الرئيسية بلوق الصفحة 155

إذا أدرك المسبوق التشهد مع الإمام فهل يقرأ التحيات أم يسكت؟

إذا أدرك المسبوق التشهد مع الإمام فهل يقرأ التحيات أم يسكت؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح وندرك الإمام وهو في الركعة الثانية، السؤال: هل نصلي مع الإمام كأننا لم تفتنا ركعة، يعني: نتشهد معه ثم نقضي الفائت أم نسكت في التشهد ونكمل صلاتنا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أُمر المصلي المسبوق أن يدخل مع جماعة المسجد مؤتمّاً بإمامها على الحال الذي يكون عليه الإمام قائماً أو راكعاً أو ساجداً أو جالساً، ثم يقضي بعد سلام إمامه ما فاته لا يسعه غير ذلك.

وكما أن المسبوق إذا أدرك الإمام ساجدا فإنه يقول في سجوده أذكار السجود، وإذا أدركه راكعًا قال فيه ما يقوله في ركوعه: فهكذا الأمر لو أدرك الإمام في تشهده فإنه يقول فيه ما يقوله في تشهد صلاته ولا فرق.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

إذا دخلتُ المسجد ووجدت جماعة المصلين جالسين في التشهد الأخير، فهل أجلس معهم وأقرأ التشهد الأخير وبعد تسليم الإمام أكمل الصلاة أو انتظر حتى يسلم ثم أصلي لوحدي؟ ما هو الأفضل؟.

فأجابوا:

مَن دخل والإمام في التشهد الأخير: فإنه يدخل معه فيما بقي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام ) رواه الترمذي، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته ( إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا )، فإذا دخل مع الإمام وهو في تشهد فإنه يقرأ التشهد، فإذا سلم الإمام قام وقضى صلاته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 224 ، 225 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

شخص لحق الإمام في التشهد الأخير فهل يكتفي بقراءة التشهد أم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو كذلك مع الدليل؟.

فأجاب:

إذا أدرك الإمام في التشهد: فإنه يدخل معه ويقرأ التشهد ويستمر حتى ينهيه؛ لأنه إنما جلس في هذا الموطن متابعة لإمامه فليكن تابعاً لإمامه في الجلوس وفي الذكر المشروع في هذا الجلوس، هذا هو المشروع له، ولو اقتصر على التشهد الأول فأرجو ألا يكون به بأس، لكن الأفضل أن يتابع حتى يكمل، وهذا داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( فما أدركتم فصلّوا )، وفيما روي عنه ( إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام ). ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 300 ).

 

والله أعلم.

التحذير مما يشوب علاقة الأطباء بشركات الأدوية من مخالفات شرعية

التحذير مما يشوب علاقة الأطباء بشركات الأدوية من مخالفات شرعية

السؤال:

سؤالي هو عن أمر شائع في المستشفيات أو المعاهد التعليمية مثل تلك التابعة للجامعة التي أعمل بها – وأنا أعمل طبيبًا وعضو هيئة تدريس بالجامعة – وعندما يكون هناك مؤتمر طبي فإن الأمر المتعارف عليه أن تقوم إحدى الشركات التي تتعامل مع الجامعة ( مثل شركات الأجهزة الطبية وشركات الأدوية ) بالتكفل بمعظم المصاريف الخاصة بالمؤتمر والتي تشمل أساساً الإقامة بالمدينة التي يقام بها المؤتمر العلمي، وحدث أنني توليت مع بعض الزملاء عملية ممارسة لشراء جهاز كبير للمكان الذي أعمل به والذي تنافست على إثره أكثر من شركة، ثم تم بالفعل رسيان العطاء على واحدة منها والتي لم أحاول إطلاقا تمييزها في شيء بالنسبة للتقرير الفني، ومع قرب المؤتمر فقد طَلب مني عميد المعهد أن أطلب من الشركة اشتراكها بالمؤتمر وبالتالي تمويل المؤتمر سواء بمبالغ نقدية أو توفير عدد من الغرف لأعضاء هيئة التدريس فأعطيته تليفونات بعض المسئولين بها وطلبت من العميد بطريقة مهذبة أن يتم ذلك عن طريقه، ثم اتصلت بأحد المسئولين في الشركة وأكدت له أنه من ناحيتي أن اشتراكهم في المؤتمر من عدمه لن يكون لذلك تأثير على استمرار الصفقة معهم حيث أني – بإذن الله – لي دور كبير في استلام الجهاز وبالتالي دفع كل مستحقات الشركة، والحقيقة لتوضيح الأمور أكثر: فإن الشركة كغيرها من الشركات تستفيد بعرض إنتاجها في المؤتمرات والتسويق له، وهو ما قرره مسئول الشركة عند حديثي معه وأن تحمل تلك الشركات أو شركات الأدوية وغيرها لنفقات الإقامة لبعض الأطباء والعاملين بالمؤسسات التي تتعامل معها يكاد يكون عرفًا، كما أن تكلفة الاشتراك بتلك المؤتمرات تكون عالية نسبيًّا ومن الصعب فعلا أن أشترك على نفقتي الخاصة، ومطلوب منَّا حضور تلك المؤتمرات ليس فقط للفائدة العلمية بها ولكن لأنها من ضمن الأنشطة المطلوبة للترقي بالعمل، فهل يجوز لي الاشتراك في مثل هذا المؤتمر والإقامة في إحدى الغرف التي تتحملها الشركة مثل باقي المشتركين من المعهد؟ وهل يختلف الأمر إذا كان هذا بطريقة مباشرة مع الشركة أو عن طريق العميد؟ وهل يجوز لي متابعة هذا الأمر ( وهو اشتراكهم في المؤتمر والذي يؤدي بالضرورة لتمويله ) معهم كما طلب مني العميد.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يخفى على أحد العلاقة التي صارت ظاهرة للعيان بين الأطباء وشركات الأدوية والأجهزة الطبية، وقد صدرت فتاوى كثيرة تحذِّر الأطباء من قبول الهدايا والعطايا من تلك الشركات وإن كانت على صورة ” هدية ” أو ” سفر لمؤتمر طبي “، وكل ذلك لا يُغيِّر الحقائق من كون تلك الأمور هي رشاوى من أجل تسويق الأدوية أو الأجهزة الطبية التي تنتجها – أو تملك وكالتها – تلك الشركات سواء في عيادته، أو في المؤتمرات الطبية؛ لأن تسويق الطبيب لذلك الدواء أو الجهاز لا ينافسه تسويق مندوب مبيعات تلك الشركات.

وهذا موضوع بعنوان ” هدايا شركات الأدوية للأطباء ومَن في حكمهم ( رؤية شرعية ) ” للدكتور عطية فياض، ننصح بالاطلاع عليه، وهو تحت هذا الرابط:

http://www.islamselect.com/author/2604

 

ثانيًا:

وعلى الطبيب الذي يتقي ربَّه تعالى أن يحكم على أدوية وأجهزة شركات الأدوية بالحق والعدل، ولا يحملنَّه دعم تلك الشركات للمؤتمرات الطبية التي يشارك فيها لأن يَحكم لها ويسوق بضاعتها من أجل ذلك الدعم.

والذي نظنه في الأخ السائل أنه من الأطباء الذين يحكمون بالعدل ولا يحابون في أحكامهم على الدواء أو الجهاز الطبي، ونرى أن سؤاله واستفساره هنا دليل – إن شاء الله – على ذلك، وأن اختياره لذلك الجهاز الطبي لتشتريه الجامعة من تلك الشركة إنما كان لأنه الأفضل والأجود، ولم يكن محاباةً للشركة.

والذي يجب التنبيه عليه: أنه ينبغي التفريق بين أن يكون دعم شركات الأدوية والأجهزة الطبية للطبيب مباشرة ليسافر إلى مؤتمرات طبية بدعوى التزود من العلم وغير ذلك من الأسباب وبين دعم تلك الشركات لمؤتمرات طبية تقوم بها جامعات علمية – كما هو الحال في سؤال أخينا الفاضل – ففي الحال الأولى تكون صلة الشركات مع الطبيب نفسه، وفي الحال الثانية تكون الصلة مع الجامعات، وقد أحسن الأخ السائل – فيما نرى – عندما جعل عميد الكلية هو من يقوم بالاتصال الشركات الداعمة لمؤتمرهم العلمي، وإن كنَّا لم نود له الاتصال بأحد مسئولي الشركة ليبين له أنه لا تأثير لعدم مشاركتهم في دعم المؤتمر على إتمام صفقة الجهاز المشترى منهم؛ لأنه قد يُفهم من اتصاله غير الذي يقصده ويريده، فتصل الرسالة للشركة بعكس قصد الطبيب.

 

ثالثًا:

والذي نراه حكم الصورتين السابقتين: أنه لا مانع من أن يشترك الأخ السائل في المؤتمر الطبي الذي تعقده الجامعة بدعم شركات الأدوية وشركات الأجهزة الطبية طالما أن اشتراك الشركات عن طريق الجامعة، وعلاقة الأخ الطبيب السائل إنما هي مع جامعته لا مع تلك الشركات، ولا نرى المشاركة في أي مؤتمر إذا كانت الدعوة موجهة من الشركة لذلك الطبيب مباشرة؛ لدخول ذلك في الرشوة – كما سبق ذِكره في أول الجواب -، وبين الأمرين فرق ظاهر لا يخفى.

وأما متابعة الأمر مع الشركات الداعمة – ومنه الشركة التي اشتُري منها الجهاز- فلا نرى ما يمنع منه، وتعامله هذا مع الشركة واتصاله بها إنما هو بصفته موظفاً في الجامعة لا أنه طبيب مستقل؛ لأن الذي طلب منه متابعة الأمر هو عميد الكلية، وهو مسؤوله في الوظيفة، وإذا استطاع جعْل أمر متابعة الشركة لغيره من الزملاء والأصدقاء فهو أفضل.

ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويهدي قلبك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى، كما نوصي الأطباء بتقوى الله تعالى وأن يحذروا من قبول الرشاوى فإنها من كبائر الذنوب، وليحمدوا الله تعالى على ما رزقهم من رزق حلال وليكتفوا به عن الحرام الذي يزيَّن لهم باسم الهدية والاستزادة من العلم، وهم أعلم الناس أن شركات الأدوية والأجهزة الطبية لا تريد من فعلها ذاك إلا الرشوة، والوصية كذلك لأصحاب الشركات أن يتقوا الله في أنفسهم وفي منتجاتهم وفي الأطباء، وليعلموا أن الله تعالى سائلهم عما اقترفته أيديهم من الوقوع في الرشوة، ومن إيقاع الأطباء معهم في ذلك، ومن تسويق أدوية غير صالحة أو غير فعالة، ومن تسويق أجهزة طبية غير ذات جدوى.

 

والله أعلم.

 

 

كاتبة قصص ومقالات باللغة الإنجليزية تسأل عن حكم الكتابة وأخذ الأجر مقابل ذلك

كاتبة قصص ومقالات باللغة الإنجليزية تسأل عن حكم الكتابة وأخذ الأجر مقابل ذلك

السؤال:

وهبني الله موهبة عظيمة، فـأنا مبدعة في كتابة القصص والمقالات باللغة الإنجليزية، ولذلك فقد اتخذتها مهنة، إن كتاباتي ليست دائمًا عن الإسلام بل أكتب كتابات مختلفة في شتى المجالات، ولكنني أحرص على أن لا تكون في حرام أبدًا، فهل ما أحصل عليه من مال من وراء هذه الكتابات حلال؟ إنني أكتب هذه الكتابات انطلاقًا من قناعاتي بأن المسلمين يجب أن يتميزوا في كل جانب من جوانب الحياة، وحتى يعلم كل من يقرأ مقالاتي أننا لسنا أمّة متخلفة كما يظن البعض.

 

الجواب:

الحمد لله

لا مانع من كتابة القصص إذا التُزمت بذلك الشروط الشرعية المبيحة لكتابتها لنشرها بين الناس، ومن تلك الشروط:

  1. أن لا تكون مشتملة على المخالفات الشرعية التي جاء الشرع بمحاربتها والتحذير منها، ومن ذلك: الشرك، والبدعة، والمنكرات في الأقوال والأفعال والسلوك.
  2. أن لا تكون مشتملة على الكذب، فإن كانت القصة على سبيل التمثيل فلا بأس بذلك، كما صنع الحريري في ” مقاماته ” إذ ليس ثمة ” حارث بن همَّام ” – وهي الشخصية التي تمثل وجودها في مقاماته -، وكما صنع ابن القيم في بعض كتبه في عقد مناظرات في مسائل خلافية وتكلم على ألسنتهم بما ليس له واقع إنما هو تمثيل للأمر.

* قال الحريري في مقدمة “مقاماته “:

وأرْجو أنْ لا أكونَ في هذا الهذَرِ الذي أوْرَدْتُهُ، والمَوْرِدِ الّذي تورَّدْتُهُ كالباحِثِ عنْ حتْفِهِ بظِلْفِه، والجادعِ مارِنَ أنْفِهِ بكفّهِ فألحَقَ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً الذينَ ضلّ سعْيُهُمْ في الحياةِ الدُنْيا وهُمْ يحْسِبونَ أنّهُمْ يُحسِنونَ صُنْعاً على أني وإنْ أغْمَضَ لي الفَطِنُ المُتغابي ونضَحَ عنّي المُحبُّ المُحابي لا أكادُ أخْلُصُ منْ غُمْرٍ جاهِلٍ، أو ذي غِمْرٍ متَجاهِلٍ، يضَعُ مني لهَذا الوضْعِ، ويندّدُ بأنّهُ منْ مَناهي الشّرْعِ، ومَنْ نقَدَ الأشْياءَ بعَينِ المعْقولِ وأنْعَمَ النّظَرَ في مَباني الأصولِ: نظَمَ هذِه المَقاماتِ في سِلْكِ الإفاداتِ، وسلَكَها مسْلَكَ الموْضوعاتِ عنِ العَجْماواتِ والجَماداتِ، ولمْ يُسْمَعْ بمَنْ نَبا سمْعُهُ عنْ تِلكَ الحِكاياتِ، أو أثّمَ رُواتَها في وقْتٍ من الأوْقاتِ، ثمّ إذا كانَتِ الأعْمالُ بالنِّيّاتِ وبها انْعِقادُ العُقودِ الدِّينِيّاتِ : فأيُّ حرَجٍ على مَنْ أنْشأ مُلَحاً للتّنْبيهِ لا للتّمويهِ، ونَحا به منحَى التّهْذيبِ لا الأكاذيبِ؟ وهلْ هُوَ في ذلِك إلا بمنزِلَةِ مَنِ انتَدَبَ لتعْليمٍ أو هدَى إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ؟.

” مقامات الحريري ” ( ص 17 ، 18 ).

وعلَّق عليه الشيخ رشيد رحمه الله بقوله:

فهو يقول إنه لم يعرف عن أحد من علماء الأمة إلى زمنه أنه حرم أمثال تلك القصص التي وضعت عن الحيوانات ككتاب ” كليلة ودِمنة ” وغيره؛ لأن المراد بها الوعظ والفائدة وصورة الخبر في جزئياتها غير مرادة، وما سمعنا بعده أيضًا أن أحدًا من العلماء حرّم قراءةَ مقاماتِه، ولكن اجتهاد بعض المغرورين بالحظوة عند العوام يتجرءون على تحريم ما لم يحرمه الله ورسوله، ولا حرم مثله أحد من علماء الملة. “مجلة المنار ” ( 14 / 828 – 830 ) ضمن فتوى بعنوان ” تمثيل الوقائع التاريخية والخيالية للاعتبار “.

  1. أن تكون ذات أهداف سامية ومعاني جليلة.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الأدباء يؤلفون قصصًا ذات مغزى، وبأسلوب جذاب، مما يكون له الأثر في نفوس القراء، ولكنها من نسج الخيال، ما حكم ذلك؟.

فأجابَ – رحمه الله  – بقوله:

لا بأس بها، لا بأس بذلك إذا كان يعالج مشاكل دينية أو خُلُقية أو اجتماعية؛ لأن ضرب الأمثال بقصصٍ مفروضة غير واقعة لا بأس به، حتى إن بعض العلماء ذكر ذلك في بعض أمثلة القرآن الكريم أنها ليست واقعة، لكنّ الله ضربها مثلًا، مثل قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل/76.

فلا أرى في هذا بأسًا؛ لأن المقصود هو التحضيض، ولكن إن حصل أن يكون عند الإنسان علم بما في الكتاب والسنَّة ثم يعرض آيات فيها معالجة لمشاكل، ويشرحها ويفسرها ويضرب المثل عليها: فهو خير، وكذلك يذكر أحاديث فيفسرها ويضرب المثل عليها: فهذا أحسن بلا شكَ.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 358 ).

ويوجد فتوى مفصلة عن الشيخ العثيمين، وفيها جواز الاكتساب من كتابة تلك القصص إذا كانت قصصًا دنيوية.

ولا نرى فرقًا في جواز الاكتساب بين كتابة القصص الدنيوية والدينية، وما قيل في القصص من جواز كتابتها وجواز الاكتساب منها يقال في كتابة المقالات والاكتساب منها.

ونسأل الله أن يسدِّد قلمك، وأن ينفع بك المسلمين، ونوصيك بما أوصى به الشيخ العثيمين رحمه الله من الاستفادة من القرآن والسنَّة شرحًا وتفسيرًا وضربًا للأمثال عليهما، وخاصة أنك تكتبين باللغة الإنجليزية وثمة محتاجون كثُر لفهم الإسلام ومعرفة أحكامه ممن يقرأ بتلك اللغة العالمية.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

ما معنى كلام ابن عمر أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا؟

ما معنى كلام ابن عمر أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا؟

السؤال:

في كتاب الوضوء من كتاب البخاري هناك حديث لعبد الله بن عمر أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الرجال والنساء يتوضئون سويًّا، وقد استغل أحد الناس هذا الحديث كدليل على أن المرأة من الممكن أن تكشف شعرها ووجهها وذراعيها وقدميها( الأعضاء التي تغسل في الوضوء) أمام الرجل، أرجو أن تقوموا بالرد عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي أراد الأخ السائل الكلام في فقهه ومعناه هو ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا. رواه البخاري ( 190 ).

وقد رواه أبو داود ( 80 ) وابن ماجه ( 381 ) – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – بلفظ ” كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا.

ثانيًا:

وقد اختلف أهل العلم في توجيه الحديث، وسبب الحاجة إلى توجيه معنى الحديث حتى لا يُفهم منه ما نقله السائل عن بعضهم من إظهار النساء أعضاء وضوئهن أمام الرجال الأجانب عنهن، ولذا كان فقه الحديث ومعناه لا يخرج عن ثلاث احتمالات:

الأول: أنه ليس الحديث في اجتماع الرجال والنساء في وقت واحد على الوضوء، بل فيه بيان أن مكان وضوئهم والماء الذي يتوضئون منه هو مكان واحد وماء واحد، فإذا انتهى الرجال من الوضوء جاء النساء، وهو قول سحنون من المالكية، ومقصود ابن عمر من ذِكر هذا بيان عدم تنجس الإناء من التناوب على الحوض بالوضوء منه حتى مع غمس الأيدي فيه، وأن توضأ النساء منه غير مؤثر على الماء.

الثاني: أن المراد بالنساء في الحديث الزوجات والمحارم، وهو قول ولي الدين العراقي، حيث قال – رحمه الله -: أطلق ابنُ عمر في حديثه وضوء النساء والرجال جميعًا، ولا شك أنه ليس المراد به الرجال مع النساء الأجانب، وإنما أراد الزوجات أو من يحل له أن يرى منها مواضع الوضوء، ولذلك بوب عليه البخاري ” باب وضوء الرجل مع امرأته. ” طرح التثريب ” ( 2 / 39 ).

الثالث: أن يكون الحديث في وصف حدث قبل تشريع الحجاب على النساء، وهو ترجيح الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث قال: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده: فيُختص بالزوجات والمحارم. ” فتح الباري ” ( 1 / 300 ).

وسواء قيل بالوجه الأول أو الثاني أو الثالث: فإنه ليس معنى الحديث أن الشرع جاء ليبيح للمرأة أن تكشف ذراعيها وساقيها ورأسها أمام الرجال الأجانب! وهذا لا يقول به من عرف الشرع وأحكامه، والعلماء مجمعون على تحريم إظهار تلك الأعضاء أمام الرجال الأجانب، ولا يمكن للشرع المطهر أن يحرص في كل أحكامه على ستر المرأة والحرص على ابتعادها عن الرجال عموما وفي أعظم العبادات وهي الصلاة خصوصا، فيحثها على صلاتها في بيتها، ويحثَّها على الابتعاد عن الصف الأول، ويجعل لها بابًا خاصًّا تدخل منه للمسجد، ويحثها على المبادرة بالخروج من المسجد سلام الإمام، ثم يأتي ليبيح لها كشف ساقيها وذراعيها ورأسها أمام الرجال الأجانب في الوضوء!.

ولذا لمَّا كان اجتماع الرجال والنساء على مكان واحد للوضوء يمكن أن يحدث منه اطلاع الرجال على شيء من أعضاء النساء أثناء الوضوء عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مَن اجتمع من النساء والرجال على مكان واحد ليتوضئوا جميعاً في وقت واحد، وأمر بجعل مكان خاص للرجال وآخر للنساء، فعن أبي سلامة الحبيبي قال: رأيتُ عمر بن الخطاب أتى حياضًا عليها الرجال والنساء يتوضئون جميعًا فضربهم بالدِّرة ثم قال لصاحب الحوض: اجعل للرجال حياضًا وللنساء حياضاً، ثم لقي عليًّا فقال: ما ترى؟ فقال: أرى إنما أنت راعٍ فإن كنتَ تضربهم على غير ذلك فقد هلكتَ وأهلكتَ . رواه عبد الرزاق في ” مصنفه ” ( 1 / 75 ).

وهذا يدل على أن هذا الأمر لم يكن معروفًا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إما أن يكون قبل تشريع الحجاب، أو يكون اجتماع الرجال والنساء على الوضوء من مكان واحد لا يكون في وقت واحد، ولما حصل مثل هذا في زمان عمر رضي الله عنه عاقب عليه ومنعه.

والعجيب من بعض المميعين الذين استدلوا بحديث ابن عمر على جواز كشف المرأة لذراعيها وساقيها أثناء الوضوء أمام الرجال الأجانب لم يلتزم هذا في كشف الرأس! وقال إن الرأس يمكن أن يُمسح على الخمار الذي يغطيه! وهذا تحكم منه وفرار من الالتزام بما دلَّ عليه النص، فهو يزعم أن النساء كشفن عن ذراعيهن وساقيهن وأنهن مسحن على خمرهن! وكأنه يشاهد الحدث بعيني رأسه! وكل ذلك حتى لا يلتزم بالقول بكشف رؤوسهن فيقع في مخالفة للشرع منكرة ويُحج بالنصوص التي تأمر المرأة بتغطية رأسها؛ لأن تشريع الحجاب إن كان نازلًا فقد خالفت الصحابيات بذلك الشرع، وإن كان غير نازل فقد نزل بعدُ والتزمنه، فهو بين أن يجعل الصحابيات مخالفات للشرع أو يجعلهن غير مخالفات لعدم الأمر بالحجاب، ولو قال بالثاني للزمه أن الفعل كان قبل تشريع الحجاب فلا يستنبط منه جواز كشف تلك الأعضاء، وحتى لا يقول بالأول لوى عنق النص وقال إنهن كنَّ يمسحن على خمرهن!.

والحقيقة: أنه لا فرق بين الذراعين والساقين وبين الرأس في حكم كشف ذلك من المرأة أمام الرجال الأجانب، وأنه يحرم عليها كشف شيء من تلك الأعضاء أمامهم بإجماع المسلمين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

ويحرم عليها أن تكشف شعرها أو صدرها أو نحرها أو ذراعيها أو ساقيها أو نحو ذلك من جسمها بحضور الرجال الأجانب بإجماع المسلمين.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 214 ، 215 ).

 

والله أعلم.

 

 

كيف يجمع المسلم بين العفو والمسامحة في حقه مع بقاء هيبته ومكانته في الناس؟

كيف يجمع المسلم بين العفو والمسامحة في حقه مع بقاء هيبته ومكانته في الناس؟

السؤال:

عندي مشكلة كبيرة جدًّا هي أني لا أستطيع الجمع بين هذين الأمرين: فإما أن أكون فظًّا مع الناس أو أكون متسامحًا جدًّا، وفي كلتا الحالتين يعيب عليَّ الناس صنيعي.

أريد أن أعرف كيف أجمع بين أن أكون متسامحًا وفي نفس الوقت آخذ حقي وأحافظ على كرامتي؟ وهل المسامحة معناها أن أترك حقي؟ من الذي سمعته عن سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان متسامحًا لأعلى الدرجات مع أنه كان أشرف الخلق وأعلاهم كرامة، كيف أجمع بين الاثنين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يزول الإشكال – أخي السائل – إذا وضعتَ الشيء في مكانه المناسب في كلا مسألتيك:

أما المسألة الأولى: فإن الغلظة والفظاظة لا تكون إلا مع أعداء الله تعالى المحاربين من الكفار، ويكون اللين وحسن المعاملة مع المؤمنين، وفي دعوة الكفار؛ إذ لا تصلح الغلظة هنا وإلا انفض عنك المؤمنون ولم يستفد الكفار من دعوتك.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

من الحكمة استعمال اللين في معاشرة المؤمنين، وفي مقام الدعوة للكافرين، كما قال تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران/ 159، وقال ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 44، فأمر باللين في هذه المواضع وذكر ما يترتب عليه من المصالح، كما أن من الحكمة استعمال الغلظة في موضعها. قال تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) التحريم/9؛ لأن المقام هنا مقام لا تفيد فيه الدعوة، بل قد تعين فيه القتال، فالغلظة فيه من تمام القتال، وقد جمع الله بين الأمرين في قوله في وصف خواص الأمة ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) الفتح/ 29. ” تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 312 ).

ثانيًا:

وهكذا يقال في المسألة الثانية: هل العفو والمسامحة أفضل أو أخذ الحق، والجواب عليه: أن العفو أفضل من حيث الأصل لكن قد يوضع في غير مكانه فلا يكون أفضل، بل قد يأثم العافي، فيكون وضع كل شيء في مكانه المستحق له هو الجواب عن الإشكال عندك.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله -:

الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته – مثلًا – إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور تنتهك به حرمات الله؟! فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر ( فَاعْتَدُوا ) الآية, أي: كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل.

وقد قال أبو الطيب المتنبي:

إذا قيل حِلمٌ قل فللحِلم موضعٌ *** وحِلمُ الفتى في غير موضعه جهلُ

” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 32 ، 33 ).

والذي يعفو عن المسيء المستحق للعفو: فإن له البشرى بالعز في الدنيا والآخرة، تحقيقًا لقول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ) رواه مسلم ( 2588 ) من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وله الأجر والثواب في الآخرة، ومن ذلك ما قاله تعالى ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 133،134.

ويشترط لهذا الفضل وذاك الثواب للعافي حتى يتحققا أمور:

  1. أن يعفو عن حقِّه قاصدًا الأجر والفضل من الله، فيترك الانتصار والانتقام لله تعالى.

أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً ). رواه أحمد ( 15 / 390 ) وحسَّنه المحققون، وجوَّد إسناده الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2232 ).

  1. أن يكون قادرًا على أخذ حقه، فلا يعفو لضعف ولا لعجز.

وهو واضح في المعنى اللغوي والشرعي للعفو، وقد قال البخاري في صحيحه (2 / 863 ): باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ( لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا )، ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ )، قَالَ إِبْرَاهِيمُ – أي: النخعي – كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. انتهى.

وبهذا الأمر تتبين قوة ومهابة العافي عن المسيء من المستحقين للعفو، فعندما تظهر قدرته على الانتصار والانتقام ويعفو عنه: يكون قد حقق لنفسه المهابة وحاز فضل وأجور العفو.

قال تعالى ( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) الشورى/ 36 – 43.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب وندبهم إلى العفو والإصلاح وأما قوله ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ) فليس منافياً للعفو؛ فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتم وأكمل ، قال النخعي في هذه الآية: ” كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإذا قدروا عفَوا “، وقال مجاهد: ” كانوا يكرهون للمؤمن أن يُذل نفسه فتجترئ عليه الفساق “، فالمؤمن إذا بُغي عليه يُظهر القدرة على الانتقام ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف منهم عطاء وقتادة. ” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 179 ).

  1. أن يترتب على عفوه إصلاح، ولا يترتب ضرر، قال تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) فلا يعفو عن مجرم معروف بالشر وإيقاع الضرر بالناس لأنه يكون بعفوه عنه إطلاق يديه في الشر والسوء، لذا لا يشرع العفو عنه، بل تجب عقوبته وكف يده عن الناس بما يُستطاع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والعدل نوعان

أحدهما: هو الغاية، والمأمور بها، فليس فوقه شيء هو أفضل منه يؤمر به، وهو العدل بين الناس

والثاني: ما يكون الإحسان أفضل منه، وهو عدل الإنسان بينه وبين خصمه في الدم والمال والعِرْضِ، فإن الاستيفاء عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلا بعد العدل، وهو أن لا يحصل بالعفو ضررٌ، فإذا حصل منه ضرر: كان ظلمًا من العافي، إما لنفسه، وإما لغيره، فلا يشرع.

” جامع المسائل ” ( 6 / 38 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث ( وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ) -:

وفي هذا حثٌّ على العفو، ولكن العفو مقيَّد بما إذا كان إصلاحاً؛ لقول الله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ )، أما إذا لم يكن إصلاحاً بل كان إفسادًا: فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتدى عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوتَ عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضًا ، فمثل هذا نقول: الحزم والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني: أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح بل لا يزيدهم إلا فسادًا وشرًّا، فأما إذا كان في العفو خير وإحسان وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك: فهذا خير .

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 525 ).

ثالثًا:

وما قد تجده في نفسك في حال رغبتك بالعفو عمن ظلمك ممن تستطيع أخذ حقك والانتصار منه وترى أن عفوك عنه فيه صلاح له وليس يترتب عليه ضرر عليك أو على الناس: فإن ذلك من الشيطان يصوِّر لك أمر العفو والمسامحة أنه ذل وخنوع وانكسار، وكل ذلك ليصدك عن العز ورفع الشأن، ومزيد الأجر، فكن متيقظًا لهذا.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال صلى الله عليه وسلم ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا ) إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك أو في بدنك أو في أهلك أو في حق من حقوقك فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك، قال تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) البقرة/ 194، وقال تعالى ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) النحل/ 126، ولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا همَّ بالعفو وحدَّث نفسه بالعفو: قالت له نفسه الأمَّارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف! كيف تعفو عن شخص جنى عليك أو اعتدى عليك؟ وهنا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا) والعز ضد الذل، وما تحدثك به نفسُك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك: فهذا من خِداع النفس الأمَّارة بالسوء ونهيِها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا عزًّا ورفعة في الدنيا والآخرة .” شرح رياض الصالحين ” (3/408،409).

وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك الفضل للعافي على ما ذكرتَه في سؤالك من أنك تعتقد أن المكانة والمهابة لا تكون بالعفو، بل بأخذ الحق وعدم المسامحة.

* قال الصنعاني – رحمه الله -:

وفيه: أنه يَجعل الله تعالى للعافي عزًّا وعظمةً في القلوب؛ لأنه بالانتصاف يظن أنه يعظُم ويُصان جانبه ويُهاب، ويظن أن الإغضاء والعفو لا يحصل به ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه سلم بأنه يزداد بالعفو عزًّا. ” سبل السلام ” ( 4 / 209 ).

 

والله أعلم.

متحرجة من أخذ إعانة من حكومة غير مسلمة لوالديْ زوجها

متحرجة من أخذ إعانة من حكومة غير مسلمة لوالديْ زوجها

السؤال:

تعطي الحكومة حماي وحماتي مبلغًا من المال لرعايتهما، وأنا أراعيهما، وأنا في غاية الحيرة، هل هذا المال حلال في الشريعة؟ قلبي لا يطمئن لأخذ مال  فلو رعيت والديك تأخذ على ذلك مال؟ نحن – ولله الحمد – ليست حالتنا المادية قوية ويقول زوجي: بأن المال سوف يساعدنا، هل يمكنكم من فضلكم حل هذه المشكلة لأني مرتبكة وفي غاية الحيرة؟ هل يمكنكم أن تردوا عليَّ بأسرع ما تستطيعون؟.

الجواب:

الحمد لله

لا نرى حرجًا من أخذ مال الإعانة الذي تصرفه الحكومة مسلمة كانت أو كافرة للمواطنين أو المقيمين أو اللاجئين في بلادها بشرط أن لا يقع غش أو خداع أو تزوير من قبَل من يريد أخذ ذلك المال منهم، ويجب أن تكون أحوالهم منطبقة على شروط من يستحق صرف تلك الإعانة له سواء كان مبلغ الإعانة مقطوعًا أو مستمرًّا، فلا يجوز – مثلًا – تزوير الحالة الاجتماعية للحصول على مال أكثر، ولا يجوز خداع تلك الجهات الباذلة بأن يخفي عمله عنهم إذا كان المال المبذول هو ” إعانة بطالة “، ولا يجوز الكذب عليهم بأنه لا معيل له أو أنه لا يملك مصدر دخل وهو في الحقيقة له معيل أو له مصدر دخل، وبكل حال يجب أن تنطبق شروط ذلك البذل للمال على حاله وحالته.

وعليه: فما تعطيه الدولة لوالدي زوجك هو من المال الحلال – إن شاء الله – إن كان ليس ثمة خداع في وصف حالتهم، أو تزوير في أوراقهم، وكانت شروط الإعانة منطبقة عليهم، ولا داعي للقلق من جواز أخذ ذلك المال للاستعانة به على رعايتهما والعناية بهما.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ولا حرج عليهم في قبول المعاونة والمساعدة من الدولة الكافرة إذا لم يترتب على ذلك ترك واجب، أو فعل محظور، وليس لهم أخذ المساعدة إلا على الطريقة الرسمية التي قررتها الدولة، وليس لهم أن يكذبوا للحصول عليها.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 239 ).

ومع ذلك فمن تنزَّه عن ذلك المال وامتنع عن أخذه فهو أفضل ولا شك؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وتعفف المسلم خير له من طلب المال.

 

والله أعلم.

الخلاف في مكان قبر علي بن أبي طالب وهل هو في ” أفغانستان “؟!

الخلاف في مكان قبر علي بن أبي طالب وهل هو في ” أفغانستان “؟!

السؤال:

معظم الناس يقولون إن قبر ” عليّ بن أبي طالب ” رضي الله عنه في ” أفغانستان “، فهل هذا صحيح؟ وإذا لم يكن كذلك فأين هو إذًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء والمؤرخون في مكان قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أقوال، أشهرها:

  1. أنه دُفن في قصر الإمارة بالكوفة، وهو قول محمد بن سعد كما في “تاريخ بغداد ” (1 / 136 ) للخطيب البغدادي، وقول ابن خلكان، كما في كتابه ” وفيات الأعيان ” (4/55 )، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 446 ) لجمهور أهل المعرفة.
  2. أنه دُفن في الكوفة في مكان غير معلوم، وهو قول عبد الله العجلي، كما نقله عنه الخطيب البغدادي في كتابه ” تاريخ بغداد ” ( 1 / 136 ).
  3. أنه دُفن في الكوفة أولاً ثم نقله ابنه الحسن إلى المدينة، وهو قول الحافظ أبي نعيم، كما نقله عنه الخطيب البغدادي في ” تاريخ بغداد ” ( 1 / 137 ).
  4. أنه لا يُدرى أين قبره على الحقيقة، وهو قول إبراهيم الحربي، كما نقله عنه ابن أبي يعلى في كتابه ” طبقات الحنابلة ” ( 1 / 92 )، وهو قول كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري، كما ذكره في كتابه ” حياة الحيوان الكبرى ” ( 2 / 308 ).

وأقرب الأقوال إلى الصحة أنه دُفن في قصر الإمارة في الكوفة، ولا يُدرى على الحقيقة البقعة التي دُفن فيها في القصر؛ وقد عُمَّي مكان قبره لئلّا تنبشه الخوارج فيعرضونه للمهانة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومثل مَن يظن مِن الجهال أن قبر علي بباطن النجف، وأهل العلم بالكوفة وغيرها يعلمون بطلان هذا، ويعلمون أن عليًّا ومعاوية وعمرو بن العاص كلٌّ منهم دفن في قصر الإمارة ببلده خوفًا عليه من الخوارج أن ينبشوه.

” منهاج السنة النبوية ” ( 7 / 43 ).

 

* وقال ابن تغري بردي – رحمه الله -:

وقال جعفر بن محمد عن أبيه قال: صلَّى الحسن على عليٍّ رضي الله عنه، ودُفن بالكوفة عند قصر الإمارة، وعمِّي قبره لئلّا تنبشه الخوارج.

” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ” ( 1 / 120 ).

 

ثانيًا:

وأما المشهد الذي في النجف والذي يزعم الرافضة أنه قبر علي بن أبي طالب فمما يُجزم بكذبه، وأول من زعم أن قبر علي بن أبي طالب في ” النجف ” هو: عضد الدولة البويهي أبو شجاع  فنَّاخُسرو ابن السلطان الحسن الملقب ركن الدولة البويهي الديلمي، والذي توفي سنة 372 هـ.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته -:

وكان شيعيَّا جلدًا، أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال. ” سير أعلام النبلاء ” (16/250 ).

وقد قال بعض العلماء إن ذاك القبر الذي أظهره ذاك الحاكم الرافضي هو قبر الصحابي الجليل المغيرة بن شعبه رضي الله عنه.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

وقال مطيَّن: لو علمت الرافضة قبر من هذا الذي يزار بظاهر الكوفة لرجمته، هذا قبر المغيرة بن شعبة. ” تاريخ الإسلام ” ( 3 / 651 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما المشهد الذي بـ ” النجف “: فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر علي، بل قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، ولم يكن أحدٌ يذكر أن هذا قبر علي ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم وحكمهم بالكوفة، وإنما اتخذوا ذلك مشهداً في ملك بني بويه الأعاجم بعد موت علي بأكثر من ثلاثمائة سنة، ورووا حكاية فيها أن الرشيد كان يأتي إلى تلك، وأشياء لا تقوم بها حجة.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 502 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

وأما مشهد علي: فعامة العلماء على أنه ليس قبره، بل قد قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة؛ وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة سنة من موت علي، في إمارة بني بويه….

وجمهور أهل المعرفة يقولون: إن عليّاً إنما دُفن في قصر الإمارة بالكوفة أو قريبا منه، وهكذا هو السنَّة، فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير مشروع، فلا يظن بآل علي رضي الله عنه أنهم فعلوا به ذلك ولا يظن أيضًا أن ذلك خفي على أهل بيته وعلى المسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجهال ذوي الأهواء.  ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 446 ، 447 ).

وإذا كان ذاك المشهد في النجف ليس هو قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأولى بأن يكون كذبًا ادعاء أن قبره رضي الله عنه في ” أفغانستان ” في ” مزار الشريف “! وإنما يدَّعي ذلك ويزعمه القبوريون الذي يسوِّقون للشرك في الأمة، وكم لهم في ذلك ادعاءات ومزاعم يُعلم أنها كذب ككذبهم في مكان قبر آدم وهود وقابيل وكثير غيرهم من الصالحين.

وإنه حتى لو عُلم أن هذا القبر أو ذاك هو عين البقعة التي دفن فيها علي رضي الله عنه أو غيره من الصحابة بل ولو كان نبيًّا من الأنبياء فإنه لا يشك موحِّد عاقل أن ما يفعله أولئك القبوريون عند تلك القبور من الدعاء والطواف والذبح والزحف إلى قبره أن ذلك كله من الشرك الأكبر والكفر المخرج من ملة الإسلام.

 

والله أعلم.

يطالبها المستشفى بثمن العلاج وتخشى من ثقل الدَّيْن لدفع الحق

يطالبها المستشفى بثمن العلاج وتخشى من ثقل الدَّيْن لدفع الحق

السؤال:

منذ فترة قصيرة تم الإسراع إلى نقلي للمستشفى ( يومين متتابعين ) بسبب مرض أصابني، والسبب الذي دفعني للعودة للمستشفى اليوم الثاني هو أنه لم يتم وصف دواء يكفي للتخلص من الألم، لكن حدث هذا والحمد لله في اليوم الثاني، ولهذا تم إرسال فواتير طبية باهظة الثمن للغاية، ولم يكن لديَّ تأمين في هذا الوقت، ولذلك فقد قاموا بتخفيض نفقات العلاج بدرجة كبيرة لكنها لا تزال مبالغ كبيرة، وأنا لا أعرف كيف سأتمكن من دفع المال لكي أغطى هذه الفواتير لأن زوجي ليس ثريًّا بالرغم من أني لا أعتبر أننا فقراء والحمد لله، وأنا أعرف أن الاستدانة هي أمر بالغ الخطورة وأن وفاة المرء مدينا هو أمر في غاية السوء، وسبحان الله فأنا أعرف أن الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين لكن هل لديكم علم بما إذا كان هذا يعتبر ديْنًا عليَّ يجب قضاؤه أم أنه يجوز لي أن أدفع قدر استطاعتي وألا أعتبره ديْنا لأنها كانت زيارة طارئة للمستشفى؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله أن يجمع لك بين الأجر والعافية، ونسأله تعالى أن يسددكِ ويوفقكِ لما يحب ويرضى، ونحن وإن كان آلَمَنا ما أصابك من مرض فإننا سعدنا بشعورك بثقل الدَّيْن وعدم التهاون في الاستدانة، وقد وقع في التساهل في الدَّيْن كثيرون، ولم يبالوا بأن تكون ذممهم مشغولة بديون للناس أو لمؤسسات.

واعلمي أن ثمن العلاج الذي تطالبكِ به المستشفى هو حق لها لا مناص من دفعه، وهو ديْن عليك في ذمتك يجب قضاؤه لها، وليس لك اعتبار حقهم ما تملكينه فقط دون غيره، بل حقهم هو تكلفة العلاج كاملا.

واعلمي أن الدَّين الذي يلام صاحبه، والذي يُحبس عن الجنة ليس هو – إن شاء الله – من استدان ليأكل أو يعالَج أو يقضي ضرورة في حياته ومعيشته، بل هو من استدان في كماليات وترفه يمكن الاستغناء عنهما ولم يوفِ حتى مات، وهو – كذلك – الذي استدان ولم يوصِ بإعطاء صاحب الحق حقَّه.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

والدَّيْن الذي يُحبس به صاحبه عن الجنة – والله أعلم – هو الذي قد تَرك له وفاء ولم يوصِ به، أو قدِر على الأداء فلم يؤد، أو أدانه في غير حق، أو في سرَف ومات ولم يؤده، وأما من أدان في حقٍّ واجبٍ لفاقةٍ ( فقر ) وعُسرة ومات ولم يترك وفاء: فإن الله لا يحبسه به عن الجنَّة إن شاء الله . ” التمهيد ” ( 23 / 238 ، 239 ).

واستدانتكِ لثمن العلاج هي لضرورة الحفاظ على الحياة والتخلص من الألم، ولا شك أنك لو استدنتِ فسيكون في نيتك السداد والقضاء، لذا فإذا استدنتِ فعملك مشروع لا حرج فيه، ونرجو الله أن ييسر لك أمر قضاء هذا الدَّيْن كما وعد بذلك، وقد جاء ذلك الوعد في أحاديث، منها:

  1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ). رواه البخاري (2257).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

مَن مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟.

فأجابوا:

أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه )، وهذا محمول على مَن ترك مالاً يُقضى منه دينُه، أما مَن لا مال له يقضى منه فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث؛ لقوله سبحانه وتعالى ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، وقوله سبحانه ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) البقرة/ 280، كما لا يتناول من بيَّت النيَّة الحسنة بالأداء عند الاستدانة ومات ولم يتمكن من الأداء؛ لما روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 344 ، 345 ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَانَ اللَّهُ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ ).

رواه ابن ماجه ( 2409 ) وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وفي ” شرح سنن ابن ماجه ” ( ص 174 ) للسيوطي وآخرين – رحمهم الله -:

( ما لم يكن فيما يَكره الله ) أي: إذا كان الدَّيْن في رضاء الرب لنفقة الأهل والعيال، والتصدق في نوائب الحق، ونية القضاء. انتهى.

 

والله أعلم.

هل تجوز الصلاة في مسجد يلتصق بقبلته مقبرة؟

هل تجوز الصلاة في مسجد يلتصق بقبلته مقبرة؟

السؤال:

نحن عمال في شركة في صحراء الجزائر وأقرب مدينة تبعد عنا ( 3 كم ) وبها مسجد واحد يوجد في قبلته خلف الجدار قبور. هل تجوز فيه الصلوات أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان المسجد مبنيًّا من أجل تلك القبور: فإنه لا تشرع الصلاة فيه؛ وهو من جنس فعل اليهود والنصارى الذين عظَّموا القبور وبنوا عليها أماكن للعبادة.

وإن لم يكن هذا هو الحال ولم يُبن المسجد من أجل تلك القبور: فإنه يشرع لكم الصلاة فيه، ويشترط بعض أهل العلم أن يكون بين جدار المسجد وبين القبور فضاء أو مسافة تفصلهما بعضهما عن بعض.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه – أي: المسجد الذي قبلته إلى القبر – حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد. ” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 3 / 75 ).

وفي ” الدرر السنية في الأجوبة النجدية ” ( 4 / 265 ):

وأجاب الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن سحمان: مسجد الطائف الذي في شقه الشمالي قبر ابن عباس رضي الله عنهما: الصلاة في المسجد: إذا جُعل بين القبر وبين المسجد جدار يرفع يُخرج القبر عن مسمى المسجد: فلا تكره الصلاة فيه. انتهى.

ويشترط آخرون: أن يُرفع جدار المسجد بحيث لا تُرى القبور من قِبَل المصلين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا صلَّى الإنسان في مسجد أمامه مقبرة: فإن كان هناك فاصل شارع – مثلًا – أو جدار تام بحيث يكون المصلون لا يشاهدون المقبرة: فلا بأس بذلك، أما إذا كان قريباً يلي المسجد مباشرة وليس فيه جدار أو فيه جدار قصير بحيث يشاهد المصلون هذه القبور: فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ) رواه مسلم -. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 137 / السؤال الأول ).

ولا نرى ما سبق – من رفع الجدار ووجود فضاء – لازمًا، وإن حصل فهو أفضل وفعله أحوط، وإنما يكفي أن يكون فصلٌ بين المسجد والقبور بجدار يؤكِّد الانفصال بينه وبين القبور، ومن علامات الانفصال التام: أن كل واحد – من المقبرة والمسجد – قد بُني في أرضه الخاصة به، وأن المسجد لم يُبنَ من أجل القبور، فإذا كان الأمر كذلك: جازت الصلاة في المسجد.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

بعض المساجد والأماكن المعدة لصلاة العيدين والاستسقاء قد أقيمت على مقربة من المقابر بحيث إن المقبرة في قبلة المسجد لا يفصلها عن ذلك إلا بضعة أمتار، والبعض الآخر ملاصق للمقبرة، وبعض الأماكن المعدة لصلاة العيدين والاستسقاء محاطة بحائط يفصلها عن المقبرة، والبعض الآخر بدون حائط يفصلها عن المقبرة، فما الحكم؟.

فأجابوا:

إذا لم تُبن هذه المساجد ولم تعد أماكن صلاة العيدين والاستسقاء قريباً من المقابر من أجل المقابر تكريماً لمن قُبر فيها، أو طلباً لمزيد الثواب والأجر بالصلاة فيها لقربها من المقابر: فبناؤها وإعدادها للصلاة والتقرب إلى الله فيها: جائز، والصلاة فيها: مشروعة، وعمارتها بها وبسائر القربات التي من شأنها أن تقام فيها: مرغوب فيه شرعًا، وما أحيط منها بحائط يفصلها عن المساجد: فقد كفيتم مؤنته، وما لم يحط منها بسور: فيعمل لها سور يفصلها عن المساجد وأماكن صلاة العيد والاستسقاء، وإذا تيسر جعل فراغ جدار المسجد ومصلى العيد والاستسقاء وبين جدار المقابر: كان ذلك أحوط، أما إن كانت إقامة المساجد حول المقابر من أجل تعظيم القبور: فلا تجوز الصلاة فيها، ويجب هدمها؛ لأن إقامتها على الوجه المذكور من وسائل الشرك بأهل القبور، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها )، وصح عنه أيضًا أنه قال عليه الصلاة والسلام ( إنه من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) رواهما مسلم في صحيحه, والأحاديث في هذا الباب لا تخفى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 15 / 78 ، 79 ).

 

والله أعلم.

هل تجوز ” المراوحة ” في ” التراويح “؟

هل تجوز ” المراوحة ” في ” التراويح “؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح فهل يجوز أن أعتمد على رِجل في الوقوف ثم الاعتماد على الأخرى ثم الوقوف على الرِّجلين لأجل تخفيف التعب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ولا بأس للمصلي إن طال قيامه في الصلاة أن يعتمد على إحدى رجليه تارة، وعلى الأخرى؛ ليريح نفسه، وتسمى هذه الفعلة ” المراوحة “، على أن لا يقدِّم رجلًا على أخرى، فتكون رجلٌ مع الناس وأخرى متقدمة أو متأخرة عنهم، والمراوحة جائزة لمن له عذر، ومكروهة من غير عذر.

* قال النووي – رحمه الله -:

لو قام على إحدى رجليه: صحَّت صلاته مع الكراهة، فإن كان معذورًا: فلا كراهة. ” المجموع ” ( 3 / 230 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

واعلم بأنه يكره للصحيح أن يقوم على إحدى رجليه، ويصح.

” روضة الطالبين ” ( 1 / 234 ).

* وقال الشيخ موسى الحجاوي – رحمه الله -:

ولو وقف غير معذور على إحدى رجليه: كُره وأجزأه في ظاهر كلام الأكثر.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 1 / 133 ).

وفي ” حاشية الروض المربع ” ( 2 / 93 ):

( ومراوحته بين رجليه مستحبة ) ذكره صاحب ” الفروع ” وغيره رواية واحدة، وعن أبي عبيدة أن عبد الله – يعني: ابن مسعود – رأى رجلاً يصلِّي صافًّا بين قدميه فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل، رواه الأثرم، ورواه النسائي وفيه: قال أخطأ السنَّة، لو راوح بينهما كان أعجب إليّ.

والمراوحة: أن يعتمد على إحدى رجليه تارة وعلى الأخرى تارة إذا طال القيام.

وكذا تفرقته بينهما مستحبة، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله – يعني: الإمام أحمد – يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما، وأما تقديم إحدى رجليه: فمكروه. انتهى.

 

والله أعلم.