الرئيسية بلوق الصفحة 189

هل المنتحر مسيَّر أم مخيَّر؟

السؤال:

كيف نرد على الذين يقولون بأن قتل النفس ” الانتحار ” قد كتب في القدر قبل أن يخلق الإنسان، فإذا ما فعل إنسان ذلك فلا نستطيع الجزم بدخوله النار، فهو مسيَّر لا مخيَّر؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

في باب ” القدَر ” ضلَّت طائفتان، الأولى هي ” القدرية “، وهم القائلون بأن العبد يتصرف بمحض مشيئته وإرادته واختياره منقطعًا عن مشيئة الله، والأخرى هي ” الجبرية ” وهم الذين قالوا إن العبد مسيَّر لا إرادة له ولا اختيار ولا مشيئة، وهو مثل الريشة في مهب الريح.

والصحيح: أنه لا يقال إن الإنسان مخيَّر ولا يقال إنه مسيَّر، بل يقال إن العبد له مشيئة واختيار وهو مسيَّر لما خلق له.

والانتحار من كبائر الذنوب، وقد أمر الله تعالى الإنسان بحفظ نفسه، وعدم إلقائها في التهلكة، وهو الذي يحرص الناس عليه في حياتهم، فلا يأكلون السمَّ في طعامهم، ولا يسيرون عكس الاتجاه في طرق السيارات، ولا يجزون رقاب أبنائهم.

والمنتحر قد فعل فعلًا من تلقاء نفسه وبإرادت، لذا كان آثمًا، وكوْن الله تعالى قد قدَّر ذلك أزلًا لا يعني أنه أُجبر عليه، فهو– أصلًا– لا يدري ماذا قدَّر الله تعالى عليه، وهو قد أُمر بحفظ نفسه ونهي عن قتلها وإلقائها في التهلكة.

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-:

هل الإنسان مسيَّر أو مخير؟.

فأجاب:

الإنسان مسيَّر وميسَّر ومخيّر، فهو مسيَّر وميسّر بحسب ما مضى من قدر الله؛ فإن الله قدر الأقدار وقضى ما يكون في العالم قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، قدر كل شيء سبحانه وتعالى، وسبق علمه بكل شيء، كما قال عز وجل: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر / 49 ]، وقال سبحانه: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } [ الحديد / 22 ]، وقال عز وجل في كتابه العظيم: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } [ التغابن / 11 ]، فالأمور كلها قد سبق بها علم الله وقضاؤه سبحانه وتعالى، وكل مسيَّر وميسَّر لما خلق له، كما قال سبحانه: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [ يونس / 22 ]، وقال سبحانه: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } [ الليل / 5 – 10 ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء ” أخرجه مسلم في صحيحه.

ومن أصول الإيمان الستة: الإيمان بالقدر خيره وشره، فالإنسان ميسَّر ومسيّر من هذه الحيثية لما خلق له على ما مضى من قدر الله، لا يخرج عن قدر الله، كما قال سبحانه: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [ يونس / 22 ] ، وهو مخيَّر أيضا من جهة ما أعطاه الله من العقل والإرادة والمشيئة، فكل إنسان له عقل إلا أن يُسلب كالمجانين، ولكن الأصل هو العقل، فمن كان عنده العقل فهو مخير يستطيع أن يعمل الخير والشر، قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28 ، 29 ] ، وقال جل وعلا: { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ } [ الأنفال / 67 ]، فللعباد إرادة، ولهم مشيئة، وهم فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ المائدة / 8 ]، وقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ النور / 30 ]، وقال تعالى: { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } [ النمل / 88 ]، فالعبد له فعل، وله صنع، وله عمل، والله سبحانه هو خالقه وخالق فعله وصنعه وعمله، وقال عز وجل: { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ المدثر / 55، 56 ]، وقال سبحانه: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28، 29 ]، فكل إنسان له مشيئة، وله إرادة، وله عمل، وله صنع، وله اختيار ولهذا كلف، فهو مأمور بطاعة الله ورسوله، وبترك ما نهى الله عنه ورسوله، مأمور بفعل الواجبات، وترك المحرمات، مأمور بأن يعدل مع إخوانه ولا يظلم، فهو مأمور بهذه الأشياء، وله قدرة، وله اختيار، وله إرادة فهو المصلي، وهو الصائم، وهو الزاني، وهو السارق، وهكذا في جميع الأفعال هو الآكل، وهو الشارب، فهو مسئول عن جميع هذه الأشياء لأن له اختيارًا وله مشيئة، فهو مخير من هذه الحيثية؛ لأن الله أعطاه عقلا وإرادة ومشيئة وفعلًا، فهو ميسر ومخير، مسير من جهة ما مضى من قدر الله، فعليه أن يراعي القدر فيقول: { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [ البقرة / 156 ]  إذا أصابه شيء مما يكره، ويقول: قدر الله وما شاء فعل، يتعزى بقدر الله، وعليه أن يجاهد نفسه ويحاسبها بأداء ما أوجب الله، وبترك ما حرم الله، بأداء الأمانة، وبأداء الحقوق، وبالنصح لكل مسلم، فهو ميسر من جهة قدر الله، ومخير من جهة ما أعطاه الله من العقل والمشيئة والإرادة والاختيار، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقال بعض الصحابة رضي الله عنه: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى }، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على ما ذكرنا، والله ولي التوفيق.” مجموع فتاوى ومقالات ” ( 8 / 94 – 98 ).

وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

هل الإنسان مخير أو مسير؟.

فأجاب بقوله:

على السائل أن يسأل نفسه: هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال؟ وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير، ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره؟ هل يصيبه المرض باختياره؟ هل يموت باختياره؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسيَّر أو مخيَّر، والجواب: أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب، واسمع إلى قول الله تعالى: { فمَنْ شَاءَ اتخذَ إِلى ربِّهِ مَآبًا }، وإلى قوله: { مِنْكُم مَن يُريدُ الدنْيا ومِنْكُم من يُريدُ الآخِرَة }، وإلى قوله: { وَمَن أرادَ الآخرةَ وسَعى لها سَعْيَها وهُوَ مُؤمن فأولئكَ كانَ سعيُهم مَشْكُورًا }، وإلى قوله: { فَفِدْية من صِيَامٍ أَوْ صَدَقةٍ أوْ نُسُك } حيث خيَّر الفادي فيما يفدي به.

ولكن العبد إذا أراد شيئًا وفعله: علِمنا أن الله تعالى قد أراده؛ لقوله تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُم أَنْ يَسْتَقيم. وَمَا تَشاءونَ إلاَّ أَنْ يَشاءَ الله ربُّ العَالَمينَ }، فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى.

وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره كالمرض والموت والحوادث فهي بمحض القدر وليس للعبد اختيار  فيها ولا إرادة، والله الموفق.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 195 ).

 

والله أعلم.

هل يهتم الإسلام بإدارة الوقت؟

السؤال:

السلام عليكم، أردت معرفة وجهة نظر الإسلام في إدارة الوقت، الأحاديث النبوية والآيات التي تذكر أن الإسلام اهتم بإدارة الوقت وكيف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نبّه القرآن الكريم على أهمية الوقت كثيرًا، ومن ذلك أن الله تعالى أقسم به في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، ومنه قوله عز وجل: { وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ }، وقوله: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى }، وقوله: { وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ. وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ }، وقوله: { وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ }، وقوله: { وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى }، وغيرها.

وحثًا للمسلم على اغتنام أوقات الفراغ، والاستفادة من جميع أوقات العمر، وعدم تضييعه، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، ومنه:

أ. عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه “. رواه الترمذي ( 2417 ).

ب. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغَنَاءَك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك “. رواه الحاكم ( 4 / 341 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3355 ).

وهو إشارة واضحة للمسلم في الحرص على استثمار الأوقات حال القدرة والاستطاعة من الشباب والصحة والغنى والفراغ، وذلك قبل أن تدهمه المعوقات من الهرم والسقم والفقر والانشغال.

قال ابن القيِّم:

وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته.

” الجواب الكافي ” ( ص 109 ).

وقد كان سلفنا الصالح حريصين كل الحرص على ألا يمر بأحدهم يوم أو بعض يوم أو برهة من الوقت وإن قصرتْ، دون التزود منها بعلم نافع أو عمل صالح، وكانوا يعيبون على الرجل الذي يكون يومه كأمسه، بل كانوا يحثون على الاستزادة من الأعمال الصالحة واللم النافع.

قال الحسن البصري: ” أدركت أقوامًا كان أحدهم أشحّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره “، قال موسى بن إسماعيل في الإمام المحدّث حمّاد بن سلمة البصري: ” لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدقتكم، كان مشغولًا بنفسه إما أن يحدّث وإما أن يصلّي، وإما أن يقرأ، وإما أن يسبِّح، كان قد قسّم النهار على هذه الأعمال “.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: ” لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا “.

وكانوا يكرهون الكسل والبطالة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” إني لأكره أن أرى أحدكم فارغًا مُتَهْلَلًا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة “.

وليحذر المسلم أعظم المثبطات عن المسارعة في الخيرات وهما العجز والكسل اللذان يثمران التأجيل والتسويف وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى منهما، فقد كان من دعائه: ” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ” – رواه البخاري ( 2668 ) ومسلم ( 2706 ).

والوقت نعمة عظيمة من نِعم الله عز وجل على عباده، إلا أن الناس فيها مغبونون كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ” نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ ” – رواه البخاري ( 6049 ) -، وفي الحديث بيان حال الناس أمام هاتين النعمتين وأن أكثرهم لا يقدرونهما حق قدرهما فتضيع أوقات الفراغ لدى هؤلاء دون استثمارها فيما ينفعهم في أي من أمور دينهم أو دنياهم، وهذا هو الخسران المبين.

وما أحسن ما قاله الحسن البصري رحمه الله في قوله: ” ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة “.

وقال بلال بن سعد: يقال لأحدنا: تريد أن تموت؟ فيقول: لا، فيقال له: لم؟ فيقول: حتى أتوب وأعمل صالحًا، فيقال له: اعمل، فيقول: سوف أعمل، فلا يحب أن يموت ولا يحب أن يعمل، فيؤخر عمل الله تعالى ولا يؤخر عمل الدنيا.

 

والله أعلم.

هل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به؟

السؤال:

السحر والعين ابتلاء من عند الله فهل يؤجر العبد إذا أصيب بأحد منهم؟ وهل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به أم أن هناك أمورًا وضحها الإسلام يجب أن تتبع حتى يحصل له الأجر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

المصائب التي يُؤجر عليها العبد المسلم هي التي يصبر عليها ويحتسب أجرها عند الله تبارك وتعالى.

ولا شك أن الإصابة بالعين والسحر من أعظم ما يصيب المسلم من مصائب، فإن أثرهما على عقل وقلب وجوارح المبتلى بهما عظيم.

والمصائب التي تصيب الإنسان في نفسه، أو في ماله، أو أسرته ليست شرًّا محضًا، يوجب الجزع، وإنما هي محك للإيمان، وابتلاء في الصبر، وحسن التحمل.

وقد بيَّن الله تعالى في كتابه ما يخفف البلاء على النفس، وما يحفِّز على الحصول على الأجر، وذلك بالصبر والاسترجاع، وهو وعد من الله سينجزه سبحانه، كما قال سبحانه: { وبشّر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [ البقرة / 155 – 157 ].

قال ابن القيم:

وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته:

– أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه: فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.

وأيضًا: فإنه محفوف بعدمين: عدمٍ قبله وعدمٍ بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير.

وأيضًا: فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه حتى يكون ملكه حقيقة، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يُبقي عليه وجوده، فليس له فيه تأثير، ولا ملك حقيقي.

وأيضًا: فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور والمنهي لا تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي.

– والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّله ونهايته: فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء. ” زاد المعاد ” ( 4 / 189 ).

 

وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصبر على الضراء والمصائب لا يكون إلا ممن حقق الإيمان.

عن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر، فكل قضاء الله للمسلم خير “. رواه مسلم ( 2999 ).

إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مرًا إلا أنَّـك تقدمه على مرارته لمن تحب- ولله المثل الأعلى- ففي الحديث الصحيح: “إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ” رواه الترمذي ( 2396 ) وابن ماجه ( 4031 )، وصححه الشيخ الألباني.

ولا ينبغي أن يكره العبد ما يقِّره الله له من البلاء، يقول الحسن البصري رحمه الله: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنِّقمات الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك.

 

والله أعلم.

ما هو حكم الإسبال؟ وما هو معنى الكعبين؟

السؤال:

قول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ” ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار “، فما المقصود بالكعبين؟

 

الجواب:

الحمد لله

الكعبان هما العظمتان الناتئتان عند ملتقى الساق والقدم، وفي كل قدم كعبان، ومن الخطأ الشائع عند العامة إطلاقه على ظهر القدم، والصواب أنه ” عقِب “.

– وأما الحديث: فرواه البخاري ( 5450 ) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -.

– وأما معنى الحديث:

قال الحافظ ابن حجر:

قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه.

ومعناه: أن الذي دون الكعبين مِن القدم يعذَّب عقوبة، وحاصله: أنه مِن تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون ” مِن ” بيانية، ويحتمل: أن تكون سببيَّة، ويكون المراد الشخص نفسه.

أو المعنى: ما أسفل من الكعبين مِن الذي يسامت الإزار في النار.

أو التقدير: لابس ما أسفل من الكعبين الخ، أو التقدير: إن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار.

أو: فيه تقديم وتأخير، أي: ما أسفل  من الإزار من الكعبين في النار.

” فتح الباري ” ( 10 / 257 ).

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

الإسبال حرام ومنكر سواء كان ذلك في القميص أو الإزار أو السراويل أو البشت، وهو ما تجاوز الكعبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” ما أيفل من الكعبين من الإزار فهو في النار ” رواه البخاري …. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 240 ).

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

إسبال الملابس للرجال محرَّم سواء كان للخيلاء أو لغير الخيلاء، ولكن إذا كان للخيلاء فإن عقوبته أشد وأعظم… ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 238 ).

 

والله أعلم.

مبتلى بعادة قرض أظفاره

السؤال:

أنا شخص أقرض أظافره دائمًا وحاولت كثيرًا أن أتوقف عن هذه العادة دون فائدة، سمعت أن قرض الأظافر مكروه جدًّا في الإسلام، ولكن لا أحد أعطاني سببًا لهذا، هل يمكن أن تساعدني؟

 

الجواب:

الحمد لله

يقول الأطباء إن ظاهرة قرض الأظفار عند الأطفال لها تعلق بمشاكل نفسيَّة، فإن كانت هذه الظاهرة عندك منذ صغرك: فإننا نقترح عليك سؤال طبيبٍ نفسي تثق بدينه وعلمه.

وأما من الناحية الشرعية: فليس على من قرض أظفاره إثم أو حرج، لكن هذا المكان هو محل الأوساخ والقذارات، فيخشى عليك من دخول شيء منها في جوفك، فيكون ذلك مسببًا لأمراض، وهو من هذه الناحية محرَّم وليس مكروهًا فقط.

 

والله أعلم.

ما معنى الرشوة؟ وهل يجوز دفعها لاسترداد الحق؟

سؤالي هو:

قدمت على البلديه لطلب أرض حيث أننى لا أملك أرضًا وانتظرت فترة طويلة، وكلما كلمت البلديه قالوا ” باقي، ما جالك شي انتظر “، وكنت أعرف واحدًا قال لي: ” عطنى ألفين ريال واطلِّع لك الأرض “، وقال لي: ” بعطى الفلوس لموظف قسم الأراضى وبعد ما تطلع الأرض تعطيه ثلاث آلاف “، وعطيته ألفين  وطلع الأرض.

ما هو رأي فضيلتكم فيما فعلت؟ وهل الأرض حلال أو حرام؟ أرجو الرد على سؤالي والاهتمام به؟

 

الجواب:

الحمد لله

يختلف الحكم باختلاف أمرِك، فإن كنتَ صاحب حقٍّ وتعطَّل خروج صك الأرض من قبَل موظفي البلديَّة: فإنه يجوز في هذه الحال دفع مالٍ لأخذ حقك، وتكون رشوة في حقهم دونك، وإن لم تكن صاحب حقٍّ أو كنتَ تريد أخذ ما ليس من حقك: فيحرم عليك الدفع ويحرم عليهم الأخذ.

فالرشوة كبيرة من كبائر الذنوب، وقد لعن النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الراشي، والمرتشي.

عن عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي.

رواه الترمذي ( 1337 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 3580 ) وابن ماجه ( 2313 ).

والرشوة هي: ما يُدفع لإحقاق باطل، أو إبطال حقٍّ، أما إذا كانت من أجل دفع باطل أو إحقاق حق: فلا تسمى رشوة من قَل الدافع، وتكون محرَّمة على الآخذ دون الدافع.

قال ابن الأثير:

فالراشي: مَن يُعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا، فأما ما يُعطى توصلًا إلى أخذِ حقٍّ أو دفع ظلمٍ: فغير داخل فيه، روي أن ابن مسعود أُخذ بأرض الحبشة في شيءٍ فأَعطى دينارين حتى خُلِّي سبيله، ورُوي عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.

” النهاية في غريب الحديث ” ( 2 / 226 ).

قال الشيخ محمد الصالح بن عثيمين – رحمه الله -:

يجب أن تعلم أن الرشوة المحرَّمة هي التي يتوصل بها الإنسان إلى باطل، كأن يرشي القاضي – مثلًا – ليحكم له بالباطل، أو يرشي الموظف ليسامحه على أمرٍ لا تسمح به الدولة، أو ما أشبه ذلك، هذا هو المحرَّم.

أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقِّه، كأن لا يمكنه الحصول على حقِّه إلا بشيءٍ من المال: فإن هذا حرام على الآخذ، وليس حرامًا على المُعطي؛ لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقِّه، لكن الآخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الآثم لأنه أخذ ما لا يستحق.

” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 302 ).

ولا يمتنع في الشرع كون الحرمة من جهة دون الأخرى المقابلة، فمن احتاج لضراب فحل عند غيره: فإنه يجب على صاحب الفحل بذل ذلك دون مقابل – لتحريم الشرع أخذ أجرة ضراب الفحل -، ومن احتاج كلب حراسة أو غنم فلم يجده إلا عند من يطلب له ثمنًا: فإنه يحرم عليه أخذ ثمن الكلب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمنه.

– فإن لم يتيسر الأمر في الحالتين السابقتين إلا ببذل الثمن: فيحرم على الآخذ دون الباذل.

قال ابن القيم:

وهذا أصل معروف من أصول الشرع أن العقد والبذل قد يكون جائزًا أو مستحبًّا أو واجبًا من أحد الطرفين، مكروهًا أو محرَّمًا مِن الطرف الآخر، فيجب على الباذل أن يبذل، ويحرم على أن يأخذه. ” زاد المعاد ” ( 5 / 792 ).

 

والله أعلم.

ما الفرق بين الأمر الوارد بإعفاء اللحية والأمر بصبغ الشعر؟

السؤال:

إن الدليل على وجوب اللحية ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله

علية وسلم قال: ” خالفوا المشركين ووفروا اللحى واحلقو الشوارب ” صدق رسول الله، وهناك حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود ” أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ” صدق رسول الله، وقد أجمع السلف على عدم وجوب صبغ الشعر، فلم كان حكم اللحية من الحديث الأول واجبًا والصبغ من الحديث الثاني سنة مع أن الحديثين فيهما صيغة الأمر بمخالفة المشركين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تخريج الحديثين:

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” خالفوا المشركين وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب “. رواه البخاري ( 5553 ) ومسلم ( 259 ).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم “.

رواه البخاري ( 3275 ) ومسلم ( 2103 ).

 

ثانيًا:

فقه الحديثين:

قد تقرر في ” علم الأصول “: أن الأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم الوجوب؛ لقوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور / 63 ]، وغيره من الأدلة، والخروج عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة.

والذي ظهر لنا بالبحث والاستقراء وجود الفرق في الحكم بين إعفاء اللحية والصبغ بغير السواد، وهذه الفروق تجعل القول بوجوب الأول وسنية الثاني ليس مستغربا، ومن هذه الفروقات:

  1. أن في حلق اللحية مخالفات كثيرة ووقوع في محاذير متعددة منها:

أ. مخالفة الأمر الوارد في الحديث.

ب. التشبه بالمشركين.

ب. التشبه بالنساء.

ج. تغيير الفطرة.

د. تغيير خلق الله عز وجل.

وليست مثل هذه المحاذير – باستثناء الأول والثاني – موجودة في عدم الصبغ، وهو ما يجعل من وجود الفرق في الحكم أمرًا طبيعيًّا.

وانظر ” تمام المنة ” للشيخ الألباني ( ص 82 ، 83 ).

  1. أن فهم السلف – وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم – مقدَّم على فهم غيرهم، لذا وجدنا من خالف في حكم الصبغ والخضاب فلم يوجبه بل بعضهم لم يفعله، ولم نجد مثل هذا في حكم إعفاء اللحية، لذا لن يعرف عن أحدٍ أنه حلقها.
  2. أن الأمر بالخضاب – الصبغ – يصدق على من فعله مرة واحدة في عمره، ولعل هذا هو المقصود من الحديث بالأمر بالخضاب، وليس الأمر كذلك في إعفاء اللحية، وعند التأمل في هذا تجد الفرق واضحًا في الحكم.

قال الإمام أحمد لتلميذه أبي هاشم – زياد بن أيوب -: يا أبا هاشم اخضب ولو مرة، أُحبُّ لك أن تخضب  ولا تشبه باليهود. ” الترجل ” ( ص 124 ).

  1. جعل الشرع إعفاء اللحية من سنن الفطرة، وليس الأمر كذلك في الخضاب، والأصل في سنن الفطرة الوجوب إلا بدليل ينقل هذا الوجوب إلى غيره.

* قال الكشناوي:

أما الخضاب فلم يكن معدودًا في الفطرة، وحكمه: الجواز.

” أسهل المدارك بشرح إرشاد السالك ” ( 3 /  92 ).

  1. نُقل الإجماع على وجوب إعفاء اللحية، ولم يُنقل الإجماع على وجوب الخضاب.

فقد نقل ابن حزم في ” مراتب الإجماع ” ( ص 157 ) إجماع العلماء على أن حلق اللحية مثلة لا تجوز.

وقال بعض العلماء بظاهر حديث أبي هريرة وهو وجوب الصبغ – بغير السواد -، وعلى رأس هؤلاء الإمام أحمد رحمه الله.

فقد روى عنه الخلاَّل في كتابه ” الترجل ” ( ص 121 ) قوله: الخضاب عندي كأنه فرض.

قال محقق الكتاب الشيخ عبد الله المطلق – تعليقًا على قول الإمام أحمد -:

هذه إحدى الروايات عن أحمد في حكم خضاب الشيب بغير السواد، والرواية الثانية: أنه مستحب بحناء وكتم، أو ورس وزعفران، والرواية الثالثة: أنه يستحب بحناء وكتم، ولا بأس بورس وزعفران,  ومال إلى هذه الرواية الموفق في ” المغني ” ( 1 / 92 ).

– ” الترجل ” ( ص 121، 122 ) ونقل بعده الاستحباب عن الحنفية، والسنية عن الشافعية، والإباحة عن المالكية.

  1. وأمر أخير مهم أنه قد ورد الترغيب بإبقاء البياض، ورتِّب على بقائه فضلًا.

عن كعب بن مرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة “. رواه الترمذي ( 1634 ) والنسائي (3144 ). والحديث: حسَّنه الترمذي وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” (6307 ).

فعُلم منه أنه ليس المقصود هو الخضاب في كل حال، فيقال هنا: ورد الترغيب بالخضاب والترغيب بإبقاء البياض، ويصدق الخضاب على من فعله مرة – كما سبق -، ولم يرد الترغيب بإعفاء اللحية وحلقها، فافترقا.

 

والله أعلم.

عمل رسومات للنشرات في البحوث تحتوي على رسم لذوات الأرواح

السؤال:

أنا موظف في شركة ” أرامكو “، وفي بعض الأحيان يُطلب منا عمل بحوث ومجلات، ومن الأشياء الأساسية في هذه البحوث إرفاق رسومات باليد وصور لبعض ذوات الأرواح, مع العلم بأن هذه البحوث تُوزع على الموظفين ليستفيدوا منها، فما حكم المشاركة بإعدادها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

رسم ذوات الأرواح أو نحتها من الكبائر، ولا يعدُّ رسم ذوات الأرواح في البحوث والمجلات من الضرورة في كل حال، فيمكن كتابة أقوى البحوث وأعقدها من غير هذا التعدي على الشرع، ومن اضطر إلى هذا الأمر: فيمكنه رسم الصورة من غير رأس.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما موقف المسلم من الصور التوضيحية التي في الكتب الدراسية، والكتب العلمية والمجلات الإسلامية النافعة، مع أنه لا بد من وجود هذه الصور للتوضيح وتقريب الفهم.

فأجابوا:

تصوير ذوات الأرواح حرام مطلقًا؛ لعموم الأحاديث التي وردت في ذلك وليست ضرورية للتوضيح في الدراسة، بل هي من الأمور الكمالية لزيادة الإيضاح، وهناك غيرها من وسائل الإيضاح يمكن الاستغناء بها عن الصور في تفهيم الطلاب والقراء، وقد مضى على الناس قرون وهم في غنى عنها في التعليم والإيضاح وصاروا مع ذلك أقوى منّا علمًا وأكثر تحصيلًا، وما ضرهم ترك الصور في دراستهم، ولا نقص من فهمهم لما أرادوا ولا من وقتهم وفلسفتهم في إدراك العلوم وتحصيلها، وعلى هذا لا يجوز لنا أن نرتكب ما حرم الله من التصوير لظننا أنه ضرورة، وليس بضرورة لشهادة الواقع بالاستغناء عنه قرونًا طويلة.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود.  فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 473، 474 ).

وقالوا:

ما كان من ذلك صورًا لذوات الأرواح كالحشرات وسائر الأحياء فلا يجوز ولو كان رسمًا على السبورة والأوراق، ولو كان القصد منه المساعدة على التعليم لعدم الضرورة إليه؛ لعموم الأدلة في ذلك، وما لم يكن من ذوات الأرواح جاز رسمه للتعليم وغيره.  فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 474 ).

 

والله أعلم.

أسئلة متنوعة حول العصبية والانتماء للوطن

السؤال:

كنت أتناقش مع زملائي عن الجنسية في العالم الإسلامي وهنا بعض الأسئلة أرجو أن تجيب عليها:

  • ما حكم الاحتفال بيوم الاستقلال؟
  • هل هي عصبية أم جاهلية أم حرام؟
  • ما هو التعريف الصحيح للعصبية في ميزان الشريعة؟
  • كيف يجب أن نشعر كمسلمين تجاه البلاد التي ولدنا عليها وتربينا عليها ونشأنا فيها وتعلمنا فيها وعملنا فيها؟ هل حب هذه الأرض من العصبية؟ هل يجوز أن نحتفل بالأعياد الوطنية مع أنها لا تتوافق مع تعاليم شريعتنا؟ وما هي الاحتفالات الوطنية التي يجوز الاحتفال بها؟
  • ماذا عن استعمال جواز سفر بلد معين إذا كان الانتماء إلى بلد معين يعتبر من الجاهلية والعصبية؟
  • هل هناك أمثلة عن الصحابة رضوان الله عليهم على حبهم لبلادهم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز الاحتفال بيوم الاستقلال ولا بما يشابهه من الأيام، فهي من باب فيها تشبه بالكفار، ومن باب ثانٍ فيها ابتداع، فمثل هذه الاحتفالات جمعت بين المعصية والبدعة.

قال ابن القيم:

والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده مِن مكان وزمان، فأما الزمان: فكقوله يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، رواه أبو داود وغيره، وأما المكان: فكما روى أبو داود في ” سننه ” أن رجلا قال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر إبلا بـ ” بوانة ” فقال: أبها وثن من أوثان المشركين؟ أو عيد من أعيادهم؟ قالا: لا، قال: فأوف بنذرك، وكقوله ” لا تجعلوا قبري عيدًا “.

والعيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة كما جعل أيام التعبد فيها عيدًا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر. ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 190 ).

ومما نهي عنه المسلمون: التشبه بالكفار، وخاصة في أعيادهم، ومسألة الأعياد والاحتفالات البدعية من أكثر ما تساهل فيه المسلمون بعد القرون الفاضلة؛ فقد سارع كثير منهم إلى التشبه بالأمم الأخرى في أعيادها واحتفالاتها، فأحدث بعضهم بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وتلك الأعياد الوطنية والقومية التي تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين.

 

ثانيًا:

ومثل هذه الاحتفالات المحرَّمة والمبتدعة هي تثير العصبية والعنصرية، وفيها الإقرار بما فعله المستعمر من تقسيم أراضي المسلمين وجعلهم دولًا وشعوبًا مشتتة ومتفرقة.

قال الله تعالى: { ياأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوبًا وقبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرمكُمْ عندَ الله أتقاكُمْ إنَّ الله عليمٌ خبير } [ الحجرات / 13 ].

خلق الله تعالى آدم وحواء وجعل من ذريَّتهما الشعوب والقبائل والأجناس والألوان، فالناس كلُّهم من آدم وحواء، ولا تفاضل بين لون وآخر، أو عرق وآخر، بل مساواة بين الجميع أمام الله تعالى؛ والأتقى لربه هو الأفضل والأكرم عند الله عز وجل.

ومهما تشعَّب الناس بعد ذلك إلى أمم وبلدان وأجناس فإنما تشعُّبهم هذا ما هو إلا كتشعُّب الأسرة الواحدة، والإخوة من أب واحد وأم واحدة.

وهذه العصبية التي تظهر الآن في بعض البلدان للجنس أو العرق أو اللون أو الوطن هي من نوع العصبية القديمة التي كانت تتفجر بين الأوس والخزرج، إنها من بقايا الجاهلية ورواسبه·

لقد كان بين الأوس والخزرج حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وثارات وضغائن وفتن، فكان بينهم قتال شديد، حتى جاء الإسلام، فدخلوا فيه، فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا·

وبعد أن أصلح الإسلام شأنهم وأصبحوا متحدين متعاونين، مرَّ رجل من اليهود بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الألفة والتعاون والوفاق، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكّرهم ما كان من حروبهم يوم بُعاث وتلك الحروب، ففعل فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوسهم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرَّة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجعل يسكّنهم، ويقول: ” أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ “، وتلا عليهم هذه الآية: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيِّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون } [ آل عمران / 103 ]، فعندما تلا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية ندموا على ما كان منهم، وتصالحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح.

 

 

رابعًا:

لا يمنع الإسلام من أن يحب المسلمُ بلدَه ووطنه الذي عاش فيه وتربى، لكن المنكَر هو عقد الولاء والبراء عليه، وجعل المحبة والبغض بسببه، فليس من ينتمي إلى بلدك وينتسب إليها بأقرب إليك من المسلم في بلادٍ أخرى، وليس لأنه ينتمي إلى بلدك ووطنك يحب ويُبغض غيره، بل الولاء والبراء، والحب والبغض ميزانها جميعًا: الإسلام.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب بلده مكة، ولم يكن ليحب كفارها، بل قاتلهم لما حاربوا الدين وقاتلوا المسلمين، ولم يكن هو ولا أصحابه ليقدموا حبهم لوطنهم على شرع الله تعالى، فلما حرَّم الله تعالى على المهاجرين من مكة الرجوع إليها بعد هجرتهم منها إلا للمناسك وثلاثة أيام بعدها التزموا هذا ولم يمكثوا فيها أكثر من تلك المدة، فلم يكن حبهم لوطنهم ليجعلهم يعصون الله تعالى فضلًا عن وقوعهم فيما هو أشد من ذلك.

واليوم ترى العصبية للوطن قد بلغت مبلغًا عظيمًا فتعظم المشاهد الشركية لأنها في وطنه، ويُعظم علَم الدولة لأنه يمثل البلد، فيقف له الناس وقفة تعظيم وإجلال لا تجدها عندهم في صلاتهم ولا بين يدي ربهم تبارك وتعالى.

 

خامسًا:

لا يعتبر استعمال جواز السفر من الجاهلية والعصبية لكونه من الضرورات والتي لا تستعمل إلا في السفر خاصة.

 

سادسًا:

قد ذكرنا حبَّ النبي صلى الله عليه وسلم لبلده مكة وأنه قدَّم طاعة ربه على حبه لها.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَك. رواه الترمذي ( 3926 ) وصححه الترمذي والألباني في ” صحيح الجامع ” ( 5536 ).

– ويمكنك الوقوف على أكثر من هذا عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم بالنظر في تراجمهم.

 

والله أعلم.

معنى { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً .. } وأنواع الزنا ودرجاته

السؤال:

ما معنى قوله تعالى فى سورة النور { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ..، وما هي أنواع ودرجات الزنى؟ وما هو الحكم فيها؟ والسلام عليكم و رحمة الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا :

قال الله تعالى: { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ النور / 3 ].

– وقد اختلف العلماء في المراد بالنكاح هنا، فقال بعضهم: العقد، وقال بعضهم: الوطء.

والقول الأول هو الصواب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في بيان وجوه الرد على القول الثاني -:

أما أولًا: فليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولا بد أن يراد به العقد، وإن دخل فيه الوطء أيضًا،  فأما أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط.

وثانيها: أن سبب نزول الآية إنما هو استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج بزانية فكيف يكون سبب النزول خارجًا من اللفظ؟.

الثالث: أن قول القائل الزاني لا يطأ إلا زانية، أو الزانية لا يطؤها إلا زانٍ كقوله: الآكل لا يأكل إلا مأكولًا، والمأكول لا يأكله إلا آكل، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج، وهذا كلام ينزه عنه كلام الله.

الرابع: أن الزاني قد يستكرِه امرأةً فيطؤها فيكون زانيًا ولا تكون زانية، وكذلك المرأة قد تزني بنائمٍ ومكره – على أحد القولين – ولا يكون زانيًا.

الخامس: أن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه.

السادس: قال { لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم.

السابع: أنه قد قال قبل ذلك { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 112 ، 113 ).

وقال:

فقوله { الزاني لا ينكح إلا زانية } إما أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنا أو أن ذلك يفضي إلى زناها وأما الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زنا.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 121 ).

ثانيًا:

أما أنواع الزنا: فهو زنا الفرج، وزنا الجوارح، وأعظمها زنا الفرج الذي فيه الحد وهو الرجم للمحصن والجلد مئة لغير المحصن، وأما زنا الجوارح فعليه الإثم وليس فيها حدٌّ.

ومما جاء في في زنا الجوارح:

قال الله تعالى:{ والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا } [ الفرقان / 68، 69 ].

ومما جاء في زنا الجوارح:

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدِّق ذلك الفرجُ ويكذبه.

رواه البخاري(5889)، ومسلم (2657) – واللفظ له -.

 

ثالثًا:

وأما درجات الزنا: فلا شك أنها متفاوتة فبعضها أقبح من بعض، وبعضها أعظم إثمًا وجرمًا من غيرها، وذلك بحسب الزاني والمزني بها والزمان والمكان.

جاء في ” الموسوعة الفقهية “:

يتفاوت إثم الزنى ويعظم جرمه بحسب موارده، فالزنى بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنى بأجنبية أو من لا زوج لها, إذ فيه انتهاك حرمة الزوج, وإفساد فراشه, وتعليق نسب عليه لم يكن منه, وغير ذلك من أنواع أذاه، فهو أعظم إثمًا وجرمًا من الزنى بغير ذات البعل والأجنبية.

فإن كان زوجها جارًا انضم له سوء الجوار، وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى, وذلك من أعظم البوائق, فلو كان الجار أخًا أو قريبًا من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ” – رواه مسلم ( 46 ) -، ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأة الجار.

فإن كان الجار غائبًا في طاعة الله كالعبادة, وطلب العلم, والجهاد: تضاعف الإثم حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة, فيأخذ من عمله ما شاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم, وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم, إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم؟ ” – رواه مسلم ( 1897 ) – أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ قد حكم في أنه يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة.

– فإن اتفق أن تكون المرأة رحمًا له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.

– فإن اتفق أن يكون الزاني محصنًا: كان الإثم أعظم.

– فإن كان شيخًا: كان أعظم إثما وعقوبة.

– فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام, أو بلد حرام, أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة: تضاعف الإثم. ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 21 ).

 

والله أعلم.