ثيبا قلت بل ثيبا قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن قال أما إنك قادم فإذا قدمت فالكيس الكيس ثم قال أتبيع جملك قلت نعم فاشتراه مني بأوقية ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وقدمت بالغداة فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال أالآن قدمت قلت نعم قال فدع جملك فادخل فصل ركعتين فدخلت فصليت فأمر بلالا أن يزن له أوقية فوزن لي بلال فأرجح لي في الميزان فانطلقت حتى وليت فقال ادع لي جابرا قلت الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه قال خذ جملك ولك ثمنه.
رواه البخاري ( 1991 ) ومسلم ( 715 ). وفي رواية عند البخاري ( 2257 ): ” تعلمهن وتؤدبهن “
وفي رواية أخرى عند البخاري ( 2805 ) ومسلم ( 715 ): قال وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته هل تزوجت بكرا أم ثيبا فقلت تزوجت ثيبا فقال هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك قلت يا رسول الله توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوجت امرأة ثيبا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت يا جابر فقلت نعم فقال بكرا أم ثيبا قلت بل ثيبا قال فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك قال فقلت له إن عبد الله هلك وترك بنات وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن فقال بارك الله لك أو قال خيرا. رواه البخاري ( 5052 ).
قال الشيخ مصطفى الرحيباني:
( وسن ) لمن أراد نكاحا ( تخير ذات دين ) … ( البكر ) لقوله عليه الصلاة والسلام لجابر: ” فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك ” متفق عليه، ( إلا أن تكون مصلحته في نكاح ثيب أرجح ) فيقدمها على البكر مراعاة للمصلحة. ” مطالب أولي النهى ” ( 5 / 9 ، 10 ).
ثانيًا:
أما الأرملة نفسها فلا شك أن الأفضل لها هو أن تتزوج، فإن في الزواج صيانة لعرضها، ورعاية لأولادها، وهذا ما كان عليه القرون الأولى، فلا تكاد المرأة تنتهي عدتها حتى يأتيها الخُطَّاب، وأحيانًا يكون ذلك برغبة منها، وخاصة إذا كانت شابة صغيرة في السن.
والترمل فترة شديدة على المرأة، فهي قد فقدت زوجها الذي كان يعولها، ويعينها على تربية أولادها، والإسلام لا يفرض على الأرملة إلا الاحتداد بالابتعاد عن الزينة وبعدم الزواج فترة محدودة تسمى بالعدة التي تنتهي بوضع الحمل أو انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل، وبعد هذه الفترة تحل لها كل أنواع الزينة في الحدود المشروعة كما يحل لها أن تتزوج، غير أن بعض الزوجات لا ترغب في الزواج ثانيا وذلك لبعض الأسباب ومنها:
وقد ذكرت أم سلمة عذرها للنبي صلى الله عليه وسلم في عدم الزواج أنها كبيرة السن وأن عندها أيتامًا.
فأم الدرداء الصغرى – واسمها وهجيمة الأوصابية -، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت لهذا السبب.
ولنا في الصحابيات خير قدوة، فهذه فاطمة بنت قيس: تزوجت أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها، فخطبها عبد الرحمن بن عوف وأبو جهم ومعاوية بن أبي سفيان، ثم أشار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسامة بن زيد.
وهذه أسماء بنت عميس: تزوجت جعفر بن أبي طالب، ثم أبا بكر الصدِّيق، ثم علي بن أبي طالب.
قال الشعبي: تزوج علي أسماء بنت عميس فتفاخر ابناها: محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر فقال كل منهما:
أبي خير من أبيك، فقال علي: يا أسماء اقضي بينهما، فقالت: ما رأيتُ شابًّا كان خيرًا من جعفر ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر فقال علي: ما تركتِ لنا شيئًا ولو قلتِ غيرَ هذا لمقتكِ, فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار. سير أعلام النبلاء ( 1 / 208 ).
وهذا عمر رضي الله عنه يبحث عن زوج لابنته حفصة بعدما تأيم، فيعرضها على أبي بكر وعلى عثمان، – وكلٌّ منهما كان متزوجًا – ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخطبها لنفسه.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي – وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرًا توفي بالمدينة – قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئتَ أنكحتُك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها. رواه البخاري ( 3783 )، و ( 4830 ) وبوَّب عليه: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.
– تأيمت: صارت أيِّماً، وهي من مات زوجها.
– أوجد: أشد غضبًا.
وننبه إلى أن بعض الدول الآن تصرف راتبًا للأرامل وتسهل لهم سبل المعاش، مما يدعوهن للاستغناء عن الزواج، والاكتفاء بما تصرفه لهم الدولة، وهو ما سبَّب مفاسد كثيرة بين الأرامل، وبخاصة إذا اجتمعن في سكنٍ واحد، فالواجب الانتباه لهذه المسألة، والمساهمة في طهارة المجتمع في المساعدة على تزوجهن والحض على تزويجهن.
والله أعلم.
السؤال:
أعيش في أمريكا, وهي بلاد كفر ولا شك. وقد عرضت جهة العمل التي يعمل فيها زوجي له فرصة ليعمل في الشرق الأوسط (وهو أصلا من تلك المنطقة من العالم). ولا يوجد أي سبب وجيه يمنعنا من الذهاب إلى هناك.
وسؤالي هو: إذا توفرت للمسلم فرصة العيش في بلد مسلمة بدلا من بلاد الكفر, فهل يجب عليه أن ينتقل ليعيش في تلك البلاد الإسلامية, بدلا عن الاستمرار في العيش في بلاد يغمرها الفساد؟
الجواب:
الحمد لله
رواه أبو داود ( 2645 ) الترمذي ( 1606 ). والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 636 ).
وقد وقعت في الإسلام على وجهين:
الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرَتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا. ” فتح الباري ” ( 1 / 16 ).
ودار الإسلام هي:
أ. الدار التي يأمن فيها المسلم على دينه وعرضه ونفسه وماله ويكون هذا الأمان بأيدي المسلمين لا ما يكون تحت حماية الكافر كما هو الشأن فيمن يعيش في بلاد الكفر.
ب. وهي التي تكون شرائع الإسلام ظاهرة من جمعة وجماعات وأذان وغير ذلك، ولا شك أن مثل هذه الأمور غير متحققة في بلاد الكفر.
وهذه الأسباب هي:
والشروط الواجب توافرها في المسافر المعذور:
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:
أقسام الهجرة:
الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان.
القسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي ويكثر فيه الفسوق، وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك.
وأعظمه: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم أنه تجب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يظهر دينه.
وأما إذا كان قادرًا على إظهار دينه، ولا يُعارض إذا أقام شعائر الإسلام: فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب.
وبناءً على ذلك: يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه: وجب عليه مغادرته والهجرة منه.
فكذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين: فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك من الخطر على دينه وعلى أخلاقه، ولما في ذلك من إضاعة ماله، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار …
فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على المسلمين شُبهًا في دينهم وفي رسولهم وفي كتابهم وفي أخلاقهم، في كل شيء يوردون الشبهة ليبقى الإنسان شاكًّا متذبذبًا …
الشرط الثاني: أن يكون عنده دينٌ يحميه من الشهوات؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا هناك، من خمر وزنى ولواط وغير ذلك.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك، مثل أن يكون مريضًا يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء.
أو يكون محتاجًا إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصُّصٌ فيه فيذهب إلى هناك.
أو يكون الإنسان محتاجًا إلى تجارة، يذهب ويتجر ويرجع.
المهم أن تكون هناك حاجة، ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط: أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم، وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم …
والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك: فإنه جائز؛ لأنه سفر مصلحة .. ” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 15 – 19 ).
والله أعلم.