الرئيسية بلوق الصفحة 97

يريدون ترك الصلاة في المسجد وأداءها في قاعة المحاضرات ليتأثر غير المسلمين!

يريدون ترك الصلاة في المسجد وأداءها في قاعة المحاضرات ليتأثر غير المسلمين!

السؤال:

في الجامعة التي أدرس فيها نقوم بتنسيق أسبوع دعوي توعوي كل سنة، حيث نقوم بدعوة غير المسلمين في الجامعة باستخدام تقنيات مختلفة، هذه السنة جاء المنظمون بفكرة جديدة، واقترحوا أن نصلي إحدى الصلوات في إحدى قاعات الجامعة بدلا من المسجد؛ وذلك بغرض إبراز شعائر الإسلام ومِن ثَم تتكاثر التساؤلات لديهم عن الإسلام، ولكني في الحقيقة غير مطمئن بشرعية هذه الطريقة لأنها إذا نجحت فستتكرر عدة مرات في السنوات القادمة.

فما حكم مثل هذا الفعل؟ وهل إذا تكررت في كل سنَة تصبح من قبيل البدعة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نشكر لكم حرصكم على تبليغ دعوة الإسلام للناس، ونشكر لكم حرصكم على تطبيق السنَّة وعلى عدم مخالفة الشرع، ونسأل الله تعالى أن ييسر مسعاكم، وأن يجزيكم خير الجزاء.

ثم إن الجواب على ما تسألون عنه:

أن الصلاة في المسجد واجبة على كل من كان يسمع النداء بالصوت العادي من غير تعويق مؤثرات ، ولا زيادة بمكبرات، والراجح من أقوال العلماء أن الجماعة إنما تجب في المسجد حيث يُنادى بالصلوات.

وعليه: فإن أهل الوجوب لا يُرخَّص لهم بترك الصلاة في المسجد، وما ذكروه من إظهار شعيرة الصلاة أمام أهل الكفر ليس بعذر للوقوع في مخالفة ترك الواجب.

– ويمكننا اقتراح بعض الصور التي تجمع لأولئك بين قصدهم وبين عدم الوقوع في مخالفة شرعية، ومن ذلك:

  1. أن يقيم الصلاة في القاعة جماعةً مَن ليس مِن أهل الوجوب، كطلبة مسافرين، أو ضيوف غير مقيمين، ومن يشبه هؤلاء في الحكم، ولن تعدموا جماعات من هؤلاء في أسبوعكم الدعوي ذاك.
  2. أن يتم نقل صلاتكم في المسجد بناقل صوت وصورة.
  3. أن تكون صلاة الجماعة في القاعة للمتخلفين عن الجماعة الأولى في المسجد، ومن المعلوم أنه من تفوته الجماعة الأولى في المسجد أنه لا يلزمه الصلاة فيه، بل يمكن أداء الجماعة – وهي واجبة في الأصل – في أي مكان، فتكون القاعة المكان المناسب.
  4. وثمة نقل مباشر للحرمين الشريفين على مدار اليوم كاملا، في قناتين فضائيتين، ويتخلل ذلك أداء الصلاة فيهما، فلعلَّ هذا النقل أن يكون أكثر تأثيراً من صلاتكم أمامهم.

 

على أننا لا نرى أن تهتموا كثيرا بهذه الشعيرة أن تقام في القاعة أمام أولئك المدعوين من غير المسلمين، ولعلَّ حسن استقبالكم ولطف أقوالكم وجميل أفعالكم أن تكون طرقا أقوى في إيصال رسالة الإسلام لأولئك المخالفين.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز تقسيم الأذكار ذات الأعداد على الوقت كله؟

هل يجوز تقسيم الأذكار ذات الأعداد على الوقت كله؟

السؤال:

هل يصح تقسيم الأذكار بشكل عام وذِكر ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ” بشكل خاص؟ بمعنى: هل يؤجر الشخص كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك )، إذا وزَّع – قطَّع – الذِّكر على مدى اليوم مثلا بعد الفجر 50 و 50 بعد العصر أو 20 بعد كل فريضة أو يجب المولاة ليحصل الأجر؟.

الهدف ليس ابتداعا ولكن محولة الاستمرار على هذا الذِّكر، حيث أنه في أغلب الأحيان الشخص منّا يأتي به 30 مرة ثم ينقطع لسبب ما، وسبحان الله ينسى أن يكمل، فإذا وضع الشخص برنامجا دائما لهذا الذِّكر مثلا 20 مرة بعد كل فريضة علما أنه ليس من أذكار الصلاة فيكون المجموع 100 مرة في اليوم، للإيضاح: المقصد هو المداومة والاستمرار بهذا الطريق، وليس في بعض الأحيان.

والله الموفق إلى سواء السبيل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ما يُطلق عليه ” أذكار الصباح والمساء ” يمكن أن يستغرق الإتيان بها وقت الذِّكر كله، وهو طرفا النهار، وليس شرطاً ما يفعله كثيرون من التزام تلك الأذكار في وقت واحد وفي جلسة واحدة، والأفضل في الأذكار التي في ثوابها الحفظ لقائلها أن يُعجَّل بها قبل غيرها، وكلامنا هذا في الذكر الذي لم يأت بأعداد بل يقال مرة واحدة.

ثانيا:

والأعداد التي في الأذكار توقيفية لا يجوز لمن رغب بأجورها وثوابها أن يخالف في عددها وإلا وقع في المخالفة وحرم من أجورها.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله –:

واستنبط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة وإلا لكان يمكن أن يقال لهم أضيفوا لها التهليل ثلاثا وثلاثين، وقد كان بعض العلماء يقول: إن الاعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور: لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد.

” فتح الباري ” ( 2 / 330 ).

ومن خالف هذا فأجاز الزيادة وأنه لا يُحرم الثواب فيُحمل قوله على أن الزائد لا يريد مخالفة الامتثال بل نيته في الزيادة الذِّكر المجرد بعد الامتثال لا بقصد تحصيل أجر أعظم، وكذا وجه الحافظ ابن حجر كلام شيخه العراقي في الموضع السابق.

ثالثا:

وبخصوص عين السؤال: فيقال إن ما ورد في الأذكار التي تقال طرفي النهار يجوز أن تقسَّم على الصباح كله وعلى المساء كله، من غير تخصيص عدد معيَّن بعد فعل معيَّن أو قبله، بل يوزع العدد على الوقت كله حسبما يتيسر له دون التزام لكيفية معينة، والأفضل أن يأتي بالذِّكر الذي فيه عدد كاملا في وقت واحد؛ خشية النسيان أو الخطأ في العد، وأما من حيث الجواز فيجوز ولا يشترط الموالاة فيها، وثمة نصٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بالجواز، فنحن نذكره ثم نعقبه بكلام الشرَّاح.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ).

رواه البخاري ( 6042 ) ومسلم ( 2691 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في هذا الحديث من قال هذا التهليل مائة مرة فب يومه، سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار ليكون حرزاً له في جميع نهاره. ” شرح مسلم ” ( 17 / 17 ).

* وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله ( في يوم ) قال الطِّيبي: ( يوم ) مطلق لم يُعلم في أي وقت من أوقاته، فلا يقيد بشيء منها. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 23 / 25 ).

 

 

والله أعلم.

هل يجوز أداء صلاة الرواتب والنوافل في السيارة في الحضر؟

هل يجوز أداء صلاة الرواتب والنوافل في السيارة في الحضر؟

السؤال:

هل يصح أن أصلِّي صلاة الضحى في السيارة لأني أمكث بها نصف ساعة قبل وصولي للمدرسة؟ وهل يكون لها نفس الأجر لو صليتها بالمدرسة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

– ثمة مسائل ثلاثة هنا:

الأولى: صلاة النافلة في السيارة جالسًا ولغير اتجاه القبلة في السفر.

الثانية: صلاة النافلة في السيارة الواقفة جالسًا باتجاه القبلة في الحضر.

الثالثة: صلاة النافلة في السيارة السائرة جالسًا ولغير اتجاه القبلة في الحضر.

والمسألة الأولى والثانية محل اتفاق بين الفقهاء على الجواز، والمسألة الثالثة خلافية.

وهذا بيانها – باختصار -:

أما المسألة الأولى:

فقد ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى نافلة على راحلته في السفر حيثما توجهت به، فسقط شرط الاتجاه للقبلة، وسقط ركن القيام، لكنَّ ذلك مشروط في كون الصلاة نافلة، ويكون للمصلي نصف أجر المصلي قائمًا.

وعليه: فمن كان مسافرًا راكبًا في سيارة: فله أن يصلي الضحى – أو غيرها من النوافل – في أي اتجاه سارت تلك السيارة، يومئ في ركوعه وسجوده، ويجعل إيماءه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.

عَن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ الْقِبْلَة. رواه البخاري ( 1043 ) ومسلم ( 540 ).

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِى السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.

رواه البخاري ( 955 ) ومسلم – نحوه – ( 700 ).

* وهي مسألة إجماعية.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 228 ):

اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمسافر صلاة النفل على الراحلة حيثما توجهت به . انتهى.

وأما إن كانت السيارة – أو الراحلة – في السفر واقفة: فحكمها حكم الحضر، فيشترط القبلة والسجود، وهي المسألة الآتية.

 

 

وأما المسألة الثانية:

فإنه لا خلاف بين العلماء – أيضًا – في جواز صلاة النافلة في الحضر جالسًا باتجاه القبلة مع القدرة على القيام، وأن للمصلي نصف أجر المصلي قائمًا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

لا نعلم خلافًا في إباحة التطوع جالسًا، وأنه في القيام أفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ ) متفق عليه – رواه البخاري ( 1064 ) فقط -، وفي لفظ مسلم – ( 735 ) – (صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلاَةِ ). ” المغني ” ( 1 / 811 ).

وعليه: فمن صلَّى الضحى – أو غيرها من النوافل أو الرواتب – في سيارته الواقفة جالسًا في الحضر، وكان اتجاه السيارة إلى القبلة – أو استطاع هو أن يتجه إلى القبلة -: فإنه لا حرج عليه لو صلَّى على تلك الحال بالاتفاق، ولا فرق بين أن يصلي جالسًا – والحالة هذه – في سيارة أو في بيت أو مسجد، وله أن يومئ في الركوع، لكن ليس له أن يومئ في سجوده، بل عليه أن يسجد على أرضية السيارة أو كرسيها الذي يصلي عليه، كما يفعل في صلاته جالساً فيما ذكرناه من تلك الأماكن، فحكم السيارة الواقفة حكم الأرض، ولا يسقط عنه شرط الاتجاه إلى القبلة، ولا يسقط السجود لمن كان قادرًا عليه – على الراجح والأحوط من قولي العلماء وهو قول الجمهور – وإنما الذي يسقط عنه هو القيام، والركوع الذي يتبع القيام.

وقد وصفت عائشة رضي الله عنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في بعض حالاتها، وبيَّنت أنه كان يركع وهو قاعد ويسجد وهو قاعد، يعني: يركع من قعود ويسجد من قعود دون أن يأتي بهما وهو قائم، فقد روى مسلم ( 730) عنها رضي الله عنها قولها ” وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ

ويكون للمصلي في تلك الحال نصف أجر صلاة القائم كما سبق ذِكره في الحديث الصحيح.

وأما المسألة الثالثة:

هل يجوز الصلاة في السيارة السائرة جالسًا لغير اتجاه القبلة في الحضر كما هو الحال في السفر أم أن تلك الحال للمصلي لا تصلح إلا في السفر؟.

قولان للعلماء، والجمهور على الثاني، وذهب إلى الأول: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول الطبري والأوزاعي وابن حزم.

 

 

 

وقال به من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن عقيل، والشيخ عبد الله بن قعود، وقال الشيخان عبد الله بن جبرين وعبد الكريم الخضير بالجواز في حال خشي المصلي فوات وقت النافلة أو الراتبة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما الصلاة على الراحلة: فقد ثبت فى الصحيح بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلِّي على راحلته في السفر قبَل أي وجه توجهت به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة.

وهل يسوغ ذلك في الحضر؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، فإذا جوِّز في الحضر: ففي القصر أولى، وأما إذا منع في الحضر: فالفرق بينه وبين القصر والفطر يحتاج إلى دليل. ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 37، 38 ).

– وانظر ” شرح مسلم ” للنووي ( 5 / 211 ) و ” المجموع ” – له – ( 3 / 212 )، و ” المحلى ” لابن حزم ” ( 3 / 56 )، و ” نيل الأوطار ” للشوكاني ( 2 / 149 ).

وتنظر رسالة الشيخ عبد الله بن عقيل حفظه الله التي ألَّفها لهذا المسألة تحديداً وهي بعنوان ” تُحْفَةُ اْلقَافِلَةِ فِي حُكْمِ الْصَّلَاةِ عَلَى الْرَّاحِلَة “.

فعند هؤلاء العلماء يجوز لمن يركب السيارة السائرة في الشارع أن يصلي فيها الضحى – وغيرها من الرواتب والنوافل – جالسًا – ولا يفضَّل ذلك للسائق – ويومئ المصلي في ركوعه وسجوده، ويكون إيماؤه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.

 

والذي نرجحه: هو قول الجمهور، وهو أن صلاة النافلة جالسًا ولغير القبلة إنما هي لمن كان راكبًا على الراحلة السائرة، وفي السفر دون الحضر، وهو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يرجحه من المعاصرين الشيخان عبد العزيز بن باز والعثيمين رحمهما الله، وغيرهما كثير، ولسنا ننكر على أحدٍ أخذ بالقول الآخر؛ فهو قول قوي، وقال به أئمة معتَبرون.

 

 

والله أعلم.

متى يكون المصلي مدركًا لتكبيرة الإحرام؟ وهل ثبت لها فضل معين؟

هل ثبت لإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضائل؟ ومتى يكون المصلي مدركًا لها؟

السؤال:

هل من أدرك الإمام قبل أن يركع الركعة الأولى مدركا لتكبيرة الإحرام وفضلها؟ أفيدوني، مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوارد في فضل إدراك تكبيرة الإحرام أمران: عام صحيح، وليس فيه التنصيص على فضل معيَّن، وخاص ضعيف، وفيه النص على الفضل:

* فمن العام الصحيح:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ).

رواه البخاري ( 590 ) ومسلم ( 437 ) .

– ومعنى ( استهموا ) أي: اقترعوا.

* قال النووي – رحمه الله -:

التهجير: التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت، قال الهروي وغيره: وخصَّه ” الخليل ” بالجمعة. والصواب المشهور: الأول. ” شرح مسلم ” ( 4 / 158 ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث أيضًا: فضل النداء، وهو الأذان، وفضل الصف الأول، وفضل البكور بالهاجرة إلى الصلاة في المسجد، في الجمعة، وغيرها، ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بكَّر، وانتظر الصلاة، وإن لم يصلِّ في الصف الأول: أفضل ممن تأخر، ثم تخطى إلى الصف الأول، وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصف الأول: أنه ورد من أجل البكور إليه، والتقدم. ” التمهيد ” ( 22 / 14 ).

والشاهد من الحديث هو: الحث على التهجير، وهو التبكير في الحضور إلى الصلاة.

* وأما الخاص الضعيف:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ ). رواه الترمذي ( 241 ) وضعفه، وضعفه الحافظ ابن حجر كما في ” التلخيص الحبير” ( 2 / 520 )، وضعفه – كذلك – جمعٌ من العلماء من المتقدمين، والمتأخرين.

 

* قال ابن الملقن – رحمه الله -:

مروي من طرق، وقد نص غير واحد من الأئمة على ضعف هذا الحديث.

” البدر المنير ” ( 4 / 397 ).

– وللوقوف على فضل التبكير إلى المسجد للصلاة، وحال الصحابة والسلف في ذلك، وحرصهم على إدراك تكبيرة الإحرام.

ثالثًا:

وعلى القول بتحسين حديث الترمذي السابق – وقد حسَّنه الألباني-: فإن في متى يكون المأموم مدركًا لتكبيرة الإحرام مع الإمام أقولًا، أشهرها:

الأول: أنه يكون مدركًا لها إذا كبَّر بعد إمامه قبل أن يشرع الإمام في دعاء الاستفتاح.

الثاني: أنه يكون مدركًا لها قبل أن يشرع الإمام في الفاتحة.

الثالث: أنه يكون مدركًا لها إذا أدرك مع الإمام ركوع الركعة الأولى.

والراجح من الأقوال: هو القول الأول، وهو ظاهر حديث ( إذَا كبَّر فَكبِّروا )، وأنه إذا شرع الإمام بدعاء الاستفتاح: فقد فاته الإدراك، وهو الذي رجحه النووي، والمناوي، والمباركفوري، والعثيمين، وغيرهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

واختلف أصحابنا فيما يُدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه:

أصحها: بأن يحضر تكبير الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته، من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر: لم يدركها.

والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط.

والثالث: بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى.

والرابع : بأن يُدرك شيئًا من القيام.

والخامس: إن شغله أمر دنيوي: لم يدرك بالركوع، وإن منعه عذر، أو سبب للصلاة – كالطهارة -: أدرك به.

* قال الغزالي في ” البسيط ” في الوجه الثالث والرابع: هما فيمن لم يحضر أحرام الإمام، فأما من حضر: فقد فاته فضيلة التكبيرة، وإن أدرك الركعة.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 206، 207 ).

* وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

وإنما يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

 

 

 

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارئ في ” المرقاة “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا كبَّر فكبروا ) فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح : فقد فاتته تكبيرة الإحرام. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

*وسئل – رحمه الله – أيضًا-:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

وبخصوص الصلاة السريَّة: فإنه يقدَّر إدراك تكبيرة الإحرام فيها بالوقت.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

تفصيل القول في حديث ( من صلى لله أربعين يومًا … ) روايةً ودرايةً

السؤال:

السلام عليكم سؤالي: قرأت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي حسنه الألباني: ( من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق ).

سؤالي: أحيانا في الجامعة، أو في الشركة، توجد مصليات، ولا يوجد مسجد، وكل من أتى أقام وصلَّى بمن معه، وأحيانا تتأخر المحاضرة إلى بعد الأذان، فيسبقوننا، ويقيمون الصلاة قبل قدومنا، فهل يصح إذا كنت أريد تطبيق الحديث أن لا أصلي معهم، وأنتظر جماعة أخرى كي أدرك تكبيرة الإحرام، علمًا أن الجماعة الأخرى دائما تكون موجودة؛ لأن الجامعة تضم عدد ضخمًا من الطلاب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث، والكلام عليه:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ).

* رواه الترمذي ( 241 ) وقال:

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا، وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلاَّ مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو. انتهى.

وقد ضعَّف الحديث جمع من العلماء المتقدمين، والمتأخرين، وأعلُّوه بالإرسال، والاضطراب، ونذكر منهم: الترمذي، والدارقطني، وابن الجوزي، وابن حجر، وغيرهم كثير.

وقد حسَّنه الشيخ الألباني، كما في ” صحيح الترمذي ” و ” السلسلة الصحيحة ” (2652 ).

ورأى من صحح وقفَه من أهل العلم أن له حكم الرفع، كون مثله لا يقال بالرأي، فجعلوا في حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لثبوته عن أنس عندهم، ولكونه لا يقال بالرأي.

* وفي ” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ):

قال القارىء: ومثل هذا ما يقال من قبَل الرأي، فموقوفه في حكم المرفوع.

انتهى.

 

ثانيًا:

وأما معناه:

فقد ذهب بعض العلماء إلى أن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام الوارد في الحديث يستمر إلى إدراك الركوع معه، وقال بعضهم بأن إدراكها هو بتكبيره للإحرام قبل شروع الإمام في قراءة الفاتحة، وطائفة ثالثة من العلماء يرون أن إدراك تكبيرة الإحرام يكون بإدراك الإمام قبل شروعه بدعاء الاستفتاح، وهذا أرجح الأقوال.

* قال النووي – رحمه الله – وذكَر قولين إضافييْن -:

واختلف أصحابنا فيما يُدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه:

أصحها: بأن يحضر تكبير الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته، من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر: لم يدركها.

والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط.

والثالث: بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى.

والرابع: بأن يُدرك شيئاً من القيام .

والخامس: إن شغله أمر دنيوي: لم يدرك بالركوع، وإن منعه عذر، أو سبب للصلاة – كالطهارة -: أدرك به.

* قال الغزالي في ” البسيط ” في الوجه الثالث والرابع: هما فيمن لم يحضر أحرام الإمام، فأما من حضر: فقد فاته فضيلة التكبيرة، وإن أدرك الركعة.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 206، 207 ).

* وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

وإنما يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارىء في ” المرقاة “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا كبَّر فكبروا ) فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح: فقد فاتته تكبيرة الإحرام. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

* وسئل – رحمه الله – أيضًا -:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

ثالثًا:

ومع ضعف الحديث إلا أنه لا يمنع من الالتزام بإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقد كان هذا هو هدي السلف، ولم يكن يقصدون العمل بهذا الحديث، ولذا فقد صحَّ عن كثيرين منهم إدراك السنوات الكثيرة لتكبيرة الإحرام مع الإمام، وليس فقط أربعين يومًا.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

ما فضل متابعة الإمام في تكبيرة الإحرام؟

فأجاب:

لا أعلم في فضل إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام حديثًا إلا ما أخرجه الترمذي من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: ( مَن صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق )، لكنَّه لم يصح مرفوعًا، وقد روي موقوفًا على أنس، كما أخرجه ابن أبي شيبة في ” مصنفه “، وجاء أيضا خبر: ( لكل شيء أنْف، وإن أنْف الصلاة : التكبيرة الأولى ) لكنه ضعيف، وأيضًا: ( لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى ) وهو ضعيف أيضًا، وفيه أحاديث لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، لكن السلف الصالح كانوا شديدي الحرص عليها، ولهم في ذلك أخبار، فهذا قاضي بغداد ” ابن سماعة ” رحمه الله يقول الذهبي في ” الميزان ” عندما ترجم له: ” وقال أحمد بن عمران سمعته يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي، فصليتُ خمسًا وعشرين صلاة أريد التضعيف”.

وفي مسند ” ابن الجعد ” قال: حدثنا محمود بن غيلان قال : قال وكيع: ” كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفتُ إليه قريبًا من سنتين فما رأيته يقضي ركعة “.

وفي ” حلية الأولياء ” عن الأوزاعي رحمه الله قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحدٍ من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس، وفي ” الحلية ” أيضًا عن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: ” ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنَة، وما نظرتُ في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة “، والمعنى: أنه يكون في الصف الأول من شدة حرصه على المبادرة إلى الصلاة.

وفي ” الحلية ” عن إبراهيم التيمي رحمه الله قال: ” إذا رأيتَ الرجلَ يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه “.

وآثار السلف الدالة على أهمية تكبيرة الإحرام، وفضلها، وحرصهم عليها: كثيرة، وفي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فضائل، منها: تحصيل أجر الجماعة من مبدئها حتى نهايتها، وبالحرص عليها أيضًا يحصل التبكير إلى الصلاة، وهو مندوب، وبالحرص عليها وتعاهدها يكون قلب العبد معلقًا بالمساجد، وهذه صفة أحدِ مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وبالجملة: فالحرص عليها فيه تحصيل لمنافع شرعية، واتباع لسيَر السلف الصالح، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 64 / 85 ، 86 ).

رابعًا:

والمقصود في الحديث لمن أراد العمل به: هو إدراك الجماعة الأولى، مع الإمام الراتب، وليس الجماعة الثانية، أو ما بعدها؛ لأن فضائل الصلاة من حيث التبكير، والصف الأول، والجمع بين الصلاتين لعذر المطر، وغير ذلك: إنما تكون لمن أدرك الجماعة مع الإمام الراتب.

وإذا كان المسجد مسجدَ سوق، أو مجمع تجاري، أو مطار، أو طريق سفر، وليس له إمام راتب: فحيث صلَّى المسلم مع إحدى جماعات ذاك المصلى، وأدرك تكبيرة الإحرام معه: أدرك الفضل الوارد في الحديث إن شاء الله.

ومثله يقال فيمن كان من أهل الأعذار الشرعية، وصلَّى جماعة في بيته مع أهله، أو كانوا مسافرين وصلوا جماعة في طريق السفر.

* قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي – حفظه الله -:

ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حيٍّ: أدرك ذلك في مسجد الحيِّ، وإذا كان مع إمامه الذي صلَّى معه جماعة – كأن يكون في سفر -: فالعبرة بجماعة مَن سافر معهم

” شرح زاد المستقنع ” ( الدرس رقم: 75 ).

وعليه: فمن صلَّى في بيته جماعة وهو من غير أهل الأعذار ، أو أدرك تكبيرة الإحرام مع الجماعة الثانية في مسجد له إمام راتب : لم يحصل الفضل الوارد في الحديث .

 

وبخصوص حالتك على التحديد: اعلم أن الجماعة الثانية والثالثة والرابعة في المصليات التي ليس لها إمام راتب: أن إدراك إحدى جماعاتها عند دخولك المصلى له حكم الجماعة الأولى في مسجد له إمام راتب ، ولا يحل لك تفويت ما تدركه من تلك الجماعة من أجل أنك لم تدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بل يلزمك الدخول مع الجماعة، على الحال التي عليها إمام تلك الجماعة.

 

وثمة فائدة لم نرَ من نبَّه عليها، وهي: أنه ليس في الحديث – على فرض صحته – أن الأربعين يومًا تكون متتالية! فيُرجى لمن حافظ على هذا العدد ولو غير متتالٍ أن يحصِّل الفضل الوارد فيه.

 

 

والله أعلم.

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟

السؤال:

الناس في الجنة مراتب متفاوتة، فمنهم في مكانة عالية، وبعضهم في مكانة أقل، وبعضهم أقل، وهكذا، فهل يستطيع الذي في المكانة الأقل أن يحصل على نفس ما يحصل عليه الذي فوقه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما يعتقده المسلمون أن الجنة درجات، وأن الله قد وعد الطائعين بمنازل في الجنة إن هم قاموا بما حثَّهم عليه من تلك الطاعات، وما ذلك التفاضل بين أهل الجنة في المنازل  والدرجات: إلا بسبب تفاضلهم في أعمال الطاعات في الدنيا.

قال تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء/ 21، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) الأنعام/ من الآية132.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والجنَّة درجات، متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات: بحسب إيمانهم، وتقواهم . ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 188 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَلِكُلٍّ ) منهم ( دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) بحسب أعمالهم، لا يُجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب، والجنة وإن اشتركوا في الربح، والفلاح، ودخول الجنة: فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم.

فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفيْن من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده. ” تفسير السعدي ” ( ص 274 ).

ثانيا:

ومما لا شك فيه أن أهل الجنة يتفاوتون في النعيم في الجنان، بحسب درجتهم فيها، فليس من يسكن ” الفردوس ” كمن يسكن في الجنان دونها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري ( 2637 ) ومسلم ( 2831 ).

– ومعنى ” أوسط الجنة ” أي: أفضلها.

وقد ذكر الله تعالى وصفًا لجنان من خاف مقامه سبحانه وتعالى، فقال: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) الرحمن/ 46 – 48، فوصفهما، ثم قال تعالى: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) الرحمن/ 62، فتبين به اختلاف الجنان بعضها عن بعض بحسب أعمال أهلها، ومنزلتهم عند ربهم.

ثالثًا:

وقد ثبت في صحيح السنَّة أن أهل الجنة في الدرجات الدنيا يرون من فوقهم.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ).

رواه البخاري ( 3083 ) ومسلم ( 2831 ).

* قال القرطبي – رحمه الله -:

اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو، والصفة، بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض، وأرفع.

وقوله ( الغائر من المشرق أو المغرب ) يروى بالياء اسم فاعل، من غار، وروي ” الغابر ” بالباء بواحدة، ومعناه الذاهب، أو الباقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه، وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بيَّنه بقوله ( من المشرق أو المغرب ) و قد روي العازب بالعين المهملة والزاي, أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى. ” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 398 ).

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا). رواه الترمذي ( 3658 )، وحسَّنه، وابن ماجه ( 96 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

والمعنى: أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم، بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم مَن هو أسفل منهم كالنجوم.” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 273 ).

 

رابعًا:

وما ذكرناه فيما سبق يبين بوضوح أنه لا يستطيع أهل الدرجات الدنيا تحصيل ما في الدرجات العلى؛ لعدم قيامهم بما استحقوا من أجله تلك الدرجات، ولو اشترك أهل الجنان بالنعيم الذي أعده الله لمن هو فوقهم: لما كان للتفاوت في المنازل والدرجات حكمة! ومن عظيم عدل الله تعالى أن لا يساوي بين المستحقين للجنة في الدرجة والنعيم؛ فالتفاضل بين الناس في الدنيا في الإيمان والطاعات يؤدي إلى التفاضل في المنازل والدرجات عنده سبحانه وتعالى.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقوله: ( والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين؛ وذلك ليُعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية، ولا تلجلج، وإلا فكيف تُنال الغرفات بالإيمان, والتصديق الذي للعامة؟! ولو كان كذلك: كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا )، والصبر: بذل النفس الثبات له، وقوفًا بين يديه بالقلوب، عبوديةً، وهذه صفة المقربين.

” التذكرة ” ( ص 398 ).

مع التنبيه على أنه ليس ثمة حسد في الجنة ولا بغضاء، وفي ذلك قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) الحجر/ 47.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُون، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا .

رواه البخاري ( 3073 ) ومسلم ( 2834 ).

* قال ابن عطية الأندلسي -رحمه الله -:

وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنَّا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم، على قدر أعمالهم, وعلى قدر فضل الله على من شاء. ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ” ( 2 / 91 ).

 

 

 

خامسًا:

وما هي السبل التي يمكن أن يرتقي بها المسلم في الجنة ليصل إلى درجة أعلى مما هو فيه؟:

  1. محض فضل الله.

فقد يمنُّ الله على من يشاء من عباده، فيكرمه برفع منزلته في الجنة إلى حيث يشاء سبحانه، والله ذو الفضل العظيم، وعليه يدل عموم قوله تعالى ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/ من الآية83، وهو داخل في معنى صفته تعالى ” رفيع الدرجات ” على أحد التفسيرين، قال تعالى: ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) غافر/ 15.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقال يحيى بن سلام: ” هو رفعة درجة أوليائه في الجنة “، فـ ( رَفِيعُ )0 على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 299 ).

* وقال أبو حفص الدمشقي – رحمه الله -:

وهذا يحتمل أن يكون المراد منه: ” الرافع “، وأن يكون المراد منه ” المرتفع “، فإن حملناهُ على الأول: ففيه وجوه:

الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء، والأولياء في الجنة .

والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم، والأخلاق الفاضلة.

” اللباب في علوم الكتاب ” ( 17 / 23 ).

  1. شفاعة الشافعين.

وفي ذلك حديثان:

أ. عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ) – وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ – ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ ). رواه البخاري ( 4067 ) ومسلم ( 2498 ).

– وأبو عامر هو الأشعري، وهو عم أبي موسى، رضي الله عنهما.

ب. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ). رواه مسلم ( 920 ).

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والنوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات. ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 13 / 56 ).

واستدل – رحمه الله – على كلامه بالحديثين السابقين.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الشفاعة -:

النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي سلمة: ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه )، والدعاء شفاعة، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه ).

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 9 / 326 ).

  1. دعاء واستغفار الولد لوالده.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ).

رواه ابن ماجه ( 3660 )، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1598 ).

  1. إلحاق الآباء بدرجة الأبناء والعكس.

قال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21.

وعن ابن عباس قال: ” إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ” ، وهو أثر صحيح ، له حكم الرفع ، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ) .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

قال عز وجل: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور/21، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا: هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم.

وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )، ( ألتناهم ) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ).” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 187 ).

سادسًا:

وليُعلم بعدما سبق أن نزول أصحاب الدرجات العليا إلى الدرجات الدنيا: أنه لا يوجد ما يمنع منه، بخلاف العكس؛ فإنه الذي لا يوجد ما يدل عليه، بل الوارد هو أنه لا يحصل، وذلك بالنظر إلى الأحاديث التي جاء فيها أنهم ينظرون إليهم، دون الارتقاء إليهم، ولمخالفته الحكمة التي من أجلها جُعل التفاضل بين الدرجات.

وأعلى ما وقفنا عليه من كلام أهل العلم في المسألة هو ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” ( 422 ) عن حميد بن هلال قال: بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى. وحميد من التابعين، وإسناده إليه صحيح.

* هذا، وقد جاءت أحاديث تنص على ما قررناه، لكنها لا تصح، ومنها:

  1. عن أبي سلام الأسود قال: سمعتُ أبا أمامة قال: سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: ( نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم ). رواه ابن أبي حاتم في ” تفسيره ” ( 10 / 3371 ).

وفيه ضعف، فيه سعيد بن يوسف.

* قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، ليس بالقوي. ” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 1 / 327 ).

  1. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا، فيزور أهل عليين من أسفل منهم، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا ). رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 8 / 240 ). وفيه: بِشر بن نُمير، متروك، وقد اتهم بالوضع.

* قال الهيثمى – رحمه الله -:

فيه بشر بن نمير وهو متروك. ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 496 ).

– “الحشايا”: هي الفرش المحشوة.

  1. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” برقم ( 421 ) من طريق جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه.

– وجعفر بن الزبير: متروك، وقد اتهم بالوضع.

– وبشر بن نمير: سبق بيان حاله.

  1. ( إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا ) . وهو حديث ضعيف، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5029 ).

 

 

والله أعلم.

لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!

لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!

السؤال:

أنا أفعل معاصي كثيرة، مثل كثير من الناس، ولكنني لا أستطيع أن يفوت عليَّ يوم دون أن أكون قد أديت صلواته كاملة، وأشعر بأنه ينقصني شيء إذا ضاعت عليَّ صلاة، حتى لو كنت قد فعلت معاصي كبيرة، فهل تلك الصلاة تكون مجرد عادة أم عبادة؟ وإذا كانت عادة ماذا أفعل لكي أجعلها عبادة، وأخشع فيها؟.

وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

إن العلاقة بين ترك المعاصي والسيئات وبين إقامة الصلاة: علاقة وثيقة متداخلة، وما تقوله أيها السائل يُرى في كثيرين ممن التزموا الصلاة، ومع ذلك لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر! فما هو سبب ذلك؟ يمكن إجمال الأسباب في سببين:

الأول: وجود الخلل في الصلاة ذاتها. الثاني: النفاق! – عياذًا بالله -.

والذي يَظهر لنا أن غالب الناس الذين يُرى عليهم عدم الانفكاك بين الصلاة وبين فعل الفحشاء والمنكر إنما يعود أمرهم إلى السبب الأول، وهو الخلل في الصلاة ذاتها، ومؤدَّى ذلك أن صارت الصلاة في حياتهم عادة، لا عبادة.

* والذي نرجو منك تأمله لعلاج مشكلتك أشياء، منها:

  1. أن الله تعالى لم يأمر في آية واحدة بأداء الصلاة! بل بإقامتها، ولم يذكر الله تعالى في صفة المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة، بل يقيمونها، وشتان بين الأداء والإقامة، وهو كالفرق بين العادة والعبادة، والذي يقيم الصلاة حقًّا هو الذي ينتهي عن فعل المعاصي والسيئات، ففي وصف المؤمنين قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) البقرة/ 3.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ثم قال: ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة: إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله، ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة: فرائضها، ونوافلها.

” تفسير السعدي ” ( ص 40 ).

 

  1. أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاستعانة بالصلاة، ومن أعظم وجوه الاستعانة: التخلي عن الصفات والأفعال القبيحة، والتحلي بالصفات والأفعال المليحة، قال تعالى: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة/ 45.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عونًا للإنسان؟.

الجواب: تكون عونًا: إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها، أما صلاة غالب الناس اليوم: فهي صلاة جوارح، لا صلاة قلب، ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر: ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها، ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب، لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة: لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة ) – رواه النسائي ( 3940 )، وهو صحيح -، أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها: فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة، فيفوِّت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت/ 45، وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها، لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو على ما هو عليه، لا لانَ قلبُه لذِكر، ولا تحوَّل إلى محبة العبادة. ” تفسير سورة البقرة ” ( 1 / 164، 165 ).

  1. وإذا أردتَ أن تكون الصلاة عبادة لا عادة، وأن تستعين بها على طاعة الله تعالى، وترك الفواحش والمنكرات: فعليك أن تقيمها حق القيام، وأن تتفكر بما فيها من تكبير، وتسبيح، وتحميد، وقرآن، وأن تتأمل ركوعك، وسجودك، وأن تستشعر قربك من ربك تعالى، وقرب ربك منك، وبهذا تكون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وخاصة إذا علمت الحكمة العظيمة في جعلها خمس صلوات على طول اليوم؛ فكلما خبت تقواك، ونشطت نفسك الأمارة بالسوء: جاءت الصلاة الأخرى، وهكذا تبقى محاطًا من كيد الشيطان متصلًا بربك تعالى على الدوام. قال الله تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.

* قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله، من أقوال، وأفعال، من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكِّر بالله تعالى، إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يُرضي الله، وهذا كما يقال: ” صديقك مرآة ترى فيها عيوبك “، ففي الصلاة من الأقوال: تكبير لله، وتحميده، وتسبيحه، والتوجيه إليه بالدعاء، والاستغفار، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد، والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له، وطلب الإعانة، والهداية منه، واجتناب ما يغضبه، وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله، والإقلاع عن عصيانه، وما يفضي إلى غضبه، فذلك صدٌّ عن الفحشاء والمنكر.

وفي الصلاة أفعال هي خضوع، وتذلل لله تعالى: من قيام، وركوع، وسجود ، وذلك يذكِّر بلزوم اجتلاب مرضاته، والتباعد عن سخطه، وكل ذلك مما يصدُّ عن الفحشاء، والمنكر.

وفي الصلاة أعمال قلبية: من نية، واستعداد للوقوف بين يدي الله، وذلك يذكِّر بأن المعبود جدير بأن تُمتثل أوامره، وتُجتنب نواهيه.

فكانت الصلاة بمجموعها: كالواعظ الناهي عن الفحشاء، والمنكر ….

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار، والليل؛ ليتجدد التذكير، وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك: تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان، حتى تصير التقوى ملَكة لها، ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.

روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: ( سينهاه ما تقول ) أي: صلاته بالليل.

واعلم أن التعريف في قوله ( الفحشاء والمنكر ) تعريف الجنس، فكلما تذكَّر المصلي عند صلاته عظمة ربه، ووجوب طاعته، وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر: كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء، والمنكر.

” التحرير والتنوير ” ( 20 / 259، 260 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها، وشروطها، وخشوعها: يستنير قلبُه، ويتطهر فؤادُه، ويزداد إيمانُه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل – أو تعدم – رغبته في الشرِّ، فبالضرورة مداومتها، والمحافظة عليها على هذا الوجه: تنهى عن الفحشاء، والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها. ” تفسير السعدي ” ( ص 632 ).

  1. وما قلناه يؤكده حديث في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، يبيِّن فيه نبينا أن الخلل هو في صلاة المسلم، وأنه متى أقامها، وأحسن شروطها، وواجباتها: نهته عن الفحشاء والمنكر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، قَالَ: ( إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ ).

رواه أحمد ( 15 / 483 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3482 ).

وليس المسلمون على درجة واحدة في حضور القلب، والاطمئنان، في الصلاة، بل قد بين لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تفاوتهم في هذا، ويُبنى عليه: تفاوتهم في الأجر، وتفاوتهم في فعل المنكرات.

عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا ). رواه أبو داود ( 796 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولهذا يجب علينا جميعًا – وأقول ذلك لنفسي قبلكم – أن نراجع قلوبنا كل ساعة، وكل لحظة، أين يعيش القلب؟ بماذا ينشغل؟ لماذا ينصرف عن الله؟ لماذا يلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثير من الناس، حتى إنه ليصرف الإنسان عن صلاته، التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته: ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا، حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وعد الله؟ حينها يقال: يا أخي! هل صلاتك صلاة؟ إذا كنت من حين تكبِّر تفتح لك أبواب هواجس لا نهاية لها، فهل أنت مصلٍّ ؟ صليتَ بجسدك لكن لم تصلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها ) حسب ما يعقل منها.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 34 / المقدمة ).

  1. وأما من استمر على فعل الفواحش والمنكرات وهو يصلي ويحافظ على صلواته: فليعلم أنها صلاة خاوية، وأنه ليس له منها إلا السهر والتعب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ).

رواه ابن ماجه ( 1690 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* قال المناوي – رحمه الله -: يعني: أنه لا ثواب له؛ لفقد شرط حصوله، من نحو إخلاص، أو خشوع، أما الفرض: فيسقط طلبه. “التيسير بشرح الجامع الصغير” (2 /55). وللاستعانة على الخشوع في الصلاة: انظر جواب السؤال رقم ( 25778 ).

* ونوصيك بتقوى الله تعالى، والخوف منه، واستشعار رقابته، واترك فعل المعاصي قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها، وتب إلى الله مما فعلته توبة صادقة، واصدق مع ربك في عدم الرجوع لفعل ما يُسخطه، وأصلح ما بينك وبينه تعالى، وثق بوعد الله في تبديل سيئاتك حسنات، وفي تثبيتك على الهداية والطاعة.

والله الموفق.

لمَ تترك المرأة الصلاة أثناء نفاسها؟

لمَ تترك المرأة الصلاة أثناء نفاسها؟

السؤال:

عندما تلد المرأة لماذا لا تصلي لمدة أربعين يومًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد تصلِّي المرأة التي تلد قبل إتمام أربعين يوما باتفاق الفقهاء؛ إذ لا حد لأقل النفاس، وإنما اختلف العلماء في أكثره، فقد جمهورهم إنه أربعون يومًا، وقال الحسن البصري: خمسون، وقالت طائفة: ستون، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من المحققين: لا حدَّ لأكثره، بل متى انقطع دم النفاس، ورأت المرأة علامة الطهر: انتهى زمن نفاسها. وهذا القول هو الصحيح.

 

ثانيًا:

النفساء لها أحكام الحائض في جميع أحكامها المتعلقة بما يحرم عليها، ويسقط عنها، وقد أجمع المسلمون على اشتراكهما في تحريم الصيام، والصلاة، وكذا يحرم على الزوج جماعهما، إلى أن تطهران.

ومما يدل على ذلك الاشتراك: إطلاق اسم ” النفاس ” على الحيض في مواضع من السنَّة النبويَّة، ومنها:

أ. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَرِفَ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: ( مَا لَكِ؟ أَنَفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ).

رواه البخاري ( 5239 ) ومسلم ( 1211 ).

ب. وعن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: ( أَنُفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. رواه البخاري ( 294 ) وبوَّب عليه: باب من سمى النفاس حيضًا، ومسلم ( 296 ).

* قال ابن المنيِّر السكندري – رحمه الله – تعليقًا على ترجمة الإمام البخاري -:

إن قلتَ: ما فقه الترجمة، وكيف تطابق الحديث، وإنما فيه تسمية الحيض نفاسًا، لا تسمية النفاس حيضًا؟.

قلتُ: أما فقههما: فالتنبيه على أن حكم الحيض والنفاس في منافاة الصلاة، ونحوها: واحد، وألجأه إلى ذلك: أنه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس، فاستنبط من هذا الحديث: أن حكمهما واحد.

وظن الشارح أنه يلزم من تسمية الحيض نفاسًا تسمية النفاس حيضًا، وليس كذلك؛ لجواز أن يكون بينهما عموم كالإنسان والحيوان، والعَرَض واللون، وإنما أخذه البخاري من غير هذا، وهو أن الموجب لتسمية الحيض نفاسًا: أنه دم – والنَّفْس: الدم – فلما اشتركا في المعنى الذي لأجله سمِّيَ النفاس نفاسًا: وجب جواز تسمية الحيض نفاسًا، وفهم أنه دم واحد، وهو الحق، فإن الحمْل يَمنع خروج الدم المعتاد، فإذا وضعَتْ: خرج دفعة، وهذا ينبىءُ على أن تسمية النفاس لم يكن لخروج النفْس التي هي النَّسَمة، وإنما كان لخروج الدم، والله أعلم.

” المتواري على أبواب البخاري ” ( ص 81، 82 ).

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها، وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها. ” المغني ” ( 1 / 392 ).

 

ثالثًا:

ولا بدَّ لكل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى ما شرعَ حكمًا إلا لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وإنما واجب المسلم التسليم لأمر الله تعالى بتنفيذه، ولنهيه بتركه والكف عنه، ولا مانع من البحث عن حكَم تلك الأوامر والنواهي مما لم يُذكر في النصوص، شريطة عدم الجزم به، وعدم تعليق تنفيذ تلك الأوامر بمعرفة تلك الحكمة، ولا بدَّ للمسلم من أن يعلم أن التسليم لأمر الله مع جهله بالحكمة أعظم من التسليم لها مع معرفتها؛ لظهور التعبُّد في الأولى، كما لا يخفى.

قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/ 65.

* وهذا كان حال سلف الأمة كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:

وكان مِن أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامهم بالكتاب، والسنَّة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة، والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبل من أحدٍ قط أن يعارِض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وَجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى، ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم: فيه نبأ من قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحُكم ما بينهم، هو الفصل ليس بالهزل .. .

” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 28 ).

* وقال الأوزاعي – رحمه الله -:

من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم.

“التمهيد ” ( 6 / 14 ).

وفي هذا السياق نفسه: جاءت امرأة لعائشة رضي الله عنها تسألها لم كانت الحائض – ومثلها النفساء بالطبع – تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، فما كان من عائشة إلا أن أجابت بالنص الذي يأمر بهذا، دون تعليل ذلك الحكم، أو ذكر معنى له، وقد ظنتها عائشة أنها ليست من أهل السنَّة بسؤالها ذلك، وظنتها من الخوارج، فلما علمت أنها جاءت مستفسرة، لا متعنتة: أجابتها بالنص، ولم تزد.

عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.

رواه البخاري ( 315 ) ومسلم ( 335 ).

* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

و ” الحروري “: مَن ينسب إلى ” حروراء “، وهو موضع بظاهر الكوفة، اجتمع فيه أوائل الخوارج، ثم كثر استعماله حتى استُعمل في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: ” أحرورية أنتِ؟ “، أي: أخارجية؟، وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة، وإنما ذكرت ذلك أيضًا لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صيغتها قد تشعر بتعجب، أو إنكار، فقالت لها عائشة: ” أحرورية أنتِ؟ ” فأجابتها بأن قالت: ” لا، ولكني أسأل ” أي: أسأل سؤالاً مجردًا عن الإنكار، والتعجب، بل لطلب مجرد العلم بالحكم، فأجابتها عائشة بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ، وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة فإنها عرضة للمعارضة.

والذي ذكره العلماء من المعنى في ذلك أن الصلاة تتكرر، فإيجاب قضائها مفضٍ إلى حرج ومشقة، فعفي عنه، بخلاف الصوم؛ فإنه غير متكرر فلا يفضي قضاؤه إلى حرج، وقد اكتفت عائشة رضي الله عنها في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونه لم يؤمر به ….” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 90 ).

 

رابعًا:

ومع كل ما سبق: فإن بعض المشككين أراد الطعن في حكمة التشريع، فقال: كيف تؤمر الحامل بالصلاة مع ما تعانيه من تعب، وتبذله من جهد، وتترك الحائض والنفساء الصلاة، وليس يصيبهما ما يصيب الحامل، وكما قلنا فإن الأمر في ذلك تعبُّدي في أصله، ومن آمن بالله ربًّا، وعلم ما لله تعالى من صفات الكمال والجلال: لم يشك للحظة أن في تشريعه هذا من الحكَم الجليلة ما فيه، وليس على المرأة إلا أن تصلي في حال حملها، لا يسعها ترك الصلاة، وتترك النفساء والحائض الصلاة، بل ويحرم عليها أداؤها.

والمعلوم أن المشقة التي تصيب الحامل في الصيام ليست هي ذاتها التي تصيبها في الصلاة، وهذا لا يشك فيه عاقل، ولذا أبيح لها الفطر في الصيام الواجب إن كانت حاملًا، ولم يُبح لها ترك الصلاة.

 

ولا نجد لذات السؤال خيرًا من جواب عائشة رضي الله عنها، ولا نمانع قبول البحث في حكمة ذلك التشريع بالشرطين السابقين.

 

ونذكر الأخوات المسلمات أن من تركت الصلاة والصيام في حال حيضها أو نفاسها أجرت على ذلك الامتثال، فلم تضع عليها تلك الأيام، بل هي تاركة للعبادات بجوارحها، لكنها مأجورة على ذلك الامتثال.

 

* وفي ” حاشية قليوبي ” ( 1 / 114 ):

وتثاب الحائض على ترك ما حرم عليها، إذا قصدت امتثال الشارع في تركه.

انتهى.

 

 

والله أعلم.

كيفية التخلص من ذنوب الخلَوات؟ وشرح ميسر لحديث ( الإثم ما حاك في صدرك )

كيفية التخلص من ذنوب الخلوات؟ وشرح ميسر لحديث ( الإثم ما حاك في صدرك )

السؤال:

ما المقصود بـ ” ذنوب الخلوات “؟ وكيف يستطيع الإنسان التخلص منها؟.

ولدي استفسار:

حديث ( الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) المفهوم من الحديث: أن الإنسان بفطرته يخجل من الإثم، ويخفيه عن الناس، فكيف الرابط بين كون الإثم مجرد إثم يرتكبه الإنسان كونه غير معصوم، وكون هذا الإثم يعدُّ من ذنوب الخلوات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المسلم في هذه الدنيا معرَّض للوقوع في الذنب، والمعصية, والواجب عليه – إن وقع فيهما – أن يسارع إلى التوبة، والاستغفار، قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/ 110، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 68 – 71.

 

والله تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، كما جاء في الحديث عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ). رواه البخاري  ( 5950(  ومسلم ( 2747 ) – واللفظ له -.

 

 

 

 

 

ثانيًا:

والواجب على المسلم أن يحذر من ذنوب الخلوات, فالله تعالى قد ذم من يستخفي بذنبه من الناس، ولا يستخفي من الله، قال تعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) النساء/ 108.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذنوب الخلوة والسر، كما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ( لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ).

رواه ابن ماجه ( 4245 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

ثالثًا:

وأما الأسباب التي يدفع بها الإنسان ذنوب الخلوات:

أ. الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء, والتضرع إليه، أن يصرف عنه الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة/ 186.

ب. مجاهدة النفس، ودفع وسوستها، ومحاولة تزكيتها بطاعة الله، قال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) الشمس/ 7 – 10، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت/ 69.

ت. تأمل الوعيد العظيم الوارد في حديث ثَوْبَانَ السابق ذِكره، وخشية انطباقه على فاعل تلك الذنوب في خلواته.

ث.  استشعار مراقبة الله تعالى، وأنه رقيب، ومطلع على المسلم في كل حال.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ذُكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له، أو لغيره:

إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا تَقُل … خَلَوتُ وَلكن قُل عَليّ رَقيب

وَلا تَحْسَبَن الله يَغْفُل ساعةً … وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيب

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 219 ).

 

 

 

ج. أن يتخيل المسلم  من يجلهم، ويحترمهم، ينظرون إليه وهو يفعل ذلك الذنب!، ويستشعر استحياءه من الله أكثر من استحيائه من الخلق, وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( واستحي من الله استحياءك رجلًا مِنْ أهلكَ ) صححه الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3559 )، وعزاه للبزار، والمروزي في ” الإيمان “.

ح.  تذكر الموت لو أنه جاءه وهو في حال فعل المعصية، وارتكاب الذنب, فكيف يقابل ربه وهو في تلك الحال؟!.

خ. تذكر ما أعده الله لعباده الصالحين من جنة عرضها السموات والأرض, والتفكر في عذاب الله تعالى، قال تعالى: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فصلت/ من الآية 40.

 

رابعًا:

وأما حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِي قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ): فقد رواه مسلم ( 2553 )، وهو ميزان يدل على معرفة الذنب، والمعصية، عند الاشتباه في أمرهما.

* قال النووي – رحمه الله – في شرح الحديث -:

ومَعنَى ( حَاكَ فِي صَدْرك ) أَي: تَحَرَّكَ فِيه، وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنشَرح لَهُ الصَّدر، وَحَصَل في القَلب مِنه الشَّكّ، وَخَوْف كَونه ذَنبًا.  ” شرح مسلم ”  ( 16 / 111 ).

وقال ابن رجب – رحمه الله -:

إشارةٌ إلى أنَّ الإثم: ما أثَّر في الصدر حرجًا، وضيقًا، وقلقًا، واضطرابًا، فلم ينشرح له الصَّدرُ، ومع هذا: فهو عندَ النَّاسِ مستنكرٌ، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه.

” جامع العلوم والحكَم ”  ( ص 254 ).

فإذا تردد القلب السليم من الهوى في أمرٍ هل هو معصية أم لا؟ فلينظر صاحبه إلى فعله لهذا الأمر أمام الناس, فإن استحيى من فعله أمامهم ، أو اطلاعهم عليه : فهو مظنة كونه ذنبًا، ومعصية, وإن كانت النفس بطبيعتها تستحي من فعل الذنب والمعصية جهارًا أمام الناس.

ولا يعني ذلك أن لا يؤاخذ بذلك؛ لأن من طبيعة الناس إخفاء الذنب, بل فعل المعصية بحد ذاته ذنب, وإذا صاحبه مجاهرة: فهو ذنب آخر, وهكذا ربما يقترن بالذنب أمور أخرى تزيده آثامًا، وتضاعفه عقوبة.

 

 

وربما يكون ذنب الخلوة أعظم؛ لأن تعظيم الخالق أولى من تعظيم المخلوق, فأن يكون الإنسان استحياؤه من الناس أعظم من الله: دليل على نقص الإيمان، وضعف التقوى, فوجه تعظيم ذنوب الخلوات: أن بها استصغاراً لنظر الخالق، ومراقبته.

 قال ابن رجب – رحمه الله -: 

قال بعض العارفين: ” اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك “، وقال بعضهم: ” ابن آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تصف لك من عينٍ ناظرة إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صفتْ لك معصيته, ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه: ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنتَ ظننتَ أنه لا يراك: فقد كفرت, وإن كنتَ علمتَ أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه: لقد اجترأت.

” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 162 ).

 

والله سبحانه نسأله أن يحفظنا وإياكم من الذنوب والمعاصي، وأن يعيننا على أنفسنا.

 

 

والله أعلم.

 

حكم تزيين المساجد وحكم كتابة الأدعية والآيات على جدرانها

حكم تزيين المساجد وحكم كتابة الأدعية والآيات على جدرانها

السؤال:

نحن الآن في طور بناء، وترميم المسجد الذي في حيِّنا، هنا في أمريكا، وقد عرض علينا بعض المحسنين أن يتكفلوا بتزيين الجدران الداخلية للمسجد ببعض الآيات القرآنية، والتشكيلات الدينية، والتي ستكون – بإذن الله – بعيدة عن أعين المصلِّين، بحيث لا تشغلهم ـ أو تلهيهم عن الصلاة، كما أن هذا ” النحت ” سيكون عبارة عن بعض الأدعية، والآيات، التي تعين مَن لا يحفظ مثل هذه الأدعية والآيات أن يقرأها مباشرة من الجدار، إضافة أنها ستضفي رونقًا خاصًّا للمسجد، بحيث يتعرف بعض الزوار من غير المسلمين على مدى اهتمام المسلمين بأماكن العبادة، علاوة على ذلك: فإن لها نكهة خاصة من شأنها أن تربط أبناءنا بنمط ” البناء الإسلامي “، لا سيما أنهم يعيشون هنا، ولا يعلمون شيئًا عن ثقافتهم المعمارية.  فما الحكم في هذا الشأن؟.

وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كتابة الآيات، والأحاديث، والأدعية على الجدران: الذي يظهر هو المنع من ذلك كله؛ لأن المقصود بالكتابة هو الزينة المتباهى بها، والتي تشغل المصلين في صلاتهم، والتي تجعل المساجد متاحف، وأماكن للسياحة، كما يحدث – للأسف – في كثير من البلدان، وليس هذا الأمر مما يفتخر به المسلمون، وإنما فعله من ركن إلى الدنيا، وأراد منافسة الكفار في بنائهم، أو مباهاة غيره من الحكام، وإنما عمارة المساجد عندنا: إقامة الصلاة فيها، والاعتكاف، والتعليم، وذِكر الله، وليس هو تشييدها بأنواع الحجارة، ولا طليها بمختلف الألوان، ولا تزويقها بأشكال من الخطوط تُرسَم فيها الآيات، وتُكتب فيها الأحاديث والأدعية.

 

ثانيًا:

ونبدأ بالآيات القرآنية فنقول: إن تعليق الآيات القرآنية على جدران البيوت، أو المساجد: لا يجوز، فالقرآن لم ينزله الله تعالى من أجل أن يكون زينةً للجدران.

 

 

* سئل فضيلة الشيخ ابن العثيمين – رحمه الله -:  

ما حكم كتابة الآيات والأحاديث على جدران المساجد؟.

فأجاب:

هذه تشوِّش على النَّاس، أما كتابة الآيات على الجدران سواءً في المساجد، أو غيرها : فإنها من البدع، لم يوجد عن الصحابة أنهم كانوا ينقشون جدرانهم بالآيات، ثم إن اتخاذ الآيات نقوشًا في الجدران: فيه شيء من إهانة كلام الله، ولذلك نجد بعضهم يكتب الآيات وكأنها قصور، أو مآذن، أو مساجد، أو ما أشبه ذلك، يكيف الكتابة حتى تكون كأنها قصر، ولا شك أن هذا عبث بكتاب الله عز وجل، ثم لو قدِّر أنها كُتبت بكتابة عربية مفهومة: فإن ذلك ليس من هدي السلف، وما الفائدة من كتابتها على الجدار؟ يقول بعض الناس: يكون تذكيرًا للناس، فنقول: التذكير يكون بالقول، لا بكتابة الآيات، ثم إنه أحيانًا يكتب على الجدار: ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) الحجرات/ 12، وتجد الذين تحت الآية هذه يغتابون الناس، فيكون كالمستهزئ بآيات الله.

إذًا: كتابة الآيات في المساجد، وعلى جدران البيوت كلها: من البدع، التي لم تكن معهودة في عهد السلف.

أما كتابة الأحاديث: ففي المساجد إذا كانت في القبلة: لا شك أنها توجب التشويش، وقد يكون هناك نظرة، ولو من بعض المأمومين إليها في الصلاة، وقد كره العلماء رحمهم الله أن يُكتب الإنسان في قبلة المسجد شيء، أما في البيت: فلا بأس أن يَكتب حديثًا يكون فيه فائدة، مثل كفارة المجلس: ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه ) هذا فيها تذكير.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 197 / السؤال رقم 8 ).

* وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما حكمُ تعليقِ الآيات القرآنية على الجدران؟.

فأجاب :

يجبُ تعظيمُ القرآنِ الكريمِ، وتلاوته، وتدبُّره، والعمل به، أما تعليقه على الجدران: فهو من العبث، وقد يؤدي ذلك إلى امتهانه.

وأيضًا: قد يتَّخذُ ذلك من باب تجميل الجدران بالديكورات، والرسومات، والكتابات، فيُجعل القرآن ضمن ذلك، وقد يُكتب على شكل نقوش يُقصد منها المناظرُ فقط.

وعلى كل حال: فالقرآن يجب أن يُصان عن هذا العبث، وما كان السَّلف يعملون هذا، والقرآن لم ينزل ليُكتب على الجدران، وإنما أنزل ليُكتب في القلوب، ويظهر أثره على الأعمال والتصرُّفات. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 77 ).

وكلام الشيخين في المنع يشمل جدران البيت، وجدران المسجد، بل عموم الجدُر.

 

ثالثًا:

وأما كتابة الأحاديث والأدعية على جدران المسجد: فالأظهر منع ذلك؛ لأنه لا يراد به -عادة وغالبًا- إلا الزينة، وإذا كان المراد به الفائدة للناس لحفظها والتذكير بألفاظها: فيجوز إذا التزمت الشروط التالية:

  1. عدم جعل الأحاديث والأدعية مكتوبة على الجدران رسمًا؛ لأنها لا تزال، فلا يستفاد من مكانها إن حفظها المصلون، بل تكتب على ورق حائط، يسهل تعليقه ونزعه، وخاصة فيما يحتاجه المسلمون من معرفة ما يُكتب في مناسباتهم الموسمية.
  2. أن لا تكون في قبلة المصلين؛ حتى لا تشغلهم في صلاتهم.
  3. أن لا تستعمل الزينة في الكتابة بما تفقد الحديث والدعاء هيبته .
  4. تجنب كتابتها بشكل غير مقروء، أو جعلها على شكل طائر، أو رجل ساجد، وما يشبهه.
  5. أن تغيَّر باستمرار، بحسب حاجة الناس، لإزالة جهل، أو تذكير بفضل، أو تثبيت حفظ.

والذي يظهر لنا أن منع من العلماء من كتابة الأدعية والأحاديث على الجدران إنه إنما نظر إلى اختلال هذه الشروط أو بعضها في كتابات كثيرين، وهو ما حاولنا ضبطه بالضوابط السابقة.

 

رابعًا:

وأما تزيين جدران المساجد: فقد اختلف فيه أهل العلم ، والراجح: هو المنع منه ، خاصة إن كانت الزينة من أموال الوقف، أو كانت مُلهية للمصلين، ومشوشة عليهم في صلاتهم، أو بُذلت أموال طائلة في سبيل ذلك.

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ ). رواه أبو داود ( 449 ) والنسائي ( 689 ) وابن ماجه ( 739 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وروى البخاري ( 1 / 171 ) عن أَنَس بنِ مالِك: ” يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إِلاَّ قَلِيلًا “. والأثر وصله ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 1 / 309 )، وفيه رجل مجهول.

* قال بدر الدين العيني -رحمه الله -:

قوله ” يتباهَون ” بفتح الهاء من المباهاة، وهي المفاخرة، والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد، ويزينونها، ثم يقعدون فيها، ويتمارون، ويتباهون، ولا يشتغلون بالذِّكْر، وقراءة القرآن، والصلاة.

– قوله ” بها “، أي: بالمساجد، والسياق يدل عليه.

” عمدة القاري ” ( 4 / 205 ).

روى البخاري ( 1 / 171 ) عن ابْن عَبَّاسٍ قولَه: ” لَتُزَخْرِفُنَّهَا، كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى “.

وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 1 / 309 ) وغيره، وصححه الألباني في تحقيق ” إصلاح المساجد من البدع والعوائد ” لجمال الدين القاسمي ( 94 )، وفي ” صحيح أبي داود ” الكامل ( 2 / 347 ).

* قال البغوي – رحمه الله -:

وقول ابن عباس: لتزخرفنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى، معناه: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمركم إلى المراءات بالمساجد، والمباهاة بتشييدها، وتزيينها.

” شرح السنة ” ( 2 / 350 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 275 ):

يحرُم تزيين المساجد بنقشها، وتزويقها بمال الوقف، عند الحنفية، والحنابلة، وصرَّح الحنابلة بوجوب ضمان الوقف الذي صرف فيه؛ لأنه لا مصلحة فيه، وظاهر كلام الشافعية: منع صرف مال الوقف في ذلك، ولو وقف الواقف ذلك عليهما – النقش، والتزويق -: لم يصح في القول الأصح عندهم، أما إذا كان النقش والتزويق من مال الناقش: فيُكره – اتفاقًا- في الجملة إذا كان يُلهي المصلي، كما إذا كان في المحراب، وجدار القبلة.  انتهى.

 

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

عن مشروع يتبنى ” زخرفة المساجد “؟.

فأجابوا:

هذا العمل غير مشروع؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن زخرفة المساجد، ولأن في ذلك إشغالًا للمصلين عن صلاتهم بالنظر، والتفكر في تلك الزخارف، والنقوش.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 191 ).

* وقد جُمعت مسألتا كتابة الآيات، وزخرفة المساجد في فتوى واحدة من فتاوى اللجنة الدائمة:

قالوا:

لا يجوز زخرفة المساجد ، ولا كتابة الآيات القرآنية على جدرانها؛ لما في ذلك من تعريض القرآن للامتهان، ولما فيه من زخرفة المساجد المنهي عنها ، وإشغال المصلين عن صلاتهم بالنظر في تلك الكتابات والنقوش.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 190 ).

 

 

والله أعلم.

تركت القيام في الصلاة وهي حامل؛ لجهلها بحكمه؛ ولمشقة ذلك عليها

تركت القيام في الصلاة وهي حامل؛ لجهلها بحكمه؛ ولمشقة ذلك عليها

السؤال:

زوجتي كانت حاملًا بطفلتي الأولى، قبل تسع سنوات تقريبًا، وكانت تعاني في حملها معاناة شديدة، فكانت تصلي جالسة غالب الصلوات، ولكنها أحيانا كانت تستطيع القيام في الصلاة، ولكنها تفضل الصلاة جالسة؛ لجهلها بالحكم، ولعدم زيادة الألم من جهة أخرى.

الآن ماذا عليها أن تفعل، هل تعيد تلك الصلوات أم ماذا عليها أن تفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب على المسلم أن يصلي حسب طاقته، وقدرته، فيصلي ابتداء قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه؛ لقول الله عز وجل: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن / 16، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين – وقد أصابته ” البواسير ” -: ( صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِع فَقَاعَدًا، فَإِنْ لَمْ تَْستَطِع فَعَلَى جَنْبٍ ) رواه البخاري ( 1066 ).

ثانيًا:

ومتى قدر المريض في أثناء صلاته الفريضة على ما كان عاجزًا عنه، من قيام، أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء: انتقل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته.

وإذا كان القيام يسبّب زيادة في المرض، أو تأخيرًا في البرء منه: فلا بأس بالصلاة جالسًا، ولكن لا تصح الصلاة جالسًا مع القدرة على القيام؛ لأن القيام ركن.

ثالثًا:

يجب العلم بأنه لا يعذر بالجهل من عنده القدرة على تعلم ما هو واجب عليه من ضروريات الدين ولم يتعلمه، كالصلاة لعموم المكلفين بها، وكالزكاة لمن ملك مالًا، فإذا كان بإمكانه أن يتعلم بسؤال أهل العلم، ولم يفعل: فهو مقصر، وعليه إثم التقصير.

رابعًا:

وإذا كان المكلّف معذورًا بجهله، فترك شرطًا من شروط صحة الصلاة، أو ترك ركنًا من أركانها: فليس عليه قضاء ما خرج وقته من الصلوات، وعليه قضاء الصلاة التي يبلغه فيها العلم قبل خروج وقتها، ودليل ذلك:

أ. أما في ترك الشرط جهلًا به: فهو ما وقع لعمر بن الخطاب في تركه للصلوات لما أجنب؛ ظانًّا عدم جوازه، والحديث رواه البخاري ( 339 ) ومسلم ( 368 ).

ب. وأما في ترك شيء من أركان الصلاة جهلًا بها: فهو ما وقع للصحابي الذي ترك الطمأنينة في الأركان، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على صلاته بالبطلان، ولم يأمره إلا بإعادة الصلاة نفسها، دون ما سبقها من صلوات.

 

* والخلاصة بخصوص زوجتك:

  1. عليها إثم التقصير في تعلم أحكام الصلاة، وإثم التقصير عن السؤال عن أحكام صلاتها.
  2. ليس عليها إثم، ولا قضاء في حال صلّت جالسة بسبب تعب حملها، ومشقة القيام عليها.
  3. عليها إثم الصلاة جالسة في حال استطاعت الصلاة قائمة من غير مشقة، ويرتفع عنها الإثم في حال جهلها بهذا الحكم، وليس عليها قضاء ما فات في كل الأحوال.

 

 

والله أعلم.