الحمد لله
أولًا:
نسأل الله تعالى أن يرزقكِ وزوجك الذرية الصالحة، وأن يجزيكم خير الجزاء على وقوفكم عند أحكام الشرع، وعلى اهتمامكم بالأيتام، وحب رعايتهم والعناية بهم، ونحن ندعو من يقرأ جوابنا هذا أن يخصكما بدعوة في ظهر الغيب، لعلَّ الله أن ينفعكما بها دنيا وأخرى.
ثانيًا:
وبخصوص تناول الحبوب التي تدر الحليب: فبالإضافة إلى تأكدكم من وجودها: نرجو التأكد من عدم تضرر الحليب بها، حتى لا يكون له تأثير سيئ على من يتناوله من أولئك الأيتام.
وأما من حيث الحكم الشرعي: فقد اختلف العلماء في حكم الحليب الذي يدر من امرأة غير متزوجة، أو من غير جماع وحمل، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينشر المحرمية، وقال آخرون إن العبرة بوجوده، لا بوجوده من زوج، فقالوا: بأنه ينشر المحرمية، وهذا هو الراجح، وهو قول الجمهور، ويكاد يتفق عليه الأئمة الأربعة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ولو قدر أن هذا اللبن ثاب لامرأة لم تتزوج قط: فهذا ينشر الحرمة في مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهي رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه: أنه لا ينشر الحرمة. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 51 ).
* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:
وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلًا: نشر الحرمة في أظهر الروايتين، وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يَحفظ عنه ابنُ المنذر؛ لقول الله تعالى: ” وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم “؛ ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء؛ ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان هذا نادراً: فجنسه معتاد. والرواية الثانية: لا تنشر الحرمة؛ لأنه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال. والأول: أصح. ” المغني ” ( 9 / 207 ).
* وقال الماوردي الشافعي – رحمه الله -:
لبن النساء مخلوق للاغتذاء، وليس جماع الرجل شرطًا فيه، وإن كان سببًا لنزوله في الأغلب، فصار كالبكر إذا نزل لها لبن فأرضعت به طفلًا: انتشرت به حرمة الرضاع، وإن كان من غير جماع. ” الحاوي في فقه الشافعي ” ( 11 /413).
وينبغي التنبيه على أمرين مهمين في هذا الباب:
الأول: أن يكون الطفل الرضيع دون السنتين، فإن كان عمره أكثر من ذلك: لم ينشر لبن المرأة التحريم.
والثاني: أن يرتضع خمس رضعات مشبعات، فإن ارتضع أقل من ذلك: لم يصر ولدًا في الرضاع لمن أرضعته.
عن عائشة أنها قالت: ” كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن “. رواه مسلم ( 1452 ).
ثالثًا:
– وأما لفظ ” العرق دسَّاس “: فقد جاء في روايات، لكنها بين ضعيف جدًّا، وموضوع، ومنها:
- ” أقلَّ من الدَّيْن تعش حرًّا، وأقلَّ من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك؛ فإن العِرق دسَّاس “.
وهو حديث ضعيف جدًّا، انظر ” السلسلة الضعيفة ” للألباني ( 2023 ).
- ” تزوجوا في الحجر الصالح؛ فإن العرق دساس “.
وهو حديث موضوع، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 3401 ).
وأما معنى الحديث: فباطل كذلك، وهو أنه إن كان ثمة خبث وسوء في أصول الزوجة فإنه قد يسري ذلك في الفروع!، وهذا ليس على إطلاقه، والحديث ليس صحيحًا أصلًا.
رابعًا:
وتربية الأيتام والقيام على العناية بهم من أجلّ الأعمال، ونحن نعلم حاجة الطفل اللقيط ليكون جزء من المجتمع بعد أن يكبر، ولا يتأثر سلبًا بسبب حاله، لكن هذا لا يجيز أن يُنسب لشخص بعينه، ويدخل في أسرة حاملًا اسمها؛ لأن في هذا اختلاطًا في الأنساب، وتحريم ما أحل الله، وإباحة ما حرَّم الله، ويمكن أن تعطيه الدولة اسمًا عامًّا لا يرجع لشخص بعينه، ويتربى عندكم على ابنكم في الرضاعة، ويمكن التورية عليه بأن أهله حصل لهم ” حادث ” – مثلًا – وبقي وحيدًا، أو ما يشبه ذلك من الأسباب, والتي تختلف من بلد لآخر، ومن بيئة لأخرى.
والله أعلم.

