الرئيسية بلوق الصفحة 135

هل يجوز لطالبة الطب إجهاض الأجنة من أجل التعلم أو التخرج؟

هل يجوز لطالبة الطب إجهاض الأجنة من أجل التعلم أو التخرج؟

السؤال:

أعيش في الهند، وهناك يجوز إجراء عمليات الإجهاض، فهل يجوز للطبيب المسلم الذي يعمل هناك وأن يقوم بهذه العمليات؟ خاصة أنه نظرا لظروف الهنود المسلمين: فقلما تجد طبيبة مسلمة، وقد يطلب منها أثناء دراستها القيام بهذه العمليات؟ فإن رفضت فقد يؤثر ذلك على عملها، فما هو رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إجهاض الجنين إما أن يكون قبل نفخ الروح فيه، أو يكون بعد ذلك:

فأما إن كان الجنين قد نُفخ فيه الروح – وهو ما تم له أربعة أشهر عند جمهور العلماء، وهو ما رجحناه في موقعنا -: فلا يجوز لأحدٍ البتة أن يجهضه، لا الوالدان، ولا الطبيب، ولا غيرهم، وليس تشوه الجنين بعذر في إسقاطه.

وأما إن كان الجنين لم تنفخ فيه الروح: ففيه خلاف بين العلماء، ورجحنا جواز ذلك في حدود ضيقة جدًّا، ويكون في إسقاطه مصلحة شرعية، أو دفع ضرر، وذكرنا ثَمَّ أن هذا هو ترجيح هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فلينظر قولهم هناك.

ثانيا:

وإذا أجهضت الأم جنينها بعد نفخ الروح، أو فعل ذلك الطبيب: فهو إثم، وارتكاب لجريمة، وعلى من فعل ذلك دية جنين، وهي عُشر دية الأم، وهي خمس من الإبل أو قيمتها.

وإذ اجتمع آمرٌ بالإجهاض – كالأم – ومباشر له – كالطبيب – فلا شك أنهما شريكان في الإثم، والجريمة، والدية تكون على المباشر لا المتسبب.

وعليه: فلا يجوز للطبيب أن يباشر بإجهاض الأجنة بعد نفخ الروح فيها، ولا يجوز له أن يسمح لأحدٍ بذلك في عيادته، أو مكان عمله.

ثالثا:

وطالب الطب – أو الطالبة – لا يجوز لأحدٍ منهما أن يفعل محرَّماً أثناء دراسته، وليس تحصيل الدرجات بعذر في فعل ما حرَّم الله، سواء كان في بتر الأعضاء، أو إجهاض الأجنة، أو غير ذلك من المحرمات مما يُؤمر به طلبة الطب في بعض الدول التي تستغل هؤلاء، أو بعض الجامعات التي لا يهمها ما هو جائز مما هو محرَّم، كما يُعرف عن بعضها من سرقة الجثث من قبورها للتدرب على تشريحها! وكل تلك الأفعال المحرَّمة، وغيرها، ليست بعذر لطلبة الطب وطالباته.

وعليه: فلا يحل لتلك الطالبة أن تستجيب لرغبة معلميها في إجهاض أجنة نفخ فيها الروح، وإن كان لا بدَّ من ذلك: فلها أن تفعل ذلك مع أجنة لم تنفخ فيها الروح، مما يجوز إجهاضه، إن كان في ذلك الإجهاض تحقيق مصلحة كبرى، أو دفع ضرر عظيم على الحامل بذلك الجنين.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل خروج المرأة لتعلم الطب إذا كان واجباً، أو جائزاً إذا كانت سترتكب في سبيله هذه الأشياء مهما حاولت تلافيها؟.

أ. الاختلاط مع الرجال.

  1. في الكلام مع المريض، أو معلم الطب.
  2. في المواصلات العامة.

ب. السفر من بلد مثل السودان إلى مصر، ولو كانت تسافر بطائرة، أي لمدة ساعات، وليست لمدة ثلاثة أيام.

ج. هل يجوز لها الإقامة بمفردها بدون محرم؛ من أجل تعلم الطب، وإذا كانت إقامة في وسط جماعة من النساء مع الظروف السابقة.

فأجابوا:

أولا: إذا كان خروجها لتعلم الطب ينشأ عنه اختلاطها بالرجال في التعليم، أو في ركوب المواصلات اختلاطاً تحدث منه فتنة: فلا يجوز لها ذلك؛ لأن حفظها لعرضها فرض عين، وتعلمها الطب فرض كفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، وأما مجرد الكلام مع المريض أو معلم الطب: فليس بمحرم، وإنما المحرم أن تخضع بالقول لمن تخاطبه، وتلين له الكلام؛ فيطمع فيها من في قلبه مرض الفسوق والنفاق، وليس هذا خاصًّا بتعلم الطب.

ثانيا: إذا كان معها محرَم في سفرها لتعلم الطب، أو لتعليمه، أو لعلاج مريض: جاز، وإذا لم يكن معها في سفرها لذلك زوج، أو محرَم: كان حراماً، ولو كان السفر بالطائرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم “, متفق على صحته، ولما تقدم من إيثار مصلحة المحافظة على الأعراض على مصلحة تعلم الطب، أو تعليمه….إلخ.

ثالثا: إذا كانت إقامتها بدون محرم مع جماعة مأمونة من النساء، من أجل تعلم الطب، أو تعليمه، أو مباشرة علاج النساء: جاز، وإن خشيت الفتنة من عدم وجود زوج أو محرم معها في غربتها: لم يجز، وإن كانت تباشر علاج رجال: لم يجز، إلا لضرورة، مع عدم الخلوة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 178 – 180 ).

فأنت ترى أن تعلم الطب ليس بعذرٍ في فعل ما حرَّم الله، ولا شك أن قتل الأجنة التي نفخ فيها الروح بالإجهاض من المحرمات، ولا يجوز فعله، حتى لو كان من أجل التعلم، أو التخرج، ولتصر على موقفها، ويجعل الله لها مخرجا.

 

والله أعلم.

 

طلب قرضًا, فقال له صاحبه: أشتري لك سيارة, وأبيعها لك بالأقساط, وأنت تبيعها نقدًا!

طلب قرضًا, فقال له صاحبه: أشتري لك سيارة, وأبيعها لك بالأقساط, وأنت تبيعها نقدًا!

السؤال:

احتجت مبلغ من المال فقال لي زميلي بالعمل: أشتري لك سيارة جديدة، وأبيعها لك بالأقساط بزيادة عن ثمنها الأصلي، وأنت قم ببيعها نقدا واستفد من ثمنها، فوافقتُ، فجاء زميل لنا ثالث، وقال: أنا أشتري منك السيارة نقدا.

والسؤال هو: هل يجوز لزميلي أن يبيع السيارة لزميلنا الثالث ويعطيني ثمنها قبل أن تنقل ملكيتها باسمي؟ يعني: أن تكون استمارة السيارة باسمه, ويبيعها للثالث رأسًا, ويعطيني ثمنها؟ أم لا بد أن تنقل باسمي, وأنا الذي أقوم ببيعها على الطرف الثالث؟. أفتونا مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

ليست المشكلة في مسألتك هو أنه يجوز لك بيع السيارة قبل تسجيلها باسمك أم لا؛ فإنه لا يشترط تسجيل السيارة باسم المشتري حتى يجوز له بيعها، وليست المشكلة في بيعك السيارة نقدا بعد أن اشتريتها بالأقساط؛ فإن هذه المعاملة تسمى ” التورق “، وفيها خلاف بين العلماء، ونرى أنها جائزة -، وإنما في مسألتك مشكلتان:

الأولى: أن أصل العقد ليس بيعاً ولا شراء، وإنما هو قرض ربوي، تمت الحيلة فيه على الربا عن طريق البيع والشراء، فزميلك لو أعطاك مبلغاً ثم طالبك بأكثر منه: لكان ذلك رباً صريحاً، وهو يريد أن يتوصل لعين الربا فيبذل ثمن السيارة ويأخذ منك أكثر مما دفع، فالنتيجة واحدة، وهو عقد ربوي ولا شك، وهو ليس فيه إثم الربا فقط، بل وفيه إثم التحيل على الشريعة للوصول لعقد محرَّم.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

واعلم أنه كلما احتال الإنسان على محرم: لم يزدد إلا خبثا، فالمحرم خبيث، فإذا احتلت عليه: صار أخبث؛ لأنك جمعت بين حقيقة المحرم، وبين خداع الرب عز وجل، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية، وإنما الأعمال بالنيات.

” الشرح الممتع ” ( 8 / 211 ).

والثاني: أنك تريد بيع السيارة قبل قبضها وحيازتها، وهو أمر محرَّم.

وقد ذكر الشيخ العثيمين – رحمه الله – شروطاً لجواز التورق، ومن هذه الشروط: القبض والحيازة للسلعة.

 

 

قال – رحمه الله – في بيان شروط جواز التورق -:

  1. أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم، فإذا تمَّت هذه الشروط الأربعة: فإن القول بجواز مسألة ” التورق ” متوجهٌ كيلا يحصل تضييقٌ على الناس.

” المداينة ” ( ص 3 ) .

وعلى كل حال:

فلا نرى جواز هذه المعاملة البتة، فإنه حتى كنت ستقبض السيارة في ملكك، وتحوزها: فإن أصل إنشاء المعاملة بينك وبين زميلك إنما هو للتوصل للقرض الربوي، فلا هو بالتاجر، ولا أنت بالمشتري في واقع الأمر، إنما أنت مقترض، وهو مُقرض.

وإذا أردت أن تكون معاملتك شرعية فاشتر سيارة بالأقساط من أي جهة تبيع السيارات كذلك، ولا تُدخل أحدا بينك وبين البائع، بل اشتر منه مباشرة، ثم بِعها لغير الجهة التي اشتريتها منهم نقداً، ونرجو أن يكون ذلك جائزاً، وبخاصة أنك تحتاج للمال، ولا تجد من يقرضك.

وينبغي التنبه إلى أننا لم نجعل المعاملة بين السائل وزميله ” مرابحة “؛ وذلك أن السائل طلب ديناً فعرض عليه زميله تلك الطريقة للتوصل للقرض! وليست المسألة أن السائل يريد الشراء عن طريق زميله، ولا أن زميله كان يمتلك السيارة وأراد أن يبيعها للسائل، بل الأمر كله قائم على تحيل من زميله ليتوصل للقرض الربوي المحرَّم.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

تقدمتُ بطلب إلى إحدى الشركات لشراء سيارة بالتقسيط، فأبلغوني بقيمة القسط والدفعة الأولى، وأبلغوني أنه إذا لم تكن السيارة موجودة أنهم يشترونها ثم يبيعونها عليَّ بالتقسيط، وإذا زالت رغبتي أنا فلي الحق أن أتراجع عن شرائي.

ولكن بعد فترة أبلغوني بأن السيارة انتهت – كأنهم اشتروها – فسألتهم: هل كُتِبَت باسم الشركة؟ فقالوا: لا، إنما عليك الحضور وأخذ أوراقها وتسجيلها باسمك في المرور وتسجيل السيارة، وأخبرني بأنه قد تكون وصلت إلى معرض يتعاملون معه أو لم تصل بعد السيارة.

فلا أدري هل هذه الطريقة شرعية أم لا؟ وما هي الطريقة الشرعية؟.

فأجاب:

أولا: إذا كانت السيارة ليست عند البائع، ولكن باع عليك سيارة على أساس أنه يشتريها لك ثم يبيعها: فهذا حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام:” لا تبع ما ليس عندك “.

أما إذا كان وعدا، ولم يعقد معك عقدا إلا بعد أن اشتراها: فإن باعها عليك بما اشتراها به: فلا بأس؛ لأنه ليس هناك ربا، إذا باعها برأس ماله، أما إذا باعها عليك بربح: فإن هذا الربح ربا، لكنه ليس ربا صريحا، بل هو ربا مغلف بصورة عقد ليس بمقصود، فإن البائع لم يقصد الشراء لنفسه من الأصل إنما قصد الشراء لك، فيكون كالذي أقرضك القيمة بزيادة، وهذا هو الربا بعينه.

وأما إذا كانت السلعة موجودة عند البائع، وقال: هذه السيارة نحن نبيعها بأربعين ألفاً نقداً، وإذا كنت تريدها بالتقسيط فنحن نبيعها عليك بخمسين ألفًا فقَبِلَ: فلا بأس، لا بأس إذا كنت تريد أن تستعمل السيارة، أما إذا كنت تريد أن تبيعها للانتفاع بثمنها: فهذه مسألة يسميها العلماء: ” مسألة التورق “، وفيها خلاف بين العلماء، منهم من أجازها، ومنهم من قال: لا تجوز.

أما قول بعضهم: إني لا ألزمك بالسيارة إن شئت فاتركها: فهذا كلام فارغ؛ لأن الرجل لم يأت ويقول أريد السيارة بعينها ثم بعد ذلك يتراجع، أبدا.

فالذي نرى: أن هذه الطريقة حرام، وإذا أردت بدلها: فاذهب إلى صاحب معرض عنده سيارات، وقل له: أنا أريد أن تبيع لي هذه السيارة مقسطة, وآتي لك بكفيل يغرم لك الثمن عند حلول الأجل، وإن شئت أيضًا أرهن السيارة، وهكذا تسلم من هذه الحيل.  ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 30 / السؤال رقم: 15 ).

 

 

والله أعلم.

مسألة الأخذ برأي الثقة في رؤية هلال رمضان

مسألة الأخذ برأي الثقة في رؤية هلال رمضان

السؤال:

في جوابكم السابق ذكرتم جواز الأخذ برأي الثقة في رؤية الهلال، ولكن هذا يتعارض مع الحديث الذي جاء فيه بدوي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبره برؤية الهلال، وعندها سأله الرسول هل تؤمن بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فلمَّا أجاب بالإيجاب، سأله هل تشهد أنك رأيت الهلال؟ فمن هذا الحديث الدليل على جواز قبول رؤية الهلال من أي مسلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل هو:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ – قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِى: رَمَضَانَ – فَقَالَ: ” أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ “, قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ” أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ “، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ”  يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدا “. رواه الترمذي ( 691 ), وأبو داود ( 2340 ), والنسائي ( 2112 ), وابن ماجه ( 1652 ). والحديث: ضعيف، لا يصح، وقد ضعفه النسائي والألباني وغيرهما.

ثانيا:

وإذا علمتَ أخي السائل أن الحديث ضعيف: علمتَ أنه لا تعارض بينه وبين ما ذكرناه في أجوبتنا أنه لا بدَّ أن يكون الرائي للهلال عدلا.

وعلى فرض صحة الحديث: فإن معناه يحمل على وجوه، منها:

  1. أن الأمر في قبول شهادة الرائي للهلال، وكونه ثقة، عدلا: يرجع للقاضي، وأنه إن استقر في نفسه بسبب خبرته بالناس أن هذا الرائي موثوق بشهادته: فإن له قبول تلك الشهادة منه، وإن لم يكن يعرفه أحد ليزكيه ويوثقه.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

” إذن: أمر بلالاً بأن يؤذن، أي: يعلن في الناس أن يصوموا غدا، فقنع الرسول عليه السلام من هذا الرجل الذي لا يعرفه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، بمعنى: أنه عرف أنه مسلم، لكنه ما جرَّبه، ولا عرف ذكاءه، وفطنته، وكياسته، كما كان الأمر بالنسبة للحديث الأول الذي فيه أن الشاهد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومع ذلك قبِل شهادته، فهذا فيه تيسير واسع، ومعنى هذا أن القاضي يقنع بظاهر الشاهد دون أن يأتي بمزكين يعرِّفونه كما جرى على ذلك عرف القضاة قديما، يكتفي منه بأن يعرف إسلامه، هذا أعرابي ما يعرفه سابقا عليه الصلاة والسلام، فاكتفى أن يشهد أمامه بالشهادتين، فهو مسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا، وبناءً على شهادته وإسلامه قال: يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا “. ” التعليق على كتاب بلوغ المرام ” دروس صوتية، الحديث رقم: ( 5 )، كتاب الصيام.

  1. أن يكون هذا الحديث دليلاً على أن الأصل في المسلم العدالة، حتى يتبين خلاف ذلك.

قال الصنعاني – رحمه الله – في فوائد حديث ابن عباس -:

” فيه دلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة، إذ لم يطلب صلى الله عليه وسلم من الإعرابي إلا الشهادة “. ” سبل السلام الصنعاني ” ( 2 / 153 ).

  1. أن يكون هذا الحكم خاصًّا بالصحابة، وهو كذلك؛ لأنهم جميعاً عدول، ومما لا شك فيه أن ذاك الأعرابي قد انتظم في عقد الصحابة رضي الله عنهم، وهو بذلك صار من العدول، والذين لا يُحتاج النظر في عدالتهم.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” والصحابة كلهم ثقات ذوو عدل، تقبل رواية الواحد منهم، وإن كان مجهولاً، ولذلك قالوا: جهالة الصحابي لا تضر.

والدليل على ما وصفناه من حال الصحابة: أن الله أثنى عليهم ورسوله، في عدة نصوص، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبل قول الواحد منهم إذا علم إسلامه، ولا يسأل عن حاله، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني رأيت الهلال: يعني رمضان … “. انتهى ” مصطلح الحديث “من موقعه – رحمه الله -.

وثمة أمر يقوِّي ما سبق، وهو كون تلك الشهادة في زمن الوحي، ولا يمكن أن يُقرَّ ذلك الأعرابي على شهادة باطلة تتعلق بطاعة المسلمين وعبادتهم.

 

– وبما أن الحديث ضعيف: فقد أغنانا الله تعالى عن تأويله، والحمد لله رب العالمين.

 

والله أعلم.

 

حدثنا عن والدتك يا معاذ

2

#عودًا_على_أم_الحفاظ

صَارتْ حَيَاتي – بعدَ أمّي – مَسْرحاً
لِلدَّمع ؛ وَ الآهَاتِ ؛ وَ التَّذكارِ

ولا زال سؤال أخي الشيخ د. عبد السلام أبو سمحة يستفز ذاكرتي ساعة تلو ساعة حين قال (حدّثنا يا معاذ عنها) ..

ماذا أحدثك؟ وقد استيقظتُ فجر هذا اليوم وأخلاق الكبيرة الأميرة تصطف هذه المرّة أمامي وتتزاحمُ لتسبق كل صفةٍ جليلةٍ أختها ..

✨ أحدّثك هذه المرة عن ” حنّيتها ”

أنا أعلم تماماً ما في نفسِ غالب الناس من انطباع حول التعامل مع أبناء (الضرّائر)، فهلمّ إلي لأحدثك عن شيء مختلف!

فقد كانتْ تعامل أبناء ضرّتها (أم بدر) معاملة أولادها، وتحنّ عليهم حنيّة الأم الرؤوم، وخذ مثالا عن (حنّية التعليم) ..

فلو أن الآيات القرآنية تنطق لحدثتكم آيات عن تحفيظها وتلقينها القرآن لأبناء ضرّتها .. كيف لا وقد كانت الملجأ للتسميع ( يما يا يمّا مش عارف أحفظ ) ( يمّا بالله عليك سمعيلي شوي )
وبالمناسبة فخذ نكتة ما أظنك تقرأها في كتاب ..

فإنّ أبناء وبنات أم بدر (امرأة أبي) حفظها الله ينادون أمَّهم أمَّ بدر : ماما ..
وأما جدتهم أم ياسر حفظها الله فينادونها ( إمّي ) .. كعادة أهل سوريا ..
أما أمي (أم طارق) رحمها الله فينادونها : يمّه ..
نعم الفارق بينهنّ ( ماما .. إمّي .. يمّه ) ولم نسمع بل ولن تسمع منهم غير ذلك.
أترى وقد بلغت الحنيّة منها إلى أن تكون بمنزلة أمهم؟

ولو أن الأوراق التي تعلّموا فيها الخط تنطق لتحدثت بكل شيء، وحسبي أن الله يعلم، وعلمُه واسع قد أحاط بكل شيءٍ علمًا.

أَنوَارُ أُمِّي لاْ تُحَدُّ – كَحُبِّهَا
وحَنَانها – بِمَناعةِ الأَسوَارِ !

اللهم أسكنها الفردوس الأعلى بكثرة حنيتها ..

✨ أحدثك هذه المرة عن حنيتها وكرمها في ” الإطعام ” :

فهل تظن يومًا أن تطبخ طعامًا -لمن عندها أو من دعته لطعامها- ولا يلج في خلدها أن تحسب صحنًا لكل متزوجٍ خاصة من يسكن قربها!؟ فأول كلمة تسمعها حين نمدّ الأيادي إلى الطعام (خذوا لزوجاتكم) ..

وإذا سمعت أو لجأ من أبناء أم بدر إليها لطلب “سندويشة” أو نحو ذلك عند مرضِ أمهم أو غيابها، فأمٌ كريمة تنادَى ب ” يمه” تنادِي (تعال يا حبيبي .. وتعاليّ يا حبيبتي) .. وسيأكلون ويهنأون ..

ولم يتوقف يوما سؤالها ( .. أبوكم أكل ؟ .. أطعمتم أباكم؟ .. ) وحين تعرف أن أبي أكل تقول (إذا اكل أبوك كأني أكلت وزيادة..
فكان أحب الأعمال إليها لقمة تدخل جوف أبي)
هذا ما عهده وشهده أخي داود، وهي صدقٌ وحق !

كل ما صنعته هذه العظيمة كان من “نفْس طيبة” فلم تكن لتُحسن مع إخواني وإخوتي من أبي لمجرد أنهم يعيشون بقربها.. لا والله.. ولا أنها مجبرة من أحد لتعمِد إلى ذلك..
وسأترك دمعاتهم الثرة الصادقة التي ترونها في وجوههم آنذا هي التي تنطق بكل ذلك..

آهٍ ثم آه !
كيف لو حدثتك عن الوجبات المميزة التي كانت تصنعها لأضياف أبي مذ تزوجت! فطور .. غداء .. عشاء ..
لم تكن إلا كريمة معطاءة باذلة بحبٍ ونفْس زكية، وكانت دائما تقول حين تتحدث عن مرضها ( لقد تورمت قدماي وانهد جسدي من كثرة الوقوف ) لا شكوى ولا تذمرٌ بل خبر وحكاية لحال!
وكان لأم بدر حفظها الله سهم عظيم في إعانتها والتخفيف عنها حتى صارت وجبة العشاء أو الإفطار من عادتها .. فكانت رحمة مهداة لأمّي .. رحمها الله.

سلوا أبا جعفرٍ وأبا عبد الرحمن المصري وابن حابس وأبا أنسٍ -مع حفظ الألقاب- يحدثونكم عن إفطارات الصباح في حلَقة المسجد .. على مدار سنواااات طويلة!
دعوا مجدي يحكي لكم نكتة (السفرطاس)!
سلوا إخوتي عن (قهوة الظهر) ..

اللهم أسكنها الفردوس الأعلى بكثرة ما أطعمت وسقت.

✨ أحدثك هذه المرة عن ” زهدها ”

فوالله إن المال كان يكون بين يديها ولا تصنع ما تصنعه كل من تغتر بالمباهاة والمفاخرة خصوصا مع وجود الدّاعي .. والعذر في مثل هذه الحال عادة مقبول! لكنها كانت تتركُ ذلك وتقول بصوتٍ عال (ليش الإسراف والتبذير؟) آخٍ وآهٍ كأن دوي هذه الكلمات تصطلجُ في سمعي وتضطرب من وفرتها وكثرها..
كنا نقول: يا يمه، طيب نشتري كاسات جديدة! يا يمه! نشتري طناجر أحسن! تجد صخرة هاوية عليك (اسكت .. ما لك دخل.. هذه حياتي وأنا مبسوطة) ..

والله يا أحبتي لا أبالغ، ووالله إنها لو كانت تنطق (عفوا لا داعي لتكرار ذلك) .. اذهب إلى مطبخها الآن وانظر ماذا ترى!! وإني أنتظر الإجابة.

فوالله ما هو بحرصٍ ولا ببخلٍ ولا ضنٍ، ولكنها تُرفق كلمات (هاي الدنيا مش إلي) .. وإنّ كل جديد بمطبخها من آنية أو وعاء له “قصة” لم تدخل إلاّ هدية عليها .. لتصير تحت أمر الواقع..

أُمَّاه !! طَيْفُك – دَاْئِماً – يَحياْ مَعِي
ويقُولُ لِيْ : جَاهِدْ مَع الأَطهَارِ

وإن هذه الكريمة لم تغيّر من سجاد بيتها في الطابق الثالث مذ سكنته في مرضها – الذي ودّعت فيه – إلا قبل أسبوع.. ولمَ؟
قالت لي: (يا معاذ .. بدي منك فزعة معي خاصة هالمرة، يا حبيبي .. خليني أستقبل ابنتي هاجر استقبالا مختلفا .. بدي أفاجئها ) وفعلاً .. لا زلت أتذكر كلما زل لساني في قروب (أبنائي الله يحفظهم يارب) لطلبٍ أو سؤال فإنها تدخل علي في الخاص (احذف .. احذف .. لا تشوف هاجر ) حبيبتي كانت لا تريد أن أذهِب رؤية سعادة ابنتها أمام عينيها..
نسمّيها الآن [وصيّة أمي] فهي أكثر من عهِدتها بها.

لكنها لم تلبث سوى أيام قليلة بعد ذلك لتودّع كل شيءٍ، وليفتقدها كل شيء، ولتحكي لنا : ( هذه الدنيا فانية ) ..
وأنك مهما بالغت في تحسين شيءٍ فإنك مفارقه!

وَكانَت في حَياتِكَ لي عِظاتٌ
وَأَنتِ اليَومَ أَوعَظُ مِنكِ حَيّا

✨ لم أحدثكم عن صبرها، ولن أحدثكم، سأدع الوالد حفظه الله يحكي لكم ذلك:
https://www.facebook.com/775438918/posts/10153541333433919/

✨ أحدثكم عن جمال روحها وسلامة صدرها ..

فإنها وإن كانت تغضبُ سريعاً لكنها ترضى سريعًا، تذيب ما في قلبها الابتسامة والرسالة، ولا أعلم ضيفة تنزل عند ضرّتها أم بدر ولا تدعوا والدتي للحضور، وكذا العكس.

فأنشأنا والدنا أسرة واحدة في بيتين، وروحًا متلائما في أجساد ..

تكره الغيبة والنميمة، تكره مَن يملأ قلبها بالأحقاد، وتغادره بهدوء .

( الضمّة الأخيرة والمبيت الأخير )

في تمام الثانية عشرة ليلاً بتاريخ(١٤ / ١ / ٢٠٢٢ م) بينما نتسامر في بيت أمنا الثانية أم بدر حفظها الله مع أخواتي .. إذا برسالةٍ في قروب (أبنائي الله يحفظهم يارب) تقول (متت) هكذا بكل براءتها وألمها ..
كنتُ أول من يقرأها فسارعت بدون انتباه إليها في الطابق العلوي لأدخل عليها .. فإذا وجهها أزرق .. وإذا بالحبيبة الكريمة تضمّني … ثم تضمّني …
لقد استحييت ثم استحييت ..
لم يدر في خلدي حينها إلا أنها ضمة (مودّع) فسارعتُ إلى رسالة مفزعةٍ في قروب (الأسرة الكريمة) -والذي يجتمع فيه كل أفراد العائلة – فقدِموا خلال ثوانٍ .. فكان مما سمعتُ (ما بالك أفزعتنا الله يهديك!) لم يكن يعلم هذا المكلوم أنها تصارع الموت.

فمكثنا عندها نخفّض من حرارتها، ونطببها، سارع إلى ذلك أخويّ: عمر ومعاوية .. فما هدأت حتى بدأنا نضاحكها ونمازحها مزاح الأطفال بحضرة الأخواتِ كلهم .. وهي ساكتة هادئة .. لم نكن نعلم أنها تُصارع نَفَسَها ولم نكن نظنّ أنها لا تقدر على بث الشكوى بقدر الألم! حتى كتبت رسالة فجر اليوم في نفس القروب (أنا فاقدة التوازن .. لا أقدر على الوقوف ) .. كانت هذه الرسالة الأخيرة..
وكان من نعمة الله عليّ أن بتّ في غرفتها مع أختي أم ريان .. ومن عادتها أنها تناكف من يفعل ذلك وتقول (اذهب إلى بيتك وأهلك) لكنّها لم تكن تقدر على المغالبة في الكلام فوافقتْ بعد أن رجوتها أن تأذن لي بذلك، فأذنت ..
فنمت كأحلى ليلة!
ولما أذّن الفجر تركتني نائما حتى قضت من صلاتها، وأنا أتذكر والله أن عيني تستيقظ في كل حركة تفعلها -على خلاف العادة- ثم ترجع عيني لتنام، حتى أيقظتني وقالت (قوم صل ياحبيبي) فقمت من طوري وصليت مكاني ثم رجعَت ورجعتُ لأستيقظ بعد دقائق على اتصال أخي أوس بدكتور (لازم تروح المستشفى .. الأوكسجين 70 ) فأركبناها السيارة .. وكان ما كان .. والحمد لله!

لقد كانت الليلة الأخيرة .. والوداع الأخير ..

بَكَيتُكَ يا أماهُ بِدَمعِ عَيني
فَما أَغنى البُكاءُ عَلَيكِ شَيّا

كَفى حُزناً بِدَفنِكَ ثُمَّ إِنّي
نَفَضتُ اتُرابَ قَبرِكِ مِن يَدَيّا

فهذا غيض من فيض، وهذا إجابة بعض سؤلك ياشيخ عبد السلام ..

لم تكتمل الحكاية،
وللحديث بقيّة !

يجبرونهم على بقاء أموالهم عندهم حتى تخرج أسماؤهم للحج!

يجبرونهم على بقاء أموالهم عندهم حتى تخرج أسماؤهم للحج!

السؤال:

هل يجوز شرعًا مثل هذا:

” قررت اللجنة العليا للحج في العراق أن يكون أجرة السفر لأداء مناسك الحج مبلغ قدره ( 2000  دولار ) على أن يدفع المتقدم مبلغا قدره ألف دولار مقدما.

وتجري القرعة على الأسماء فإن ظهر اسمه: يدفع ( 1000 دولار ) المتبقي، وإن لم يظهر اسم المتقدم ضمن القرعة: يُحتفظ عند دائرة الأوقاف ( مبلغ الألف دولار الذي دفع مقدمًا ) إلى السنة القادمة، ولمدة ثلاث سنوات متتالية، فهل يجوز ذلك شرعًا “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما تفعله اللجنة المذكورة في السؤال أمرٌ منكر، ولا يحل لهم الاحتفاظ بالمال بعد أن يتبين عدم خروج المسجِّل للحج معهم، والواجب عليهم بعد خروج الكشوفات، وفرز الأسماء: أن يرجعوا الأموال لأصحابها، ولا يحل لهم إبقاءها عندهم، من غير طيب نفسٍ من أصحابها، وفعلهم هذا من أخذ أموال الناس بغير حق، ولو زعموا أنها لمصلحة الحاج، فهو أدرى بمصلحته، وهو ماله، وقد يخرج للحج من غير طريقهم، وقد يتوفاه الله قبل أن يأتي العام الذي بعده، وقد يكون محتاجًا لهذا المال حاجة ماسة، فأن يُحرم منه بتلك الحجة الواهية، وبذلك الزعم الواهي: فهو أمر غير مقبول.

وأما إن كانوا سيضعون تلك الأموال في بنوك ربوية: فإنه يتحتم عدم الجواز، ولو رضي أصحاب المال بوضعه فيها.

هذا ما يتعلق بالآخذ للمال، أما ما يتعلق بالدافع: فإن الأصل أنه ماله، وهو من يقرر بقاء ماله في الأوقاف من عدمه، لكن إن كان يعلم أنهم يضعونه في البنوك الربوية: فلا يجوز له تمكينهم منه، وكذا لو علم أنهم يستثمرونه في الحرام، ولا نظن بتلك الدوائر إلا أنها تستثمر المال في أحد الطريقين.

وإن انقطعت السبيل بالراغب بالحاج إلا أن يسلك هذا الطريق: فليدفع لهم، وليس عليه إثم، وهو في حكم المكرَه، وإنما يبوء بالإثم من ألجأه لهذا الطريق.

 

والله أعلم.

والده يشرب الخمر، فكيف يتصرف معه؟.

والده يشرب الخمر، فكيف يتصرف معه؟.

السؤال:

سؤالي إليكم أسري واجتماعي بنفس الوقت، أبي – يا شيخ حفظكم الله – مبتلى بالمسكر ( الخمر ) منذ زمن, وكلما رأيته بهذه الحالة أنقهر، وأغتم مما أراه، وإذا نصحته وقلت له: إن هذا الشيء لا يجوز وحرام زعل مني، وحاول إسكاتي، مما جعلني أتصادم معه في الكلام، وأحيانا أسبه وكأنه واحد من أعدائي, علمًا بأن أمي متوفية – رحمها الله – منذ سنتين، وجدتي التي هي أم أبي مريضة في المشفى بسبب جلطة دماغية عافانا الله وإياكم منه, ومما يزيد الأمر سوءً أن أبي – هداه الله – لا يستطيع المشي إلا على العكاز، ولمسافة قريبة فقط؛ لأنه منذ صغره وهو أعـرج ، وعمره الآن ( 60 سنة )، وكما قلت لكم أنني نصحته أكثر من مرة, ولكن لا فائدة من الكلام، حيث إن أصحابه نصحوه، ولكن لا حياة لمن تنادي, كذلك يعاني من مرض السكر، والضغط, وأنا لا أريد العقوق به، ولكن ما الذي يجب أن أعمله تجاهه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

شرب الخمر حرام، وهو من كبائر الذنوب، وقد دلَّ على تحريمه الكتاب، والسنَّة، والإجماع، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) [ المائدة / الآية 90 – 91 ].

وللخمر مفاسد على الدين، والبدن، والعقل، والمال، والعرض، ولذا فإن كثيرا من الصحابة – رضي الله عنهم – حرّموا شربها على أنفسهم في الجاهلية: ومنهم أبو بكر الصدِّيق – رضي الله عنه، قالت عائشة – رضي الله عنها -: ” حرَّم أبو بكر الخمرة على نفسه، فلم يشربها في جاهلية، ولا إسلام، وذلك أنه مرَّ برجل سكران يضع يده في العذرة ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرف عنها، فقال أبو بكر: إن هذا لا يدري ما يصنع “.

ومنهم: عثمان بن مظعون، حيث روي عنه قوله: ” لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد “.

ومنهم: قيس بن عاصم، حيث روي عنه قوله – في سبب تحريم شرب الخمر على نفسه -: ” لأني رأيته متلفة للمال، داعية إلى شرّ المقال، مذهبة بمروءات الرجال “.

ويتعرض شارب الخمر يعرِّض نفسه لمفاسد وعقوبات في نفسه، إن لم يتدارك نفسه بتوبة صادقة: هلك.

ثانيا:

وأما ما يجب عليه تجاه المنكر الذي يفعله والدك فإنه يتلخص بما يلي:

  1. المداومة على نصحه، ووعظه، بتبيين حرمة شربه للخمر، والعقوبات المترتبة على فعله.
  2. التلطف في المعاملة، والإحسان له بالقول والفعل.
  3. عدم إعانته على شراء الخمر، لا من حيث جلبه له، ولا من حيث إعطائه من المال ما يشتري به من ذلك المنكر.
  4. عزله عن الأسرة، أو عزل الأسرة عنه؛ لئلا تؤثر مخالطته لهم على سلوكهم وأخلاقهم؛ ولكي يأمنوا شرَّ أفعاله إذا سكر.
  5. رفع الأمر لمن يأخذ على يده بالعقوبة، من حاكم، أو قاضٍ، أو جهات مسئولة.
  6. الدعاء له بأن يهديه الله ويخلصه من فعل الحرام.

وهذه بعض الفتاوى في الموضوع، نسأل الله أن تكون نافعة في بيان المقصود:

أ. سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الإسلام في المسلم الذي يشرب الخمر، ولا يقبل النصح، ويعلل ذلك بقوله: ” إنه هو الوحيد الذي سيحاسبه الله “، ولا يسمح لأحد أن يتدخل في شؤونه، فهل يجوز للمسلمين أن يتعاملوا معه أو لا؟.

فأجابوا:

” يجب على مَن عرف الحق من المسلمين أن يبلغه قدر طاقته، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حسب استطاعته، فإن قُبلت نصيحته: فالحمد لله، وإلا رفع أمر مَن ارتكب المنكر أو فرَّط في الواجبات إلى ولي الأمر العام، أو الخاص، ليأخذ على يد المسيء حتى يرتدع، ولا ينتشر الشر، ودعوى من يشرب الخمر ويصر على ذلك أنه لا يحاسبه على شربها غير الله: ليست بصحيحة إذا كان يشربها علناً، فإن مَن يراه يشربها مكلف بالإنكار عليه حسب استطاعته، فإن لم يقم بالواجب عليه نحو من يرتكب المنكر: عوقب على تفريطه في واجب البلاغ والإنكار، فليس شرب إنسان الخمر علنا مما يختص جرمه بالشارب، بل يعود ضرره على المجتمع في الدنيا، وخطره يوم القيامة على الشارب، والمفرط في الإنكار عليه، وفي الأخذ على يده، وعلى مَن عرف من المسلمين حال المجرم أن يهجره في المعاملات، ولا يخالطه إلا بقدر ما ينصح له، وما يضطر إليه فيه، وليجتهد ما استطاع  في إبلاغ ذلك إلى ولاة الأمور ليقيموا عليه الحد؛ ردعاً له، ولغيره؛ وقطعًا لدابر الشر والفساد؛ وتطهيراً للمجتمع من ذلك الوباء “.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 81 ، 82 ).

ب. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضا -:

أنا موظف في إحدى الدوائر الحكومية، وأستلم راتبا وقدره ( 2981 ريالا )، ولي أب يريد أن أعطيه من الراتب الذي أستلمه، وأنا لا أقدر؛ لأنني اشتريت سيارة، وأسدد أقساطها، وكل قسط ( 2000 ريال )، ولي أخت تعطيه شهريًّا ( 850  ريالا )، ويوجد عنده محل يبيع ويشتري المواد الغذائية، ويريد مني نقودا، وأنا لا أقدر، مع أنه يشرب الخمر! ويريد أن أعطيه نقوداً، فهل يجوز أن أعطيه نقوداً مع أنه يمكن أن يشتري خمرا بالنقود التي أعطيه إياها؟ وإذا لم أعطه نقودا يطردني من البيت، ويقول :” إن لم تعطني نقوداً فاخرج من البيت “، وأخواتي لا يعطيهم نقودا إلا بعد مشقة كبيرة.

أفيدوني في هذا السؤال، أفادكم الله، وأسكنكم فسيح جناته؟.

فأجابوا:

” إذا كان الواقع كما ذُكر من أنه يشرب الخمر، وكان عنده ما يكفيه لحاجته المباحة: فصاحبه في الدنيا بالمعروف، وأحسن إليه بما تيسر لك، مما لا يتمكن من صرفه في محرم؛ مثل أن تعطيه كسوة، أو كيس أرز، أو شيئا مما يكون أثاثاً للبيت؛ من سجادة، أو أواني، وتبش في وجهه، وتكلمه كلاما ليِّنا سمحا، ونحو ذلك من المعروف والإحسان، مع نصيحته بترك شرب الخمر، وسائر المحرمات ” .

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 173 ، 174 ).

ج. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

أنا شاب هداني الله للإيمان – والحمد لله – متزوج حديثًا، وأتقاضى راتبا شهريًّا، وقد استأجرت بيتًا، وسكنت فيه مع زوجتي؛ وذلك لصغر بيت أهلي، وأعطي أهلي جزءًا من راتبي، وبعضه لوالدي الذي يشرب الخمر يوميًّا! فهو مدمن عليها! لذلك فإن ضميري يؤنبني بأني بذلك أشجعه على شراء الخمر، علماً أنه يتقاضى راتباً يعطي منه لوالدتي نصفه والباقي يصرفه على شراء الخمر، والسجائر، ولعب القمار – أحياناً -، خصوصاً وأنا بحاجة إلى هذا المبلغ لتكوين نفسي، وكذلك فإن أختي الكبيرة تعطيه من راتبها، فما حكم إعطائنا له تلك المبالغ؟ أفيدونا أفادكم الله.

فأجاب:

” يجب على المسلم أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من المعاصي، ولا سيما الكبائر، كشرب الخمر، ولعب القمار، وغير ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، فيجب على هذا الوالد، وعلى كل عاصٍ: أن يتوب إلى الله، ويبادر بالتوبة، وألا يتجارى مع الهوى، والشيطان، فيُهلك نفسه، فيقع في غضب الله، وسخطه، والواجب عليكم أن تناصحوه، وأن تكرروا له النصيحة، وتغلظوا عليه، وإذا كان هناك سلطة إسلامية: فيجب عليكم أن ترفعوا شأنه إليها للأخذ على يده، وإعانته على نفسه.

وأما بالنسبة لما تعمله أنت، وأنك هداك الله للإسلام: فهذه نعمة عظيمة، ونسأل الله لنا ولك الثبات، ثم ما تعمله من توزيع راتبك على حوائجك، وعلى أهلك، وعلى والدك: فهذا شيء تشكر عليه، ونرجو الله أن يتقبل منا ومنك.

وأما بالنسبة لكون والدك يشرب الخمر، ويستعين بما تعطيه على ذلك: فإذا تحققت أن والدك يستعين بما تدفعه إليه على معصية الله: فلا تعطه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) [ المائدة / من الآية 2 ].

فإذا تحققت من أن والدك يستعين بما تعطيه إياه على معصية الله: فإنك تمنع عنه العطاء؛ لعله يتوب إلى الله، ويرتدع عما هو عليه.

وعلى كل حال: الوالد له حق، لكن إذا كان بالحالة التي ذكرتها، وأنه يستعين بما تدفعه إليه على شرب الخمر، ولعب القمار، وغير ذلك: فإنك لا تعطيه شيئًا يعينه على المعصية “.

” المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان ” ( 4 / ص 261، السؤال رقم: 266 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز جلب حصى أو تراب من مزدلفة أو من الحرم؟.

هل يجوز جلب حصى أو تراب من مزدلفة أو من الحرم؟.

السؤال:

أديت فريضة الحج العام الماضي، وعندما كنا في مزدلفة أخذت صخرتين واحتفظت بهم إلى الآن، فهل في هذا شيء؟ أو يجب عليَّ التخلص منهما؟ وكيف؟ وهل تعد مزدلفة من الحرم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله أن يتقبل حجك، وأن تكوني من المغفور لهم ذنوبهم، والذين رجعوا من حجهم بلا ذنب ولا إثم.

ثانيا:

” المزدلفة ” من المشاعر، وهي في حدود الحرم، وقد سمَّاها الله تعالى في كتابه ” المشعر الحرام ” فقال: ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) [ البقرة / من الآية 198 ].

قال ابن حزم الأندلسي – رحمه الله -:

” وأما مزدلفة: فهي المشعر الحرام، وهي من الحرم “.

” المحلى ” ( 7 / 188 ).

وقال النووي – رحمه الله -:

” واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم “.

” شرح مسلم ” ( 8 / 187 ).

ثالثا:

لم يكن من الجائز لك أخذ شيء من آثار مكة أو المدينة؛ وذلك لعدم ثبوت ذلك عن أحد من سلف هذه الأمَّة؛ لأن ذلك مظنة تعظيم هذه الآثار واعتقاد نفعها، وهو ما جاءت الشريعة بمحاربته، وإغلاق طرقه، نعم لو كانت الوصية بإحضار ماء زمزم لكان ذلك جائزا؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنه أخبرنا أنها ماء مباركة، وأن فيها شفاء بإذن الله، وأما ما عداها كترابٍ من عرفة، أو حصى من مزدلفة، أو ما يشبه ذلك: فلا يحل بحال، لا الوصية لأحدٍ بجلبه من هناك، ولا إحضاره لمن أوصى بالفعل، ويقوى المنع عند من أراد تلك الحجارة وذلك التراب بقصد التبرك.

وفي حكم إخراج التراب والحجارة من الحرم إلى الحل ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم، وإلى الجواز ذهب الحنفية، وإلى الكراهة ذهب الحنابلة – بل قالوا بالكراهة الشديدة – وبعض الشافعية، والتحريم هو قول جمهور الشافعية، وهو الذي لا ينبغي القول بغيره، وبخاصة إذا عُلم أن من يخرجه يريد التبرك به أو تعظيمه، والذين أجازوا الإخراج من الحرم من أهل السنة لم يقولوا بالجواز لأجل التبرك به، ومن قال منهم بذلك فعنده خلل في اعتقاده؛ لأن تراب الحرم وحجارته لا يُتبرك بها لا وهي في مكانها في الحرم، ولا هي خارجة عنه، والخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في مجرد الإخراج من الحرم، وليس خلافاً في إخراجٍ من الحرم من أجل التبرك والتعظيم، والكراهة المنقولة عن بعض السلف المتقدمين – كابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد، كما رواها عنهم ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 3 / 294 ) – معناها: التحريم؛ لأن الاصطلاح عندهم درج على هذا فيما لا نصَّ فيه على المنع، أو أطلقوا عليه الكراهة لتورعهم عن إطلاق لفظ التحريم ذاته.

قال الشافعي – رحمه الله -:

” لا خيرَ في أن يُخرج من حجارة الحرم، ولا ترابه شيء إلى الحل؛ لأنَّ له حرمة ثبتت بايَنَ بها ما سواها من البلدان، ولا أرى – والله تعالى أعلم – أن جائزا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصير كغيره “.

” الأم ” ( 7 / 155 ).

قال ابن حزم – رحمه الله -:

” ولا يخرج شيء من تراب الحرم ولا حجارته إلى الحل، … عن عطاء قال: يُكره أن يُخرج من تراب الحرم إلى الحل، أو يدخل تراب الحل إلى الحرم “.

وهو قول ابن أبى ليلى، وغيره، ولا بأس بإخراج ماء زمزم؛ لأن حرمة الحرام إنما هي للأرض، وترابها، وحجارتها، فلا يجوز له إزالة حرمتها، ولم يأت في الماء تحريم. ” المحلى ” ( 7 / 262 ، 263 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يريد أن يحج، ومحمل عدة وصايا، يقول: إنه قد طَلب منه مجموعة من الناس أن يأتي لهم بشيء من مكة، والمدينة، مثل حجر، أو ماء، أو قليل تراب، أو ما شابه ذلك، فكيف أصنع؟.

فأجاب:

” هذه الوصايا التي أشار إليها، أن يأتي إلى من أوصوه بتراب، أو ماء، أو أحجار من الحرم: لا يلزمه أن يفي بها، وله أن يردها عليهم، ولو كانت وصاياهم بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر: لكان ذلك أولى وأجدر.

فإذا استبدل هذه الوصايا بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر بما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم: كان ذلك أولى، وأجدر، وأحسن “.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 55، وجه: ب ).

 

 

رابعا:

وماذا يصنع من أحضر معه شيئا من تراب أو حصى الحرم؟ الجواب: عليه أن يستغفر الله تعالى من فعله أولا، ثم عليه أن يرجعه إلى أي بقعة في الحرم إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يجب أن يردَّه بنفسه، بل لو أعطاه لمن يوثق بدينه وعقله ليرده: جاز له ذلك، فإن لم يستطع هذا ولا ذاك: فيضعها في أي مكان طاهر، وقد قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسا إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 286 ] ، ولا يجعل لها علامة، وليسارع في ردها، أو التخلص منها؛ خشية أن تورث بعده، وتُجعل محط أنظار الناس، ويعتقد فيها من يراها اعتقادات فاسدة.

  1. ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 195 ):

صرح الشافعية بحرمة نقل تراب الحرم، وأحجاره، وما عمل من طينه – كالأباريق وغيرها – إلى الحل، فيجب رده إلى الحرم. انتهى.

  1. قال الماوردي – رحمه الله -:

” فإن أخرج من حجارة الحرم، أو من ترابه شيئا: فعليه ردُّه إلى موضعه، وإعادته إلى الحرم “.

” الحاوي في الفقه الشافعي ” ( 4 / 314 ).

ونقله عنه النووي في ” المجموع ” ( 7 / 460 ) وأقرَّه.

  1. وقال الخطيب الشربيني – رحمه الله -:

” يحرُم نقل تراب من الحرمين، أو أحجار، أو عمل من طين أحدهما كالأباريق وغيرها إلى الحل، فيجب رده إلى الحرم، بخلاف ماء زمزم، فإنه يجوز نقله “. ” الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ” ( 1 / 248 ، 249 ).

  1. وفي ” تحفة المحتاج في شرح المنهاج ” ( 4 / 194 ):

وبالرد تنقطع الحرمة، كدفن بصاق المسجد. انتهى.

 

والله أعلم.

حكم شراء الأرض المشاع عن طريق القرعة

حكم شراء الأرض المشاع عن طريق القرعة

السؤال:

تقوم ” وزارة الإسكان ” في بعض الدول بعمل قرعة لتوزيع بعض الأراضي التي تمتلكها الدولة بهدف تعميرها والبناء عليها، ويشترط في الدخول لهذه القرعة أن يقوم الشخص بإيداع مبلغ من المال في أحد البنوك التابع لتلك الوزارة، ثم يدخل السحب الذي يحدد موعده بعدها بشهر، أو شهرين، فإن وقع الاختيار عليه: امتلك القطعة، ثم أكمل قيمة المال المستحق عليها بأقساط دون فوائد ربوية، وإن لم يقع الاختيار عليه: استرد ماله كاملاً مضافاً إليه قيمة الفائدة البنكية عن المدة التي مكث فيها هذا المال في البنك.

السؤال هو:

أولا: هذه الأرض التي سيتم الاقتراع عليها هي ضمن مجموعة من الأراضي، المعلوم مكانها، وموقعها، ومساحتها، لكن المتسابق لا يعلم أي قطعة بالضبط التي سيربحها في حالة وقوع القرعة عليه، فربما تكون هذه القطعة متميزة جدًّا، وربما تكون غير متميزة، ولكن في كلتا الحالتين ربحه سيكون عاليا.

ثانيا: هل اشتراط الفائدة التي ستضاف إلى المال المودع لدخول السحب يفسد العقد، أم أنه شرط فاسد يصح معه العقد، ويرفض بعدها المتسابق أخذ الربا، أو يرده على البنك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

بيع القِطع بطريقة القرعة كما وردت في السؤال قد تكون مباحة، وقد تكون محرَّمة: فتكون مباحة في حال أن تكون القطع جميعها معلومة لدى المشتري، ويكون هذا من: ” بيع المشاع ” وهو بيع مباح.

وتكون محرَّمة في حال أن تكون مجهولة من قبَل المشتري، ولا يدري عنها شيئا.

والذي تفعله الحكومات، والنقابات، وغيرهما هو الأول، فتكون لهم قطَع أراضي معلومة لدى الناس، ويتم تقسيمها، وتنظيمها، ثم عرضها على الناس لشرائها، ولا يمكنهم في هذه الحال بيعها بالقطعة؛ لأن ذلك يعني بيع المتميزة، وبوار الأخرى – غالبا -، فيتم عرضها جميعها على المشترين بعد معاينتهم لمواقعها، ومساحاتها، ومن ثم يتم تحديد عينها بالقرعة الشرعية، وهذا هو بيع المشاع، وهو جائز بالاتفاق.

 

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

هل يجوز بيع المشاع؟.

 فأجاب:

” يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل قوله الذي في صحيح مسلم: ” أيما رجل كان له شرك في أرض، أو ربعة، أو حائط فلا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع قبل أن يؤذنه فهو أحق به بالثمن “.

وكذلك يضمن بالإتلاف، وما هو في معنى الإتلاف، كالسراية في العتق، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”  من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط, فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد “.

وإذا باع الشقص المشاع، وقبضه، أو لم يقبضه: فقد اتفق المسلمون على أن حق الشريك باقٍ في النصف الآخر، وإن لم يتصرف بأنواع التصرفات الجائزة في المال المشترك، فللمشتركين أن يتهايئا فيه بالمكان، أو بالزمان، فيسكن هذا بعضه، وهذا بعضه، وبالزمان، يبدأ هذا شهرا، ويبدأ هذا شهرا، ولهما أن يؤجراه، ولأحدهما أن يؤجره من الآخر، ومن امتنع منهما من المؤاجرة: أجبر عليها، عند جمهور العلماء، إلا الشافعي، وفي الإجبار على المهايأة أقوال ثلاثة معروفة “.

” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 233 ، 234 ).

وبيع الأسهم في الشركات هو من باب ” بيع المشاع “، وهو بيع صحيح إن كانت الشركات مما يجوز شراء أسهمها.

ثانيا: ومن وقع عليه الاختيار ثم أكمل معاملة الشراء: فلا حرج عليه، إلا أنه ينبغي التنبه لبعض المحاذير في هذه المعاملة.

ثالثا: ومن لم يقع عليه الاختيار، وردَّ إليه ماله مع زيادته الربوية: فلا يحل له تملك تلك الزيادة، ولا الاستفادة منها، وعليه التخلص منها في طرق الخير المتنوعة.

ولا نرى أن فعل الوزارة هذا، وإلزام المشتري بوضع جزء من المال في البنك مما يفسد العقد، بل هو من الأفعال المحرَّمة عليهم، وعلى البنوك، وعلى من أخذ تلك الزيادة ممن لم يقع عليه الاختيار، وإلزام الناس بوضع المال في البنوك من قبل كثير من الدول ممن لهم قضايا، أو حقوق ليس إلا من باب الإكراه، وكل ما على المسلم فعله هو محاولة تجنب ذلك، فإن لم ينجح: فليتخلص من المال الزائد في وجوه الخير كما سبق القول به.

 

والله أعلم.

حكم العمل في تشغيل وصيانة أجهزة بث القنوات الفضائية والإذاعات

حكم العمل في تشغيل وصيانة أجهزة بث القنوات الفضائية والإذاعات

السؤال:

أنا مهندس اتصالات، أعمل في الهندسة الإذاعية، طبيعة عملي هي تشغيل وصيانة الأجهزة الإلكترونية التي تعمل على إعادة بث القناتين الأولى والثانية المصرية لمنطقة جنوب سيناء، وبعض الإذاعات المحلية، مع العلم أنه ليس لي أي علاقة بطبيعة البرامج التي تقدمها هذه القنوات أو الإذاعات، علما بأن هذه القنوات والإذاعات تبث لخدمة أهداف قومية، هل هذا العمل حرام، ولماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

القنوات الفضائية تزخر في عباب الفضاء، وتنتشر في أرجاء المعمورة، وقلَّما يخلو بيت من إحداها، وهي ليست على درجة واحدة، وإن كان أغلبها لا يخلو من منكر, أو بدعة, أو معصية, أو فجور، بل كفر وإلحاد.

ويمكن تقسيم تلك القنوات إلى ثلاثة أقسام رئيسة: قنوات إسلامية، وقنوات أغاني وأفلام، وقنوات إخبارية, وبرامج علمية, وسياسية.

أما العمل في القنوات الإسلامية تشغيلا، ونقلا لبثها، وصيانة لأجهزتها: فهو عمل مباح، بل يؤجر عليه صاحبه إن نوى به إرشاد الناس، وتعليمهم، وصيانة دينهم وأخلاقهم، ونعني بالقنوات الإسلامية: تلك التي تنشر اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وتخلو من ظهور النساء، وتخلو من الموسيقى والغناء، وذلك مثل: قناة المجد، والحكمة، ولا نعني به تلك القنوات التي تسوِّق نفسها أنها إسلامية وهي تنشر البدعة، وتُظهر النساء، وتُسمع الناس الموسيقى والغناء.

وبعكسه يكون حكم العمل في القنوات الهابطة، والتي تنشر الفساد في برامجها، من أفلام، ومسلسلات، وأغاني، ورسائل عشق وغرام وقلة أدب، وقد تكون تلك القنوات تجوي ذلك الفساد والشر كله، وقد تكون متخصصة في بعضها، كقنوات الأفلام، أو الأغاني، أو الرسائل الماجنة، وهذا لا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لما هو ظاهر من حكم تلك المخالفات الشرعية الواقعة في تلك القنوات.

وأما القنوات الإخبارية: فهي مباحة في أصلها، لكن لأن أصحابها – غالبا – لا يعيرون الأحكام الشرعية انتباههم: فهم يقعون في مخالفات شرعية في تلك القنوات، ما بين مذيعة متبرجة، أو موسيقى، أو دعاية لأفلام، أو أخبار رياضية تظهر فيها العورات للنساء والرجال، أو لقاءات مع ملحدين ومبتدعة، وغير ذلك مما هو مشاهد، ومعلوم.

 

والعمل في هذه القنوات تشغيلا، ونقلا لبثها، وصيانة لأجهزتها: لا يخلو من إثم؛ وذلك بسبب ما ذكرناه مما تحويه تلك القنوات، والأليق بالمسلم تجنب العمل فيها، والنقل لبثها، والصيانة لأجهزتها؛ صيانة لدينه؛ وحفاظا على حلِّ كسبه من أن يتلوث بمحرَّم.

وليُعلم أن ما ذكرناه يشمل كل عامل في هذه القنوات، من مهندس، وفني، وإداري، وحارس، كما يشمل من يدعمها، ويؤيدها، ويسمح ببثها والتقاط تردداتها، وهو شريك في الآثام التي تحتويه تلك القنوات، وتبثه للعالَم، وكل ما تسببه تلك البرامج: فله نصيب مما فيها من إثم وسيئات.

وليُعلم – كذلك -: أن ما قلناه في التفصيل والتوضيح ينطبق على القنوات المسموعة – الإذاعة – كما ينطبق على القنوات المرئية، ولا فرق.

قال تعالى: ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) [ العنكبوت / الآية 13 ].

وقال تعالى: (  لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) [ النحل / الآية 25 ].

وقال:  ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ المائدة / من الآية 2 ].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا “.

رواه مسلم ( 2674 ).

ولا نظن بالقنوات الواردة في السؤال إلا أنها من القسم الثاني، وفي أحسن أحوالها أنها من القسم الثالث، وكلاهما يجب ترك العمل فيها؛ لما هو واضح من المنكرات في الأولى؛ ولما يغلب على الثانية من منكرات ومعاصٍ.

 

والله أعلم.

توفي زوجها وتسأل لمن تكون الحضانة إذا تزوجت من بعده؟

تفصيل القول في أحكام حضانة من رغبت بالزواج ومات زوجها

السؤال:

مات زوجي، فمع من يعيش أبناؤنا، معي؟ أم مع أهل زوجي؟ وماذا لو أردت أن أعود إلى بلدي، فهل لي أن أصطحب أبنائي معي؟ أم أن الواجب تركهم مع أهل زوجي؟ هل لأهل زوجي الحق في تربية أبنائي؟ وهل للزوجة الحق في تربية الأبناء حتى لو رغبت في الزواج؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحضانة شرعا: هي حفظ مَن لا يستقل بأموره، وتربيته بما يصلحه.

” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 299 ).

وفي ( 17 / 301 ):

مقتضى الحضانة: حفظ المحضون، وإمساكه عما يؤذيه، وتربيته لينمو، وذلك بعمل ما يصلحه، وتعهده بطعامه، وشرابه، وغسله، وغسل ثيابه، ودهنه، وتعهد نومه، ويقظته. انتهى.

ثانيا:

وقد اتفق الفقهاء على أن الأم هي أحق الناس بحضانة أولادها قبل سن التمييز إذا حصل طلاق بينها وبين زوجها، أو حصلت له وفاة.

قال ابن المنذر – رحمه الله -:

” وأجمعوا على أن لا حقَّ للأُم في الولد إذا تزوجت “.

” الإجماع ” ( ص 95 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 301 ، 302 ):

وحضانة الطفل تكون للأبوين إذا كان النكاح قائماً بينهما، فإن افترقا: فالحضانة لأم الطفل باتفاق؛ لما ورد أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: ” أنت أحق به ما لم تنكحي “. انتهى.

 

 

 

ثالثا:

والحضانة حق للحاضن لا حق عليه، فيمكنه التخلي عنها، إلا أن يتعين ذلك عليه لعدم وجود من يقوم بها غيره.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” والحضانة حق للحاضن لا حق عليه، وعلى هذا فإذا أراد أن يتخلى عنها لمن دونه: جاز له ذلك “. ” الشرح الممتع ” ( 13 / 536 ).

رابعا:

وقد يتوجب انتقال الحضانة عن الأم لأسباب منها: عدم أهليتها للحضانة بسبب عجزها البدني، أو بسبب فسقها، أو قد تتزوج من غير قريب لأطفالها فينتقل حق الحضانة لغيرها.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

” ودل الحديث – أي : حديث: ” أنتِ أحق به ما لم تنكحي ” – على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد: فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يُعرف فيه نزاع “. ” زاد المعاد ” ( 5 / 435 ).

خامسا:

وقد اختلف الفقهاء في تحديد من ينتقل إليه حق الحضانة بعد سقوطه عن الأم – بسبب موتها، أو زواجها، أو عجزها، أو فسقها، أو كفرها -، فذهب جمهورهم إلى أنها تنتقل إلى أم الأم، وخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله -، فقالا بانتقالها إلى الأب، ومن هم من جهته، كأم الأب، وأخت الأب، والعمة، وهنَّ أولى من أم الأم، والأخت من الأم، ومن الخالة.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

” … بخلاف الصغير، فإن الأم أصلح له من الأب؛ لأن النساء أرفق بالصغير، وأخبر بتغذيته، وحمله، وأصبر على ذلك، وأرحم به، فهي أقدر، وأخبر، وأرحم، وأصبر، في هذا الموضع، فعينت الأم في حق الطفل غير المميز بالشرع.

ولكن يبقى ” تنقيح المناط “: هل عينهن الشارع؛ لكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في الحضانة؟ أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال فقط؟ وهذا فيه قولان للعلماء. يظهر أمرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم: مثل أم الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ومثل العمة، والخالة، ونحو ذلك، هذا فيه قولان، هما روايتان عن ” أحمد “، وأرجح القولين في الحجة: تقديم نساء العصبة، وهو الذي ذكره ” الخرقي ” في ” مختصره ” في العمة والخالة، وعلى هذا: أم الأب مقدَّمة على أم الأم، والأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة, كما تقدم, وأقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، والأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال … .

ولم يقدِّم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام، فمن قدمهن في الحضانة: فقد خالف أصول الشريعة، ولكن قدَّم الأم لأنها امرأة، وجنس النساء في الحضانة مقدمات على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدَّم الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح، وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب: فمخالف للأصول، والعقول “. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 122 ، 123).

سادسا:

ولا يجوز للحاضن أن يسافر بأولاده سفرا بعيدا خارج مكان إقامة الطرف الآخر، ويتحتم المنع إن كان بقصد الإضرار به، وعدم تمكينه من رؤيته، وزيارته.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 309 ):

وإذا انقضت عدة الأم: فمكان الحضانة هو البلد الذي يقيم فيه والد المحضون، أو وليه، وكذلك إذا كانت الحاضنة غير الأم؛ لأن للأب حق رؤية المحضون، والإشراف على تربيته، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان الحاضن يقيم في بلد الأب، أو الولي.

هذا قدر مشترك بين المذاهب، وهو ما صرح به الحنفية وتدل عليه عبارات المذاهب الأخرى. انتهى.

وفي ( 17 / 317 ):

لكل من أبوي المحضون إذا افترقا حق رؤيته، وزيارته، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء. انتهى.

سابعا:

وقد اختلف العلماء في السن الذي تنتهي عنده الحضانة، وأعدل الأقوال، وأقواها: هو قول الحنابلة، وتلخيص مذهبهم في ذلك:

أ. قبل سن السابعة تكون الحضانة للأم، للذكر والأنثى من أولادها.

ب. بعد سبع سنين: يُخيَّر الذكَر بين أمه وأبيه، وتنتقل الأنثى إلى أبيها.

ج. وفي سن الرُّشْد يكون الذَّكر حيث يشاء، وتبقى الأنثى عندما أبيها، حتى يسلمها لزوجها.

 

 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

” البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها.

وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرة أمها “.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ).

ثامنا:

وكل ما سبق ذِكره من أحكام في الحضانة للأب: فهي تشمل من يقوم مقامه عند عدمه، أو عند سقوط حضانته، وتشمل من يقوم مقام الأم عند عدمها، أو عند سقوط حضانتها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” وغير الأم ممن له الحضانة من النساء يقوم مقامها، وغير الأب من عصبات الولد يقوم مقامه عند عدمهما، أو كونهما من غير أهل الحضانة “.

” المغني ” ( 9 / 305 ).

تاسعا:

وليُعلم أن أحكام الحضانة مبنية على رعاية مصلحة المحضون، وعليه: فإنه من يثبت فسقه، أو فجوره، أو إهماله لدين ودنيا المحضون: فإنه لا يمكَّن من حضانته، ويسقط حقه في الحضانة، حتى لو كان أحد الأبوين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” واعلم أن هذه المسائل يجب فيها مراعاة المحضون قبل كل شيء، فإذا كان لو ذهب مع أحدهما، أو بقي مع أحدهما: كان عليه ضرر في دينه، أو دنياه: فإنه لا يُقرُّ في يد من لا يصونه، ولا يُصلحه؛ لأن الغرض الأساسي من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه “. ” الشرح الممتع ” ( 13 / 545 ).

وخلاصة ما سبق مما يتعلق بكِ:

  1. أنتِ أحق بأولادك من أهل زوجك، حضانةً، ورعاية، وتربية.
  2. يجب أن تمكني أهل زوجكِ من رؤية أولادك، وزيارتهم.
  3. لا يجوز لك السفر بهم بعيداً عن مكان إقامة أهل زوجك، وإلا انتقلت حضانتهم إليهم.
  4. تسقط عنك حضانة أولادك إن تزوجتِ، وينتقل الأولاد إلى أم أبيهم، فإن لم توجد: فأخت أبيهم، ثم خالتهم.
  5. قبل سن السابعة – وهو سن التمييز – يبقى أولادك معك، فإذا بلغوا سنَّ السابعة: خُيِّر الذكر بينك وبين قرابة أبيه، فإن اختار البقاء معكِ فله ذلك، أو اختار الذهاب لأهل والده فله ذلك، بشرط أن يكون من اختاره ليس فاسقا، وأن يكون يحسن تربيته ورعايته، وتلتحق الأنثى لتلك القرابة حتى زواجها، وكل هذا في حال أنك لم تتزوجي؛ لأنه بزواجك ينتقل أولادك لقرابة زوجك، كما سبق.

والذي ننصحك به:

هو حسن التربية والعناية بأولادك، والإحسان لأهل زوجك وعدم قطيعتهم، وعدم قطع أولادك عنهم، وأن تفكري جديًّا بالزواج؛ لأن فيه إعفافا لك، ولن تنقطع صلتك بأولادك، ولعل الله تعالى أن يرزقك ذرية أخرى طيبة صالحة.

 

والله أعلم.