الرئيسية بلوق الصفحة 51

حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم

حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم

السؤال:

قالت عائشة رضي الله عنها: ” الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلاَّ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلاَ تَتَبَرْقَعُ وَلاَ تَلَثَّمُ وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ “، فهل معنى ذلك أن النقاب سنَّة وليس واجباً حيث ذكرت ” إن شاءت “؟ وهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة المحرمة الكشف عن وجهها طول فترة الإحرام وحولها رجال كما هو في الحج؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأثر المذكور في السؤال قد رواه البخاري – مختصرًا – معلَّقًا ( 2 / 652 )، ووصله البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 5 / 47 ) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من قولها، وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 4 / 212 ).

 

ثانيًا:

والنهي عن النقاب للمرأة المحرمة ثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ). رواه البخاري ( 1741 ).

 

ثالثًا:

وأما قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “: فلا يفهم منه أن تغطية الوجه ” جائز ” أو ” مستحب ” في الأصل، بل هو واجب على الراجح، وكلامها رضي الله عنها في ” المحرِمة “، والنهي عن انتقاب المرأة ولبسها للقفازين حال الإحرام هو نهي عن لباس خاص في حال خاصة وهي الإحرام، وهو يدل على أن النساء يسترن وجوههن وأيدين في الأصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفيْن في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 371 ، 372 ).

 

رابعًا:

وأكثر العلماء – وقد نقل فيه بعضهم الإجماع عليه – أن إحرام المرأة في وجهها، وأنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها إلاَّ لحاجة، وقد يجب عليها كحال وجود رجال أجانب بقربها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

قال – أي: الخِرَقي -: ” والمرأة إحرامها في وجهها فإن احتاجت سدلت على وجهها “.

وجملة ذلك: أن المرأة يحرُم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه، لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافًا.

” المغني ” ( 3 / 311 ).

وخالف في ذلك بعض الحنابلة، ووافقهم ابن تيمية وابن القيم، ومن المعاصرين: الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله، فقالوا: إن المرأة المحرمة ليس إحرامها في وجهها، وإن لها أن تغطي وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وإنها ممنوعة من لبس النقاب ليست ممنوعة من تغطية وجهها بغيره، وأما أكثر العلماء فقد ذهبوا إلى أن منعها من النقاب والبرقع لا لكونهما لباسًا من الألبسة بل لكونهما غطاءً للوجه.

وهنا يأتي كلام عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “، فالجمهور حملوا قولها على أن ذلك السدل لستر الوجه عن نظر الرجال الأجانب، والمخالفون قالوا إنها رضي الله عنها لم تبيِّن ذلك هنا كما بينته في مواضع أخرى، فدلَّ قولها ” إن شاءت ” في السدل: على أن للمحرمة أن تستر وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وأنها لا تكون بذلك مرتكبة لمحظور من محظورات الإحرام.

فالجمهور جعلوا وجه المرأة كرأس المُحرِم، الأصل فيه وجوب كشفه، ومن احتاج لستره: ستره وعليه الفدية، وكذا وجه المحرمة تستره بمرور رجال أجانب بقربها، وبعض العلماء أوجب عليه الفدية إن مسَّ الساتر وجهها بإرادتها، وهو قول ضعيف.

والمخالفون جعلوا وجهها كبدن المحرِم، فهو يُمنع من ستره بألبسة معيَّنة ولا يمنع من ستره بغيرها، فلو سترته بساتر: فلا فدية عليها ولو مسَّ وجهها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو غطَّت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه: جاز بالإتفاق، وإن كان يمسه: فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تُكلَّف المرأةُ أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود، ولا بيد، ولا غير ذلك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم سوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل، لا كرأسه وأزواجه صلى الله عليه وسلم كنَّ يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة.

ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إحرام المرأة فى وجهها “، وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب، أو تلبس القفازين، كما نهى المُحرم أن يلبس القميص والخف مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب، فلهذا يُنهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المُحرمة لا تلبس ما يُصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه فإنه كالنقاب. ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 26 / 112 ، 113 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وجه المرأة كبدنِ الرجل، يحرم ستره بالمفصَّل على قدره، كالنقاب والبرقع، بل وَكَيَدِها، يحرم سترها بالمفصَّل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب: فلم ينه عنه البتة، ومَن قال إن وجهها كرأس المحرم: فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم؛ لما جعل الله بينهما من الفرق. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 664 ).

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

فيحرم على المرأة أن تغطي وجهها، وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطًا، أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ضعيف، فهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين: فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهي المرأة عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه؛ لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 7 / 165 ).

والخلاصة عند هؤلاء الأئمة: أن المرأة المحرمة غير مأمورة بكشف وجهها، وأنها منهية عن ستر وجهها حال إحرامها فقط بالنقاب والبرقع واللباس المفصَّل على قدر وجهها.

فيتلخص معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها رضي الله عنها لا ترى وجوب كشف المرأة المحرمة لوجهها في حال عدم وجود رجال أجانب، وهو يؤيد ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم، فللمرأة المحرمة أن تبقى ساترة لوجهها – بغير نقاب – حتى لو لم يوجد رجال أجانب يمكن أن ينظروا إليها، وإن شاءت كشفته، فيكون ما ثبت عنها رضي الله من فعلها في الكشف بعد تجاوز الرجال الأجانب لا يخالف ما ثبت من قولها من التخيير بين كشف الوجه وستره.

 

 

خامسًا:

وعلى القولين السابقين فليس معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، فهي – رضي الله عنها – تقول ” تَسْدُلُ الثوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ ” في حال كانت المرأة المحرمة بعيدة عن أعين الرجال الأجانب، وأما في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجه المحرمة فإنه يتعين عليهن تغطية وجوههن بالسدل، كما ثبت ذلك عنها رضي الله من فعلها، وثبت عن أسماء أختها وغيرهما من الصحابيات.

فكلا الطائفتين قالت بأنها تستر وجهها بالسدل – لا بالنقاب – في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجهها.

ومثله يقال في نهي المحرِمة عن لبس ” النقاب ” فإنه لا يلزم منه كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، كما لا يلزم من نهي الرجل عن لبس ” السراويل ” أن يكون عاريًا! فكما أنه يلبس إزارًا ورداءً مع تحريم لبسه للثوب والسراويل فإن المرأة تغطي وجهها بشيء تسدله على وجهها مع تحريم تغطيته بالنقاب تحديدًا.

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

ثم إنه لا يُفهم من هذا الحديث أن المحرِمة يجوز لها كشف وجهها إذا كان الرجال الأجانب يرونها، بل يجب عليها أن تسدل الخمار أو النقاب إلى أن يجاوزوها، والأصل في ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ” انتهى.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 171 ، 172 ).

 

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقًا سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا: فيحرُم على المرأة المحرِمة أن تنتقب، سواء كانت في حج أو في عمرة، والنقاب معروف عند الناس وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة واحدة من عينيها.

أما حديث عائشة رضي الله عنها – وهو ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا … “: فلا يعارض النهي عن الانتقاب، وذلك لأن حديث عائشة رضي الله عنها ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لا بد منه إذا مرّ الرجال بالنساء فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن ستر الوجه عن الرجال الأجانب: واجب، وعلى هذا فنقول: لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقًا، وأما ستر وجهها: فالأفضل لها كشف الوجه، ولكن إذا مرّ الرجال قريبًا منها: فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطية بغير النقاب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 22 / 188 ، 189 ).

 

والله أعلم.

 

موقفنا من أب يريد أن تسافر الأسرة لدول سياحية والأم ترفض ذلك

موقفنا من أب يريد أن تسافر الأسرة لدول سياحية والأم ترفض ذلك

السؤال:

يضغط الأولاد كثيرا على الوالدين للسفر إلى الخارج كما يفعل الكثير من الأقارب، وقد يلين الوالد لرغبتهم، وترفض الأم؛ خشية على أولادها وبناتها المراهقين من الفتن؛ لأن الدول التي يزعمون أنها إسلامية: ليس لها من الإسلام إلا الاسم، وتنتشر فيها المعاصي بأنواعها، والمشكلة: أن الأبناء قد زهدوا في السفر إلى مكة والسياحة الداخلية، ويقولون لوالديهم: مللنا ولن نسافر معكم سافروا واتركونا عند الجدة أو الأخوال.

الوالد يحمِّل الأم مسؤولية الموقف، ويتهمها بالغيرة، والأم تخشى على أبنائها، وتخشى أن تكون سببا في ردة فعل معاكسة يكرهون بسببها التدين، أو أن ينفلتوا بعد أن يكبروا في السفر لوحدهم، وخاصة أنهم يقولون لها: قد كنتِ تسافرين مع أهلك فلم تحرميننا من السفر؟.

فهل تطيعهم مع الالتزام بالقدر الممكن من المحافظة؟ أم تصر على موقفها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد أحسنت الأم غاية الإحسان في رأيها وموقفها، ونحن نرى رأيها في حفظ أولادها ذكورا وإناثا من التلوث بأدواء الفساد والاختلاط والعري الموجود – وللأسف – بكثرة في كثير من الدول الإسلامية التي تُقصد للسياحة.

ونرى أن يكون الأب بصفها ويتخذ الموقف نفسه؛ حتى لا يكون تضاد في العملية التربوية لأولادهم، وحتى لا يتخذ أولئك الأولاد موقفا سلبيّا من والدتهم بتأييد من والدهم.

ونرى أن يتم إقناع الأولاد بالخطر العظيم الموجود في الدول التي تُقصد للسياحة، ويُبيَّن لهم أن من الواجبات الشرعية الملقاة على عاتق والديهم: حفظهم من الشر والمكر والكيد والفساد الذي يُدار من دوائر الفساد تجاه الأسرة المسلمة؛ لتفكيك أوصالها، ولتشتيت شملها، بالتجرؤ على سلطة الوالد، وبالاحتقار للعفاف والمروءة التي تدعو إليها الأمهات الفضليات.

وقد وسَّع الله عليكم في دياركم بأن حباكم أماكن جميلة يمكن للأسرة المحافظة أن تقصدها من غير أن ترى ما يؤذي سمعها وبصرها، وهي متنوعة ما بين صحراء جميلة، وجبال شاهقة، وأراضٍ خصباء، وأجواء ذات طقس معتدل، وبعض الأماكن تكون ممطرة مطرا رقراقا، وعلى رأس ذلك كله: يمكنكم قصد الديار المقدسة في مكة المكرمة، أو المدينة النبوية، بكل يسر وسهولة، والذي ننصحكم به – هنا – أن تجعلوا زيارتكم لتلك الأماكن المقدسة جزء من رحلة طويلة متنوعة ماتعة، تمرون فيها على أكثر من منطقة، تزورون فيها معارفكم، أو تذهبون لأماكن السياحة فيها، ومن ثم يكون جزء من برنامجكم الذهاب لمكة أو المدينة، فتجمعون بين التمتع المباح والعبادة الجليلة.

ولا ينبغي للأسرة المسلمة أن تجعل السفر جزء من حياتها، وليُعوَّد الأولاد على استغلال فرص العطلة بالاشتراك في برامج نافعة، أو دراسة مباحة، ونحن لا نستطيع أن نحرِّم ما أحل الله، ولا أن نضيِّق واسعا على أحد، لكن كل عاقل يرى ما وصلت إليه أحوال المسلمين في بلدانهم: لا يشك لحظة أن الواجب على القائمين على تربية أولادهم أن يحتاطوا في حفظ الأمانة التي أوكلهم الله بحفظها، وها نحن نرى الفساد قد وصل إلى البيوت المغلقة الحصينة من خلال المدارس والقنوات والمجلات والجيران والأقرباء فكيف مع كل هذا يكون التساهل في الذهاب إلى أماكن المنكر والفساد بأرجلنا وبتمويل من أموالنا؟!.

وليكن في ضرب الأمثلة للأولاد نصيب في إقناعهم بالعدول عن فكرة السفر لتلك الأماكن في تلك الدول السياحية، وذلك بذكر وقائع حقيقية لمن رجع بمرض الإيدز، ومن رجع جثة هامدة بسبب جرعة مخدرات أو شرب خمر، ومن رجعت وقد فقدت شرفها، أو تعلقت برجل في تلك الديار فتركت أهلها من أجله، ومن رجع تاركا للصلاة، وهكذا في سلسلة من المنكرات والفساد مما لا يمكن إحصاؤه بسهولة، ولا يعني رجوع بعض الأسر سالمة من الشر والفساد أن يكون هذا هو الأصل، لا، بل هذا من حفظ الله لهم، وأما هم فقد فعلوا من الأسباب ما يكسبهم به الآثام ويجر عليهم الويلات ، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ننأى عن الفتن وأماكنها، وأن لا يغتر الإنسان بما عنده من إيمان ويقين؛ فإن الفتن الآن والشهوات أقوى من أن يتحداها المسلم الضعيف، وها هم المتساقطون على الطريق قد كثروا ومنهم من رجع لصوابه فاهتدى ومنهم من ظلَّ على ضلاله فهلك.

سنن أبي داود مشكول – (11 / 397).

عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ – أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ – ) هَكَذَا قَالَ.

رواه أبو داود ( 4319 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

واحذر – رحمك الله – أن تتعرض لسبب لبلاء، فبعيد أن يسلم مقارب الفتنة منها، وكما أن الحذر مقرون بالنجاة: فالتعرض للفتنة مقرون بالعطَب، وندر من يسلم من الفتنة مع مقاربتها على أنه لا يسلم من تفكر، وتصور، وهمٍّ.

” ذم الهوى ” ( ص 126 ).

 

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فما استُعين على التخلص من الشرِّ بمثل البُعد عن أسبابه ومظانِّه.

وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يُظهر له في مظانِّ الشرّ بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه: ألقاه في الشبكة.

” عدة الصابرين ” ( ص 50 ).

 

ونختم بأن نؤكد على ضرورة تأييد الأب لزوجته في موقفها، وبما أن الأولاد قد رضوا بأن يبقوا عند جدتهم أو أخوالهم فهذا يعني أنهم أهل خير وطاعة، فيستثمر هذا الأمر فيهم، ويوجهون إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم في العطل المدرسية، وقد يكون إصراركم على عدم السفر لتلك البلدان مما يجعلهم يغيرون رأيهم فيقتنعون بالسياحة الداخلية، وبالذهاب للحرمين، وهي نعمة لو يعلمون كم من الملايين يتمنونها وتحترق قلوبهم عندما يرون الصلاة تنقل على الهواء مباشرة من هناك: لكان ذلك مما يجعلهم يغيرون نظرتهم وفكرهم حول السفر لتلك البقاع الطاهرة المقدسة.

 

والله أعلم.

 

 

هل يلزم الوقف بالنية أم بالقول والفعل الدال عليه أم بالقبض؟

هل يلزم الوقف بالنية أم بالقول والفعل الدال عليه أم بالقبض؟

السؤال:

شخص ضمن اقتراض مبلغ من المال لشراء بيت بجانب المسجد ليكون من مرافق المسجد، ثم بعد ذلك قام هذا الرجل بوضع هذا البيت باسمه بدلًا من أن يجعله باسم المسجد، فما العمل الآن؟ ومن له الحق في البيت؟ هل للمسجد أم للرجل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ذهب جمهور العلماء إلى أن الوقف يلزم صاحبه إن تلفظ به أو جاء بعمل يدل على أنه أوقف هذا الشيء لله تعالى، إلحاقًا له بالعتق، وعليه: فمن نوى ذلك بقلبه لا يُعدُّ واقفًا، ولا يُلزم بالوقف.

وعند أبي حنيفة: لا يلزم الوقف إلا بأحد أمرين:

الأول: أن يحكم به القاضي، والثاني: أن يخرجه الواقف مخرج الوصية بقوله: إذا مت فقد جعلت أرضي – مثلًا – وقفًا.

وثمة رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض، إلحاقًا له بالهبة، والراجح هو قول الجمهور، وعليه تدل الأدلة الشرعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 119 ، 120 ):

اختلف الفقهاء في لزوم الوقف، فذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب وأبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى أن الوقف متى صدر ممن هو أهل للتصرف مستكملا شرائطه أصبح لازمًا، وانقطع حق الواقف في التصرف في العين الموقوفة بأي تصرف يخل بالمقصود من الوقف، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( تصدق بأصله، ولا يباع ولا يوهب ولا يورث )، ولأن الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرد صدور الصيغة من الواقف كالعتق، ويفارق الهبة فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى.

وعند أبي حنيفة: الوقف جائز غير لازم – كما سبق – وللواقف الرجوع فيه حال حياته مع الكراهة ويورث عنه، وإنما يلزم الوقف عنده بأحد أمرين: أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية، ولكن الفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف ومحمد وهو اللزوم، قال ابن عابدين نقلا عن ” الفتح “: والحق ترجيح قول عامة العلماء بلزومه؛ لأن الأحاديث والآثار متضافرة على ذلك، واستمر عمل الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك، فترجح قولهما.

 

وفي رواية عن الإمام أحمد أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده؛ لأنه تبرع.

بمال لم يخرجه عن المالية ، فلم يلزم بمجرد اللفظ كالهبة والوصية. انتهى.

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد اللفظ به؛ لأن الوقف يحصل به، وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى: لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده، وقال: الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره ويوكل فيه من يقوم به، اختاره ابن أبي موسى، وهو قول محمد بن الحسن؛ لأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرده كالهبة والوصية.

ولنا: ما رويناه من حديث عمر، ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق، ويفارق الهبة؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى. ” المغني ” ( 6 / 208 ).

وحديث عمر الذي أشار إليه ابن قدامة رحمه الله هو ما رواه عبد الله بْن عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِى مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِى بِهِ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِى الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى وَفِى الرِّقَابِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

( 2586 ) ومسلم ( 1632 ).

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ – ( 2613 ) -: ( تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ ).

– حَبَسْتَ أَصْلَهَا: وقَفْتَ أَصلَ الأَرضِ.

– غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ: غيرَ مُتَّخِذٍ منها مِلْكاً لِنَفْسِهِ.

وعليه:

فإن كان صاحب البيت كان ناويًا مجرد نية أن يجعل البيت وقفاً لله تعالى تابعًا للمسجد: فلا يلزمه جعله كذلك، بل له الرجوع في نيته، وأما إن صرَّح بالوقف بلفظه وقال إنه وقف لله تعالى: فلا يحل له تسجيله باسمه – إلا إن كان ذلك لأمور إدارية ورسمية – بل يجب عليه جعله تابعاً للمسجد، ويوثق ذلك بأوراق رسمية إن وجد، أو يشهد على ذلك ثقات ويوثق ذلك في وثيقة؛ لئلا ينتقل البيت لورثته، وإن كان الأخ قد وعد بجعل البيت وقفًا لله تعالى تابعاً للمسجد فخير له أن يوفي بوعده؛ فإن ذلك من عظيم أخلاق المسلمين.

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة :

إن سمو الأمير عبد الرحمن بن عبد الله آل سعود وعد بمنح قطعة أرض بيضاء بجهة قرية ” الضبيعة ” ليبني عليها مدرسة، غير أن تنفيذ ذلك مشروط بجواز رجوعه عن وعد سابق بمنحها ليبني عليها مسجد عيد، وطلب سموه منا استشارة العلماء في ذلك، هل يختار منحها لمسجد العيد وفاء بالوعد السابق، أو منحها لوزارة المعارف لتقيم عليها مدرسة؟ علماً بأن هناك حاليًّا مسجدًا لصلاة العيد غربي ” الضبيعة “.

فأجابوا:

إن كان سمو الأمير عبد الرحمن بن عبد الله آل سعود قد منح قطعة الأرض بالفعل ليقام عليها مسجد عيد فهي لمسجد العيد، وليس له أن يرجع في منحته، وإن كان الذي حصل منه  مجرد وعد بمنح قطعة الأرض ليقام عليها المسجد، فخير له أن ينفذ ما وعد به وفاء بالوعد.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 93 ، 94 ).

 

والله أعلم.

 

 

هل نسبة الكحول في شاي ” كمبوتشا ” تجعله محرَّما؟

هل نسبة الكحول في شاي ” كمبوتشا ” تجعله محرَّما؟

السؤال:

هناك شاي ياباني يسمَّى ” كمبوتشا ” به محتوى كحولي يبلغ تقريبا 0.0065% بسبب وجود أنزيمات بروبيوتيكية به تحدث نتيجة لعملية التخمير، ويمكن شراؤه من المتجر دون تعريف هوية لأنه لا يكاد يوجد به محتوى كحولي يُذكر لكني أريد معرفة ما إذا كان يجوز تناوله في الإسلام أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

اطلعنا على كلام كثير حول فائدة ذلك الشاي الوارد ذِكره في السؤال، ولم نر منهم منهم اتفاقا على فوائده الكثيرة والتي يبالَغ بها في كثير من الأحيان، وخاصة ما يُصنع في البيت؛ لما قد يترتب على صناعته فيه من إصابته بالعفن بسبب نقص أو فقدان التعقيم للآلات المستعملة، ومن ثَمَّ قد يحدث تسمم، لذا فإننا لا نستطيع الجزم بكون ذلك الشاي يحتوي على فوائد طبية وعلاجية.

ثانيا:

وأما الكحول التي توجد في ذلك الشاي فالذي يظهر لنا أنه كحول طبيعي نتيجة تفاعلات المواد المختلفة في ذلك الشاي، وما كان كذلك فإنه لا يؤثر في حلِّه، ويجوز شربه بلا ريب، وقد جعل الله تعالى في كثير من الأطعمة الطبيعية نسباً من الكحول الطبيعي.

ولو فُرض أن الكحول ذاك محرَّم في ذاته، وأن له حكم الخمر: فإن نسبته القليلة جدّا والتي لا تكاد تُذكر: لا تؤثر – أيضا – في حلِّ المشروب لا لكونها قليلة بل لكونها نسبة مستهلكة في الشراب، ولا يظهر أثرها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما وقع عليه اسم الماء: فهو طاهر طهور، سواء كان مستعملا في طهر واجب، أو مستحب، أو غير مستحب، وسواء وقعت فيه نجاسة، أو لم تقع، إذا عرف أنها قد اسْتَحالت فيه واستهلكت، وأما إن ظهر أثرها فيه: فإنه يحرم استعماله؛ لأنه استعمال للمحرم. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 236 ، 237 ).

* وقال – أيضا -:

الله حرم الخبائث التي هي الدم والميتة ولحم الخنزير، ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت: لم يبق هناك دم، ولا ميتة، ولا لحم خنزير أصلا، كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع: لم يكن الشارب لها شاربا للخمر.

” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 501 ، 502 ).

وعليه:

فعلى كلا الحالين لا يظهر لنا أي مانع من شرب ذلك الشاي بما فيه من نسبة الكحول تلك.

 

والله أعلم.

 

 

 

” اسم الله الأعظم ” في النصوص النبوية وأقوال أهل العلم

” اسم الله الأعظم ” في النصوص النبوية وأقوال أهل العلم

السؤال:

قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة )، ومنها اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى.

سؤالي هو:

ما هو اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى؟ وكيف نعرفه؟ وهل أحد من أهل العلم كان يعرفه؟ هل أجمع العلماء عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ورد في خصوص ” اسم الله الأعظم ” عدة أحاديث، أشهرها:

  1. عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اسْمُ اللَّهِ الأَعظَمُ فِي سُوَرٍ مِنَ القُرآنِ ثَلَاثٍ: فِي ” البَقَرَةِ ” وَ ” آلِ عِمرَانَ ” وَ ” طَهَ ” ). رواه ابن ماجه ( 3856 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
  2. عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ “، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ). رواه الترمذي ( 3544 ) وأبو داود ( 1495 ) والنسائي ( 1300 ) وابن ماجه ( 3858 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  3. عن بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ “، فَقَالَ: ( لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ). رواه الترمذي ( 3475 ) وأبو داود ( 1493 ) وابن ماجه ( 3857 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك.

” فتح الباري ” ( 11 / 225 ).

  1. عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ( الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ). رواه الترمذي ( 3478 ) وأبو داود (1496 ) وابن ماجه ( 3855 ).

– والحديث ضعيف، فيه عبيد الله بن أبي زياد وشهر بن حوشب، وكلاهما ضعيف.

 

ثانيًا:

وقد اختلف أهل العلم في ” اسم الله الأعظم ” من حيث وجوده على أقوال:

القول الأول:

إنكار وجوده أصلًا! لاعتقادهم بعدم تفضيل اسم من أسماء الله تعالى على آخر، وقد تأول هؤلاء الأحاديث الواردة السابقة فحملوها على وجوه:

الوجه الأول: من قال بأن معنى ” الأعظم ” هو ” العظيم ” وأنه لا تفاضل بين أسماء الله تعالى.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضُهم لمالك؛ لكراهيته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور لئلا يُظن أن بعض القرآن أفضل من بعض فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله كلها عظيمة، وعبارة أبي جعفر الطبري: ” اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم والذي عندي: أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه “، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم. انتهى.

الوجه الثاني: أن المراد بالأحاديث السابقة بيان مزيد ثواب من دعا بذلك الاسم.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار: إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به: مزيد ثواب القارئ. انتهى.

الوجه الثالث: أن المراد بالاسم الأعظم حالة يكون عليها الداعي، وهي تشمل كل من دعا الله تعالى بأي اسم من أسمائه إن كان على تلك الحال.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتَّى له ذلك: استجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما. انتهى.

 

القول الثاني:

قول من قال بأن الله تعالى قد استأثر بعلم تحديد اسمه الأعظم، وأنه لم يُطلع عليه أحدًا من خلقه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. انتهى.

– ذكر ذينك القولين وتلك الوجوه الحافظ ابن حجر في كتابه ” فتح الباري ” ( 11 / 224 ).

القول الثالث :

قول من أثبت وجود اسم الله الأعظم وعيَّنه، وقد اختلف هؤلاء المعينون في الاسم الأعظم على أربعة عشر قولًا! وقد ساقها الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه ” فتح الباري ” ( 11 / 224 ، 225 ) وهي:

  1. هو! 2. الله 3. الله الرحمن الرحيم 4. الرحمن الرحيم الحي القيوم 5. الحي القيوم 6. الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والاكرام الحي القيوم 7. بديع السماوات والأرض ذو الجلال والاكرام 8. ذو الجلال والإكرام 9. الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد 10. رب رب 11. دعوة ذي النون في بطن الحوت ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” 12. هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم 13. هو مخفي في الأسماء الحسنى 14. كلمة التوحيد ” لا إله إلا الله “.

وهذه الأقوال التي ذكرها الحافظ تنقسم أقسام ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله فقال – تحت حديث رقم ( 6124 ) بلفظ: ” اسمُ الله الأكبرُ: ربِّ ربِّ ” -:

واعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين اسم الله الأعظم على أربعة عشر قولًا، ساقها الحافظ في ” الفتح “، وذكر لكل قول دليله، وأكثرها أدلتها من الأحاديث، وبعضها مجرد رأي لا يلتفت إليه، مثل القول الثاني عشر؛ فإن دليله: أن فلانًا سأل الله أن يعلِّمه الاسم الأعظم، فرأى في النوم؛ هو الله، الله، الله، الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم!!.

وتلك الأحاديث منها الصحيح، ولكنه ليس صريح الدلالة، ومنها الموقوف كهذا، ومنها الصريح الدلالة؛ وهو قسمان:

قسم صحيح صريح، وهو حديث بريدة: ( الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد … ) إلخ، وقال الحافظ: ” وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك “، وهو كما قال رحمه الله، وأقره الشوكاني في ” تحفة الذاكرين ” ( ص 52 )، وهو مخرج في ” صحيح أبي داود ” ( 1341 ).

والقسم الآخر: صريح غير صحيح، بعضه مما صرح الحافظ بضعفه؛ كحديث القول الثالث عن عائشة في ابن ماجه ( 3859 )، وهو في ” ضعيف ابن ماجه ” رقم ( 841 )، وبعضه مما سكت عنه فلم يحسن! كحديث القول الثامن من حديث معاذ بن جبل في الترمذي، وهو مخرج في ” الضعيفة ” برقم ( 4520 ).

وهناك أحاديث أخرى صريحة لم يتعرض الحافظ لذكرها، ولكنها واهية، وهي مخرجة هناك برقم ( 2772 و 2773 و 2775 ).

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 279 ).

 

ثالثًا:

والذي يترجح لنا من تلك الأقوال أن الاسم الأعظم هو ” الله “؛ فهو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى ، وعلى هذا أكثر أهل العلم.

  1. قال ابن القيم – رحمه الله -:

اسم ” الله ” دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث … . ” مدارج السالكين ” ( 1 / 32 ).

والدلالات الثلاث هي: المطابقة والتضمن واللزوم.

  1. وقال ابن أمير حاج الحنفي – رحمه الله -:

عن محمد بن الحسن قال: سمعتُ أبا حنيفة رحمه الله يقول: اسم الله الأعظم هو ” الله “, وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء, وأكثر العارفين.

وفي ” التقرير والتحبير ” ( 1 / 5 ).

  1. وقال أبو البقاء الفتوحي الحنبلي – رحمه الله -:

فائدتان:

الأولى: أن اسم ” الله ” علم للذات, ومختص به, فيعم جميع أسمائه الحسنى.

الثانية: أنه اسم الله الأعظم عند أكثر أهل العلم الذي هو متصف بجميع المحامد.

” شرح الكوكب المنير ” ( ص 4 ).

  1. وقال الشربيني الشافعي – رحمه الله -:

وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن العزيز في ألفين وثلثمائة وستين موضعًا.

” مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ” ( 1 / 88 ، 89 ).

  1. وقال الشيخ عمر الأشقر – رحمه الله -:

والذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنّه: (الله )، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنّ اسم الله الأعظم ورد فيها.

ومما يُرجِّح أن ( الله ) هو الاسم الأعظم أنه تكرر في القرآن الكريم (2697) سبعًا وتسعين وستمائة وألفين – حسب إحصاء المعجم المفهرس – وورد بلفظ ( اللهم) خمس مرات، في حين أنّ اسمًا آخر مما يختص بالله تعالى وهو ( الرحمن ) لم يرد ذكره إلا سبعًا وخمسين مرة، ويرجحه أيضًا: ما تضمنه هذا الاسم من المعاني العظيمة الكثيرة.” العقيدة في الله ” ( ص 213 ).

 

ويأتي في الدرجة الثانية من القوة في كونه اسم الله الأعظم ” الحي القيوم “، وهو قول طائفة من العلماء، ومنهم النووي، ورجحه الشيخ العثيمين رحمه الله.

 

والله أعلم.

هل يدرِّس الطلاب خلاف ما عندهم في منهجهم الدراسي؟ونصيحة بكتب علمية وتربوية

هل يدرِّس الطلاب خلاف ما عندهم في منهجهم الدراسي؟ونصيحة بكتب علمية وتربوية

السؤال:

أنا معلم قرآن في أحد المساجد – مرحلة ابتدائية – أقدم أسبوعيّا درسا تربويّا وعلميّا، ولكن عندما أطرح مسائل فقهية في الصلاة أو غيرها: أجد أن المناهج التعليمية تنص على قول ما وأنا آخذ بقول عالم يخالف هذا القول، هل أقدِّم ما أعمل به أم أقول لهم بما يكون لديهم في المناهج الدراسية بحيث لا يكون هناك لبس على الطالب – مع أن بعض الأعمال سنَّة -؟.

وماذا تنصحونني به من كتب ومراجع علمية وتربوية بحيث أنني أزداد علما شرعيّا ومعرفة بالواقع التربوي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أحبك الله الذي أحببتنا من أجله، ونسأله تعالى أن يثيبك على ما تقدم من خير وعلم وتربية للطلاب، وخاصة وهم في المرحلة الابتدائية، مرحلة التأسيس، وسن الحفظ، فاستثمار ذلك من خير ما ينشغل به الدعاة والمصلحون.

وننصحك بنصيحة غالية من الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله موجهة لك ولأمثالك من معلمي التلاميذ في سن مبكرة، إذ يقول:

إن على المعلِّم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفيمن ولاَّه الله عليهم من التلاميذ، وأن يحرص غاية الحرص أن يمثل أمامهم بالأخلاق حتى يكون قدوة صالحة:  (ومن سنَّ في الإسلام سنّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ). – رواه مسلم -.

وإنني أقول للمعلِّمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنِّهم، إنَّ المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به: فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام هذا المعلم، كيف يعلِّمنا شيئا ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به، لا تستهن يا معلما بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغارا؛ فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة. ” كتاب العلم ” ( ص 110 ).

ثانيًا:

والمناهج التعليمية في المملكة العربية السعودية قائمة على العلم الشرعي المتين، ومرجع المسائل المتبناة إلى الأدلة من الكتاب والسنَّة، والذي قام على تأليفها علماء ثقات أجلاء، فلهذا، ولكون الطلاب في المرحلة الابتدائية، ولكون المسائل من الفروع الفقهية، ولكونها في غير الفرائض والمحرمات: لا نرى لك أن تذكر شيئا من المسائل مخالفا لما هو عندهم في منهاجهم؛ لما سيسببه ذلك من إرباك عندهم، وخلط بين ما يسمعونه منك، ويسمعونه من أستاذهم في المدرسة، وعقول هؤلاء في هذه السن لا تحتمل مثل هذا التضاد، وليسوا هم على ضلال حتى ترى أنه يجب عليك إخبارهم بما تتبناه من مسائل، وليس ما تتبناه أصلا من اليقين الذي لا شك فيه أو خلاف حوله، فنرى أنه يسعك عدم إخبارهم ما تراه مخالفا لما عندهم من المناهج، وليس هذا من كتم العلم بحال، بل هو من الدِّين، والعقل، والمصلحة.

ثالثا:

وإذا أردت الوصية بكتب علمية تزداد منها علما مؤصَّلا: فعليك بكتب السلف الصالح من المتقدمين، ونوصيك – على وجه الخصوص – بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله؛ ففيه خير عظيم وعلم نافع.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – وهو الخبير بكتب الشيخين رحمهما الله -:

يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات حديثًا؛ لأنّ بعض المؤلفين حديثًا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنه سطحيّ، قد ينقل الشيء بلفظه، وقد يحرِّفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء.

فعليك بالأمهات كتب السلف؛ فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف؛ لأن غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني، كثيرة المباني، تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها بسطر أو سطرين، لكن كتب السلف تجدها هينة، لينة، سهلة، رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى.

ومِن أجلِّ الكتب التي يجب على طالب العلم أن يحرص عليها: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله.

” كتاب العلم ” ( ص 68 ، 69 ).

وأما الكتب التربوية: فننصحك بالكتب بما يأتي:

  1. كتاب ” علم النفس الدعوي ” دراسات نفسية تربوية، للدكتور عبد العزيز بن محمد النغيمشي.
  2. كتاب ” الدليل العملي للمعلمين والمعلمات ” للدكتور راشد بن حسين العبد الكريم.
  3. كتاب ” أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية ” للدكتور الدكتور عبدالحميد الزنتاني.
  4. كتاب “ تربية المراهق في رحاب الإسلام ” محمد الناصر وخولة درويش.

 

والله أعلم.

طائفة من مسائل متنوعة في ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “

طائفة من مسائل متنوعة في ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ”

السؤال:

أعلم أنه ينبغي على الشخص أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع اسمه، ولكن ماذا لو سمع لقبًا من ألقاب الاحترام والتبجيل التي تطلق عليه صلى الله عليه وسلم مثل: الطيب، أو الحبيب، أو كما يطلق هنا في الهند ” حضور “؟ فهل تلزم الصلاة هنا أيضًا؟ وماذا لو سمع ضمير الغائب المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا لو رأى الشخص اسم النبي صلَّى الله عليه وسلم مكتوبًا كتابةً هل يصلِّي عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه مسائل متنوعة في أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها الإجابة على أسئلة الأخ السائل وزيادة، نسأل الله أن ينفع بها:

  1. على المسلم أن يجمع للنبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والتسليم؛ لقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب/ 56.

قال الإمام النووي – رحمه الله -:

إذا صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم: فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما، فلا يقل ” صلى الله عليه ” فقط ، ولا ” عليه السلام ” فقط.

” الأذكار ” ( ص 117 ).

  1. اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عندما يُذكر اسمه، فذهبت طائفة منهم إلى وجوب الصلاة عليه، وقال الجمهور بأنه مستحب، وهو الصواب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد اختُلف في وجوبها كلما ذُكر اسمُه فقال أبو جعفر الطحاوي وأبو عبد الله الحلِيمي: تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وقال غيرهما: إن ذلك مستحب وليس بفرض يأثم تاركه. ” جلاء الأفهام ” ( ص 382 ).

والراجح: الاستحباب، ويدل على نفي الوجوب وجوه:

أحدها: أنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم اكثر من أن يُذكر؛ فإنهم كانوا يقولون: ” يا رسول الله ” مقتصرين على ذلك، وربما كان يقول أحدهم ” صلى الله عليك “، وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذِكره: لأنكر عليهم تركها.

الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذُكر: لكان هذا من أظهر الواجبات ولبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمَّته بيانًا يقطع العذ، وتقوم به الحجة.

الثالث: أنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يُعرف أن أحدًا منهم قال به، وأكثر الفقهاء – بل قد حكي الإجماع – على أن الصلاة عليه ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق – كما تقدم – فكيف تجب خارج الصلاة؟!.

الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائمًا: لوجب على المؤذن أن يقول ” أشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم “! وهذا لا يُشرع له في الأذان فضلا أن يجب عليه.

الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه، وقد أمر السامع أن يقول كما يقول المؤذن، وهذا يدل على جواز اقتصاره على قوله ” أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله “، فإن هذا مثل ما يقول المؤذن.

السادس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله ” وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله ” اتفاقًا…. .  انتهى.

نقلناها مختصرةً من ” جلاء الأفهام ” ( ص 393 ، 394 ).

  1. ومما لا شك فيه أن القول بالاستحباب لا ينافي القول بالوجوب لمرة واحدة في العمر، ولا نظن مسلمًا لم يصلِّ في حياته على نبيه صلى الله عليه وسلم، فالمصلون لا تخلو صلاتهم من الصلاة على نبيهم، وخارج الصلاة لا تخلو حياة مسلم من الصلاة على نبيهم صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرَّة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي، قال عياض: وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.

” جلاء الأفهام ” ( ص 382 ).

  1. وقد اختلف العلماء في مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأول في الصلاة على قولين:

القول الأول: مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الشافعي وابن حزم رحمهما الله، وقد اختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز والألباني رحمهما الله.

القول الثاني: أنه يقتصر على قراءة التشهد إلى الشهادتين، ولا يزيد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول جمهور الفقهاء، وقد اختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

  1. واختلف أهل العلم في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، وذلك على أقوال: فالجمهور على استحبابها، وقيل بأنها ركن، وقيل بأنها واجبة، وهو ما رجحناه في جواب سابق.
  2. سماع اسمه صلى الله عليه وسلم ” أحمد ” أو أو أي صفة تدل عليه مثل ” المصطفى “، أو ” خاتم النبيين “، أو ” سيد المرسلين “: كل ذلك له حكم سماع اسمه صلى الله عليه وسلم ” محمد “، فيصلَّى عليه عندما تُذكر.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فينبغي للمؤمن أن يتبع ذِكره – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة عليه، فإذا قال: ” قال رسول الله ” يقول: ” صلى الله عليه وسلم “، وإذا قال: ” عن رسول الله “، يقول: ” صلى الله عليه وسلم “، وإذا مرَّ ذِكره وهو يسمع: صلَّى عليه – عليه الصلاة والسلام -. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 373 ).

  1. سماع الضمير العائد على النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقام سماع الاسم الصريح.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الناس إذا أراد أن ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا يقول: ” قال صلى الله عليه وسلم “، ولا يقول ” قال الرسول صلى الله عليه وسلم ” أو ” قال محمد صلى الله عليه وسلم ” ففي مثل هذه هل يقال ” آمين ” أم يقال ” صلى الله عليه وسلم “؟.

فأجاب:

هنا لا شك أن الضمير في ” قال ” يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر: أن الضمير كالمذكور، فعليه: يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل ( رغم أنف امرئٍ ذُكرتَ عنده فلم يصلِ عليك ).

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. لا فرق بين سماع الاسم أو الصفة للنبي صلى الله عليه وسلم وبين قراءة ذلك في صحيفة أو كتاب؛ إذ القراءة لها حكم السماع.

قال النووي – رحمه الله -:

يستحب لقارئ الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذَكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة.

” الأذكار ” ( ص 117 ).

ومما يقوي أن القراءة لها حكم السماع: أن من بلغه كتاب فيه سلام عليه أنه يجب عليه الرد عليه بلسانه.

 

 

وقال – رحمه الله -:

قال الإمام أبو سعد المتولي وغيره: إذا نادى إنسانٌ إنسانًا من خلف ستر، أو حائط، فقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتابا فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسل رسولًا وقال: سلِّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول: وجب عليه أن يردَّ السلام، وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضًا أنه يجب على المكتوب إليه رد السلام إذا بلغه السلام. ” الأذكار ” ( ص 247 ).

  1. يكفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد الذي يتكرر اسمه كثيرًا: يكفي أن يصلى عليه مرة واحدة.

قال الإمام الترمذي – رحمه الله -:

ويروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلَّى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس: أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس.

” سنن الترمذي ” ( 5 / 550 ).

قال المباركفوري – رحمه الله -:

” ما كان في ذلك المجلس ” أي: ما دام كان في ذلك المجلس.

” تحفة الأحوذي ” ( 9 / 372 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وأما بالنسبة لمن يسمع ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يكرر قراءة الحديث في المسجد أو في المدرسة أو في المعهد: فهذا إذا صلَّى عليه أول مرة: كفى، كما قال أهل العلم فيمن تكرر دخوله إلى المسجد أنه إذا صلى تحية المسجد أول مرة وهو عارفٌ من نفسه أنه سيتكرر دخوله: فإنه يكتفي بذلك.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. من أمَّن على من صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم: فله حكم وأجرالصلاة عليه؛ لأن الصلاة دعاء وليست ثناء.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ثم إن المدرس غالبًا يقول: ” قال النبي صلى الله عليه وسلم ” أو ” عن النبي صلى الله عليه وسلم “، وهذا القائل إذا قال ” صلى الله عليه وسلم “: فإنه يكون قد دعا الله أن يصلِّي على نبيه فوظيفة المستمع في مثل هذا: أن يقول آمين، ويكون قوله ” آمين ” كقوله ” صلى الله عليه وسلم “؛ لأن الداعي والمؤمِّن كليهما داعيان كما قال الله تعالى عن موسى ( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) قال الله تعالى: ( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فتمت دعوتكما أي الداعيين قال أهل العلم وكان موسى يدعو وهارون يؤمن.

وعليه: إذا سمعت قائلًا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم فقلت آمين فكأنما قلت ” صلى الله عليه وسلم “؛ لأنك أمنت على دعاء المتكلم.

نعم، إذا كان الإنسان يظن أن هذا المتكلم قال ” صلى الله عليه وسلم ” جريًا على العادة ولم يستحضر الدعاء: فحينئذٍ نقول: السامع يقول ” صلى الله عليه وسلم ” ولا يؤمِّن إذا علم أن قول هذا المتكلم ” صلى الله عليه وسلم ” درجت على لسانه بدون قصد، فكأنه لم يدع بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو علم أن المتكلم إنسانٌ فطنٌ وأنه كلما قال ” صلى الله عليه وسلم ” يشعر أنه يدعو الله بأن يصلِّي على نبيه ويسلم: فإنه يكتفي بقول ” آمين “.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. إذا سمع المصلي الإمام يقرأ قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب/ 56: فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إن وقف الإمام في القراءة أو أراد الركوع، استحبابًا، وأما إن قرأها المصلي نفسُه: فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان في صلاة فرض أو نافلة.

روى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 2 / 211 ) عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم – أي النخعي -: أسمع الرجل وأنا أصلي يقول: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي )، أأصلي عليه؟ قال: نعم، إن شئت.

وعن الحسن – أي: البصري – قال: إذا قال الرجل في الصلاة: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ): فليصل عليه.  انتهى.

وقال المرداوي – رحمه الله -:

لو قرأ آية فيها ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كان في نفل فقط: صلَّى عليه، نص عليه، وهذا المذهب، جزم به ابن تميم وقدَّمه في ” الفروع ” وقال: وأطلقه بعضهم.

قال ابن القيم في كتابه ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “: المنصوص: أنه يصلي عليه في النفل فقط.

وقال في ” الرعاية الكبرى ” و ” الحاوي “: وإن قرأ آية فيها ذِكره صلوات الله وسلامه عليه: جاز له الصلاة عليه، ولم يقيداه بنافلة، قال ابن القيم: هو قول أصحابنا.  ” الإنصاف ” ( 2 / 80 ).

  1. وللوقوف على معنى الصلاة والسلام عليه: انظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

هل يجوز له ربط لحيته ليكف عن نفسه أذى سخرية الناس من طولها؟

هل يجوز له ربط لحيته ليكف عن نفسه أذى سخرية الناس من طولها؟

السؤال:

لقد أعفيت لحيتي – والحمد لله – اتباعا لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، لكني أعمل في شركة غير مسلمة، وسبحان الله فإنه يُنظر إلى اللحية غير المهذبة باحتقار ليس فقط بين غير المسلمين لكن أيضا بين المسلمين ( ربما لأن العلماء لم يقوموا بأداء واجبهم بإخبار الناس بالحكم الشرعي للحية وهم أنفسهم يهذبون لحيتهم بل أنهم حتى يقومون بحلاقة جزء منها ) ولكي أتجنب الأذى ولكي أتدبر أمر لحيتي: جمعتُها معاً برباط مطاطي، وطويتها تحته حتى تبدو أقصر ومهذبة، وهذه الطريقة مفيدة في الألعاب الرياضية أيضا؛ لأنها تجمع اللحية، وتقلل من فرص الإمساك بها وسحبها، والآن يبدو أن هناك حديثاً يمنع ربط اللحية لكن قال أحد الإخوة إن ربط اللحية في هذا الحديث يشير إلى الربط بسبب وجود اعتقادات خرافية، فما هو فهم العلماء الصحيح للحديث ورأيهم فيمن ربط اللحية دون أسباب خرافية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يعفو عنا وعنك، وأن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى، وأن يكتب لك أجر حبك لسنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم واتباعك لها.

ثانيا:

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

ثالثًا:

والاستهزاء والسخرية من الكفار متوقع، وليس بعد الكفر ذنب، لكن من يفعل ذلك من المسلمين فليعلم أنه يلحق بأولئك الكفار فيصير مثلهم! وقد أجمع أهل العلم على أن الاستهزاء والسخرية بشيء من شعائر الله تعالى الثابتة كفر مخرج من الملَّة، فليتنبه أولئك المستهزئون لأنفسهم وليحافظوا على دينهم ولا يضيعوه اتباعا للهوى والشيطان وإرضاء لشياطين الإنس.

قال الله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ . وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) التوبة/ 64 – 66.

 

 

* قال أبو بكر الجصاص – رحمه الله -:

فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه؛ لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا لعبا، فأخبر الله عن كفرهم باللعب بذلك.

وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك: ” أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات ” فأطلع الله نبيَّه على ذلك، فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جِدٍّ، أو هزل.

فدلَّ على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر، ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر مِن فاعله.

” أحكام القرآن ” ( 4 / 348 ، 349 ).

رابعًا:

واعلم أن الحديث الذي تشير إليه في المنع من ربط اللحية هو:

عن رُوَيْفِعَ بْنِ ثَابِتٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ ). رواه أبو داود ( 36 ) والنسائي (5067) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

ونبشرك أن ما ذكره العلماء في تفسير المنع الوارد في ربط اللحية لا ينطبق على السبب الذي ربطتها من أجله، وأما أقوال العلماء في شرح الحديث فإليك النقل الموثق عنهم:

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

قوله: ( أن من عقد لحيته ) عقد اللحية اختلف العلماء في تفسيره:

منهم من قال: عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّرا وتجبّرا، ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.

والقول الثاني: المراد به عقد اللحية في الصلاة؛ لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة؛ لأنه يدل على عدم الخشوع.

القول الثالث: أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد، يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف.

نعم، لا بأس أن اللحية تصلح، وأنها تُنظّف، وأنها تُكرم، لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف. ” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ” ( ص 152 ).

 

 

 

ولا تخرج تفسيرات العلماء عن هذه التفسيرات، فانظر ” شرح السنة ” ( 11 / 28 ) للإمام البغوي، ” معالم السنن ” ( 1 / 27 ) ، ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 178 ).

 

وبه يتبين أنه لا حرج في ربط لحيتك لما ذكرتَه من سبب، ولا يدخل ما تفعله في النهي الوارد في الحديث، وبما تفعله تدفع عن نفسك أذى الاستهزاء والسخرية.

 

وننصحك – أخي السائل – بالخروج من بيئتك لبيئة تستطيع فيها إظهار شعائر دينك، وتجد فيها على الحق أعوانا، واحذر من الاستجابة للضغط فتحلق اللحية أو تخففها فكلاهما من المحرَّمات.

 

والله أعلم.

 

 

أصيبت بمرض نفسي ثم قتلت نفسها فهل تعد منتحرة؟

أصيبت بمرض نفسي ثم قتلت نفسها فهل تعد منتحرة؟

السؤال:

لديَّ سؤال يتعلق بالانتحار، حيث قامت إحدى صديقات أسرتنا بالانتحار، لكن ذلك لم يكن بسبب أمر محدد، حيث أنها كانت تعاني من اضطراب ضغط ما بعد الصدمة، وبالرغم من أنه يبدو كضغط عادي فإنه يمكن أن يؤثر على المخ سلبا ويقنعه بفعل أشياء لم يكن الشخص ليفعلها وهو في حالته الطبيعية كما لو أنه يتحكم فيها تقريبا، فهل تكون مع من انتحروا بسبب فقدهم الأمل؟ أم أن حكمها يكون مختلف لوجود اضطراب عقلي، نفسي، في رأسها؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق ) رواه أبو داود ( 4403 ) والترمذي ( 1423 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 ).

فإلى أية جماعة ينتمي من انتحر بسبب معاناته من اضطراب نفسي  كاضطراب ضغط ما بعد الصدمة؟ إلى المذنبين أم إلى من رفع القلم عنهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب، توعد الله تعالى عليه بالعقوبة الغليظة، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا: عُذِّب به في الآخرة.

وما يصيب المسلم من أمراض عضوية، كالسرطان، أو نفسية، كالاكتئاب، ولا يستطيع الصبر عليها: لا يبيح له أن يقتل نفسه.

 

ثانيا:

قد يصاب المسلم بأمراض نفسية أو عضوية فتؤثر في عقله تأثيرا بالغا حتى لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فمثل هذا إن حصل منه قتل لنفسه: فلا يكون مع المذنبين الواقعين في كبيرة الانتحار، بل يكون معذورا؛ وذلك لوجود عارض من عوارض الأهلية تمنع من مخاطبته بالتكاليف الشرعية، وعليه: فلا يؤاخذ في الذنوب التي يقترفها مما تكون بينه وبين ربِّه، وأما ما يفعله مما يترتب عليه حقوق للآخرين: فإن لهم المطالبة بها من أوليائه.

وعليه: فإذا كان ما أصاب صديقة أسرتك من اضطراب نفسي قد أثَّر على عقلها فلم تعد تدري ما تقول أو تفعل: فيكون لها حكم من أصيب بالجنون، وتكون معذورة غير آثمة في قتل نفسها؛ لرفع قلم السيئات عنها وهي في تلك الحال.

عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظْ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حتَّى يَكْبُر، وَعَن المَجْنونِ حتَّى يعْقِل – أَوْ يَفِيق … َ – “. رواه أبو داود ( 4392 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 99 ) – في تعريف الجنون -:

وأما في الاصطلاح: فقد عرفه الفقهاء والأصوليون بعبارات مختلفة منها:

– أنه: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرا.

– وقيل: الجنون اختلال القوة المميزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها, وأن تتعطل أفعالها.

– وعرَّفه صاحب البحر الرائق بأنه: اختلال القوة التي بها إدراك الكليات.  انتهى.

* وأما من حيث الأحكام المترتبة على تصرفات من به جنون: فقد جاء في ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 101 ):

الجنون من عوارض أهلية الأداء، وهو يزيلها من أصلها, فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية; لأن أساس أهلية الأداء في الإنسان: التمييز والعقل, والمجنون عديم العقل والتمييز.

ولا يؤثر الجنون في أهلية الوجوب; لأنها ثابتة لكل إنسان, فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب; لأن أهليته للوجوب هي حياته الإنسانية.

وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية: يؤديها عنه وليه، فإذا جنى على نفس أو مال: يُؤاخذ ماليّا لا بدنيّا, ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتص منه, لقول علي رضي الله عنه: ” عمد الصبي والمجنون خطأ “، وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير. انتهى.

وأما إن كان ذلك الضغط النفسي على صديقة أسرتكم لم يكن له تأثير على عقلها، وإنما هي آثار نفسية، وتدري معه ما تقول وما تفعل، وتميز بين الحسن والقبيح، وتفرق بين الخطأ والصواب: فلا تكون معذورة بقتل نفسها، بل هي مؤاخذة على فعلها، ونسأل الله أن يعفو عنها، وأن يخفف على أهلها مصيبتهم ويؤجرهم عليها.

 

والله أعلم.

 

حكم الاشتراك في برنامج ” الحياة الثانية ” – ” Second Life ” -؟

حكم الاشتراك في برنامج ” الحياة الثانية ” – ” Second Life ” -؟

السؤال:

انتشر في الآونة الأخيرة برنامج اسمه ” Second Life “، وهو عباره عن عالم ثلاثي الأبعاد يحاكي الواقع في كل شيء، وفيه كل ما يخطر وما لا يخطر في بال البشر.

سؤالي: ما حكم الدخول إلى هذا البرنامج بالنسبة للمسلمين؟ نحن لا نتكلم عن إيجابياته ولكن عن سلبياته بالنسبة للمسلمين من تكوين العلاقات المحرمة بين الجنسين، والحوار بينهم بالصوت والزواج والطرفان يكونان غرباء، وإقامة الزنى الإلكتروني بحجة أنهم متزوجون وإنجاب الأطفال، وغير الملابس الخليعة وبيوت الدعارة وتضييع الأوقات بالساعات والصلوات وغيرها والأماكن – أو ما يسمَّى ” land ” – القذرة، والرقص الماجن، والغناء، والكثير، والجميع يعتبر ذلك غير محرَّم بحكم أنها مجرد لعبة، ولا أحد يعرف من أنت، إلا من رحم ربي.

فهل هذا حرام أم حلال شرعا؟.

نرجو الرد سريعا؛ لأن الشباب والبنات المسلمين بدأوا بالدخول لهذا البرنامج، وبدأ بالانتشار بينهم.

نرجو التركيز على سلبياته وما يحدث بين الشباب والبنات المسلمين، وتوجيه النصيحة لهم، والتنبيه من خطر هذا البرنامج الذي أعتبره كارثة بل طامة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يعيش الغرب حالة من الضياع النفسي والخواء الروحي في كثير من أفراده، ومن غير الغريب على من يعيش على تلك الشاكلة أن يبتدع كل يوم ما يظن أنه يملأ خواءه الروحي وأنه يعالج به ضياعه النفسي، فليس ثمة دين رباني يتمسكون به، وليس ثمة أخلاق فاضلة يتخلقون بها، فتفككت أسرهم، وضاع شبابهم، وانحرفت نساؤهم، حتى صار ” الكلب ” أوفى للأسرة من أولادها! وحتى غدا الشذوذ الجنسي مسيطرا على أذهانهم وتفكيرهم، فانتشر اللواط والسحاق في مجتمعاتهم، وصنعوا الدمية الجنسية ليفرغوا شهواتهم فيها، وبكل حال فإن من يطلع عن كثب على أحوال الأسر والأفراد والمجتمعات يجزم أنهم بلغوا الحضيض، وأنهم يعيشون بلا هدف سامٍ، ويقضون على ساعات حياتهم بكل حلال وحرام حتى ينتهي بهم الأمر إلى حفرة يُدفن فيها.

 

 

وما قلناه آنفًا ليس عجيبًا ممن تخلى دينه ورضي باللّادينية أو بدين محرَّف قائم على تأليه البشر، لكن العجيب أن نرى فئامًا من المسلمين ترضى بذلك الحال أن يكون حالها، وتتخذ من ذلك المجتمع قدوة له يسير على نهجه حذو القذة بالقذة، فما أعظم كفران هؤلاء لنعمة الله تعالى عليهم بالإسلام، والله المستعان.

 

ثانيا:

وبرنامج ” الحياة الثانية ” لا يخرج في هدف إنشائه عما قلناه سابقا، والمراد منه ابتداء التحلل من القيود الدينية والأخلاقية وحتى القانونية، ولذا جعلوا شعاره “العالَم عالمك، والخيال خيالك “! فيدخل فيه المشترك باسم مستعار ويفعل ما يحلو له من المعاصي والموبقات وتضييع عمره في الإدمان على الخيال والأوهام.

والذي نجزم به – بعد الاطلاع على الموقع وعلى كثير مما كتب فيه وعنه -: أنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يشترك فيه؛ لما يحتويه على مفاسد كثيرة، ومنها:

  1. تضييع العمر في عالم الوهم والخيال، ويقتل المشترك في ذلك البرنامج بين 4 إلى 10 ساعات يوميًّا! ولك أن تتفكر في حال ذلك الواهم الذي قتل تلك الساعات من عمره كل يوم كيف سيكون مسلما جادّا في حياته الحقيقية، وكيف سيؤدي واجباته الشرعية، وكيف سينجح في تكوين أسرة ونشر الفضيلة والخير في حياته الواقعية.
  2. ومن أعظم المفاسد في ذلك البرنامج السيء ما يحتويه على أماكن العهر والفساد كأماكن الرقص، وبيوت الدعارة، وممارسة الرذيلة بشراء مجسمات للأعضاء الجنسية ليمارس بها تلك الفاحشة! وشراء المرأة الثياب الشفافة والمثيرة لإغراء الزبائن بفعل الفاحشة، ومن هنا اتجهت صرخات العقلاء حتى في العالم الغربي لمحاربة هذا الفساد في ذلك البرنامج؛ لوقوع كثير من الأطفال في قبضة مافيا الجنس إما لإثارتهم في فعل الفاحشة أو اصطياد أولئك الأطفال في شبكات دعارة في واقعهم الحقيقي.

وقد قالت تلك الجهات الأمنية والاجتماعية والنفسية أن العالم الافتراضي الذي سيعيشه الطفل في ذلك البرنامج يمكن له نقله إلى عالم الواقع إذا ما اعتاد على تلك المشاهد وتلك الممارسة، وللمؤسسات البريطانية والألمانية صرخات تحذير من هذا البرنامج وأثره السيء على الأطفال، ولعلَّ هذا أن يخرس تلك الألسنة التي تسخر من علماء المسلمين الذين يحذرون من الآثار السيئة للبرامج والألعاب الحديثة, وأنهم ضد الجديد، وأن هذه البرامج والألعاب فيها الخير والشر، وإنما يقول هذا من لا يعرف آثار تلك البرامج، ولم يعان ما يعانيه أهل الاختصاص من أضرارها.

 

 

 

  1. في البرنامج مجال واسع للمحادثة مع النساء وتكوين العلاقات المحرمة.
  2. في البرنامج صرف للمسلم عن حياته الواقعية، وتفريط في واجباته الملقاة على عاتقه، من كسب، وبر والدين، وتربية أولاد، وطلب علم، ودعوة إلى الله.
  3. في البرنامج أثر على العقيدة من جهات كثيرة ابتداء من ” اسم البرنامج “، فالحياة الثانية في الإسلام هي الحياة البرزخية، وهي ما سيعيشه المسلم من الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة، وهناك يكون إما منعما أو معذَّبًا، وجاء هذا البرنامج السخيف ليعرض ” الحياة الثانية ” بتصورات صانعيه ، فتُصرف الأذهان والعقول والأبدان للعيش داخل ذلك العالم الافتراضي في تلك الحياة الثانية، فيضيِّع المسلم بذلك حياته الدنيوية الأولى، والثانية، بل والثالثة وهي الحياة في الجنة.

وفي البرنامج دعوة للأديان والمذاهب الباطلة، ففيه الكنائس، والمعابد، وأوكار الماسونية، وهو باب فتنة قد يقع فيه ذلك الواهم الذي يعيش في عالمه الخيالي فيصير حقيقة في عالمه الواقعي.

  1. وكل من قال إنه لا أثر للدخول في تلك الحياة الخيالية على واقع حياة الداخل فهو جاحد للحقيقة، وهذا من أخطر ما في البرنامج – وقد سبقت الإشارة إليه – وهو أن يترجم ذلك المشترك حياته الثانية الخيالية لواقع عملي في حياته الدنيوية الأولى، ونحن نعجب من ذلك القائل فهل يظن أن المشترك هو حقيقة في تلك الحياة الافتراضية؟! بل إنه في حياته الواقعية الحقيقية، فتعرفه على امرأة ورؤيته للباسها المثير ثم كشفها عن عورتها وتمكينه من معاشرتها ألا يظن ذلك الجاحد أن الذي يتأثر حقيقة هو بدن المشتركين الواقعي الحقيقي؟ وكيف سيصرِّف شهوته الحقيقية؟! لا بد له إما أن يمارس الزنى، أو اللواط، وفي أدنى الأحوال سيمارس العادة السرية السيئة، وقل مثل ذلك في لعب ” القمار “، والذهاب إلى الشواطئ التي تكشف فيها العورات، وغير ذلك من المحرمات، فهذا البرنامج السخيف يؤثر في واقع ذلك المشترك، ثم هو سيجرؤه على فعل ذلك في عالمه الواقعة لأن المتعة ستكون ناقصة في حياته الثانية! وكاملة – في نظره – في حياته الأولى.
  2. يمكن لهذا البرنامج أن يسبب أمراضا نفسية للمشترك فيه؛ فإنه في ” الحياة الثانية ” حر طليق، يلبس ما يشاء، يصاحب من يشاء، يفعل ما يشاء، بل يطير إلى أين شاء، ثم إذا انتهى من البرنامج رجع لحياته الواقعية فاصطدم بالحقيقة وأن عليه واجبات، وأنه مقيَّد بدين أو بخلق أو بعادات أو بقانون، وأن ما كان يفعله في تلك الحياة لن يستطيعه في حياته الواقعية، فهو هناك متزوج وهنا أعزب، وهو هناك آمر وهنا مأمور، وهو هناك يطير وهنا ليس عنده سيارة، وهكذا سيصطدم بالواقع مما قد يسبب له انفصاماً في الشخصية، وأمراضًا نفسية قد تؤثر في بدنه فتصبح معها أمراضا عضوية، أو قد يقوده ذلك إلى الانتحار، ولعله من أجل ذلك أنشأت ” جامعة كاليفورنيا ” مقرًّا لها في برنامج ” الحياة الثانية ” من أجل دراسة مرض ” انفصام الشخصية “!.

وعليه:

فالذي نراه أنه لا يجوز لعامة المسلمين الاشتراك في ذلك البرنامج، ولا الدخول في عالمه، وإذا كان ثمة من يزعم أننا بحاجة لمن يعرِّف أولئك بالإسلام: فنقول له: إن ذلك التعريف والتعليم يكون لأهل العلم والمعرفة، وليس من قبل فرد واحد بل من مجموعة، والذي نعلمه أنه يوجد من يقوم بهذه المهمة هناك، فلا داعي لجعل ذلك ذريعة لدخول عامة المسلمين للدعوة إلى الله، وليلتفتوا إلى حياتهم الأولى الحقيقية، وليدْعوا أهليهم وجيرانهم وأقرباءهم، وليهتموا بأولادهم، وليدَعوا الأشخاص الافتراضيين لمن يعرف حالهم، ويعرف كيف يدعوهم، فالمنع للعامة هو المتعين، ولا نستطيع إجراء الحكم على دعاة مجتهدين، أو مواقع إسلامية لتخوض غمار تلك التجربة وتقوم بالدعوة وتعريف الناس بدين الإسلام.

 

والله أعلم.