الرئيسية بلوق الصفحة 156

هل تجوز ” المراوحة ” في ” التراويح “؟

هل تجوز ” المراوحة ” في ” التراويح “؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح فهل يجوز أن أعتمد على رِجل في الوقوف ثم الاعتماد على الأخرى ثم الوقوف على الرِّجلين لأجل تخفيف التعب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ولا بأس للمصلي إن طال قيامه في الصلاة أن يعتمد على إحدى رجليه تارة، وعلى الأخرى؛ ليريح نفسه، وتسمى هذه الفعلة ” المراوحة “، على أن لا يقدِّم رجلًا على أخرى، فتكون رجلٌ مع الناس وأخرى متقدمة أو متأخرة عنهم، والمراوحة جائزة لمن له عذر، ومكروهة من غير عذر.

* قال النووي – رحمه الله -:

لو قام على إحدى رجليه: صحَّت صلاته مع الكراهة، فإن كان معذورًا: فلا كراهة. ” المجموع ” ( 3 / 230 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

واعلم بأنه يكره للصحيح أن يقوم على إحدى رجليه، ويصح.

” روضة الطالبين ” ( 1 / 234 ).

* وقال الشيخ موسى الحجاوي – رحمه الله -:

ولو وقف غير معذور على إحدى رجليه: كُره وأجزأه في ظاهر كلام الأكثر.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 1 / 133 ).

وفي ” حاشية الروض المربع ” ( 2 / 93 ):

( ومراوحته بين رجليه مستحبة ) ذكره صاحب ” الفروع ” وغيره رواية واحدة، وعن أبي عبيدة أن عبد الله – يعني: ابن مسعود – رأى رجلاً يصلِّي صافًّا بين قدميه فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل، رواه الأثرم، ورواه النسائي وفيه: قال أخطأ السنَّة، لو راوح بينهما كان أعجب إليّ.

والمراوحة: أن يعتمد على إحدى رجليه تارة وعلى الأخرى تارة إذا طال القيام.

وكذا تفرقته بينهما مستحبة، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله – يعني: الإمام أحمد – يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما، وأما تقديم إحدى رجليه: فمكروه. انتهى.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن نصلي ركعتين من التراويح بنية راتبة العشاء؟

هل يجوز أن نصلي ركعتين من التراويح بنية راتبة العشاء؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح فهل هل يجوز أن أصلِّي مع الإمام أول ركعتين من التراويح بنية سنَّة العشاء؟ وقد فعلتُ لأنه لم يكفِ الوقت بين المفروضة والتراويح لصلاة السنَّة فهل يجوز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا ينبغي لمن استطاع أن يؤخر راتبة العشاء إلى ما بعد التراويح؛ لأن وقت التراويح يبدأ بعد أداء تلك الركعتين. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 281 ):

وأما صلاة التراويح: فوقتها يبدأ من بعد الانتهاء من سنَّة العشاء، ويستمر إلى قبيل الفجر بالقدر الذي يسع صلاة الوتر بعدها. انتهى.

– ولا يعني هذا عدم صحة التراويح من غير أداء راتبة العشاء.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

وإن صلَّى التراويح بعد العشاء وقبل سنَّتها: صحَّ جزمًا، ولكن الأفضل فعلها بعد السنَّة على المنصوص. ” كشاف القناع ” ( 1 / 426 ).

وهل يصح أن يصلي المسلم ركعتي تراويح بنية راتبة العشاء؟ والجواب: نعم يصح، بل ويصح أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ادخلْ مع الإمام في التَّراويح بنيَّة الفريضة، أي: بنية العشاء، فإذا سَلَّم فَقُمْ وائتِ بركعتين إكمالًا للفريضة، إلا أن تكون مسافرًا فَسلِّم معه، ثم ادخلْ معه في التَّراويح بنيَّة راتبة العشاء إن لم تكن مسافرًا، فإذا صَلَّيت راتبة العِشاء: ادخلْ معه في التَّراويح، ولا يضرُّ اختلاف نيَّة الإمام والمأموم، أي: يجوز أن ينوي الإمام النَّافلة والمأموم الفريضة، وهذا ما نصَّ عليه الإمامُ أحمد: من أنَّه يجوز أن يُصلِّيَ الإنسان صلاة العشاء خلف من يُصلِّي التَّراويح. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 66 ).

لكن لا يُحسب ما صلاه – في الحالتين – أنه من صلاة القيام؛ لأن صلاة التراويح مستقلة بذاتها، ولا يُجمع معها راتبة العشاء بنية واحدة – والفرض من باب أولى – بل ينوي راتبة العشاء وحدها، ويَنقص من قيامه قدرُ تلك الركعتين.

 

 

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

راتبة العشاء سنَّة مؤكدة، وهي ركعتان، والسنَّة أن تُصلَّى قبل صلاة التراويح؛ لأنها سنَّة مستقلة، والتراويح سنَّة مستقلة. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 56 ).

وحتى يحوز الفضل كلَّه: فعليه أن يكلِّم الإمام أن ينتظر بعد فرض العشاء ليتسنَّى للمصلين التسبيح والذِّكر وصلاة راتبة العشاء، ثم يبدأ بهم صلاة التراويح.

فإن أبى الإمام ذلك، أو كانت المدة قليلة بحيث لا يمكن معها صلاة راتبة العشاء فهو بالخيار:

أ. إما أن يؤخِّر راتبة العشاء بعد صلاة التراويح على أن لا يتعدى الوقت نصف الليل؛ لأنه به ينتهي وقت العشاء وراتبتها.

ب. أو يصلِّي راتبة العشاء بين ركعات التراويح أثناء استراحة المصلين أو أثناء إلقاء موعظة، ولا يدخل هذا في نهي بعض أهل العلم عن التنفل بين ركعات التراويح؛ لأن هذه الصلاة راتبة ليست نفلاً مطلقًا.

ج. أو يصليهما أول ركعتي التراويح بنية راتبة العشاء.

 

والله أعلم.

أسلم حديثا واسمه ” دانيال ” ووالده متبنَّى ويريد تغيير الاسمين واسم العائلة

أسلم حديثا واسمه ” دانيال ” ووالده متبنَّى ويريد تغيير الاسمين واسم العائلة

السؤال:

اعتنقت الإسلام مؤخرًا، ولقد سمعت أنه إذا كان اسمك غير مناسب إسلاميّا فأنت في حاجة إلى تغيير اسمك، وأنا متأكد أنه ينبغي عليَّ تغيير اسمي لأن اسمي الأول ربما يكون مخالف إسلاميّا ( فيه تزكية ومدح )، وأنا أعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الأحق بالتزكية والمدح ولست أنا، وأيضاً أنا في حاجة إلى تغيير لقبي، وأنا غير متيقن لأن أبي كان من التبني لذا فاسم عائلته ليس حقيقيًّا، لذا أرى أنه لا يمكنني استعمال هذا الاسم، علاوة على أن له معنى حرامًا، الاسم الأول من الممكن أن يكون لا بأس به ( دانيال )  ولأن الاسم الأخير ( بن دانيال )، ولكن لأني غير متيقن منه، ولأنه ليس الاسم الذي ولد به أبي ونحن على علم بأن له اسمًا آخر حين ولد إلا أن والداي لا يمكنهما تذكر ذلك الأمر وليس لديهم أي أوراق متصلة بذلك الأمر.

فهل يجوز استخدام اسم والدي الذي حصل عليه نتيجة التبني؟ وإذا كان لا يجوز فما العمل إذن؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى أن منَّ عليك بالإسلام، ونسأله تعالى أن يثبتك عليه، ونوصيك بطلب العلم وتزكية النفس بالطاعات، والدوام على دعاء الله أن يوفقك ويهديك ويسددك.

ثانيًا:

لا نرى أن اسم ” دانيال ” فيه تزكية، فلا داعي لتغييره، وقد صحح بعض أهل العلم روايات تثبت أن ” دانيال ” نبي من الأنبياء، وعليه: فليس في الاسم محذور شرعي.

* سئل الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

لدي مولودة وأريد أن أسميها ” دانيال “؛ وذلك نسبة للنبي ” دانيال “، فهل يجوز؟.

فأجاب:

الحمد لله، الأسماء التي يتسمَّى بها الناس ويسمُّون بها أولادهم: منها ما هو مستحب، كتسمية المولود عبد الله، أو عبد الرحمن، وكذلك التسمية بأسماء الأنبياء، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ) رواه مسلم ( 2132 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

وصح عنه أنه قال ( تسموا بأسماء الأنبياء ) رواه أبو داود ( 4950 ) والنسائي (3565) من حديث أبي وهب الجُشَمي رضي الله عنه.

ومنها ما هو مكروه أو خلاف الأولى، كالتسمية بما يتضمن التزكية للمسمى مثل ” برّ ” و ” برَّة ”  و ” إيمان ” و ” هدى ” و ” رباح “.

ومنها ما هو جائز، كالتسمية بالأسماء المعروفة المشهورة مثل ” علي ” و ” عمر ” و ” عثمان “، ومن أسماء النساء : ” دعد ” و ” سعاد ” و ” زينب “.

ومن الأسماء ما هو محرم، كالأسماء المعبدة لغير الله كعبد النبي، وعبد الحسين، وقد أجمع العلماء على تحريم كل اسم معبد لغير الله.

ومن الأسماء الحسنة: ما كان معبَّداً لاسم من أسماء الله كـ ” عبد العزيز ” و ” عبد الملك ” و ” عبد الرحيم ” و ” عبد الجبار “.

ومن أحسن الأسماء: ما كان مطابقاً لواقع الإنسان كـ ” حارث ” و ” همام “، كما قال صلى الله عليه وسلم في الأسماء ( وأصدقها حارث وهمام ) – رواه مسلم -.

ومن الأسماء المستكرهة: التسمية بالأسماء الدالة على معانٍ مكروهة مثل ” حرب ” و ” مُرَّة “.

وأما ما سألت عنه من تسمية المولود أو المولودة باسم النبي ” دانيال “: فلا بأس به خصوصاً إذا كان المولود ذكرًا، أما إذا كان أنثى: فلا ينبغي أن تسمى ” دانيال “؛ لأنه لا يليق أن تسمَّى الأنثى باسم نبي من الأنبياء؛ لأن الأنبياء كلهم رجال، كما لا يليق أن تسمَّى الأنثى بـ ” عمر ”  و ” عثمان “؛ لأن هذه من أسماء الرجال، فلو سميت بها الأنثى لكان بذلك لبس وتوهيم للسامع.

والله أعلم.

http://www.islamway.com/?iw_s=Fatawa&iw_a=view&fatwa_id=9430.

وقد ذكرنا سابقًا أنه لا يلزم من أسلم حديثًا أن يغيِّر اسمه إلا إذا كان معبَّدًا لغير الله، ولو كان اسمه ” جورج ” و ” بولس “.

ثالثًا:

ولا يجوز لك تغيير اسم والدك؛ فليس ثمة حاجة لذلك، فأبقه على ما هو عليه.

أما ما يتعلق باسم عائلة والدك: فإذا كنت تجزم أن والدك كان ابنًا بالتبني: فلا تضع اسم أبيه واسم عائلته، ويمكن وضع أي اسم مركب لتيسير المعاملات الدنيوية، وبما أنكم في الغرب فلعله لا يكون لوجود ذلك الاسم لعائلة والدك كبير أثر لما يوجد من تقطع لأواصر الأسَر في دول الكفر تلك، ولا يجوز أن يُبنى أحكام على انتسابك لتلك الأسرة من حيث الأنكحة والرحم والمواريث وغيرها من الأحكام، وينبغي أن يوثق ذلك بالأوراق الرسمية إن استطعتم إلى ذلك سبيلا، وأما مع عدم الاستطاعة فلا حرج عليك فيه، لكن لتُكتب أوراق يُشهد عليها بواقع الحال الذي تعرفه، وهذا كله في حال أن يكون ما تذكره عن تبني تلك الأسرة لوالدك يقيناً، وأما إن كان شكًّا أو وسوسة: فنرجو أن لا تلتفت لهذا الأمر؛ فهذه وساوس شيطانية يريد الشيطان أن يُحزنك بها.

والله أعلم.

يأبون مساعدة أخيهم لكسله عن العمل وبطالته ووالدتهم تغضب عليهم لعدم مساعدته!

يأبون مساعدة أخيكم لكسله عن العمل وبطالته ووالدتهم تغضب عليهم لعدم مساعدته!

السؤال:

لي أخ كبير ولديه مشاكل مادية منذ ( 5 سنوات )، ولا يعمل وهو بكامل صحته وشبابه ( 32 عامًا )، آخر مشكلة له أنه مديون بمبلغ كبير، وكلنا رفضنا أن نساعده لأجل أن يشتغل، ولكن والدتي مصممة تأخذ منَّا حتى لو نستلف له ونسدد ديونه وإلا نبقى هكذا لسنا جيدين، وتقول: أنا ليس لي أولاد وغضبانة عليكم، مع العلم أن ربنا وفقنا وحلِّينا له مشاكل كثيرة قبل هذا مادية وبمبالغ كبيرة، لكن نحن موظفون قطاع خاص، وكلنا متزوجون، فما الحل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مواقفكم السابقة مع أخيكم الأكبر في حل مشكلاته والسداد عنه أمرٌ تحمدون عليه وتشكرون على فعله، وهو يدل على خير عظيم فيكم – إن شاء الله -، كما أن موقفكم الأخير منه في عدم مساعدته أيضاً هو موقف صحيح تُشكرون عليه؛ إذ هو سبيل جيد ليصحِّح أخطاءه ويترك بطالته وكسله وينتبه لنفسه ويترك إذلالها، ولا تلتفتوا لحكم والدتكم على موقفكم هذا؛ فهو حكم عاطفي ليس له مستند لا من عقل ولا من شرع، وهي بحكمها ذاك تزيد في اتكاله على غيره وتساهم في إذلاله وتتسبب في مهانته، وهي لن تصنع له معروفًا بأخذها المال منكم ليقضي به ديْنه ويحل به مشكلاته، والواجب عليها أن تقف في صفكم، وأن تدفع ابنها الأكبر للعمل، والاعتماد على نفسه؛ فهي بذلك تصنع له معروفًا وتبني له شخصيته وتجعل منه رجلاً يتحمل مسئولياته بنفسه.

 

ثانيًا:

وإنما يلزمكم شرعًا أن تعطوا من أموالكم لوالدتكم لو أن هذا الإعطاء كان لها لتنفقه على نفسها، أما أن تطلبه منكم لتعطيه لابنها فلا يلزمكم الاستجابة لها.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

للوالد أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم ) – رواه أصحاب السنن الأربعة، وهو صحيح -، وقوله ( أنت ومالك لأبيك ) – رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه من حديث جابر، وهو صحيح -، وهذا في حق الأب لا شك فيه، وكذلك في حقّ الأم؛ لأنها كالأب على الصحيح، تأخذ من مال ولدها ما تنتفع به، وتسد به حاجتها، ما لم يكن بذلك إضرار على الولد، أو أن تتعلق به حاجة الولد.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 3 / 333 ).

وقد ذكرنا في تلك الأجوبة شرطاً مهمّاً يتعلق بجواز أخذ الأب – ومثله الأم – من مال أولاده، وهو:

” أن لا يأخذ المال مِن أحد أبنائه ليعطيه لابنٍ آخر؛ لأن ذلك إلقاء للعداوة بين الأبناء، ولأن فيه تفضيلًا لبعض الأبناء على بعض إذا لم يكن الثاني محتاجًا، فإن كان محتاجًا: فإن إعطاء الأبناء لحاجة دون إخوته الذين لا يحتاجون: ليس فيه تفضيل، بل هو واجب عليه “.

ثالثًا:

وأما غضب أمكم عليكم في حال أنكم لم تستجيبوا لها بإعطاء أخيكم مالًا: فلن يضركم؛ لأنه دعاء بغير حق، وأنتم لم تخالفوا شرع الله في فعلكم، ولا تلزمكم طاعة والدتكم، وعليه: فلن يكون لدعائها وغضبها عليكم أي أثَر إن شاء الله.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ناصحا في قضية مشابهة لبعض أجزاء قضيتكم -:

أما بالنسبة للأولاد: فإني أنصحهم بأن يصبروا ويحتسبوا الأجر من الله عز وجل، ويسألوا الله تعالى ألا يسلط عليهم آباءهم وأمهاتهم، وليعلموا أن لكل أزمة فرجا وأن الله تعالى يجزي الصابرين أجرهم بغير حساب، ثم إذا أمرهم آباؤهم أو أمهاتهم بأمر فيه مشقة عليهم وليس فيه مصلحة للأبوين أو أمروهم بأمر فيه ضرر في دينهم أو دنياهم: فإنه لا يجب عليهم طاعة الوالدين في ذلك؛ لأن طاعة الوالدين إنما تجب فيما إذا كان الأمر ينفع الوالدين ولا يضر الأولاد، ولْيفضِّلوا دائما جانب الصبر والاحتساب وانتظار الفرج، وليدعوا الله تعالى بذلك فإن الله تعالى يقول ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ).

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 297 ).

رابعًا:

والخلاصة أن الذي يجب عليكم:

  1. البقاء على موقفكم من أخيكم لدفعه للعمل والاعتماد على نفسه، إلا أن يكون ثمة أمر ملح في قضية قد تستوجب عليه سجنًا – مثلًا – فلا بأس بإعانته فيها، مع عدم تسليم المال لوالدتكم أو له، بل تؤدون عنه بأنفسكم.
  2. التلطف في الإنكار على والدتكم؛ فإن لها حقًّا عليكم في البر والإحسان لها بالقول والفعل، فلا ترفعوا أصواتكم عليها، ولا تؤذوها بالكلام الغليظ الجارح.
  3. الصبر والاحتساب في دعائها وغضبها عليكم، ومقابلة ذلك بالحسنى، وقد علمتم أن ذلك غير ضارِّكم في شيء فلا تقلقوا منه، وما تريده منكم لا يصب في مصلحة ابنها بل يضره، ولكنها عاطفتها التي تمنعها من التفكير بعقلها أو الاستجابة لشرع الله، وعسى أن يكون موقفكم يجعلها تعيد النظر في حكمها عليكم وموقفها منكم.
  4. نصح أخيكم بالحسنى أن يعمل ويعتمد على نفسه، ولا بأس بتشجيعه على ذلك بأن تجعلوا له مكافأة ببذل مثل ما يكسب، فإذا كسب مائة جنيه – مثلًا – تجعلون له مثلها أو أقل أو أكثر بحسب ما ترون؛ لتشجعوه على الكسب والعمل، ولتخففوا من مشكلاته المالية.

ونسأل الله أن يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يهدي أخاكم لما فيه خير دينه ودنياه، وأن يهدي والدتكم للبر والتقوى.

 

والله أعلم.

 

وهب أبناءه شققًا ثم مات قبل أن يقبض الصغارُ شققَهم فكيف يتصرفون؟

وهب أبناءه شققًا ثم مات قبل أن يقبض الصغارُ شققَهم فكيف يتصرفون؟

السؤال:

رجل وهب بعض أبنائه أثناء حياته شققًا، وله أبناء صغار، وله شقق أخرى، وقال: إن هذه الشقق لهؤلاء الأبناء الصغار، وتوفي قبل أن يكبروا ويقبضوا هذه الشقق، فهل يحق لهؤلاء الأبناء الذين كبروا الآن أن يأخذوا هذه الشقق بناء على وعد أبيهم أم أن هذه الشقق مال للورثة كلهم؟ مع العلم أن هذه الشقق كانت مستأجرة أثناء حياته وهي الآن فارغة وغير مستأجرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

العدل بين الأولاد في العطية واجب على الأب والأم.

 

ثانيًا:

إذا كان ذلك الأب له بنات ولم يعطهن شققًا أو ما يعادل قيمتها كما أعطى أبناءه: فيكون ظالمًا بتلك العطية، ولا تحل تلك الشقق لأولئك الأبناء، وإذا مات قبل أن يقيم العدل: فإن على الأبناء إرجاع تلك الشقق وجعلها في التركة ليتم قسمة الجميع وفق شرع الله تعالى بالأنصبة المبينة لأصحاب الحقوق، وهذا القول هو الصواب؛ لموافقته للسنَّة التي سمَّت ما يُعطاه المفضَّل من الأولاد ” جورًا”، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الوالدَ الواهب بغير عدل أن يردَّ ما أعطاه لولده المفضَّل، فدلَّ على عدم إباحة تملكه، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض الأئمة قبله وبعده، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله.

* يقول الشيخ عبدالله البسام – رحمه الله -:

واختلفوا فيما إذا خصَّ الوالدُ بعضَ أولاده دون بعض، أو فضَّله دون البعض الآخر بلا مسوغ شرعي، ثم مات الوالد قبل أن يرجع فيما خص به، ولا بما زاد به بعضهم على بعض فهل تمضي العطية لمن أُعطيها والإثم على الوالد المُفَضِل بينهم؟ أم يرجع الورثة على المُعْطَى ويكونون فيها سواء؟.

ذهب جمهور العلماء إلى القول الأول، ومنهم الأئمة الأربعة، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن العطية لا تثبت، وللباقي الرجوع، واختاره ابن عقيل، والعكبري، والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، واختاره الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق.  ” توضيح الأحكام من بلوغ المرام ” ( 5 / 116).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية، ولا يجوز أن يفضِّل بعضًا على بعض كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل وأمر برده، فإن فعل ومات قبل العدل: كان الواجب على من فُضل أن يتبع العدل بين إخوته؛ فيقتسمون جميع المال – الأول والآخر – على كتاب الله تعالى ( للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن )، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 297 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن لو فرض أنه لم يفعل ثم مات – أعني: الأب – قبل أن يسوِّي بين الأولاد فهل يطيب لهذا المفضَّل؟ فالجواب: لا تطيب له، ويجب عليه أن يردها في التركة وأن يرثها الورثة أجمعون. ” نور على الدرب ” ( شريط 314 ).

 

ثالثًا:

وإذا لم يكن لذلك الأب بنات فإنه لا يكون ظالمًا في العطية بل يُثنى على فعله ويشكر له، والصواب أن يقال: إن الشقق التي وهبها لأبنائه الذين كانوا صغارًا أنها تُعطى لهم تحقيقاً للعدل الذي أوجبه الله تعالى عليه وتنفيذاً لفعله الذي أراده في حياته، ولا ينبغي القول بأنها ترد إلى التركة فتقسم مع باقي ماله بينهم وبين الورثة؛ لما فيه من الظلم لهم؛ لأنها عطية عدل في حال الحياة فتنفذ، ولو كان حكم تلك الشقق أنها لا تملَّك لهم لما كانت شقق الأبناء الآخرين مباحة لهم، بل لكان حكمها أنها ترد إلى التركة ليقسَّم الجميع بين الورثة، كما سبق في المسألة السابقة، لكن الصواب أن الجميع يُملَّك ما وهبهم إياه والدهم من الشقق.

وننبه على أمرين:

  1. ينبغي أن تكون الشقق الموهوبة لكل الأبناء متساوية في ثمنها حين وهبها حتى يتحقق العدل، فنرجو أن يكون الأمر كذلك أو يكون تسامح من بعضهم لبعض على ما يوجد من تفاوت في القيمة بين الشقق.
  2. الأجرة المحصلة من شقق الأبناء الذين كانوا صغارًا: فهي من حقهم، فإذا كان الأب قد ادخرها لهم فيعطوها مع خصم ما دُفع عليها من تكاليف صيانة وترميم من قبَل الأب، وإذا كان الأب قد أنفق هذا المال عليهم وعلى أهل البيت فلا يطالِبون به من التركة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ) – رواه ابن ماجه ( 2291 ) من حديث جابر وهو صحيح -.

ونحن نبهنا على هذين الأمرين الأخيرين أداء للأمانة، فنرجو أن يكون من الأبناء جميعًا تسامح فيهما وعفو؛ تقديراً لما أراده الوالد الكريم من العدل في العطية بينهم، وجمعًا لكلمتهم؛ فإنه خير من مال الدنيا كله.

 

والله أعلم.

هل يجوز له توصيل زميله النصراني إلى الكنيسة تأليفاً لقلبه على الإسلام؟!

هل يجوز له توصيل زميله النصراني إلى الكنيسة تأليفاً لقلبه على الإسلام؟!

السؤال:

أنا طالب في الجامعة، ولدي زميل نصراني طيب القلب، أسأل الله أن يشرح صدره للإسلام، بحكم الزمالة نحتك ببعضنا كثيرا في الجامعة ونتعاون على أشياء مختلفة، أحاول بقدر المستطاع وبما أملك من علم أن أبيِّن له سماحة الإسلام كلما سنحت الفرصة، فالأخلاق العالية تؤثر فيه كثيرا.

سؤالي هو:

أحيانا قد يطلب مني أن أوصله للكنيسة بالعربة، أو يسألني كيف يتصرف في موقف ما حصل له مع صديقته، أنا أحاول أن أغيِّر الموضوع أو أن أتهرب من سؤاله، هل عليِّ إثم إن ساعدته فيما ذكرت سابقا؟ أم أنه يجب علي ألا أساعده؟ وما الضابط في هذه المسألة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يمنع الشرع المطهر من المعاملة مع الكافر في بيع أو شراء، ولا يمنع من الاستفادة منهم في علم أو تجارة أو غيرها من المعاملات الدنيوية التي تُصلح الحياة، لكنه يمنع من مصادقة ومصاحبة لهم بغير قصد دعوتهم إلى الإسلام؛ لأن من شأن تلك المصادقة والمصاحبة أن تؤدي إلى التأثر بهم وبدينهم، أو تؤدي إلى محبتهم القلبية، وكل ذلك خطر على دين المسلم، وما ضاع من ضاع من الطلاب والمبتعثين والمقيمين في بلاد الكفار إلا بسبب هذا الأمر حتى انصهروا في تلك البلاد وتشبهوا بأهلها معجبين بهم ومتأثرين بمنهاجهم في الحياة حتى فقد طوائف منهم أغلى ما أنعم الله تعالى به عليهم وهو الدين.

لذا فإننا نوصيك أيها الأخ السائل بأن تكون نيتك في مزاملة ذلك النصراني تأليف قلبه على الإسلام وإظهار أخلاق المسلمين التي تعلموها من دينهم، واحذر أن يوجد في قلبك مودة ومحبة لمثل هؤلاء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك بين المسلمين الذين يوحِّدون ربَّهم ولا يشركون به شيئا ولم يجعلها بين المسلمين وبين من يسبُّه ويشتمه فيعتقد له الولد – سبحانه – ويعبد الصليب ويقدِّسه.

ثانيا:

وإذا كانت قاعدة التعاون بين المسلمين أنفسهم أنها لا تكون إلا في البر والتقوى، ولا تكون في الإثم والعدوان: فأحرى أن تكون كذلك فيما لو كان التعاون بين المسلمين وغيرهم من الكفار، ومصاحبة الكفار بقصد دعوتهم، ومجاورتهم في مسكن ومشاركتهم في تجارة لا تعني التنازل عن قواعد الشرع وثوابته ومحكماته، ولا تعني ارتكاب المعاصي من أجل تأليف قلوبهم على الإسلام، فلا يجوز تزويجهم من بناتنا، ولا يجوز ابتداؤهم بالسلام، ولا يجوز تهنئتهم بأعيادهم، فالعلاقة مع الكفار يحكمها نصوص الشرع وقواعده وضوابطه المحكمة، وليست المسألة مطلقة مرسلة على هوى المسلم ومزاجه.

وما سألتَ عنه لا شك في منعه أشد المنع وتحريمه أشد التحريم، والأول منه أعظم إثمًا وحرمة من الآخر.

فتوصيل زميلك إلى الكنيسة حرام مغلَّظ؛ لما في الكنائس من كفر بالله تعالى وعبادة للأصنام، وإذا كان توصيل أحدٍ إلى مكان فيه زنا وشرب خمر ورقص لا يحل ولو بأجرة فإن التوصيل المجاني إلى كنيسة أشد حرمة؛ لما فيها من كفر بالله وإشراك به عز وجل.

وإعانة زميلك الكافر على إصلاح علاقة محرمة مع صديقته: من المحرمات كذلك؛ لأن في فعلك إقرارا على تلك العلاقة المحرمة بينهما، بل أنت تساهم برأيك في تقويتها وتنميتها، وهذا لا يحل لك فعله، ولا فرق في ذلك بين كون زميلك مسلما أو كافرا؛ إذ كل ذلك داخل تحت التعاون على الإثم، وهو محرَّم بنص القرآن، قال تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 .

وقد يكون التلطف في الاعتذار له في كلا المسألتين، وبيان الحكم الشرعي لهما طريقا لهدايته وإيقافه على حقيقة ما يفعل من كفر وفسق، وهذا – لا شك – خير من تغطية الحقيقة عليه، وتعميته عن إبصار الحق والحقيقة، فاجعل من عدم تعاونك معه في كلا المسألتين طريقا للوصول إلى قلبه وعقله، ولعلَّه أن يهتدي بسبب ذلك، واعلم أنه – غالبا – سيحترمك إن رفضتَ فعل شيء يخالف دينك، فاجهر بالحق ولا تخف من عاقبته، بل اطمئن إلى أن ذلك هو الحق وأنه سينفعه بإذن الله، ونسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، ونسأله تعالى أن يكتب له الهداية ويكون أجر ذلك في ميزان أعمالك.

 

والله أعلم.

هل يجوز له أن يتمنى أن لا يزوجه الله في الجنة بالحور العين وأن يدعو بذلك؟

هل يجوز له أن يتمنى أن لا يزوجه الله في الجنة بالحور العين وأن يدعو بذلك؟

السؤال:

أعلم أن المسلم سيرزق في الجنة بالحور العين إن شاء الله تعالى، ولكني لا أريد حوريات في الجنة!! أريد أن أكون وحدي أنا وزوجتي، أنا لم أتزوج بعد ولكن أريد هذه الأمنية من الله عز وجل أن أظل أنا وزوجتي بمفردنا في الجنة, وبصراحة أدعو به الله عز وجل، فهل هذا ممكن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نرى أن ما تريد الدعاء به لا يجوز وأنه داخل في الاعتداء في الدعاء، وأسباب المنع منه كثيرة، منها:

  1. أن فيه ردّاً لفضل الله تعالى وكرمه على عبيده الذي أكرمهم الله بالجنة، فالله تعالى قد تفضَّل وأكرم من أدخله الجنة بمزيد من الثواب والنعيم، وحقيقة دعائك هو رد هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها من أكرمه بالجنة، ورغَّبهم فيها كثيرًا، كمل قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ. كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) الدخان/ 51 – 54 ، وقوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) الطور/ 19 ، 20، وقوله (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ) النساء/ 57، والله عز وجل هو خالق الناس وخالق الجنة وخالق الحور العين، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح لخلقه وما يَسعدون به، فلا ينبغي للمسلم ردَّ هذه النعمة وهذا الفضل من ربِّه عز وجل ابتداء.
  2. وكما أن في الدعاء بعدم التزوج بالحور العين ردّاً لفضل الله ونعمته ففيه – أيضًا – اعتراض على حكم الله تعالى وقضائه، وهذا أمرٌ جلل خطير نربأ بالمسلم العاقل أن يقع فيه؛ لأنه يصبح الأمر – على حسب رغبته تلك – أنه لا حكمة لحكم الله تعالى في أن الشهيد يزوَّج باثنتين وسبعين من الحور العين، ولا حكمة من حُكم الله تعالى بأن لكل مسلم في الجنة زوجتين من الحور العين، وقد قضى الله تعالى وحكم أن هذه النعمة وهذا الفضل هو مما يجازي به عباده العاملين في الدنيا، قال تعالى ( وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الواقعة/ 22 – 24، وسبق ذِكر آيات أخرى فيما سبق.
  3. أن دعاءك بعدم التزويج بالحور بالعين يدل على عدم علمك بحقيقة النعمة التي أنعم الله بها على من كتب له الجنة، فصفات الحور العين مما أخبرنا الله تعالى بها يجعل المسلم في شوق لأن يحوز هذه النعمة وذلك الفضل، ومن حصر تلك النعمة بمجرد الجماع فقد أخطأ في فهمه لحقيقة تلك النعمة ولم يقدِّرها حق قدرها، فقد جاء – مثلًا – أن الحور العين يغنين لأزواجهن في الجنة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إِنَّ أَزْوَاجَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ سَمِعَهَا أَحَدٌ قَطُّ، إِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ: نَحْنُ الْخَيِّرَاتُ الْحِسَانُ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ ) رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 5 / 149 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3 / 269 )، ومن ذلك: حسن تبعلها وحسن منطقها مع زوجها بما يدخل غاية السرور إلى قلبه، وهو معنى ” العُرب “.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -: ” ( عُرُبًا أَتْرَابًا ) ملازم لهن في كل حال، والعروب: هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها وجمالها ومحبتها، فهي التي إن تكلمت سبت العقول وود السامع أن كلامها لا ينقضي، خصوصًا عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة، وإن نظر إلى أدبها وسمتها ودلها: ملأت قلب بعلها فرحًا وسرورًا، وإن برزت من محل إلى آخر: امتلأ ذلك الموضع منها ريحًا طيبًا ونورًا، ويدخل في ذلك الغنجة عند الجماع.

والأتراب اللاتي على سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب، متفقات مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يَحزن ولا يُحزن، بل هن أفراح النفوس ، وقرة العيون ، وجلاء الأبصار “. انتهى من ” تفسير السعدي ” ( ص  833 ).

  1. ومن أسباب رغبتك بذلك الدعاء قياس حال الجنة على حال الدنيا، وقياس الزوجات من الحور العين على نساء الدنيا، وهذا بعيد عن الحقيقة الشرعية، فأنت تظن أنه سيكون ثمة انصراف منك عن زوجتك التي في الدنيا، وستكون ثمة غيرة منها تجاه الحور العين، وكل ذلك غير كائن، فالنفوس في الجنة مطهرة وينزع الله منها الشحناء الغيرة والتأذي، قال تعالى ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ. لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحِجر/ 45 – 48.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

” ( وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد متصافية متحابة “. انتهى من ” تفسير السعدي ” ( ص 431 ).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما منزلة المرأة في الجنة مع وجود الحور العين؟ وماذا بالنسبة لزوجها؟ وهل المرأة تصبح زوجة للشهداء؟.

فأجاب:

” لا شك أن الزوجات يكنَّ مع أزواجهن في الآخرة، يقول الله عز وجل في دعاء الملائكة للمؤمنين ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )، وقال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ )، ولا شك أن الزوجة مع زوجها في الجنة لها مقام عظيم عالٍ، حتى إن بعض العلماء قال في دعاء الميت ” وأبدلها زوجًا خيرًا من زوجها ” أن المعنى: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها أي: اجعل زوجها لها في الجنَّة خيرًا مما هو عليه في الحياة الدنيا، ثم إن قول الله تعالى ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) شامل لكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فليس فيها كدر ولا نصب، ولا هم ولا غم، فلتبشر النساء بالخير، ولتعلم أن الجنَّة ليس فيها ما في الدنيا من الغيرة والتأذي. ” فتاوى نور على الدرب ” ( 316 ).

  1. ومن أسباب رغبتك بذلك الدعاء المبالغة في الحب لزوجتك في الدنيا، ولا مانع أن يكون المسلم محبًّا لزوجته بل هو أمر محبوب للشرع، وهو يؤدي إلى عشرة حسنة، لكن لا نريد لهذا الحب أن يؤدي إلى الاعتراض على حكم الله وإلى رد فضل الله وكرمه، وما وُعد به أهل الجنة من الحور العين إنما لإكرام المسلم بزيادة فضل من ربه تعالى وهو غير مؤثر على اجتماعه بزوجته في الجنة؛ لأن النفوس هناك لن تكون كما هي في الدنيا.

وهذه المبالغة في تعلق الأزواج بزوجاتهم سرعان ما يصطدمون بعدها بالحقائق، ويظن أولئك أن التزوج بأكثر من زوجة لا داعي لها في حياته، فكثير ممن تعلق بزوجته كثيرًا واعتقد أنه لن يتزوج بغيرها سرعان ما تبين له خطؤه، وأنه بحاجة لزوجة ثانية تكمل نقص الأولى أو تزيد في سعادته، وبعضهم من شدة تعلقه بزوجته رضي بشرط عدم التزوج عليها وكان اعتقد أنه لن يفعل، ثم تبين له خطؤه ولم يجد مجالاً للتزوج بأخرى إلا بإسقاط الزوجة الأولى شرطها أو بتطليقها، وقل مثل ذلك فيمن رضي بمؤخر صداق مبالغ فيه، ثم استعد لدفع أضعافه للتخلص من زوجته تلك، ولسنا نقول إلا الواقع، وإذا كان هذا هو حال الأزواج مع زوجاتهم في الدنيا فكيف أن يتعدى الأمر إلى الآخرة؟! لذا فلسنا نشك أن هذه الأمنية عندك ستتحطم أمام واقع حال النساء وحال الدنيا وما فيها من كدر وتعب، وأنك ستتندم على تلك الأمنية وذلك الدعاء إن حصل منك.

ولذا لا نشك أن دعاءك بأن لا يزوجك الله في الجنة من الحور العين اعتداء في الدعاء لا يجوز لك فعله، وقد ذكرنا لك ما سيصرفك عنه إن شاء الله.

وندعو الأخ السائل أن يتفكر فيما يصلح حاله وفيما يقربه من ربه تعالى، وليسع لنيل رضا ربِّه تعالى عنه، كما ندعوه لأن يُشغل نفسه وزوجته – وعسى أن يكون زواجه قريبًا – بالقيام بما أوجبه الله تعالى عليهما، والسعي نحو إقامة أسرة مستقيمة على أمر الله تعالى، والتفكر بتربية أولادهم، فهذا – والله – خير له ولها، ونسأل الله أن يوفق الأخ السائل لما يحب ربه ويرضاه منه، وأن يشرح صدره للحق لقبوله وللعمل به.

 

والله أعلم.

هل يجوز استئجار محل مع بضاعته المستهلكة؟ وكيف تؤدَّى زكاته؟

هل يجوز استئجار محل مع بضاعته المستهلكة؟ وكيف تؤدَّى زكاته؟

السؤال:

أنا صاحب صيدلية، وسؤالي بخصوص كيفية إخراج زكاة المال في الحالة التي سأعرضها على حضرتكم وهي:

لقد قمت منذ عامين باستئجار صيدلية من مالكها الأساسي وليس استئجارًا للمكان فقط ولكن بكل ما فيها من أصول وكذلك أدوية! حيث تم الاتفاق بيننا على جرد الصيدلية وقت تسليمها إليَّ وعند انتهاء مدة الإيجار يتم الجرد مرة أخرى ويكون الفرق بين الجردين لحسابي سواء بالنقص أو بالزيادة أي: أنه يتسلم ما استلمتُه أنا في بداية الإيجار، أي: أني لم أضع أي رأس مال في الصيدلية مِن مالي الشخصي إلا مبلغًا يسيرًا لا يتعدى ( 4000 جنيهًا )، وفي كل شهر كنت أصفي أرباح الصيدلية بعد المصاريف، وفي نصف العام الأول أدخلتُ مبلغًا من الأرباح في استثمار آخر، وبدأت أستفيد من أرباحه بعد شهرين، وكانت الأرباح تدخل في الصيدلية، وفي نهاية العام أخرجت الزكاة على المبلغ المتبقي معي بالإجمال.

فأريد أن أعرف هل إخراجي للزكاة بهذه الطريقة صحيح؟ وفي العام التالي ماذا يكون الوضع مع العلم أني قمت بجرد للصيدلية فوجدت بها زيادة عن المبلغ الذي استلمت به الصيدلية؟.

لذا أرجو من حضراتكم مشكورين التفضل بإرشادي للصواب في كيفيه إخراجي للزكاة في هذه الحالة ولكي أقوم بالتصحيح إذا كنت مخطأ في العام الماضي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الإجابة على مسألة الزكاة لا بدَّ من تنبيهك على خطأ ما فعلتَه أولًا، وهو الاتفاق مع صاحب الصيدلية باستئجار صيدليته بأدويتها، ولا يصحح العقد أنك ستجرد الصيدلية بعد انتهاء عقد الإيجار فتعطيه ما يزيد وتأخذ منه ما نقص؛ وذلك لاتفاق الفقهاء على عدم دخول السلع المستهلكة في الإيجار، وإنما الإيجار للمنافع.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 259 ):

– ويشترط لانعقاد الإجارة على المنفعة شروط هي:

أولًا: أن تقع الإجارة عليها لا على استهلاك العين. انتهى.

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة سؤالًا مطابقًا لحالتك وأفتوا بتحريمها، وقد كان السؤال:

أعرض على أصحاب الفضيلة هذه المسائل آملًا الإجابة عنها وفقكم الله، آمين:

عندي محل تجاري، يعمل به بائع، رأس مال المحل: مائة ألف ريال سعودي، وإيجاره خمسة عشر ألف ريال، ثم تم الاتفاق بيني وبين العامل على أن يدفع لي شهريّاً خمسة آلاف ريال، ويدفع إيجار المحل، علمًا أن الدخل الشهري بمعدل عشرين ألف ريال، والأرباح في حدود 40% ، أي 8000 ريال شهريّاً تقريباً، قد تزيد وقد تنقص، وحفاظًا على حقي جردت عليه المحل، وبعد سنتين أستلم محلي رأس ماله 100000 ريال، إذا زادت أدفع له الزيادة، وإن نقصت أطالبه بالنقص، وكل منا رضي بذلك، فما الحكم؟.

فأجابوا:

هذا العقد لا يجوز؛ لأنه عقد إجارة تضمن تأجير أعيان مستهلكة، والأعيان المستهلكة لا يجوز تأجيرها، إضافة إلى ما يؤدي إليه من الغرر والجهالة؛ ولأنه في حكم القرض المشروط فيه المنفعة، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ممنوع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 86 ، 87 ).

ولتصحيح العقد: كان يلزمك – في الأصل – إرجاع الأدوية وفسخ عقد استئجارها، ولكن لما طالت مدة العقد وقد مرَّ على الأمر أكثر من سنَة فإنه يتعذر هذا الحل لأنه قد بيع جزء كبير منها أو قد بيعت كلها، فيلزمك جعل ثمن الأدوية وقت جردها أول مرة ديْنًا في ذمتك، تؤديه حسب استطاعتك وبرضا صاحب الصيدلية، ولا تنتظر حتى ينتهي عقد الإيجار؛ لما سبق من بطلان الفعل، وعدم نفاذ عقد استئجار تلك الأدوية.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص زكاة مالك: فإن المبلغ الذي كان معك في أول الأمر تجب فيه الزكاة – ونصاب الزكاة ثَمن ( 595 غرامًا ) من الفضة -، ثم جاءتك أرباح من ذلك المال سواء من المشروع الذي دخلتَ فيه خارج الصيدلية أو من مشروع الصيدلية نفسها، فصارت الزكاة واجبة عليك في المال كله؛ لأن الأرباح كلها مستفادة من المال الزكوي الأول، فتجب الزكاة على المال كله، وهو معنى قول الفقهاء: ” حَوْل الربح حوْل أصله “.

 

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 243 ):

المال المستفاد أثناء الحول:

إن لم يكن عند المكلف مال فاستفاد مالًا زكويًّا لم يبلغ نصابًا: فلا زكاة فيه ولا ينعقد حوله، فإن تم عنده نصاب: انعقد الحول من يوم تمَّ النصاب، وتجب عليه زكاته إن بقي إلى تمام الحول.

وإن كان عنده نصاب، وقبل أن يحول عليه الحول استفاد مالاً من جنس ذلك النصاب أو مما يضم إليه، فله ثلاثة أقسام:

الأول: أن تكون الزيادة من نماء المال الأول. كربح التجارة، ونتاج السائمة : فهذا يزكى مع الأصل عند تمام الحول. قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا، لأنه تبع للنصاب من جنسه، فأشبه النماء المتصل. انتهى.

فالواجب عليك عندما يحين وقت زكاة مالك أن تجرد البضاعة المعروضة للبيع في الصيدلية – لأنها صارت الآن ملكاً لك كما بينَّا لك ذلك سابقًا – وتضيف إليها ما تملكه من مال نقدي، وتضيف إلى ذلك الديون التي لك على الناس، ثم تخرج زكاة الجميع بنسبة ( 2.5 % ).

 

ثالثًا:

وننبه إلى أن ثمن البضاعة التي أوجبنا عليك أداء ثمنها لصاحبها قد صارت في ملكك الآن، وعليك أن تؤدي زكاتها ولو كان ثمنها دينًا عليك؛ إذ الراجح من أقوال العلماء أن الدَّين الذي على المسلم لا يمنع من إيجاب الزكاة على ما في يده من أموال بلغت النصاب، ويتحتَّم هذا القول في حال أن يكون هذا الدَّين بضاعة تجارية.

والزكاة الواجبة عليك هي في البضاعة المعروضة للبيع لا في الأشياء الثابتة كالمكتب والخزائن والآلات والمعدات التي تفحص بها الدواء أو تخلطه بها.

وننبه – أيضًا – إلى أنه إن لم يتوفر في يدك مال نقدي تؤدي بها زكاة بضاعة الصيدلية: فيجوز لك إخراج زكاة تلك الأدوية من البضاعة نفسها، فتعطي فقراء ومساكين أدوية وتخصم أثمانها من زكاة بضاعتك.

 

 

والله أعلم.

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من التصوف والصوفية وموقفه من ” الفناء “

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من التصوف والصوفية وموقفه من ” الفناء ”

السؤال:

ذكر ابن تيمية في فتاواه في الكتاب الثاني من المجلد الثاني صفحة رقم (396،397 ) في نسخة دار الرحمات – المطبوعة في القاهرة – أنه يقبل التصوف، بل ذكر رحمه الله كلامًا تكلم فيه عن موضوع ” الفناء “، وهو مصطلح صوفي معروف، فقال فيما يُفهم من كلامه إن هذه الحالة هي حالة المحبين من أولياء الله الصالحين الذين بلغ بهم الحب في محبوبهم إلى درجة الفناء فيه، بل قد يصل الحد بأحدهم إلى أن يقول ” أنا الحق “! أو ” سبحاني “! أو ” ما في الجُبّة إلا الله “! … الخ، ثم قال في آخر كلامه: إن من يصدر منه مثل هذه الأقوال فإنه غير آثم، بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمرًا محرَّمًا … ثم نرى أنه ( ابن تيمية ) يحكم على الحلّاج بأنه كان كافرًا!، فما القول الصحيح؟ وكيف يُفهم كلام ابن تيمية رحمه الله ؟ أرجو التوضيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الصوفية – عند المحققين – ليسوا شيئًا واحدًا ولا هم طائفة تجتمع على اعتقاد ومنهج واحد حتى يكون الحكم عليها حكمًا واحدًا، ومن هؤلاء المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد فرَّق بين تصوف وآخر، وفرَّق بين متقدمي المتصوفة وبين متأخريهم، فأثنى على التصوف الخالي من الضلال والابتداع، وأثنى على المتقدمين من المتصوفة والمحسوبين عليهم دون المستأخرين منهم من أهل الضلال الزندقة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان أقسام الصوفية -:

ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت ” الصوفية والتصوف ” وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنَّة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.

وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء.

وكلا طرفي هذه الأمور ذميم.

والصواب: أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين مَن قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه,  وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج – مثلًا -؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق، مثل : الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في ” طبقات الصوفية “، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في ” تاريخ بغداد “، فهذا أصل التصوف.

ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ” ثلاثة أصناف “:

  1. صوفية الحقائق.
  2. وصوفية الأرزاق.
  3. وصوفية الرسم.

فأما ” صوفية الحقائق “: فهم الذين وصفناهم.

وأما ” صوفية الأرزاق “: فهم الذين وقفت عليهم الوقوف، كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق؛ فإن هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط: أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم، والثاني: التأدب بآداب أهل الطريق، وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات, وأما الآداب البدعية الوضعية: فلا يلتفت إليها، والثالث: أن لا يكون أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جمَّاعًا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقًا: فإنه لا يستحق ذلك.

وأما ” صوفية الرسم “: فهم المقتصرون على النسبة، فهمُّهم في اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم.” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 17 – 20 ).

* وأما تفريق شيخ الإسلام ابن تيمية بين المتقدمين والمستأخرين من الضالين: فننقل منه:

1.*  قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين: فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنَّة وإِجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم.” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 516 ، 517 ).

  1. * وقال – رحمه الله -:

وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء، مثل: الجنيد بن محمد وأتباعه، ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله: فهؤلاء من أعظم الناس لزومًا للأمر والنهي وتوصية باتباع ذلك, وتحذيرًا من المشي مع القدر كما مشى أصاحبهم أولئك، وهذا هو الفرق الثاني الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه, والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، ولا يُثبت طريقًا تخالف ذلك أصلاً, لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين، ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر والنهي. ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 369 ).

وهذا التفريق في منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقسيم الصوفية وتقسيم التصوف يتبين به أنه لا تناقض في كلامه كما فهمه بعض الكتَّاب والمؤلفين، وأما العلماء المحققون فهم يعرفون هذا من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية.

* قال اللجنة الدائمة:

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الصوفية، وأن منهم أناسًا معتدلين، يعني: القُدامى منهم، وأما المتأخرون: فيغلب عليهم الانحراف والضلال، وعلى كل حال: فالتصوف مبتدع في الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ).

والواجب على المسلم التمسك بالكتاب والسنَّة والسير على منهج السلف في الاعتقاد والعمل.

وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 94 ، 95 ).

– وانظر كتاب ” موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية ” للدكتور أحمد بناني (ص 97 – 101 ).

ثانيًا:

وبمثل ما قلنا في تقسيم التصوف والصوفية عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نقول ذلك في مسألة ” الفناء “؛ فإنها ليست شيئًا واحدًا، بل هي أنواع، وقد ذكرها ابن تيمية رحمه الله وفصَّل فيها القول، وبيَّن حقيقة وحكم كل واحد من الأنواع بما تستحقه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والمعنى الذي يسمُّونه ” الفناء ” ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السِّوَى، وفناء عن شهود السوَى، وفناء عن وجود السوَى.

فالأول: أن يَفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو تحقيق ” لا إله إلا الله “؛ فإنه يَفنى مِن قلبه كلُّ تأله لغير الله ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد: كان أفضل عند الله.

والثاني: أن يَفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال ” الاصطلام ” و ” الفناء ” و ” الجمع “، ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه المعبود لا إله إلا هو الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقًا وأمرًا: كان أتم معرفة وشهودًا وإيمانًا وتحقيقًا من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا: كان معذورًا للعجز لا محمودًا على النقص والجهل.

والثالث: الفناء عن وجود السوَى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب ” الفصوص ” – ( وهو ابن عربي ) – وأتباعه الذين يقولون: وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثَمَّ غير ولا سوى في نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفرًا من قول اليهود والنصارى وعبَّاد الأصنام.” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 369 ، 370 ).

وبذلك التقسيم يتبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يتوقف في تكفير من يأتي بعبارات إلحادية في ظاهرها، لكنه لا يفعل ذلك في حق المعذور بزوال العقل، فزائل العقل غير مكلَّف فلا يؤاخذ بأقواله لأنه غير متسبب بذلك الزوال لعقله، وأما من قال تلك الأقوال ومعه عقله: فلا شك في كفره.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولكن في حال السُّكر والمحو والإصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التمييز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يُحكى عن أبي يزيد أنه قال ” سبحاني “، أو ” ما في الجبَّة إلا الله “، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه: لكان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة .” مدارج السالكين ” ( 1 / 155 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في ردِّه على البوطي -:

وأما ما ذكرتم عن الفناء بشهود المكوِّن عن الأكوان, وما نقلتموه عن شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك من ذم هذه الحال لكنها لا تصل إلى الكفر البواح: فقد فهمته, ولكن ما ذكرتْه الرقابة في ذلك من أنه كفرٌ بواح: وجيهٌ وصحيحٌ إذا كان الفاني معه عقله ونطق بمثل ما نقل عن أبي يزيد البسطامي ” ما في الجبَّة إلا الله “، وكقول بعضهم ” أنا الحق “، أو ” سبحاني “, أما إذا كان الناطق لمثل هذا محكوماً عليه بزوال العقل كما أشار إليه أبو العباس – ( أي: ابن تيمية ) – بما نقلتم عنه: فإن عذره وجيه؛ لرفع القلم عن من زال عقله. وقد ذكر هذا المعنى العلامة ابن القيم رحمه الله في المجلد الأول من ” مدارج السالكين ” من ( ص 155 إلى 158 ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (4 / 357 ).

وهذا الذي فهمه أولئك العلماء المحققين عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد صرَّح هو به نفسه في مواضع، ومنها:

* قال – رحمه الله -:

والذين يذكرون عن أبي يزيد وغيره كلمات من الاتحاد الخاص ونفي الفرق ويعذرونه في ذلك يقولون: إنه غاب عقله حتى قال ” أنا الحق ” و ” سبحاني ” و ” ما في الجبة إلا الله “، ويقولون: إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفا: يغيب بمحبوبه عن حبِّه، وبموجوده عن وَجده، وبمذكوره عن ذِكره، حتى يفنى مَن لم يكُن (أي: المخلوق )، ويبقى من لم يزَل ( أي: الله تعالى )، ويحكون أن شخصًا ألقى بنفسه في الماء فألقى محبُّهُ نفسَه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنتَ؟ فقال: غبتُ بكَ عنِّي فظننتُ أنك أنِّي، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور: ليست علمًا ولا حقًّا، بل غايته أنه نَقْصُ عقلِه الذي يفرِّق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر لا أن يكون قوله تحقيقًا.

وطائفة من الصوفية المدَّعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقًا وتوحيدًا كما فعله صاحب ” منازل السائرين “، وابن العرِّيف، وغيرهما، كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقًا وتوحيدًا، كابن عربي الطائي . ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 313 ).

 

والله أعلم.

مجموعة من النساء يحفظن القرآن في مبنى فوق المسجد فهل يصلين جماعة خلف الإمام؟

مجموعة من النساء يحفظن القرآن في مبنى فوق المسجد فهل يصلين جماعة خلف الإمام؟

السؤال: 

نحن في مكتب تحفيظ السيدات، وهذا المكتب فوق المسجد، غرفتان على مدخل المسجد، هل يجوز الصلاة خلف الإمام لأنهم يقولون لا يجوز لأن هذا المكان ليس فوق المسجد تماما؟ وهل يجوز أن تصلِّي النساء مع بعضهن في هذا المكان وفي وجود جماعة الرجال بالأسفل؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأرض التي توقف لبناء مسجد عليها فيُبنى المسجد بالفعل فإن سقفه وما علاه يكون تابعاً للمسجد ويأخذ حكمه، وفي حال أن تكون الأرض ملكاً لشخص قد بَنى عليها بيتاً له فأحبَّ أن يجعل مسجدًا في أسفله: فلا يكون لسكنه حكم المسجد، ومثله ما لو نوى ابتداء بناء مسجد أسفل سكنه أو عمارته التجارية.

*قال علماء اللجنة الدائمة:

” إذا أنشئ بناء مسجد مستقلًا: كان سقفه وما علاه تابعًا له جاريًا عليه حكمه، فلا يجوز بناء سكن عليه لأحد، أما إذا كان المسجد طارئًا على المسكن مثل ما لو أصلحت الطبقة السفلى من منزل ذي طبقات وعدلت لتكون مسجدًا: جاز إبقاء ما عليه من الطبقات مساكن لسبق تملكها على جعل الطبقة السفلى مسجداً، فلم يكن ما فوقه تابعًا له ” .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 244 ).

وقالوا – أيضًا -: ” إذا كان الواقع ما ذُكر من امتلاك المتبرع للأرض المذكورة وهي ليست في الأصل موقوفة على مسجد: فلا مانع من إقامة المسجد على الدور الأول، وجعل الدور الأرضي محلات تجارية يعود ريعها للمتبرع، وجعل الدور الثاني سكنا للإمام والمؤذن؛ لأن نية المتبرع بناء المسجد على هذه الصورة المذكورة، ولما في ذلك من المصلحة في إقامة المسجد بهذه المنطقة المكتظة بالسكان، التي لا يوجد بها مساجد “. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 218 ).

فإذا تبيَّن أن مكتب تحفيظ القرآن ذاك تابع للمسجد ومبني في أرضه الوقفية: فليس شرطًا حتى يكون له حكمه أن يكون فوق المسجد، بل يمكن أن يكون خلفه أو عن يمينه أو عن شماله.

فإذا لم يكن الأمر كذلك وكان المسجد قد اتُّخذ للصلاة بعد بناء المكتب – وقد يكون فوق المكتب شقق أو مكاتب – أو كان في نية واقف المسجد أن يتخذ مكاتب وشقق فوقه: فلا يكون ما فوق المسجد تابعاً له ولا له حكم المسجد، فلا تصلِّين فيه مؤتمَّات بإمامه، ولكم أن تصلوا جماعة حتى أثناء انعقاد جماعة الرجال إذا لم يكن ذلك يشوش عليكم.

 

ثانيًا:

وإذا كان أمر المكتب ذاك أنه تابع للمسجد وأنه ليس فوقه مكاتب وشقق وأنه اتخذ ليكون مصلى للنساء ومركزًا لتحفيظ القرآن: فإن لكنَّ أن تصلين فيه مع إمام المسجد، ولا يضر كون المكان ليس فوق بناء المسجد أصلاً، كما لا يضر عدم رؤيتكن للإمام أو للمأمومين، ويكفي وصول صوت الإمام لكنَّ لتقتدين به في صلاتكن.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” يجوز أن يكون المأموم مساوياً للإمام، وأعلى منه كالذي على سطح المسجد أو على دكة عالية أو رف فيه، روي عن أبي هريرة أنه صلَّى بصلاة الإمام على سطح المسجد، وفعله سالم، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي.

” انتهى من ” المغني ” ( 2 / 39 ).

ثالثًا:

وعلى اعتبار أن هذا المكتب مصلَّى للنساء تابع للمسجد: فإن الأفضل أن تكون صلاتكن تبعًا للإمام حتى تحصلنَ أجر جماعة المسجد، وحتى لا تشوش عليكن قراءة الإمام.

وإذا أردتنَّ الصلاة فرادى أو جماعة دون أن تلتزمنَ بجماعة المسجد من الرجال فلكنَّ ذلك بشرط عدم تشويش أحد الطرفين على الآخر؛ لأن صلاة الجماعة ليست واجبة على المرأة.

عَنْ أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَالتْ: شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال ( طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ ) فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ حِينَئِذٍ يُصَلي إِلى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ ( وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) . رواه البخاري ( 452 ) ومسلم ( 1276 ).

عَنْ أُمِّ سَلمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ رَضِي الله عَنْهَا صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الخُرُوجَ وَلمْ تَكُنْ أُمُّ سَلمَةَ طَافَتْ بِالبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ فَقَال لهَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ( إِذَا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلونَ فَفَعَلتْ ذَلكَ فَلمْ تُصَل حَتَّى خَرَجَتْ ). رواه البخاري ( 1546 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

بعد أن ردَّ على من قال إن الصلاة كانت نافلة -: ” وهو رد للحديث الصحيح بغير حجة بل يستفاد من هذا الحديث جواز ما منعه ….

ويستنبط منه: أن الجماعة في الفريضة ليست فرضاً على الأعيان إلا أن يقال كانت أم سلمة حينئذ شاكية فهي معذورة، أو الوجوب يختص بالرجال “. انتهى من ” فتح الباري ” ( 2 / 254 ).

والاحتمال الأول بعيد لأن الطواف مشقته أعظم، وتستطيع رضي الله عنها أن تصلي جالسة بسبب مرضها، وأما الاحتمال الثاني فهو الأصح.

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” في هذا دليل على أن صلاة الجماعة ليست واجبة على النساء؛ لأنها لو وجبت لأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تصلِّي ثم تطوف، وهو كذلك، فصلاة الجماعة غير واجبة على النساء في المساجد “. انتهى من ” شرح كتاب الحج من صحيح البخاري ” الشريط الثامن.

 

والخلاصة:

  1. إذا كان المكتب تابعاً للمسجد : فليكن الائتمام بإمام المسجد، ولتكن الصلاة فرادى وجماعة وحدكن دون متابعة الإمام، والأفضل الائتمام به.
  2. إذا كان المكتب غير تابع للمسجد: فليس لكن متابعة الإمام؛ لأنه ليس مسجدًا ولا في حكم المسجد، ولم تكن أمهات المؤمنين يصلين في غرفهن مؤتمات بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا مَن بعده، فلتكن الصلاة فرادى وجماعة وحدكن، وصلاتكن جماعة أفضل.

 

والله أعلم.