الرئيسية بلوق الصفحة 142

أهلها رافضة، فكيف تتصرف معهم، وبخاصة في موضوع الزواج؟.

أهلها رافضة، فكيف تتصرف معهم، وبخاصة في موضوع الزواج؟.

السؤال:

يا شيخ أمي وأبي شيعة، وأمي التي جابت دين جديد تقول لي: يا أتباع عثمان، وشتم، وسب، وأبي لا يعرف أني سنية، متأذية – يا شيخ – كثير.

– أريد النصيحة، وخاصة في موضوع الزواج، لا أعرف ماذا أفعل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

فإن من عظيم نعَم الله تعالى على العبد أن يهديه للإسلام الذي ارتضاه الله تعالى دينا خاتما للأديان، ولم يكن لهذا الدِّين أن يصل لأقطار الأرض لولا أن يسَّر الله رجالا خصَّم بمزيد فضل ليكونوا حملةً له، بذلوا الغالي والنفيس من أجله، وقدموا التضحيات العظيمة في سبيل نشره، وها هي الأرض تشهد لهم بتفرق موتهم في أقطارها، ذلك هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسَلين، ولذا كان مبغضهم والطاعن فيهم زنديقا مرتدًّا؛ لأنه يريد النيل من الإسلام نفسه.

فاحمدي الله تعالى دوماً أن اختاركِ الله تعالى لتكوني من أهل السنَّة حملة الدين الصحيح الذي أرسل الله تعالى به رسولَه صلى الله عليه وسلم.

واصبري على ما تجدينه من أذى وضرر في سبيل الحفاظ على تلك النعمة العظيمة، وليكن على بالك دوماً أخواتك اللاتي صبرنَ على ضيم الكفار وعذابهم، كسميَّة والدة عمَّار بن ياسر، والتي قدَّمت نفسها رخيصة في سبيل ربها، ودينها، وغيرها كثير من الصابرات على دينهن ممن يعشن بين ظهراني أهاليهن من الكفار، والملحدين.

ثانيا:

وننصحك بكتم هدايتك عن والدك؛ خشية من إيقاع الأذى أو الضرر عليك، واحرصي على عدم المواجهة مع والدتك؛ خشية من نقل خبرك لوالدك، أو لأقربائك، واستمري على تعلم شرع الله تعالى بتأنٍّ وتروٍّ، ومثل هذه المواقف تحتاج منك لزيادة العلم والإيمان، حتى تستطيعين مواجهة صعاب الفتنة، واسألي الله تعالى دوماً العفو، والمعافاة في دينك ودنياك.

ثالثا:

وبخصوص موضوع زواجك: اعلمي أنه لا ولاية لوالدك عليكِ ما دام أنه على مذهب التشيع الباطل، وإنما وليُّك هو المسلم السنِّي ممن هو أقرب إليك نسبا، كجدك، أو أخيك، أو عمِّك، فإن لم يوجد منهم من هو كذلك: فتكون ولاية تزويجكِ للقاضي المسلم السنِّي، فإن استطعتِ التخلص من تسلط أهلك عليك بأن زوجوك هم: فلا تختاري إلا ما يحل لك تزوجه، وهو رجل مسلم سنِّي، وإذا كان وليك هو والدك: فيمكنكما إعادة العقد فيما بعد عند قاضٍ مسلم سنِّي.

وإن تخلصتِ من تسلط أهلك بالخروج الكلي من البيت: فاحرصي أن تكوني في أيدٍ أمينة موثوقة، ويمكن بعدها لقاضٍ شرعي أن يزوجك من واحدٍ من أهل السنَّة.

واعلمي أن تزوجك بواحد من أهل ديانة أهلك: باطل، لا يحل لك الموافقة عليه، ويجب عليك بذل ما تستطيعين في سبيل إيقافه، ومنعه.

 

والله أعلم.

الفرق بين الاعتقاد المخرج من الملة، والوسوسة

الفرق بين الاعتقاد المخرج من الملة، والوسوسة

السؤال:

ما السبيل إلى التفريق بين الاعتقاد المخرج من الملة، وبين الوسواس؟ وهل هناك كتاب فقه للموسوسين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثمة فرق كبير بين الاعتقاد المخرج من الملَّة، وبين الوسواس:

  1. فالأول: فيه عقد القلب على اعتقاد خبيث، والجزم به، وهو ما يؤدي إلى ظهور آثار له، كالجهر بالقول به، أو ظهور أفعال للجوارح على صاحبه.

وأما الوسوسة: فهي مرض، وتخيلات، وأوهام، وترهات، لا يعقد القلب على اعتقاد مخالف للشرع، مضاد له، ولا يظهر له أثر على اللسان، ولا على الجوارح.

  1. والأول: صاحبه خبيث الباطن، خبيث الظاهر، والثاني: صاحبه طاهر الباطن، طاهر الظاهر.
  2. والأول: يستقر الاعتقاد السيئ في قلبه، ويستمر مع صاحبه، ويقويه، ويفرح به، وأما الموسوس: فلا يستقر في قلبه شيء من الاعتقاد ذاك، ولا يجد فسحة في قلبه ليستمر مع صاحبه، وتجد صاحبه حزيناً لوجوده، يسوؤه أن مرَّ ذلك الاعتقاد على قلبه.
  3. والأول: كافر، خارج من ملة الإسلام، إذا انطبقت عليه الشروط، وانتفت عنه الموانع، والثاني: مؤمن، ومن علامة إيمانه: تسلط الشيطان عليه بالوسوسة الاعتقادية المخالفة لشرع الله تعالى، وتعاظم ظهور ذلك الاعتقاد السيئ على لسانه وجوارحه: من علامات الإيمان.

ثانيا:

ولسنا نعلم بوجود كتاب فقه للموسوسين، وكيف يمكن لمسلم أن يؤلف مثل هذا الكتاب؟! ليس في الشرع أحكام خاصة تتعلق بالموسوسين، بل يجب عليهم الالتزام بما جاء في الكتاب والسنَّة من أحكام، والوسوسة مرض يجب على صاحبه بذل ما يستطيع للتخلص منه، وذلك بتقوية إيمانه بالأعمال الصالحة، وبالعلم، وبالأذكار الشرعية، والأدعية، كما يجب على من ابتلي بهذا المرض أن يُطلق له العنان ليتسلط على قلبه، بل واجبٌ عليه دفعه، والتخلص منه.

ويوجد في المكتبة الإسلامية كتبٌ تُعنى بأحكام الوسوسة، وبيان تأثيرها على أحكام الطهارة، والصلاة، والطلاق، والاعتقاد، وغير ذلك، كما يوجد كتب تُعنى بذم الوسوسة، والتحذير من طرق الشيطان في الإيقاع بها.

وننصح كل من ابتلي بمرض الوسوسة أن يقرأ الفصل الذي أفرده ابن القيم في كتابه ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 126 ) فما بعده، وكتاب ذم الموسوسين ” لابن قدامة، وكتاب ” تلبيس إبليس ” لابن الجوزي، رحمهم الله جميعا، ومن الكتب المعاصرة في هذا: ” الوسوسة وأحكامها في الفقه الإسلامي ” للدكتور حامد بن مدَّه بن حميدان الجدعاني.

وثمة أشرطة نافعة كثيرة في بيان هذا المرض، وعلاجه، وتجدها في موقع الصوتيات الشهير: ” طريق الإسلام “.

 

والله أعلم.

التربية العقدية للطفل في صغره بين من يؤيد ومن يمنع

التربية العقدية للطفل في صغره بين من يؤيد ومن يمنع

السؤال:

نحن لم نتعود على سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ الطفولة؛ حيث إن التربية في بلدنا كانت تتم حسب العرف، وليس حسب الدِّين، وأرغب الآن على تعويد صغاري على اتباع السنة النبوية؛ لإيماني الشديد بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وإنما يوحى إليه، وما يقوله حتى ولو لم نفهمه هو عين الصواب، لكن زوجي يقول: إن تعويد الأطفال على الأدعية النبوية – قبل دخول الخلاء، وقبل الخروج من المنزل، وعدم اللعب في الخارج عند المغرب، وبعد الغروب، وكثرة التعوذ من الشيطان، وغيره من وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – يربكهم، ويصيبهم بالوسواس، وأن الحديث أصلاً عن الشيطان للأطفال غير محبب ويخوفهم.

أنا مقتنعة يا فضيلة الشيخ بالتربية العقيدية منذ سن الصغر، وأن السنَّة – والفروض طبعاً – إن لم تزرع في الصغر فلن يتعودوا عليها، فما رأيك؟ وأريدك أن تحكم بيننا، علما بأنني لست إنسانا كاملا، وأحاول قدر جهدي أن ألتزم بشرائع الله، وأعوض أي تقصير، أو جهل سابق بحكم عدم تربية أهلنا لنا على شرائع الإسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

إن تربية الأولاد من أشق الأعمال على الوالدين، ولذا فإن الأجر يعظم لهما على حسن تربيتهم، والعناية بهم، دينيًّا، وسلوكيًّا، ويكون الأولاد بذلك مصدر سعادة، وأجر الوالدين؛ حيث يكتب الله أجور أعمالهم وطاعاتهم لوالديهم؛ لأنهما السبب في وجودهم، والسبب في تربيتهم، وصلاحهم.

وإن أول ما ينبغي للوالدين الحرص عليه في تلك التربية: هو العناية بأولادهم في جانب الاعتقاد، فيتربَّى الأولاد منذ صغرهم على تعظيم الله تعالى، وعلى القيام بأوامره، والابتعاد عن نواهيه، وعلى حفظ كلامه القرآن الكريم؛ تعظيما لقائله.

ولا يختلف الأمر بخصوص الأدعية والأذكار التي تحفَّظ للولد في صغره، بل هو يصب في ذلك التعظيم بالله تعالى، فيتعلم الولد أنه لا ينجيه من الشر إلا الله، وأن الله تعالى مالك الملك، فيتعود على طلب حاجته من ربه عز وجل، وهذا كله يرسِّخ جانب الاعتقاد السليم في قلب الولد منذ صغره.

ولا نرى لاعتراض أحدٍ على ذلك وجها، بل إننا لنشد على يد كل مربي يسعى في غرس الاعتقاد الصحيح في قلب الأولاد منذ صغرهم، وإننا لنحث الآباء والأمهات على تصحيح المسار في جانب التربية على هذا الاعتقاد السليم.

وإننا لنعجب ممن يخالف في هذا وهو يرى أن الأولاد يتربون على الخوف من الأوهام والخيالات والأشياء المجهولة، فكثيراً ما يُسمع تخويف الأولاد من ” العَو “! أو ” الغول ” أو ” الشبح “! فكيف يرضى المسلم أن تكون مثل الاعتقادات مغروسة في قلب ولده، ولا يرضى أن يتربى على الخوف من الله، والاستعاذة به تعالى؟! وتتنوع الاعتقادات الفاسدة في حياة الأولاد منذ صغرهم بتنوع بيئاتهم، وثقافة مجتمعاتهم، وقد أدركنا بعض تلك البيئات إذا انكسر سنُّ ولد منهم خاطب الشمس قائلاً لها: ” يا شمس خذي سن الحمار! وأعطيني سن الغزال! “، نعم، يخاطب الشمس، ويطلب منها، ويعتقد أن تقبل، وتبدِّل، وكل ذلك برعاية وعناية الآباء والأمهات، فأي وجه لإنكار التربية على العقيدة الصحيحة، والطلب من الله تعالى أن يرزقه خيراً مما أَخذ منه، وأنه تعالى وحده القادر على ذلك؟!.

ولننظر – بإنصاف – إلى السنَّة النبوية لتكون حكما بيننا وبين مخالفينا:

هذا النبي صلى الله عليه وسلم يُردف خلفه ” غلاما ” صغيرا، ويوصيه بوصايا، ولنتأمل هذه الوصايا لذاك الغلام ما هي:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ” يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ “.

رواه الترمذي ( 2516 ) وقال: حديث حسن صحيح.

فهذه وصايا النبي صلى الله عليه لذلك الغلام، ولنتأملها مرة أخرى، وسنجد فيها أعظم قواعد الاعتقاد الصحيح، وأدق تفاصيله، بل إن هذه الأبواب قد ضلَّ في عدم فهمها طوائف كثيرة منتسبة للإسلام، راحت تسأل الأموات، والأحجار، وتستعين بالجن، والشياطين، وضلت في باب القضاء والقدر.

وهذه الوصايا الجليلة كانت موجهة من نبي هذه الأمة، ومعلمها، صلى الله عليه وسلم، لغلام صغير، ولم يمنع صغر سنِّه من غرس الاعتقاد الصحيح في قلبه، ونفسه.

قال الدكتور محمد بن عبد العزيز بن أحمد العلي – حفظه الله -:

مما يؤخذ من هذا الجزء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم – أي: قوله: ” يا غلام: إني أعلمك كلمات “ الأمور التالية:

  1. وجوب تعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتربيتهم عليها، وعلى العلم النافع، ويكون ذلك بأسلوب مختصر، وكلِم جامع واضح، فلو تأملت هذا الحديث: لوجدته جامعا لمسائل عقدية كثيرة بأسلوب موجز.
  2. الحرص على تربية الناشئة على العلم النافع، ويبدأ بتربيتهم على العقيدة الصافية الخالصة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجَّه هذه الكلمات النافعات إلى ابن عباس وهو صغير؛ إذ قال له: ” يا غلام: إني أعلمك كلمات)؛ ليتربى الشاب المسلم على معرفة الله وتوحيده، وحفظ حدوده، يلجأ إلى الله في الرخاء والشدة، ويسأله ويســتعين به، ويتوكل عليه عز وجل، فيصبح شجاعا مقداما؛ لأنه يعلم أنه لا يملك أحد من البشر له نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله تعالى، ولأن الله معه ينصره ويؤيده وييسر له أموره، ما دام متمسكا بشرع الله إخلاصا واتباعا.

فعلى الجميع الحرص على غرس الإيمان في نفوس الأبناء، وتربيتهم على فهم أصول الإيمان، والعمل بأحكام الإسلام، وتعويدهم على المراقبة والمحاسبة منذ الصغر، قبل أن تصلهم الفلسفات الإلحادية، والشبهات البدعية، والشهوات المغرضة، وغير ذلك مما تشنه تلك الحملات المسعورة من حرب ضروس ضد شباب الأمة ذكورا وإناثا، مرة باسم التثقيف، وباسم التسلية والترفيه مرات أخرى.

” مجلة جامعة أم القرى “، العدد 23، شوال 1422هـ، ديسمبر ( كانون الأول ) 2001 م

وبما سبق تعلمين أننا معك في تعليم أولادكم القرآن، والأذكار، والأدعية، والتربية على العقيدة السليمة، وغرس ذلك في قلوبهم منذ الصغر.

 

والله أعلم.

أخوهنَّ له سوابق سيئة فهل يأثمون بأخذ الحيطة منه؟ وهل لوالدتهم طاعة عليهن هنا؟.

أخوهنَّ له سوابق سيئة فهل يأثمون بأخذ الحيطة منه؟ وهل لوالدتهم طاعة عليهن هنا؟.

السؤال:

ما حكم الشرع في موقفي أنا وأخواتي اتجاه أخي الذي يكبرنا بـعشرة أعوام تقريباً الذي علِمنا عنه من خلال كثرة ارتداده للسجن بسبب إما تعاطيه للمخدرات، أو الاتجار فيه, ومشاكل المشاجرات مع الجيران، هذا كله عبر السنوات الماضية منذ صغرنا إلى الآن، هذا كله ويدَّعي ببراءته أنها مكائد من الآخرين، وللأسف يصدقه والداي, وبعد وفاة والدي زادت مشاكله حيث يسكن الآن مع والدتي, وهو غير متزوج، وعاطل عن العمل، ويسكن في بيت الورثة، ويستفيد من إيجار محل الورثة, إلا أننا لم نخلص من مشاكله، وآخرها محاولة استدراج الأطفال الذكور من جيران أمي؛ لإعطائهم الخمر، والفعل الفاحش بهم، حيث رفع أحد آباء هؤلاء قضية عليه لمحاولة التحرش بابنه، ولا نعلم تفاصيل القضية، ولكن الذي نراه الآن أنه طليق حر, ويمثل دور البريء أمام أمي, ولكن أنا وأخواتي لدينا أطفال أكبرهم عمر العشر سنوات، وهو دائما يحاول أن يجذب حبَّهم وودهم له عند زيارتنا للوالدة، وهذا ما يضايقنا، وأمي تلزمنا بأن نسلم عليه، ونؤمنه على أبنائنا, وبعد الحادث الأخير قررنا أن لا نزور أمي في المنزل الذي تقطن فيه، بل نجتمع في منزل إحدى أخواتي، حيث طلبنا من أمي أن تزورنا فيه لمواصلتها, ولكن أقامت أمي الدنيا ولم تقعدها، حيث دعت على أختي المسكينة بأسوأ أنواع الدعوات، وعلى أبنائها أن يصيبهم ما ابتلي به أخي, وهي غاضبة علينا الآن، فهل موقفنا في عدم الذهاب لمنزل أمي صائب أم خاطئ؟ فأنا أخاف أن يكون هذا عقوقا لها, ولا نعلم كيف سيكون الأمر حيث اعتدنا التجمع في رمضان معها والعيد، فأمي الآن وحيدة كل هذه الأفكار تتعبني، أين الصواب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يجوز للمسلم أن يلصق تهمة بغيره وهو منها بريء، وبخاصة إذا تعلقت التهمة بالطعن بعرضه، واتهامه بارتكاب الفحش، وهو القذف المحرَّم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ “. رواه مسلم ( 2564 ).

ولا يؤخذ المسلم بالظن في الاتهام، وقد نهينا عن اتباع مثل هذا الظن، وبناء الأحكام عليه.

قالَ تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) [ الحجرات / من الآية 12 ].

وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا ).

رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم ( 2563 ).

ثانيا:

ولسنا نسهِّل من أمر الاختلاط بأصحاب الشبهات، والسوابق الإجرامية، ومن تظهر عليهم قرائن الفساد في سلوكهم وأخلاقهم، فهما مسألتان: الأولى: التصريح بالقذف بفعل الفاحشة، فهذا لا يجوز إلا باعتراف الفاعل، أو شهادة أربعة شهود، والثانية: التعامل مع من يظهر منه سلوك مشين، أو يصاحب أهل الفساد والانحلال، فهذا لا نحكم عليه بفعل فاحشة بسبب سلوكه ذاك، وفي الوقت ذاته نحتاط لأنفسنا، وأولادنا منه، ولو كان أبا، أو أخا، أو عمًّا، أو خالا، فهذه المسألة غير تلك.

ثالثا:

والوالدان مأموران بالنظر فيما يصلح أولادهم فيفعلونه, وفيما يفسدهم فيُبعدونهم عنه، ويحمونهم منه، وهي الوقاية التي أمرهما الله تعالى بها في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) [ التحريم / الآية 6 ].

وإن الله سائل كل راعٍ عن رعيته، والوالدان مسئولان عن أودهم، فرَّطوا، أو نصحوا لهم.

عن ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا “. رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

رابعا:

وإذا رأيتم أن من مصلحة أولادكم البُعد عن خالهم، وعدم تمكينه من رؤيتهم، فضلاً عن ملامستهم، والاختلاء بهم: فلا تترددوا في فعل ذلك، بل احرصوا عليه، وابذلوا من أجله جهدكم.

ولا عبرة برأي والدتكِ في هذا الباب، ولا طاعة لها عليك إن كنتِ ترين خطر تلك العلاقة التي تريد والدتك أن تكون بين أولادك وخالهم، فأنتِ ووالدهم هما المسئولان عن أولادكم، لا جدتهم، ورأيكم له ما يؤيده ويقويه، وذلك لما لخالهم من أحوال، وصفات، فالأمر ليس افتراء محضا عليه، وليست المسألة خلافات شخصية، بل لموقفهم ما يسوغه، ويبرره.

 

خامسا:

وننصحكم بأمرٍ وسط، وهو زيارة والدتكِ في وقت تجزمون به بعدم وجود خالهم في البيت، وإذا اضطررتم لتلك الزيارة، أو حضر في غير موعده: أن لا يفارقك أولادك، وأن لا يتمكن من الاختلاء بهم، ولو غضبت أمك من هذا الموقف، ودعت عليك وعلى أخواتك، واعلموا أنه لا قيمة لغضبها، ولا وزن لدعائها، فإنها تدعو بإثم، ولا يستجيب الله لها، بل يؤجركم على صبركم، وتحملكم، ونرى أن قطع زيارتها بالكلية قد يسيء إليها كثيرا، فاحرصوا على تحقيق الزيارة، مع الأمن من مكر أخيكم أن يسول له الشيطان فعل ما تندمون على تساهلكم معه طيلة العمر – لا قدَّر الله ذلك عليكم -.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن رجل سُرق له مبلغ، فظنَّ في أحد أولاده أنه هو أخذه، ثم صار يدعو عليه، وهجره، وهو بريء، ولم يكن أخذ شيئا، فهل يؤجر الولد بدعاء والده عليه؟.

 فأجاب:

نعم، إذا كان الولد مظلوما: فإن الله يكفِّر عنه بما يظلمه، ويؤجره على صبره، ويأثم مَن يدعو على غيره عدوانا.

” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 303 ).

 

والله أعلم.

ما هو أفضل دعاء للنجاة من هول يوم القيامة؟.

أفضل دعاء للنجاة من هول يوم القيامة؟.

السؤال:

ما هو أفضل دعاء للنجاة من هول يوم القيامة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يوم القيامة يوم عظيم، فيه من الأهوال والمواقف العظام ما يجعل الولدان شيبًا، يصيب الناس فيه من الفزع والهلع ما الله به عليم.

يقول ابن عطية – رحمه الله -:

” أوحش ما يكون الخلقُ في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم ” انتهى. ” جامع البيان ” (8/318).

ولا نرى النجاة من هول يوم القيامة إلا بالعمل الصالح، والقلب السليم، والإخلاص لله تعالى، والتزود من التقوى، فذلك سر الثبات في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وسر يحفظ الله به المرء من الفزع يوم الفزع الأكبر.

يقول الله تعالى:

( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 112 ].

ويقول الله تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 277 ].

ويقول سبحانه:

( يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ الأعراف / الآية 35 ].

ويقول عز وجل:

( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [الأحقاف / الآية 13 ].

بل تأتي البشارة للمؤمن بالأمان من الفزع يوم القيامة ساعة الاحتضار، يقول الله عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) [فصلت / الآية 30 – 31 ].

 

يقول الحافظ ابن كثير – رحمه الله -:

” ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا ” انتهى.

“تفسير القرآن العظيم” (1/240).

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بشَّرَ الشهيدَ والمُرابط في سبيل الله بالأمن من الفزع يوم القيامة.

عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

” لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ “.  رواه الترمذي (رقم/1663) وقال: هذا حديث صحيح غريب.

وأخرج ابن أبي شيبة في “المصنف” (13/209) عن الجعد أبي عثمان قال:

” بلغنا أن داود عليه السلام قال: ” إلهي ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك؟ قال : جزاؤه أن أؤمنه يوم الفزع الأكبر ” انتهى.

ولم نقف على دعاء خاص مأثور في هذا الباب، إنما هو العمل الصالح، والدعاء العام بما يفتح الله به على العبد.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يأخذ الكتاب باليمين، ويجعلنا يوم الفزع الأكبر آمنين، ويوصلنا برحمته وكرمه إلى جنات النعيم، ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

 

والله أعلم.

لماذا لم يكرر ذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “؟.

لماذا لم يكرر ذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “؟.

السؤال:

لماذا لم يذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “، كقوله تعالى: ( برب الناس . ملك الناس . إله الناس )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يقول بعض المفسرين – وأسنده إبراهيم الحربي في “غريب الحديث” (2/421) إلى الفراء – إن الجن يشملهم لفظ: ” الناس “، فهي لفظة تشمل كلا الجنسين: الإنس والجن.

يقول ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

” قوله: ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم.

فإن قال قائل: فالجنّ ناس، فيقال: الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس؟.

قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناسًا، كما سماهم في موضع آخر رجالًا فقال: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) فجعل الجنّ رجالًا، وكذلك جعل منهم ناسًا.

وقد ذُكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث: إذ جاء قوم من الجنّ فوقفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجنّ، فجعل منهم ناسًا، فكذلك ما في التنزيل من ذلك ” انتهى. “جامع البيان” (24/711).

وعلى هذا القول لا يبقى وجه للسؤال عن سبب إهمال تكرار لفظ ” الجن ” في هذه السورة.

ولكن استضعف كثير من أهل العلم هذا القول، وقالوا بأن ” الناس ” جنس مغاير لجنس الجن، ولا يطلق عليه إلا مقيدًا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” وأما قول الفراء أن المراد من ( شر الوسواس ) الذي يوسوس في صدور الناس: الطائفتين من الجن والإنس، وأنه سمى الجن ناسًا كما سماهم رجالًا وسماهم نفرًا – فهذا ضعيف؛ فإن لفظ ” الناس ” أشهر وأظهر وأعرف من أن يحتاج إلى تنويعه إلى الجن والإنس، وقد ذكر الله تعالى لفظ الناس في غير موضع.

وأيضًا فكونه يوسوس في صدور الطائفتين صفة توضيح وبيان، وليس وسوسة الجن معروفة عند الناس، وإنما يعرف هذا بخبر، ولا خبر هنا.

ثم قد قال: ( من الجنة والناس ) فكيف يكون لفظ ” الناس ” عاما للجنة والناس، وكيف يكون قسيم الشيء قسمًا منه، فهو يجعل الناس قسيم الجن، ويجعل الجن نوعًا من الناس، وهذا كما يقول: أكرم العرب من العجم والعرب، فهل يقول هذا أحد؟!.

وإذا سماهم الله تعالى رجالًا لم يكن في هذا دليل على أنهم يسمون ناسًا، وإن قدر أنه يقال جاء ناس من الجن فذاك مع التقييد، كما يقال إنسان من طين، وماء دافق، ولا يلزم من هذا أن يدخلوا في لفظ ” الناس ” وقد قال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ).

فالناس كلهم مخلوقون من آدم وحواء، مع أنه سبحانه يخاطب الجن والإنس، والرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجنسين، لكن لفظ ” الناس ” لم يتناول الجن، ولكن يقول: ( يا معشر الجن والإنس ) ” انتهى.

“مجموع الفتاوى” (17/511 – 512).

ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور – رحمه الله -:

” لا يطلق اسم ( النَّاسِ ) على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبعد ” انتهى.

” التحرير والتنوير” (30/557) وانظر أيضًا ” مفاتيح الغيب ” (32/182).

وعلى هذا القول يجاب بأن الحكمة من إفراد بني آدم الذين هم جنس ” الناس ” بالذكر في هذه السورة زيادة التشريف على سائر المخلوقات.

جاء في تفسير “مفاتيح الغيب” (32/180 – 181):

” هذا التكرير يقتضي مزيد شرف ” الناس “، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًّا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًّا وملكا وإلها لهم ” انتهى.

ويقول الشوكاني – رحمه الله -:

” ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ” انتهى.

” فتح القدير ” (5/522).

 

والله أعلم.

ما الحكمة من تكرار لفظ ” الناس ” في سورة ” الناس “؟.

ما الحكمة من تكرار لفظ ” الناس ” في سورة ” الناس “؟.

السؤال:

ما الحكمة من ذكر الناس في سورة الناس وتكرارها أكثر من مرة؟

 

الجواب:

الحمد لله

الاستعاذة في هذه السورة بـ ( رب الناس، ملك الناس، إله الناس )، وهي صفات الله التي تقتضي استعاذة العباد به سبحانه وتعالى، فالرب هو القائم بالعباد والمحيط بهم، والملك هو الحاكم المتصرف، والإله هو المعبود بالمحبة والتعظيم، وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتطرق إلى بني آدم من شياطين الإنس والجن.

إذن فكل جملة من هذه الجمل ( رب الناس، ملك الناس، إله الناس ) جاءت لتستوجب من العباد الاستعاذة بالخالق عز وجل وحده صاحب هذه الصفات، فهي زيادة بيان لما يستوجب إفراد الله بالاستعانة والاستعاذة.

ولما كان البيان مسوقًا لزيادة التوضيح، ناسب أن يساق بسياق ظاهر فيه مزيد تصريح وإظهار، وليس بأسلوب الإضمار والإشارة والخفاء، فتكرر لفظ ” الناس ” لهذه الحكمة، زيادة التوضيح والبيان.

يقول الله تعالى: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلَهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) [ الناس / الآية 1 – 6 ].

يقول الزمخشري:

” فإن قلت: ( مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) ما هما من ( رب الناس ) ؟

قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بَيَّنَ بـ ( ملك الناس )، ثم زيد بياناً بـ ( إله الناس )؛ لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) [ التوبة / من الآية 31 ].

وقد يقال: ملك الناس. وأمّا ( إِلَهِ النَّاسِ ) فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.

فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو ” الناس ” مرّة واحدة؟.

قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار ” انتهى.

” الكشاف ” (4/828 – 829).

وجاء في تفسير “مفاتيح الغيب” (32/180-181):

” قوله تعالى: ( مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) هما عطف بيان، كقوله سيرة أبي حفص عمر الفاروق، فوصف أولاً بأنه رب الناس، ثم الرب قد يكون ملكا، وقد لا يكون، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، قال تعالى: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) ، فلا جرم بينه بقوله: ( مَلِكِ النَّاسِ ) ثم الملك قد يكون إلهاً وقد لا يكون، فلا جرم بَيَّنَه بقوله: ( إِلَهِ النَّاسِ ) لأن الإله خاص به، وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره، وأيضاً بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، وهو ملكه، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله فلهذا ختم به.

وأيضا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره، ويكون هو غنيًّا عن غيره، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين، وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته، فحينئذ يعرفه إلها.

السبب في تكرير لفظ ( الناس ) أنه إنما تكررت هذه الصفات لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًّا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًّا وملكاً وإلهاً لهم ” انتهى.

ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور – رحمه الله -:

” ( مَلِكِ النَّاسِ ) عطف بيان من ( رَبِّ النَّاسِ )، وكذلك ( إِلَهِ النَّاسِ )، فتكرير لفظ ( الناس ) دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبيِّنُ مستقلًا بنفسه؛ لأن عطف البيان بمنزلة عَلَمٍ للاسم المبيَّن …. وتكرير كلمة ( النَّاسِ ) في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم، كقوله تعالى: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ) [ آل عمران / من الآية 78 ]، وأما تكريره المرة الثالثة بقوله: ( فِي صُدُورِ النَّاسِ ) فهو إظهار لأجل بعد المعاد، وأما تكريره المرة الرابعة بقوله: ( مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس، وذلك غير ” ما صدق ” كلمة ( النَّاسِ ) في المرات السابقة، والله يكفينا شر الفريقين، وينفعنا بصالح الثقلين ” انتهى.

” التحرير والتنوير” (30/555 – 556).

 

 

 

 

وجاء في لمسات بيانية لفاضل السامرائي – (ج 1 / ص 447):

وردت كلمة الناس ( 3 مرات ) في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي:

كلمة ” الناس ” تُطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس.

والربّ هو مُرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة، أما الملك فناسه أكبر من ناس المربي وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتما. فلو جاءت الآيات برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس ( ناس الرّب ) دون أن يشمل غيرهم ولما تحدد أي مجموعة من الناس. لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحًا، لأن لكل معنى مختلف.

وكلمة الناس من حيث دلالتها العديدة في السورة تنتقل على عكس كلمة الرب والملك والإله من القلّة إلى الكثرة. فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه ( الناس ) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر.

ولم تأتي الآيات في السورة بواو العطف فيما بينها ولا يجوز أصلا أن يقول: ( برب الناس وملك الناس وإله الناس ) وإنما جاءت ( قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس ) وهذا حتى لا يُظنّ أنهم ذوات مختلفة لأنها هي ذات واحدة فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد. وحتى لا يُظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملِك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله يقصد إله الناس فلا إله إلا الله.

 

والله أعلم.

على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.

على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.

السؤال:

الناس تدخل الجنة على هيئة يوسف عليه السلام، ولكن على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ورد في دخول المؤمنين الجنة على حسن يوسف عليه السلام حديثان اثنان:

الحديث الأول: يرويه ابن أبي الدنيا في “صفة الجنة” (رقم/210) فيقول:

حدثنا القاسم بن هاشم، ثنا صفوان بن صالح، قال: حدثني رواد بن الجراح العسقلاني، ثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” يدخل أهل الجنةِ الجنةَ على طول آدم عليه السلام، ستون ذراعًا بذراع الملك، على حسن يوسف، على ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة، وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم، جرد مرد مكحلون “.

الأجرد: الذي لا شعر على جسده. المرد: جمع أمرد وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته.

قلت: ولكن هذا إسناد ضعيف، فقد اختلف في سماع هارون بن رئاب – الثقة العابد – من أنس بن مالك – رضي الله عنه -.

ورواد بن الجراح الشامي ضعفه كثير من أهل العلم، وأخذوا عليه وجود المناكير والتفردات والمخالفات في حديثه، قال البخاري: كان قد اختلط، لا يكاد يقوم حديثه، ليس له كبير حديث قائم. وقال أبو حاتم: تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق. وقال النسائي: ليس بالقوي، روى غير حديث منكر، وكان قد اختلط. وقال أبو أحمد ابن عدى: عامة ما يرويه لا يتابعه الناس عليه، وكان شيخًا صالحًا، وفى حديث الصالحين بعض النكرة، إلا أنه يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في كتاب ” الثقات ” وقال: يخطئ ويخالف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: تغير بآخرة، فحدَّثَ بأحاديثَ لم يتابع عليها. انظر: ” تهذيب التهذيب ” (3/289).

 

 

 

 

 

الحديث الثاني:

عن المقدام بن معدي كرب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” يُحْشَرُ مَا بَيْنَ السِّقْطِ إِلَى الشَّيْخِ الْفَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خَلْقِ آدَمَ، وَقَلْبِ أَيُّوبَ، وَحُسْنِ يُوسُفَ، مُرْدًا مُكَحَّلِينَ “. قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَكَيْفَ بِالْكَافِرِ؟ قَالَ: يُعَظَّمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَصِيرَ غِلَظُ جِلْدِهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَقَرِيضَةُ النابِ مِنْ أَسْنَانِهِ مِثْلُ أُحُدٍ”.

ورد هذا الحديث من طرق ثلاثة:

1- من طريق يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، قال حدثني أبو يحيى الكلاعي، عن المقدام به.

– رواه الفسوي في “المعرفة والتاريخ” (2/95)، وابن قانع في “معجم الصحابة” (3/106)، والطبراني في “المعجم الكبير” (20/280)، والبيهقي في “البعث والنشور” (رقم/410)، والديلمي في “مسند الفردوس” (8785)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (60/184،193)، وعزاه ابن حجر في “المطالب العالية” (رقم/4750) لأبي يعلى الموصلي.

قلت: وهذا إسناد ضعيف بسبب يزيد بن سنان، قال أحمد وابن المديني والنسائي: ضعيف. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وانظر: “تهذيب التهذيب” (11/336).

قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” (10/334):

” رواه الطبراني، وفيه يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين ” انتهى.

2- الطريق الثاني عن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، ثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، ثنا سليم بن عامر، أن المقدام بن معدي كرب: حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من أحد يموت سقطًا ولا هرمًا – وإنما الناس فيما بين ذلك – إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فمن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال “.

رواه الطبراني في “المعجم الكبير”(20/280)، والبيهقي في “البعث والنشور” (رقم/411)

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

” السند ليس بصحيح، وذلك لأمرين:

الأول: أن عمرو بن الحارث الحمصي لم تثبت عدالته. قال الذهبي: ” روى عن عبد الله بن سالم الأشعري فقط، وله عنه نسخة، تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم، زبريق، ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف العدالة، وزبريق ضعيف “، وقال الحافظ: ” مقبول ” يعني عند المتابعة، وقد توبع عليه كما يأتي.

والآخر: أن إسحاق بن إبراهيم مختلف فيه، وقد رأيت آنفًا جزم الذهبي بأنه ضعيف، ومثله قول الحافظ وفيه بيان السبب: ” صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب ” انتهى. ” السلسلة الصحيحة ” (6/47).

وقال ابن كثير – رحمه الله – عن الطريق الأول والثاني:

” فيهما ضعف ” انتهى. ” النهاية ” (273).

3- الطريق الثالث رواه أبو نعيم في ” صفة الجنة ” (رقم/268) قال: حدثنا أبو محمد بن ماسي، ثنا أحمد بن أبي عوف، ثنا عيسى بن مساور، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليم بن عامر، عن المقدام بن معدي كرب به.

قال الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة” (6/45):

” الإسناد صحيح لولا عنعنة الوليد بن مسلم ” انتهى.

فالحاصل أن أفراد أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، ولكنها قد تتقوى بمجموعها، ولذلك حسن المنذري الحديث في “الترغيب والترهيب” (4/274)، وصححه الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة” (رقم/2512).

ثانيًا:

أما الجن فلم نقف على خبر خاص يبين الهيئة التي يدخل عليها مؤمنوهم الجنة، فالواجب ترك ذلك إلى علم الله تعالى، والاهتمام بالعلم النافع الذي يُبنَى عليه عمل، وترك الاشتغال بشوارد المعلومات على حساب أصول العلم وأسسه التي لا يدرك المرء ضبطها جميعها وإتقانها لضيق العمر عنها، فكيف يشتغل العاقل بما هو دونها؟!!.

وقد يقال بأن الجن يدخلون الجنة أيضًا على حسن يوسف، لأن ألفاظ الحديث الواردة عامة، لكن يعترض على ذلك بأمرين:

  • السياق وارد في الإنس وليس في الجن.
  • ضعف أفراد طرق الحديث تضعف الاستدلال بألفاظه الخاصة.

 

والله أعلم.

نبذة عن جماعة ” النورسية ” أتباع الشيخ سعيد النورسي

نبذة عن جماعة ” النورسية ” أتباع الشيخ سعيد النورسي

السؤال:

أود أن أسأل عن جماعة ” النورسية “، ما لها، وما عليها، وهل كتبهم تعد من الكتب الإسلامية؟ وهل يجوز لنا قراءتها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

جاء في ” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” ( 1 / 328 – 333 ):

النورسية: جماعة دينية، إسلامية، هي أقرب في تكوينها إلى الطرق الصوفية منها إلى الحركات المنظمة، ركَّز مؤسسها على الدعوة إلى حقائق الإيمان، والعمل على تهذيب النفوس، مُحْدِثاً تياراً إسلاميًّا ، في محاولة منه للوقوف أمام المد العلماني، الماسوني، الكمالي، الذي اجتاح تركيا عقب سقوط الخلافة العثمانية، واستيلاء ” كمال أتاتورك ” على دفة الحكم فيها.

المؤسس هو: الشيخ سعيد النورسي 1873 – 1960م، ولد من أبوين كرديين، في قرية ” نورس ” القريبة من بحيرة ” وان “، في مقاطعة ” هزان ” بإقليم ” بتلس ” شرقي الأناضول، تلقى تعليمه الأولي في بلدته، ولما شبَّ ظهرت عليه علامات الذكاء، والنجابة، حتى لُقِّب بـ ” بديع الزمان ” و” سعيدي مشهور “.

– في الثامنة عشر من عمره ألَمَّ بالعلوم الدينية، وبجانب كبير من العلوم العقلية، وعرف الرماية، والمصارعة، وركوب الخيل، فضلا عن حفظه القرآن الكريم، آخذا نفسه بالزهد والتقشف.

– عندما دخل ” الحلفاء ” استانبول محتلين: كان في مقدمة المجاهدين ضدهم.

– في عام ( 1908 م ) بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد بتآمر من ” جمعية الاتحاد والترقي ” التي رفعت شعار ( الوحدة، الحرية، الإصلاحية ) لتخفي وراءه دسائسها ومؤامراتها على الإسلام والمسلمين: ألّف بديع الزمان جمعية ” الاتحاد المحمدي “، واستخدموا نفس شعارات الاتحاديين، ولكن بالمفهوم الإسلامي؛ كشفاً لخدعهم التي يتسترون خلفها، وتجلية لحقيقتهم الماسونية.

– لقد كان العلمانيون الذين حكموا ” تركيا ” بعد زوال الخلافة يخشون من دعوته، ويعارضونها أشد المعارضة، فما كان منهم إلا أن استغرقوا حياته بالسجن، والتعذيب، والانتقال من سجن إلى منفى، ومن منفى إلى محاكمة.

– عاش آخر عمره في ” إسبارطة ” منعزلاً عن الناس، وقبل ثلاثة أيام من وفاته: اتجه إلى ” أورفه ” دون إذن رسمي، حيث عاش يومين فقط، فكانت وفاته في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ( 1379هـ ).

– قال بديع الزمان للمحكمة عندما كان مسجونا في سجن ” اسكشير “: ” لقد تساءلتم هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية، وإنني أقول لكم: إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة، وإن كثيرين هم أولئك الذين يدخلون الجنة بغير طريقة، ولكن أحداً لا يدخل الجنة بغير إيمان “.

– إن التهم الرئيسية التي كانت توجه إلى ” بديع الزمان ” في المحاكمات يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. العمل على هدم الدولة العلمانية، والثورة الكمالية.
  2. إثارة روح التدين في تركيا.
  3. تأليف جمعية سرية.
  4. التهجم على مصطفى كمال أتاتورك.

لكنه كان يتصدى لهذه التهم بمنطق بليغ من الحجة والبرهان حتى أصبحت هذه المحاكمات مجال دعاية له تزيد في عدد أتباعه.

– لقد كرس المؤسس نشاطه ودعوته على مقاومة المد العلماني الذي تمثل في:

  1. إلغاء الخلافة العثمانية.
  2. استبدال القوانين الوضعية – والقانون السويسري المدني تحديدا – بالشريعة الإسلامية.
  3. إلغاء التعليم الديني.
  4. منع الكتابة بالحروف العربية وفرضها بالحروف اللاتينية.
  5. تغيير الأذان من الكلمات العربية إلى الكلمات التركية.
  6. فرض النظرية الطورانية ” وأن الترك أصل الحضارات “.
  7. إلزام الناس بوضع القبعة غطاء للرأس.
  8. جعل يوم الأحد يوم العطلة الرسمية بدلاً من يوم الجمعة.
  9. ارتداء الجبَّة السوداء، والعمامة البيضاء مقصور على رجال الدين.
  10. ترجمة القرآن إلى اللغة التركية، وذلك عام ( 1350هـ / 1931م ) ، وتوزيعه في المساجد.
  11. تحريم الاحتفال بعيدي الأضحى، والفطر، وإلغاء التقويم الهجري، وإحداث تغييرات في نظام المواريث.
  12. الاتجاه نحو الغرب، ومحاكاته في عاداته، وتقاليده، واهتماماته.
  13. طمس العقيدة الإسلامية في نفوس الناس بعامة، والناشئة بخاصة.

– يمتاز شباب هذه الجماعة بالعفة، والنظافة، شباب قابض على دينه، في عصر شاعت فيه الفتن، والإغراءات، والانحلال.

 

 

– هذا، وثمة بعض المآخذ على هذه الجماعة:

  1. أن هذه الجماعة لم تُعن بنشر عقيدة السلف، والتوحيد الخالص، بين أتباعها، وبين عوام المسلمين ممن يحتاجون إلى تصحيح عقائدهم قبل شغلهم بأمور أخرى.

بل تبنت عقيدة ” الماتريدية ” التي كانت تُدعم من قبل الدولة العثمانية؛ فلم تحاول التخلص من هذه العقيدة البدعية.

  1. أنهم لم يستطيعوا تأسيس عمل إسلامي منظم يستطيع التصدي للمكر اليهودي الذي كان متغلغلاً في معظم نواحي الحياة السياسية المعادية للإسلام والمسلمين إذ ذاك، لكن الإنصاف يقتضينا أن نقر بأن الظروف المحيطة بنشأة هذه الجماعة لم تكن مواتية لها للظهور في غير الشكل الذي ظهرت فيه.
  2. أن اشتراك بديع الزمان مع آخرين في تأليف ” جمعية الاتحاد المحمدي ” ليس أكثر من رد فعل، سرعان ما انفرطت، فضلا عن استعداء الاتحاديين عليه، وتركيزهم الكيد، والتآمر للقضاء عليه، وعلى دعوته.
  3. إن تخلي هذه الجماعة عن السياسة واتخاذ سعيد النورسي شعار ” أعوذ بالله من الشيطان والسياسة ” وذلك منذ عام ( 1921م ) : قد ترك أثراً سلبيًّا على أتباعها إذ وقع بعضهم فريسة لأحزاب علمانية.
  4. يؤخذ على الشيخ تخليه عن مساندة الشيخ سعيد الكردي الذي قام بثورة ضد مصطفى كمال أتاتورك سنة ( 1925م ) واقفاً إلى جانب الخلافة، وقد حدثت معارك رهيبة بينه وبين الكماليين في منطقة ” ديار بكر ” سقط فيها آلاف من المسلمين.
  5. ويأتي هذا الموقف انطلاقًا من فكره في وجوب جهاد النفس أولاً، ثم الدعوة إلى تنوير الأفكار، وقد نادت الجماعة بإصلاح القلوب وعدم الدخول في معارك داخلية مع المخالفين المسلمين سواء كانوا حكاماً، أو محكومين، والتزام طريق الدعوة السلمية، والتطور التدريجي، ولا يلجأ إلى الجهاد المسلح إلا ضد العدو الخارجي من الكفار، والزنادقة.
  6. لدى بعض أفراد ” جماعة النور ” – مؤخرا – شعور بالانعزالية، والاستعلاء، وهذا أفقدهم القدرة على التغلغل بين طبقات الشعب المسلم لدعوته وتوعيته.

– بلغ عدد أعضائها أكثر من مليون شخص، يقضي أحدهم عمره في استنساخ ” رسائل النور “، وتوزيعها، وكانت الفتيات نشيطات في ذلك كثيرا.

انتهى باختصار وتصرف يسير.

 

 

 

 

 

ولما سبق ذِكره فإننا لا ننصح بقراءة كتب هذه الجماعة لما تتبناه من اعتقاد مخالف لأهل السنَّة والجماعة، وجهود شيخهم في نصرة الإسلام مشكورة، ونسأل الله أن يثيبه عليها، لكن هذا لا يجعلنا نزكي اعتقاده المخالف، ولا نزكي من بعده ممن هو على من جماعته، وقد افترق أتباعه كثيراً، ولا يمكن جمعهم في سياق واحد، وإنما يكون الحكم على كل واحد منهم أو طائفة بحسب ما يُظهر من اعتقاد، أو منهج.

 

والله أعلم.

هل ثبت شيء في ” الملائكة الكروبيون “؟

هل ثبت شيء في ” الملائكة الكروبيون “؟

السؤال:

من هم الملائكة الكروبيون؟ حيث أن الشيخ الألباني – رحمه الله – أنكر هذا الاسم في فتاوى ” جدة ” الشريط رقم ( 17 ) ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الإيمان بالملائكة من أركان ديننا الحنيف، قال تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) [ البقرة / من الآية 285 ] ، وقد ثبت ذلك في السنَّة الصحيحة، وعليه أجمع المسلمون، وقد ذكرنا كثيراً من المسائل المتعلقة بالملائكة، من حيث خلقهم، وصفاتهم، ووظائفهم.

ثانيا:

ما يُطلق عليه ” الملائكة الكَروبيُّون ” ليس له أصل في الأحاديث النبوية الصحيحة، وغاية ما جاء ذِكرهم فيه: أحاديث ضعيفة جدًّا، وموضوعة، وآثار عن السلف، وطائفة من المفسرين، وقد ذكر بعض العلماء أن الكروبيين هم:

من يكون حول عرش الرحمن، أو هم الحملة أنفسهم، وقال آخرون: بأنهم سادة الملائكة وعظماؤهم، وقال فريق ثالث: إنهم ملائكة العذاب، ومثل هذا الأمر هو من الغيب الذي لا يجوز إثباته إلا بوحي من الله، ولم يثبت في ذلك شيء، فلا نثبته، ولا نعتقده.

أ. ما ورد فيهم من أحاديث غير صحيحة:

  1. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لله ملائكة وهم الكروبيون من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع في انحطاط “.

والحديث حكم عليه الشيخ الألباني بأنه ضعيف جدًّا، وقال:

رواه ابن عساكر ( 12 / 231 / 2 ) عن محمد بن أبي السري: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله القرشي عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعًا وقال: ” روى إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة شيئًا من هذا “. قلت: وهذا سند واهٍ جدًّا، وله علتان:

الأولى: محمد بن أبي السري، وهو متهم.

والأخرى: صدقة هذا وهو الدمشقي السمين وهو ضعيف، ووقع في السند ” القرشي، ولم ترد هذه النسبة في ترجمته من ” التهذيب “، فلعله تحرف على الناسخ نسبته ” الدمشقي ” بالقرشي، والله أعلم.

وقد خالفه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به بلفظ: ” أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة “. وهو بهذا اللفظ صحيح كما قد بينته في ” الأحاديث الصحيحة ” رقم ( 151 ).

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 2 / 323 ، حديث 923 ).

  1. وذكر ابن الجوزي في ” بستان الواعظين ورياض السامعين ” ( ص 20 ) حديثا طويلا، وفيه موت الملائكة، ومنه:

” وتموت ملائكة السبع سموات، والحجب، والسرادقات، والصادقون، والمسبحون، وحملة العرش، والكرسي، وأهل سرادقات المجد، والكروبيون، ويبقى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت عليه السلام … . “. انتهى.

والحديث ليس له إسناد، والكتاب مظنة الضعيف، والموضوع.

ب. ما جاء ذِكرهم فيه من كلام السلف ومن بعدهم:

  1. قال الخطابي – رحمه الله -:

الملائكة الكَرُوبيّون، وهم: المُقَرّبون، وقال بعضهم: إنما سُمُّوا: ” كَرُوبيين ” لأنهم يُدْخِلون الكَرْب على الكفار.

وليس هذا بشيء.

” غريب الحديث ” ( 1 / 440 ).

  1. وقال ابن الأثير – رحمه الله -:

في حديث أبي العالية: ” الكروبيون سادة الملائكة ” هم المقربون، ويقال لكل حيوانٍ وَثِيْقِ المفاصل: إنه لمُكْرَب الخَلْق، إذا كان شديد القُوَى.

والأول أشبه.

” النهاية في غريب الحديث والأثر ” ( 4 / 161 ).

والخلاصة:

لم يصح شيء في الأحاديث المرفوعة الصحيحة ذِكرٌ لما يسمى ” الملائكة الكروبيون “، والواجب الوقوف في مسائل الغيب عند إثبات الوحي لها، ولما لم يثبت فيها شيء: فليس لنا أن نثبت وجود أولئك الملائكة، ولا اسمهم، وفي الصحيح ما يغني عن الضعيف، والموضوع.

 

والله أعلم.