الرئيسية بلوق الصفحة 121

حليب المرأة غير المتزوجة هل ينشر المحرمية؟ وكيف تربي لقيطًا؟ ومعنى ” العرق دسّاس “

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يرزقكِ وزوجك الذرية الصالحة، وأن يجزيكم خير الجزاء على وقوفكم عند أحكام الشرع، وعلى اهتمامكم بالأيتام، وحب رعايتهم والعناية بهم، ونحن ندعو من يقرأ جوابنا هذا أن يخصكما بدعوة في ظهر الغيب، لعلَّ الله أن ينفعكما بها دنيا وأخرى.

ثانيًا:

وبخصوص تناول الحبوب التي تدر الحليب: فبالإضافة إلى تأكدكم من وجودها: نرجو التأكد من عدم تضرر الحليب بها، حتى لا يكون له تأثير سيئ على من يتناوله من أولئك الأيتام.

وأما من حيث الحكم الشرعي: فقد اختلف العلماء في حكم الحليب الذي يدر من امرأة غير متزوجة، أو من غير جماع وحمل، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينشر المحرمية، وقال آخرون إن العبرة بوجوده، لا بوجوده من زوج، فقالوا: بأنه ينشر المحرمية، وهذا هو الراجح، وهو قول الجمهور، ويكاد يتفق عليه الأئمة الأربعة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو قدر أن هذا اللبن ثاب لامرأة لم تتزوج قط: فهذا ينشر الحرمة في مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهي رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه: أنه لا ينشر الحرمة. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 51 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلًا: نشر الحرمة في أظهر الروايتين، وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يَحفظ عنه ابنُ المنذر؛ لقول الله تعالى: ” وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم “؛ ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء؛ ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان هذا نادراً: فجنسه معتاد. والرواية الثانية: لا تنشر الحرمة؛ لأنه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال. والأول: أصح. ” المغني ” ( 9 / 207 ).

* وقال الماوردي الشافعي – رحمه الله -:

لبن النساء مخلوق للاغتذاء، وليس جماع الرجل شرطًا فيه، وإن كان سببًا لنزوله في الأغلب، فصار كالبكر إذا نزل لها لبن فأرضعت به طفلًا: انتشرت به حرمة الرضاع، وإن كان من غير جماع. ” الحاوي في فقه الشافعي ” ( 11 /413).

وينبغي التنبيه على أمرين مهمين في هذا الباب:

الأول: أن يكون الطفل الرضيع دون السنتين، فإن كان عمره أكثر من ذلك: لم ينشر لبن المرأة التحريم.

والثاني: أن يرتضع خمس رضعات مشبعات، فإن ارتضع أقل من ذلك: لم يصر ولدًا في الرضاع لمن أرضعته.

عن عائشة أنها قالت: ” كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن “. رواه مسلم ( 1452 ).

ثالثًا:

– وأما لفظ ” العرق دسَّاس “: فقد جاء في روايات، لكنها بين ضعيف جدًّا، وموضوع، ومنها:

  1. ” أقلَّ من الدَّيْن تعش حرًّا، وأقلَّ من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك؛ فإن العِرق دسَّاس “.

وهو حديث ضعيف جدًّا، انظر ” السلسلة الضعيفة ” للألباني ( 2023 ).

  1. ” تزوجوا في الحجر الصالح؛ فإن العرق دساس “.

وهو حديث موضوع، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 3401 ).

وأما معنى الحديث: فباطل كذلك، وهو أنه إن كان ثمة خبث وسوء في أصول الزوجة فإنه قد يسري ذلك في الفروع!، وهذا ليس على إطلاقه، والحديث ليس صحيحًا أصلًا.

رابعًا:

وتربية الأيتام والقيام على العناية بهم من أجلّ الأعمال، ونحن نعلم حاجة الطفل اللقيط ليكون جزء من المجتمع بعد أن يكبر، ولا يتأثر سلبًا بسبب حاله، لكن هذا لا يجيز أن يُنسب لشخص بعينه، ويدخل في أسرة حاملًا اسمها؛ لأن في هذا اختلاطًا في الأنساب، وتحريم ما أحل الله، وإباحة ما حرَّم الله، ويمكن أن تعطيه الدولة اسمًا عامًّا لا يرجع لشخص بعينه، ويتربى عندكم على ابنكم في الرضاعة، ويمكن التورية عليه بأن أهله حصل لهم ” حادث ” – مثلًا – وبقي وحيدًا، أو ما يشبه ذلك من الأسباب, والتي تختلف من بلد لآخر، ومن بيئة لأخرى.

 

 

والله أعلم.

حكم قول: ” يا مَن أمْرُه بين الكاف والنون “؟.

حكم قول: ” يا مَن أمْرُه بين الكاف والنون “؟.

السؤال:

نرجو معرفة حكم قول: ” يا من أمره بين الكاف والنون “؟، وخاصة أنها كَـثُـرت على ألسنة الدعاة، فما حكمها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه الجملة لا يجوز قولها؛ لأن أمر الله تعالى يكون بـ ” كن “، قال تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ النحل / الآية 40 ]، وقال تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يـس / الآية 82 ].

فأمر الله تعالى يكون بقوله ” كن “، ومأموره يكون بعد ” النون “، إن كان يُراد تعديل الجملة لتوافق الشريعة، وإن تركَ استعمالها فهو أفضل، مع التنبيه على أن الأمر في هذه الجملة هو الأمر الكوني، وليس الأمر الشرعي.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ ) يعني: ما أمرنا فيما نريد أن يكون، ( إِلاَّ وَاحِدَةٌ ) أي: إلا مرة واحدة، بدون تكرار ( كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ ) بدون تأخر، سبحان الله، أمر الله عز وجل واحدة، لا تكرار، بسرعة فورية، أسرع ما يمكن أن يكون، كلمح للبصر، كن فيكون.

واشتهر عند العوام يقولون: ” يا مَن أمرُه بين الكاف والنون “، وهذا غلط، ليس أمر الله بين الكاف والنون، بل بعد الكاف والنون؛ لأن الله قال: ( كن فيكون )، بعد كن، فقولهم: ” بين الكاف والنون “: غلط؛ لأنه لا يتم الأمر بين الكاف والنون، بل لا يتم الأمر إلا بالكاف والنون، أي بعد الكاف والنون فوراً، كلمح بالبصر.

” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 294 )، و ” لقاء الباب المفتوح ” ( 186 / المقدمة ).

وفي ” شرح الأربعين النووية ” ( ص 76 ) قال:

وبهذه المناسبة: أودّ أن أنبّه على كلمة دارجة عند العوام، حيث يقولون: ” يا مَن أمره بين الكاف والنون “، وهذا غلط عظيم، والصواب: ” يا مَن أمره بعد الكاف والنون “؛ لأن ما بين الكاف والنون ليس أمرًا، فالأمر لا يتم إلا إذا جاءت الكاف والنون؛ لأن الكاف المضمومة ليست أمرًا، والنون كذلك، لكن باجتماعهما تكون أمرًا.

 

 

 

فالصواب أن تقول:

” يا من أمره – أي: مأموره – بعد الكاف والنون “، كما قال تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ يس / الآية 82 – 83 ]. انتهى.

 

والله أعلم.

 

نبذة عن ” القياس “، والرد على منكريه من الظاهرية

نبذة عن ” القياس “، والرد على منكريه من الظاهرية

السؤال:

يقول بعض الإخوة: إن القياس ليس من الدين، وإن أي حكم شرعي بني علي القياس فهو باطل، هل هناك أي دليل من السنة أو عن السلف على شرعية القياس مع التفصيل؟ وجزاكم الله عنا خيرًا إن شاء الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس في شرع الله تعالى من مصادر للوحي غير القرآن والسنَّة، فهما مرجع المسلمين في اعتقادهم، وأحكامهم، وقد أمرنا الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في تلقي الأحكام، لا غير، وأمرنا عند التنازع والاختلاف أن نرجع إلى الكتاب والسنَّة ليكونا حكمًا بين المختلفين.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) النساء / الآية 59 ]، وقال تعالى: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ الشورى / الآية 10 ].

وإذا علمنا أن القياس ليس من مصادر التشريع: فهو لا يناقض أنه وسيلة لإثبات الأحكام الشرعية التي تشترك مع المنصوص عليه بجامع العلة بينهما، وهذا لا يتناقض مع الآيات المذكورة؛ لأن القياس كان على وارد في نصوص الوحي، والشريعة لا تفرِّق بين متماثليْن، ومثله يقال في الإجماع، حيث لا إجماع إلا على نص من الوحي، فصارت مصادر التشريع: الكتاب والسنَّة، وأما الإجماع والقياس فمرجعهما إلى نصوص الوحي، فتسميتهما ” مصادر تشريع “: فيه نظر من حيث الاصطلاح، وقد وقع خلاف في مسائل في الإجماع والقياس، فأنَّى يكون مثل هذا مصدرا للتشريع؟!، والأصل في المصادر العصمة.

ثانيًا:

وأما نفاة القياس مطلقًا: فهم الظاهرية، وعلى رأسهم أبو محمد ابن حزم، وقد ساق الأدلة والأقوال الكثيرة على نفي القياس في الشرع مطلقًا، وقد ردَّ عليه أئمة التحقيق، وتتبعوا أدلته وأقواله بالرد والنقض، وبينوا أنه ليس كل قياس معتبر، كما لا يمكن رد القياس الصحيح المنضبط ونفيه من الشرع.

ومن الأئمة الذين تتبعوا أقوال الظاهرية بنفي القياس وردوا عليهم: الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه ” إعلام الموقعين “، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه ” أضواء البيان “.

* وبعد أن ساق الشنقيطي – رحمه الله – مجمل أدلة الظاهرية في نفي القياس ختم ذلك بقوله:

اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت: أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد.

أما القياس الفاسد: فهو الذي ترِدُ عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية، وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدِّين كما قالوا، وكما هو الحق.

وأما القياس الصحيح: فلا يرِد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضًا، ولا يناقض البتة نصًّا صحيحًا من كتاب، أو سنَّة، فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة: فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة، متعاضدة، متناصرة، يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح النصَّ الصحيح أبدًا.

وضابط القياس الصحيح هو: أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع، من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه، وكذلك القياس المعروف بـ ” القياس في معنى الأصل ” الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصًّا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك تستدل بها على جهل الظاهرية القادح، الفاضح، وقولهم على الله، وعلى رسوله، وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين، بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب، أو سنَّة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع، وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه.

فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة – رضي الله عنه -: من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لاَ يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبان “، فالنَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحُكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوِّش الفكر، فيمنع من استيفاء النظر في الحكم، فيكون ذلك سببًا لضياع حقوق المسلمين، فيلزم على قول الظاهرية – كما قدمنا إيضاحه -: أن النهي يختص بحالة الغضب، ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم، فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرًا أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع، أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب: فعلى قول الظاهرية: فحُكمُه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم: عفو، جائز؛ لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النَّبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشًا كتشويش الغضب أو أشد منه، كما لا يخفى على عاقل، فانظر عقول الظاهرية، وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم الصريح عن ذلك في صورة من صوره، وهي الغضب، بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص.

ومن ذلك: قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم، ويحكم بفسقهم، ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك، وأصلح، ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور.

فيلزم على قول الظاهرية: أن من قذف محصناً ذكراً ليس على أئمة المسلمين جلدَه، ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه؛ لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو!.

فانظر عقول الظاهرية، وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص.

ودعوى بعض الظاهرية: أن آية ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث، والذكور: من تلاعبهم، وجهلهم بنصوص الشرع، وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ )؟!، فهل يمكنهم أن يقولوا: إن الفروج هي الغافلات المؤمنات، وكذلك قوله تعالى:( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ )، وقوله تعالى: ( مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) كما هو واضح.

ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره، فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول، ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه: أن كل ذلك عفو؛ لأنه مسكوت عنه، فيكون الله – على قولهم – ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه، بصبه فيه من الآنية، وكذلك يأذن في التغوط فيها.

وهذا لو صدر من أدنى عاقل: لكان تناقضًا معيبًا عند جميع العقلاء، فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذاً بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص، وربما ظن الإنسان الأجر، والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب، كما قيل:

أمنفقة الأيتام من كد فرجها *** لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء، مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء، فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العوَر خاصة. فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به، فيكون ذلك عفوًا، وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح؛ لأن المفهوم من العوَر غير المفهوم من العمَى؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر، بخلاف العمَى فلا يطلق في ذلك، وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معًا، وبالجملة: فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء؛ لأنها مسكوت عنها.

وأمثال هذا منهم كثيرة جدًّا.

وقصدنا: التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع، والحكم، والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه يؤثر في الحكم. ” أضواء البيان ” ( 4 / 211 -214).

وننبه إلى أن مبحث الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – في الرد على نفاس القياس من الظاهرية استغرق عشرات الصفحات، ولا نستطيع نقل كلامه كله، فمن أراد زيادة الفائدة فيرجع إلى كتابه ” أضواء البيان ” ( 4 / 175 – 228 ).

 

والله أعلم.

حكم تعلم وتعليم العلوم النافعة والضارة، وحكم تعليم اختراق المواقع

حكم تعلم وتعليم العلوم النافعة والضارة، وحكم تعليم اختراق المواقع

السؤال:

هذا سؤال يتعلق بتعليم أحدهم علمًا, فيستخدمه الآخر فيما يغضب الله تعالى, فهل يأثم من علّمه هنا؟ مثال: فريق للبرمجة يجعلون دروسًا في الاختراق، فهل إذا قام أحدٌ – تعلم منهم – باستخدام ذلك العلم في إيذاء غيره من المُسلمين؛ هل يأثم من علّمه ذلك العلم؟ وهل يبرّؤه أن يقول: أبرأ إلى الله تعالى أن يستخدم أحدٌ ما سيتعلّم في إيذاء مُسلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يمكن تقسيم العلوم إلى قسمين: علوم نافعة، وعلوم ضارة، والعلوم النافعة قد تكون واجبة, وقد تكون مستحبة، وقد تكون مباحة، ومن أمثلتها: علوم الشريعة، والطب، والزراعة.

عَنْ عُثْمَانَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ “. رواه البخاري ( 4739 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 16 ):

لا خلاف بين الفقهاء في جواز الاستئجار على تعليم الحِرَف، والصناعات المباحة التي تتعلق بها المصالح الدنيوية، كخياطة, وحدادة، وبناء، وزرع، ونسيج، ونحو ذلك. انتهى.

الضارة: محرَّمة على الإطلاق، كعلوم السحر، والموسيقى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وأما السحر: فتعلمه وتعليمه والعمل به كفر بالله عز وجل يخرج من الملة؛ لقوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 48 ).

 

 

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 17، 18 ):

لا يجوز تعليم علوم محرمة، كالكهانة، والتنجيم، والضرب بالرمل، وبالشعير، وبالحمص، والشعبذة، وعلوم طبائع، وسحر، وطلسمات بغير العربية لمن لا يعرف معناها، وتلبيسات.

فتعليم كل ذلك: محرَّم، وأخذ العوض عليها حرام، بنص الحديث الصحيح في النهي عن ( حلوان الكاهن )، والباقي في معناه.

هذا، وليس من المنهي عنه تعليم وتعلم علم النجوم ليستدل به على مواقيت الصلاة، والقبلة، واختلاف المطالع، ونحو ذلك. انتهى.

هذا من حيث الإجمال، أما من حيث التفصيل: فقد ينقلب تعلم العلوم النافعة إلى ما يجعلها محرَّمة تعلُّمًا وتعليمًا، ومن ذلك:

  1. أن يطلب العلم النافع بقصد الشهرة والرياء.
  2. أن يتوصل بالعلوم النافعة إلى هدم الشريعة، والطعن بها، كمن يتوصل إلى كلام الفلاسفة ويعظمه، ويتوصل إلى أحكام الشريعة ويزدريها.
  3. أن يريد بالعلوم النافعة إيذاء الناس، وإفساد معايشهم, كمن يستعمل علم الطب والصيدلة ليجعل الناس محط تجاربه، وكم يقصد إفساد محاصيل الناس وزراعاتهم بوقوفه على خصائص النباتات والزروع والثمار، وكم يتوصل بعلوم الكيمياء إلى صناعة قنابل تدمر البشر والحجر والشجر بغير حق.

والملاحظ أن انقلاب حكم العلوم النافعة من الإباحة – أو الوجوب والاستحباب – إلى التحريم كان له سببان:

  1. طبيعة المتعلم، وخلُقه، ودينه.
  2. معرفة نيته وقصده.

فإذا علِم المعلِّم للعلوم النافعة أن ما يعلمه سيستعمله المتعلم فيما يضر الناس، ويؤذيهم، ويفسدهم: لم يحل له تعليمه، وإذا علم أن ما يعلمه سيستعمله في طرق المنكرات والمحرَّمات: لم يجز له تعليمه أيضًا.

ولنضرب على ذلك أمثلة:

أ. تعليم العلوم الشرعية:

يدور حكمه بين الوجوب والاستحباب والإباحة بحسب الفن، وبحسب المعلِّم، لكنه يصبح حرامًا إذا كان هذا التعليم لمستشرقين – مثلًا – يريدون النيل من الإسلام، أو لأهل التجسس الخبيث الذين سيستعملونه في ادعائهم طلب العلم للطعن في الإسلام وتشريه صورة أهله.

ب. تعليم فنون القتال:

وحكمه كسابقه، لكنه يحرم إذا كان تعليمًا لعصابات الإجرام، وللمفسدين في الشوارع.

ج. تعليم الرياضيات والعلوم المصرفية:

جائز في أصله، محرَّم إن كان لموظفي بنوك ربوية، أو محاسبين في مصانع خمور، أو شركات تأمين محرَّم.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

العلوم الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة، التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير: كانت خيرًا، وإن اتخذها وسيلة إلى شر: كانت شرًّا، فهي لا تُحمد لذاتها، ولا تُذم لذاتها، بل هي بحسب ما توصل إليه.

وهناك علوم أخرى، علوم ضارة، إما في العقيدة، وإما في الأخلاق، وإما في السلوك، فهذه محرمة، وممنوعة بكل حال.

* فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال، ومذمومة بكل حال، ومباحة، يتعلق الذم فيها، أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 158،وجها).

وبعد ذلك نقول:

إن تعليم اختراق المواقع والبريد الإلكتروني له حكم تعليم ” التجسس ” واستعمال أدواته وسلوك طرقه، فإنهما يستعملان لمعرفة المخبوء في بيوت الناس، وبلدانهم، وقد يُتوصل بهما إلى معرفة خصوصيات الناس التي لا يطلع عليها سواهم، وهذان الأمران قد تكون الحاجة إليهما ماسَّة وضرورية، إذا تعلق الأمر بمفسدين، أو كفار محاربين، وما شابههم، فجعْل الحكم عامًّا فيه حرج من جهة أنه قد يُتوصل بهما إلى ما هو حرام، كاطلاع المتعلم الفاسد على عورات المسلمين، والتنصت على أحاديثهم، والكشف عن خصوصياتهم.

* قال الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند – حفظه الله -:

واستثناء من ذلك فقد يكون التجسس مشروعا في أحوال معينة, كالتجسس على المجرمين، فقد لا يعرفون إلا بطريق التجسس، وقد أجاز الفقهاء التجسس على اللصوص وقطاع الطريق، وطلبهم بطريق التجسس عليهم وتتبع أخبارهم – انظر ” تبصرة الحكام ” لابن فرحون ( 2 / 171 ) -، وكذلك يجوز التجسس في حال الحرب بين المسلمين وغيرهم لمعرفة أخبار جيش الكفار وعددهم وعتادهم ومحل إقامتهم وما إلى ذلك.

وكذلك يجوز اختراق البريد الإلكتروني للمجرمين المفسدين في الأرض واللصوص وقطاع الطريق، لتتبعهم، ومعرفة خططهم وأماكن وجودهم، لقطع شرهم ودفع ضررهم عن المسلمين، وهذا موافق لمقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت بحفظ الدين والعرض والمال والنفس والعقل.

” وسائل الإرهاب الإلكتروني، حكمها في الإسلام، وطرق مكافحتها ” ( ص 10 – 12 ) باختصار.

لذلك: لا يمكننا القول بالجواز لكل أحد، بل الجواز منحصر في أشخاص معينين، أعلمُ، أو يغلب على ظني غلبة راجحة أنهم سيستعملونه في المباح أو الواجب، ولا مانع من أخذ العهد عليهم بعدم استعمال ما يتعلمونه في الحرام، وأما أن يكون التعليم عامًّا لكل أحد، ولكل أصحاب النيات المختلفة: فهذا ما لا نقوله به، ومن استعمله ممن يجوز لي تعليمهم في المحرَّم: فإنما حكمه من تعلم العلم الشرعي وكانت نيته للشهرة والرياء، وكمن تعلَّم الطب لكشف عورات النساء، فهذا بينه وبين ربه، ولا اطلاع لي عليه، فالإثم من جهتهم لا من جهة المعلِّم، فإن علمَ المعلِّم بنيتهم وحالهم فرضي واستمر: صار الإثم على الطرفين.

 

والله أعلم.

 

حكم بطاقة ” بنت الحلال “، وكلمة في الزواج عن طريق مواقع الإنترنت

حكم بطاقة ” بنت الحلال “، وكلمة في الزواج عن طريق مواقع الإنترنت

السؤال:

ما حكم شراء وبيع بطاقات كاش يو, وبطاقات بنت الحلال للإخوة؛ للتعامل بها في الانترنت؛ لتزويد حساباتهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

أولًا:

بطاقة ” الكاش يو “: سبق منَّا بيان جواز شرائها والشراء بها.

ثانيًا:

وبطاقة ” بنت الحلال ” إن كانت مثل بطاقة ” كاش “: فلها حكمها، وإن كانت تختلف: فنرجو توضيح ذلك لنا.

ونرجو أن لا يكون السؤال عن البطاقتين من أجل الاشتراك بمواقع التعرف من أجل الزواج؛ فقد ثبت في كثير من الإحصائيات أن الزواج بهذه الطريقة مصيره الفشل، هذا فضلاً عن مخالفة هذه الطريقة للشرع، ومثل هذا الزواج سيقوم على الشك، والريبة بين الزوجين في حال تزوج أحدهما من الآخر، وهما سبب فشل كثير من الزيجات الإلكترونية!.

وعندما يطلع الباحث على تلك المواقع يعجب عندما يرى عرض النساء أنفسهن على مجاهيل الإنترنت، وعالم الفضاء – في الفضائيات -، ويعجب من مثل هذا الزواج كيف سيكون وقد عرف الزوج دخول زوجته لهذه المواقع, وعرض نفسها بهذه الطريقة المبتذلة.

ويجب أن يُعلم أنه ليس لدى كثير من الداخلين من الشباب رغبة في الزواج من هؤلاء العارضات لأنفسهن؛ لأنهم لا يثقون بامرأة تدخل هذا العالَم الموبوء، ويرى كثير منهم أنها فرصة لإشباع رغبته الجنسية بالتأمل بمزيد من الصور، وقراءة الرسائل، ورؤية المواصفات النسائية لدى تلك العارضات لأنفسهن.

والمعروف في هذه البيئة الفاسدة أن الشاب يشبع رغباته مع أولئك النسوة وغيرهن، فإذا جاء للزواج: فإنه لا يبحث إلا عن امرأة طاهرة، عفيفة، لا تعرف الرجال قبله؛ لأنه سيأمنها على عرضه، وبيته، وماله، وطائفة كبيرة من الشباب لا تضع ثقتها ببنات الإنترنت، وعالم الفضائيات، وهذا باعتراف كثيرين.

 

 

 

* سئل الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:

أريد أن أعرف حكم الزواج عن طريق الإنترنت؟ علمًا بأني أجد صعوبة في التعامل مع أبي في هذا الموضوع، وليست لي علاقات اجتماعية كثيرة، ولستُ ممن يخرجن للنوادي، وما إلى ذلك؟.

فأجاب:

الاتصال بالرجال الأجانب عن طريق الإنترنت: سببٌ للانحلال الخلقي، فخير للمرأة أن لا تعرف، ولا تخاطب الرجال الأجانب إلا في حال الضرورة، مثل العلاج، ونحوه، أو استفتاء لعالم موثوق به، وما شابه ذلك من الحاجات المشروعة، والتحادث بين الشباب والفتيات عن طريق الإنترنت: بوابةٌ للشرِّ، واستدراج من الشيطان، كما وقع في حبائل ذلك كثير من العفائف، بعد أن زال عنهن جلباب الحياء، الذي يجب أن يكون شعار المرأة المسلمة في كل زمان ومكان.

أما إن كان القصد من السؤال: أنه من أجل أن تُعْرَف، ويتاح لها فرصة للتزوج ممن يعرفها من خلال هذه الآلات: فالله سبحانه قدَّر لها رزقها في الزواج قبل أن يخلقها، والله سبحانه قادر أن ييسر أمرها إذا علم صدق نيتها بترك ما حرم عليها.

فاتقي الله واصبري، يقول الله عز وجل: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) [ الطلاق / الآية 2- 3 ]، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، والله المستعان. ” فتاوى الشيخ عبد الكريم الخضير ” ( ص 14 ) – ترقيم الشاملة -.

 

 

والله أعلم.

حكم المشاركة في المنتديات في لعبة ” العرسان “! أو ” عريس وعروسة “!.

حكم المشاركة في المنتديات في لعبة ” العرسان “! أو ” عريس وعروسة “!.

السؤال:     

رأيت في إحدى المنتديات موضوعًا وهو عبارة عن لعبة وهذا هو نصها كما هو: ” إلي يوصل للـ ( 5 ) يزوِّج عضو وعضوة من المنتدى، نبدأ يا الله.. وأتمنى أن أجد ردودكم وأتمنى أيضًا أن تنال إعجابكم “.

يعني: يدخل مجموعة من الأعضاء، ويضعون رقماً إلى أن يصل أحدهم إلى الرقم (5 )، عندها يقوم بتزويج عضو مع عضوة، وذلك من باب اللعب والمزاح.

– أرجو من فضيلتكم إيضاح هذه المسألة للشباب، والفتيات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه ” لعبة ” غاية في السخافة، والدناءة، وهي من سبل الشيطان الكثيرة على متصفحي الإنترنت، ورواد المنتديات، ولا يمكن لعاقل فضلًا عن صاحب دين أن يرضى هذا لأخته، أو لابنته، أن تزوِّج كاتبًا من كاتبة، أو يتزوجها كاتب، وقد اطلعنا على بعض تلك المنتديات التي نشرت تلك السخافة فرأينا عجبًا، من الدعاء للزوجين بالذرية! ومن توعد الزوجة زوجها إن تزوج عليها، وغير ذلك من السخافات التي تليق بعقول أولئك الكتاب المجهولين.

وإن أخطر ما في تلك ” المهزلة ” أن اختيار الكاتبة لتتزوج بكاتب معيَّن له معنى عندها، وعنده، وعند القراء، فهو يعني إعجاب أحد الطرفين بالآخر، وهو ما يمهد لعلاقة محرمة، أو يقويها إن كانت موجودة أصلًا.

وإننا – حقيقية – لنأسف أشد الأسف على الحال التي وصل إليها كل من شارك في تلك المهزلة كيف رضي لنفسه أن يكون أداة يلعب بها الشيطان، وكيف أنهم جاءوا إلى ” الزواج ” وهو الميثاق الغليظ، وكلمة الله، وجعلوا منه مجالًا للسخرية والاستهزاء والعبث، وهو ما يجعلهم تحت الوعيد بالكفر والخروج من الإسلام؛ لأن اللعب والمزاح في أحكام الشرع تعد من الاستهزاء والسخرية، وهما: كفر، وردة، قال تعالى: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) [ التوبة / الآية 65 – 66 ].

عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: ” ثلاث اللعب فيهن كالجاد: النكاح، والطلاق، والعتاقة. رواه عبد الرزاق في ” مصنفه ” ( 6 / 133، 134 ).

وعن سعيد بن المسيب – رحمه الله – قال: ” ثلاث ليس فيهن لعب: النكاح، والطلاق، والعتق “. رواه الإمام مالك في ” الموطأ ” ( 1155 ).

وها هم الذين كفرهم الله تعالى كانوا يقولون ” كنا نخوض ونلعب ” – كما يفعل أولئك الكتاب في المنتديات، ويسمونها ” لعبة “! ولم يكذبهم ربنا تعالى في ذلك، لكنه جعل فعلهم استهزاء مخرجًا من الملة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الاستهزاء بالله، أو بدينه، أو برسوله، أو أحد من أنبيائه: ردة عن دين الإسلام، قال الله تعالى: ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )، فيجب الحذر من ذلك، ولو كان على وجه المزاح؛ لأن الله ذكر عن هؤلاء أنهم يقولون: ( إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ )، ومع ذلك لم يعذرهم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 408 ).

ولذا: فإن من الواجب على أصحاب المنتديات وقف هذه المهزلة دون تردد، وعلى الكتاب أن يتقوا الله تعالى، وأن يتوقفوا عن المشاركة فيها، وليعلموا أن فعلهم هذا إن استمروا عليه يدخل في: نشر الفاحشة، والاستهزاء بالشرع، والأول من كبائر الذنوب، والثاني: كفر وردة.

وليشكروا هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وليستثمروا أوقاتهم فيما يسرهم أن يروه في صحائف أعمالهم.

 

 

والله أعلم.

 

 

حكم استخدام ” الجدول الصيني ” في تحديد جنس الجنين

حكم استخدام ” الجدول الصيني ” في تحديد جنس الجنين

السؤال:     

ما حكم استخدام الجدول الصيني في تحديد جنس الجنين؟

 

الجواب:

الحمد لله

ما يسمى ” الجدول الصيني ” هو ضرب من ضروب الكهانة، والشعوذة، وهم يزعمون أنه من الممكن التحكم بجنس المولود عن طريق معرفة عمر الأم، ومعرفة تاريخ بداية الحمل، فبمعرفة عمر الأم – وعلى الأم أن تضيف سنة على عمرها الحقيقي! لأن هذا هو العمر في التقويم الصيني! -: يمكنها تحري الإخصاب في الشهر الذي يكون معه الحمل إما ذكر، أو أنثى! فصار فيه محظوران:

الأول: زعمهم أن من كان عمرها كذا، وحملت في الشهر المعيَّن: يكون حملها ذكرًا، أو أنثى – بحسب الجدول -.

والثاني: أنه يستعمل لمن حملت أصلًا لتعرف جنس جنينها!.

ولا علاقة لعمر الأم وتاريخ حملها بتحديد جنس جنينها في عالم الطب، فيظهر أن هذا الجدول له تعلق بالديانة البوذية، وعلم النجوم والأبراج، كما أن معرفة جنس الجنين قبل تخلقه من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله.

وقد ثبت كذب هذا الجدول في كثير من الحالات، ومن اغتر بصدقه في إصابة الأمر معه في حالاته الخاصة فإنما هذا من موافقة ذلك لقدر الله تعالى، والأمر قائم بين احتمالين فقط، لذا فنسبة الموافقة يمكن أن تكون كبيرة، وكون المولود ذكراً أو أنثى هو من علم الغيب، ومن ادعى معرفته به: فهو كذَّاب أشِر، وإذا كان الملَك الذي يُؤمر بنفخ الروح فيه لا يَدري عن نوعه حتى يأمره ربه، فأنَّى لهؤلاء أن يعرفوا نوعه قبل تخلقه؟!.

والصينيون أحوج الناس لهذا الجدول ليتحكموا من خلاله بنوع مولودهم، وقد حرَّمت السلطات عليهم إنجاب أكثر من مولود! وغالبيتهم يريدون ” ذكرًا “، وقد انتشر بينهم إجهاض الإناث؛ لأنه لا يستطيع السماح باستمرار حمل ليس فيه النوع الذي يريد.

وقد أعلمنا ربنا تعالى أنه هو وحده الذي يهب ما يشاء من الذكور والإناث دون غيره، فهو مالك السموات والأرض، وهو الخالق وحده لا شريك له، قال تعالى: ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ . أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) [ الشورى / الآية 49 -50 ].

ولا شك أن واضع هذا الجدول ليس في اعتقاده، ولا في ذهنه أن الله تعالى هو الذي يخلق ما يشاء، وهو الذي يهب ما يشاء من الذكور أو الإناث، وإنما منطلق هذا الواضع عقيدته الخرافية.

وثمة أمور أخرى في هذا الجدول:

أ. أنه يحدد أعمار الأمهات من ( سن 18 إلى 45 ) فقط! فأين مَن قبلُ، ومن بعدُ؟!.

ب. ما القول في الآلاف اللاتي ينجبن توأمين فأكثر؟! وأحيانًا كثيرة تلد الأم توأمين ذكرًا وأنثى! فأين هذا في الجدول؟! فهو ليس فيه ذكر للتوائم مطلقًا.

وقد صدرت فتوى من علماء اللجنة الدائمة تحذِّر من الاغترار بهذا الجدول، وتمنع من نشره بين الناس.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

انتشر بين بعض النساء ورقة، وهو ما يسمى ” الجدول الصيني “، وفيه تحديد نوع المولود هل هو ذكر أم أنثى، عن طريق معرفة عمر الأم، ومعرفة الشهر الميلادي ( الإفرنجي ) الذي ظهر فيه بداية الحمل، حسب الصورة المرفقة مع السؤال.

فهل هذا يمكن للأطباء تحديده، وما حكم الشرع في نظركم في هذا الجدول وأمثاله؟ جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

فأجابوا:

معرفة نوع المولود هل هو ذكر أم أنثى قبل تخليقه: لا يعلمه إلا الله سبحانه، وأما بعد تخليقه: فيمكن ذلك بواسطة الأشعة الطبية، مما أقدر الله عليه الخلق.

وأما تحديد نوعه بموجب الجدول المشار إليه: فهو كذب، وباطل؛ لأنه من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ويجب إتلاف هذا الجدول وعدم تداوله بين الناس. الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 17 ).

وثمة أبحاث طبية معاصرة يزعمون فيها أن اتباع طريقة معينة في النظام الغذائي للمرأة والرجل، وهذا ليس على سبيل القطع والجزم، وهو لا يحدث إلا بمشيئة الله تعالى، فإن ثبت أن اتباع هذا النظام الغذائي – وغيره من الطرق المباحة – يساهم في تحديد جنس المولود: فلا بأس باتباعه، مع عدم الجزم بما يكون في مستقبل الحمل؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

 

 

والله أعلم.

حقيقة المسلسلات المدبلجة وعظيم خطرها على المسلمين

حقيقة المسلسلات المدبلجة وعظيم خطرها على المسلمين

السؤال:

مما لا شك فيه أن القنوات الفضائية وما تعرضه من عادات وتقاليد تخالف ديننا الإسلام محرمة شرعًا, ولكن فضيلة الشيخ سمعت أن مشاهدة المسلسلات المدبلجة هي أشد حرمة من غيرها، وأنها تبطل الصلاة ( 40 يومًا ), أرجو من فضيلتكم إفادتنا بما أنكم بعد الله وبعد الرسول عليه الصلاة والسلام أعلم به منا, وجزاكم الله خيرًا, وجعله في موازين حسناتكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فرق من حيث الحكم بين المسلسلات العربية، وبين تلك المدبلجة، وما يوجد من مخالفات في منكرات في الأولى: فإنه يوجد في الثانية، وبعض المسلسلات العربية تفوق تلك المدبلجة بالفساد والسوء، وإنما التنافس بينها في أيهما أكثر إفسادًا للمسلمين، وارتكاباً للمعاصي والمنكرات، ولعلَّ ما يجعل لما سمعتموه أصلًا من عظيم فساد وخطر المسلسلات المدبلجة ما تكاثرت تلك المسلسلات من نشره، من تبرج سافر، وقصص غرامية ملتهبة، وقبلات فاضحة، وخيانة للأزواج والزوجات، ومع ما في حلقاتها من طول قد تصل في بعض الأحيان إلى ( 300 ) حلقة!!: إلا أنك قد تجد المفتونين بها من الذكور والإناث يحرصون على متابعتها، ويعرفون أوقات عرضها وإعادتها، ولم يكتفِ أساطين الفساد في الأرض بالمسلسلات المكسيكية والإسبانية والفرنسية حتى أضافوا إليها التركية، وفتنوا بها الذكور والإناث، فالويل لهم إن لم يتوبوا ويكفوا عن نشر الفواحش والمنكرات في البلاد وبين العباد، قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [ النور / الآية 19 ].

* سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تذاع بالتلفزيون؟.

فأجاب:

على المسلم أن يحفظ وقته فيما يفيده وينفعه في دنياه وآخرته؛ لأنه مسؤول عن هذا الوقت الذي يقضيه بماذا استغله، قال تعالى: ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ) [ فاطر / من الآية 37 ]، وفي الحديث: أن المرء ( يسأل عن عُمُره فيما أفناه). ومشاهدة المسلسلات: ضياع للوقت، فلا ينبغي للمسلم الانشغال بها، وإذا كانت المسلسلات تشتمل على منكرات: فمشاهدتها حرام، وذلك مثل النساء السافرات، والمتبرجات، ومثل الموسيقى، والأغاني، ومثل المسلسلات التي تحمل أفكاراً فاسدة، تخل بالدين والأخلاق، ومثل المسلسلات التي تشتمل على مشاهد ماجنة تفسد الأخلاق؛ فهذه الأنواع من المسلسلات لا تجوز مشاهدتها.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 3 / 346، السؤال رقم: 516 ).

* وقال – حفظه الله -:

مشاهدة المسلسلات والأفلام الأجنبية فيها خطورة شديدة على العقيدة، والأخلاق؛ لأنها لا تخضع للرقابة، والذين يقومون بإعدادها لا يتقيدون بأحكام الإسلام، ولا شك أنها إذا اشتملت على مواد فاسدة: فإنها تؤثر فيمن يشاهدها سواءً، فعليك باجتنابها، والحذر منها، ولا تُدخلها بيتك.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 61 ، السؤال رقم: 90 ).

ومن يمكِّن أهله – وخاصة بناته – من مشاهدة تلك المسلسلات والأفلام فإنما هو غاش لرعيته، آثم في تصرفه، وهو يوشك أن يرى أثر تلك المشاهدات حسرة، وندامة، وخسارة، فهل هو بعينه يرى ابنه متعلقًا بتلك الممثلة الجميلة، يحتفظ بصورتها، ويعلقها، وها هو يرى ابنته متعلقة بذلك الممثل الوسيم، وتعلق صورته في غرفتها، وهل يظن الأب الغافل أن الأمر ينتهي عند التعلق القلبي والتعليق للصور؟ إن الأمر له عواقبه الخطيرة، لو كانوا يعقلون.

وليستمع لخطبة جمعة حول تلك المسلسلات للشيخ سلطان العويد:

http://www.almenhaj.net/Broad-Casting.php?linkid=1770

http://www.chingit.net/wmview1.php?ArtID=538&act=refer

ثانيًا:

وأما الزعم بأن مشاهدة تلك المسلسلات المدبلجة يبطل الصلاة أربعين يومًا: فهو من الكذب على شرع الله، ومثل هذه الأحكام لا تصدر إلا بوحي من رب العالمين، وقد سبق في جواب لنا أن نقل بعض السائلين عن أحد الجهلة أنه أوجب كفارة صيام أربعين يومًا على متابعة تلك المسلسلات! وليس يعني هذا التهوين من شأنها، فقد تكون آثام تلك المسلسلات أعظم بكثير مما زعموه، ولكنَّ الشأن هنا هو في نسبة تلك الكفارات لشرع الله تعالى من غير دليل.

فعلى الآباء والأمهات أن يقوا أنفسهم أولاً نار الله تعالى، وأن يتقوا الله تعالى فيما جعله الله تعالى أمانة في أعناقهم، وليحذروا من تمكين الفساد في بيوتهم، سماعاً، ومشاهدة، وقد يسَّر الله تعالى بدائل كثيرة مباحة في تلك القنوات التي تبث الخير، وتنشر الفضيلة، وتقوي الإيمان، وتزرع الحياء، وتغرس العفاف، مع ما فيها من برامج ترفيهية للأطفال مباحة، وأخرى تثقيفية للكبار، وهي إن لم تكن موجودة ليس لهم حجة في تمكين تلك القنوات الفاسدة في بيوتهم، فكيف وقد وجدت؟!.

 

والله الموفق.

جواز طرد المؤذي للمصلين في صلاتهم بأقواله وأفعاله من المسجد

جواز طرد المؤذي للمصلين في صلاتهم بأقواله وأفعاله من المسجد

السؤال:

يأتي إلينا رجل يصلي وهو مواظب على جميع الصلوات, ودائمًا يذكر الله، ولكن بعد فترة من الزمن قد أصابه نوع من النسيان، أو مرض آخر لا نعرفه، بدأ برفع صوته أثناء الصلوات، وهذا منذ ما يقارب السنَة، فينزعج منه المصلون، والكثيرون أصبحوا يوبخونه، وفي الحقيقة لم يعد هناك تركيز، ولا خشوع في الصلاة، إلى أن طرده أحد المصلين من المسجد، وأنذره على أن لا يعود مرة أخرى، وهو يبلغ من العمر ما يقارب الستين، وهو غير مؤذي، ولا يتكلم مع أحد إلا للسلام، وقد آلمني طرده من المسجد.

لا أدري هل الأفضل له أن يصلي في بيته كي لا يفقد المصلون خشوعهم ويأتي عليه بإثم، مع أنه لا يعي بما يفعله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على المسلمين أن يراعوا رفعة بيوت الله تعالى، وتطهيرها من الأقوال والأفعال غير اللائقة بتلك البيوت، قال تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) [النورالآية36- 37 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) أي: أمر الله تعالى برفعها، أي: بتطهيرها من الدنس، واللغو، والأفعال والأقوال التي لا تليق فيها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها.  وكذا قال عكرمة، وأبو صالح، والضحاك، ونافع بن جبير، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وسفيان بن حسين، وغيرهم من علماء المفسرين.

وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله سبحانه، ببنائها، ورفعها، وأمر بعمارتها، وتطهيرها. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 62 ).

 

 

 

 

 

ثانيًا:

ولا يحل لأحدٍ أن يجهر بالقرآن أو الذِّكر فيشوش على غيره من المصلين.

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: ” أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ, فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا, وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ “، أَوْ قَالَ: ” فِي الصَّلاَةِ “. رواه أبو داود ( 1332 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ثالثًا:

      وعليه: فمن يشوش على الناس صلاتهم بكلام غير شرعي: فهي أذية لهم، وهو داخل – قطعًا – في النهي السابق من باب أولى، وعلى الناس تنبيهه وزجره، فإن لم يرتدع: جاز طرده من المسجد، وإن كان مريضًا أو مجنونًا: فيُخاطب وليًّه بمنعه من دخول المسجد، فإن لم يستجب الولي, أو ذلك المؤذي: جاز طرده من المسجد؛ صيانة لبيوت الله من العبث فيها؛ وحفاظًا على صلاة الناس وعبادتهم، وطرد هذا أولى من طرد المؤذي للناس برائحة البصل والثوم، وعليه يقاس أصلًا.

عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قال: ” ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لاَ أَرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ؛ هَذَا الْبَصَلَ؛ وَالثُّومَ, لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ, أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ, فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا “. رواه مسلم ( 567 ).

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قال العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يُتأذى به: ففي القياس: أنَّ كلَّ من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان، سفيهًا عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية كالجذام، وشبهه، وكل ما يتأذى به الناس: كان لهم إخراجه، ما كانت العلة موجودة حتى تزول.

* قال أبو عمر بن عبد البر:

وقد شاهدتُ شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام – رحمه الله – أفتى في رجل شكاه جيرانه، واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه، ويده، فشُوور فيه، فأفتى بإخراجه من المسجد، وإبعاده عنه، وألا يشاهِد معهم الصلاة، إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرتُه يوما أمره، وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك، وراجعته فيه القول، فاستدل بحديث ” الثَّوْم “، وقال: هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد.

” تفسير القرطبي ” ( 12 / 267 ، 268 ) باختصار.

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يوجد في قريتنا شاب مختل العقل، ويقلد الناس في كل شيء، ويحضر للجامع عند كل صلاة ويصف مع الناس للصلاة، ولكنه يركع قبل الإمام، ويسجد أيضًا كما يشاء، وكل أفعاله تخالف أفعال المصلين لدرجة أننا تضايقنا منه، هل يجوز لنا أن نمنعه من الحضور للمسجد؟.

فأجاب:

هذا الرجل المختل العقل: لا شك أن حضوره إلى المسجد على هذا الوجه الذي ذكره السائل موجب لانشغال المصلين به، ولهذا أوجه النصيحة إلى وليِّه أن يمنعه من الحضور إلى المسجد؛ لما في ذلك من أذية المصلين، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي رآه يتخطى رقاب الناس وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم خطبته وقال له: ” اجلس فقد آذيت “: فإنَّ ما ذكره السائل عن هذا الرجل أشد إيذاءً من تخطي الرقاب؛ لأن متخطي الرقاب غاية ما يكون منه أن يشغل الناس عن استماع الخطبة، أما هذا فإنه يشغل الناس عن الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها، فأكرر النصيحة لوليه أن يمنعه من حضور المسجد تفاديًا لإيذائه، وإذا كان وليه لا يسمع ما أقول: فإني أقول لكم أنتم أهل المسجد: اتصلوا بوليِّه، واطلبوا منه منعه، فإن وافق على ذلك: فهو المطلوب، وإن لم يوافق: فاتصلوا بالجهات المسؤولة عن المساجد لمنعه، فإن لم يكن هناك مسؤول عن المساجد: فلكم أن تمنعوه، وليكن هذا بواسطة الإمام، أو المؤذن؛ لأنهما أقرب مسؤول عن المسجد؛ ولئلا تحصل الفوضى والنزاع بينكم وبين وليه؛ لأنه إذا كان الأمر قد أتى من إمام المسجد أو مؤذنه: كان أهون على الناس.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 209، وجه: ب ).

وبهذه الفتوى التفصيلية في الموقف من ذلك المؤذي لكم في صلاتكم، وبما سبق من الأدلة، ووجه الاستدلال بها: يُعرف جواب مسألتكم، وأنه يجوز لكم طرد ذلك المؤذي، إن لم يكف عن إيذاء المصلين.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في حكم رسائل الجوال التي تُختم بعبارة ” انشر، تُؤجر “

تفصيل القول في حكم رسائل الجوال التي تُختم بعبارة ” انشر، تُؤجر “

السؤال:

وصلتني رسالة في الجوال فيها دعوة لسماع برنامج في إذاعة القرآن، وكتبتْ صاحبة الرسالة في نهايتها: ” انشر، تؤجر “، وأنا بدوري أرسلت هذه الرسالة لزميلاتي؛ عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” من دعا إلى هدى …. الحديث “، فأنا أرجو الأجر والمثوبة لي ولغيري بسماع هذا البرنامج، ولكن إحدى الأخوات أنكرت عليَّ كتابة هذه العبارة ” انشر، تؤجر “، وأن فيها جزم بالأجر، فهل في هذه العبارة محذور شرعي، أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثمة فرق بين وعد الله تعالى ووعيده، فالوعد من الله بالأجور والثواب على القيام بالطاعات: لا يتخلف، والجزم به لا يخالف نصوص الشرع، وأما الوعيد على ترك الواجبات، وفعل المنكرات: فإن الله تعالى قد لا يُنفذه في حق عصاة المسلمين؛ تفضلا منه وتكرُّما، والفرق بينهما عظيم، وإخلاف الوعد مذمة لفاعله، وإخلاف الوعيد – مع القدرة على إنفاذه – ممدحة لصاحبه، والله تعالى منزَّه عن كل سوء، وله الحمد والفضل على عباده.

ومن هنا فإنه يجدر التنبيه على خطأ شائع في تعريف ” الواجب “، و” المحرَّم ” باعتبار مآل فاعلهما، وهو قولهم في ” الواجب “: ” ما يثاب فاعله ويأثم تاركه “، وكلاهما خطأ، والصواب:” ما يثاب فاعله امتثالاً، ويستحق العقوبة تاركه”.

وفي ” المحرَّم ” ” ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله “! وكلاهما خطأ، والصحيح أن يقال:” ما يثاب تاركه امتثالاً، ويستحق العقوبة فاعله “؛ وإنما قلنا في الأمرين ” يستحق “: لأنه لا يجوز الجزم بذلك؛ لاحتمال تفضل الله تعالى بالعفو عن تارك الواجب، وفاعل المحرَّم – ما لم يكن بهما كافراً كفراً أكبر -، وقد قال الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [ النساء / من الآية 48، ومن الآية 116 ]، فمرتكب ما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، ومثل هذا لا يقال في ” وعد الله ” للطائعين بالثواب والأجور؛ ولا يخلف الله ميعاده، ولا تبديل لكلماته، كما قال تعالى: ( رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) [ آل عمران / الآية 194 ] ، وقال: ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ) [ الزمر / الآية 20 ].

وقال تعالى: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [ يونس / الآية 62 – 64 ].

وأما في السنَّة فالأمثلة كثيرة جدًّا، ومن أبينها الحديث الذي ذكرته الأخت السائلة، والذي فيه الجزم بالأجر لمن دعا إلى هدى، أو دلَّ غيره على خيرٍ يفعله، وهو حديث أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ” رواه مسلم ( 2674 ).

ثانيا:

ومن هنا نعلم خطأ من أنكر الجزم بالأجر على فعل الخير، وعمل الصالحات، والسؤال هنا: هل الرسائل التي انتشرت في زماننا هذا عن طريق الجوال، والتي تُختم بعبارة ” انشُر تُؤجَر ” داخلة فيما قلناه وقررناه؟ الجواب: إن هذا فيه تفصيل، ولعلَّه بالتفصيل يتبين وجه إنكار من أنكر على السائل وغيره استعمال هذه العبارة.

والتفصيل: هو اختلاف الحكم باعتبار طبيعة الرسالة، والذي وجدناه أنها تختلف اختلافا كبيرا بعضها عن بعض، وتحمل كل رسالة من المقاصد والحث على الأفعال والأقوال ما لا تحمله الأخرى، فوجدنا من يذكر حديثا ضعيفا أو موضوعا، ثم يطلب نشره، ويختم بعبارة ” انشر تؤجر ” ! ووجدنا من يحث على بدعة، ويختم رسالته بتلك العبارة، ووجدنا من يحذِّر من مسلم, أو يطعن في عرض، ويختم بتلك العبارة، ووجدنا من يدعو للتصويت لصالح النبي صلى الله عليه وسلم، وختم بتلك العبارة، وتبين أنها عملية احتيال لصالح شركة في بلاد الكفر!، ورأينا من يدعو للتبرع في حساب شخصية معروفة في عمل الخير، ويختم بتلك العبارة، وتبيَّن أن الحساب لا يرجع لتلك الشخصية، وأمثال هذه الرسائل كثيرة، وكلها لا يشك عاقل أنه لا يحل إرسالها، فضلاً عن أنه يؤجر أو يوعِد غيره بالأجر، وهذا إن سلِم من الإثم فإنه لن يؤجر على إرسالها، ولا على الحث على تعميمها قطعاً، وقد يكتب الله له أجر حسن نيته إن كان لا يعلم ما تحتويه من مخالفة، أما على ذات العمل: فإنه لا يؤجر، ومن أنكر هذه العبارة لتلك الاعتبارات: فهو مصيب قطعا.

وأما من نشر حديثًا صحيحا، أو حث على عبادة مشروعة – كصيام عرفة وعاشوراء -، أو أمر بطاعة، أو حذَّر من معصية: فإن مرسل مثل هذه الرسائل مأجور قطعا، إن خلصت نيته لربه تعالى، وله أن يختم رسالته بقول ” انشر تؤجر “؛ لأن ما يأمر بنشره هو من دين الله تعالى الثابت، والأجر ليس منه، إنما هو من ربه تعالى الذي وعد فاعل تلك العبادات والطاعات بالأجر، وبهذا الاعتبار لا يجوز الإنكار على من حثَّ على نشر مثل هذا الخير خاتما رسالته بتلك العبارة.

وقد أجرت ” مجلة الدعوة السعودية ” تحقيقاً علميًّا حول رسائل ” انشر تؤجر “، ومما جاء في ذلك التحقيق:

” من جانبه يؤكد الشيخ ” وليد بن عبد الرحمن المهوس “، من منسوبي ” هيئة التحقيق والادعاء العام ” أن ما يقع فيه بعض مستخدمي رسائل الهاتف الجوال هو تساهلهم في إرسال الرسائل التي تحمل عبارات وعظية، أو شرعية، أو انتقاد لشخص، أو جهة ما، دون تثبت من صحتها، وهذا تفريط كبير يلحق صاحبه، ويسبب البلبلة في المجتمع دون وجه حق، خاصة وأنه يختم رسالته بعبارة ” انشر تؤجر “.

ويشدد الشيخ المهوس على ضرورة الالتزام بالضوابط في إرسال الرسائل، ويذكر من أبرزها:

  1. لا بد من التأكد من صحة ما يُنشر، بعضها يكون حديثا، أو أثرا ضعيفا، أو موضوعا، وإذا نشر هذا الحديث الضعيف، أو الموضوع: فقد يُخشى أن يدخل في حديث:” من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار “, أخرجه البخاري ومسلم.
  2. أنه قد ينشر بدعة وهو لا يدري، والبدع تهدم الدين، وهذا خطير جدًّا.
  3. أنه قد يعمل بهذا الحديث أو الأثر، ويترك ما يعارضه وهو صحيح، فيكون قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيترك الصحيح للعمل بالضعيف.
  4. أن هذا المرسل كالإمعة والببغاء يردد ما يأتيه بدون وعي، ولا عقل، فهذا يقدح في عقل المسلم العاقل المدرك؛ فإنه لا يقول شيئاً إلا بعد تمحيص وروَّية.
  5. أن المطلوب من المسلم نشر الخير بعد ما يعلم به، وأما الذي يرسل بلا عِلم: فقد يرسل الشرَّ.
  6. أن هذا المرسل قد يظن أنه يزيد حسناته بذلك، وهو بالعكس فقد يزيد من سيئاته؛ لأنه نشر شيئاً بلا علم، ومعرفة.
  7. لعل الكلمة والعبارة الصحيحة هي أن تقول:” إن كنت لا تعلم أن تسأل عن صحة هذه العبارة، وهذا الحديث، وهذا العمل، وهذا الذِّكر … إلخ “، فإن عرفت: فالحمد لله، وإن لم تعلم: فأرسل ما يلي:” تأكد من صحة هذا، ثم انشر، تؤجر “.
  8. إن بعض الأعمال والأفكار قد تكون صحيحة، ولكن قد لا يناسب المرسل إليه، أو يفهمه فهماً خاطئاً، وهذا من المحاذير “. انتهى.

” مجلة الدعوة “، العدد ( 2043 ) ، 20 ربيع الأول 1427هـ.

وبذلك التفصيل، وبتلك الضوابط: يتبين حكم الرسائل التي تُختم بعبارة ” انشر تُؤجر “، وأنها ليست سواءً، ونسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين.

 

والله أعلم.