الرئيسية بلوق الصفحة 226

ظاهرة التسول في المساجد

السؤال:

انتشر في وقتنا الحاضر عملية التسول في المساجد فما رأي الشرع في ذلك – علمًا بأن بعض الناس إذا منعناهم من التسول يستدل بقوله تعالى: ( وأما السائل فلا تنهر ) -؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يحرص الإسلام على حفظ كرامة المسلم, وصون نفسه عن الابتذال والوقوف بمواقف الذل والهوان, فحذر من التعرض للصدقة بالسؤال, أو بإظهار أمارات الفاقة, بل حرم السؤال على من يملك ما يغنيه عنها من مال أو قدرة على التكسب, سواء كان ما يسأله زكاة أو تطوعًا أو كفارة, ولا يحل له أخذ ذلك إن أعطي بالسؤال أو إظهار الفاقة.

أما إن كان محتاجًا إلى الصدقة, وممن يستحقونها لفقر أو زمانة, أو عجز عن الكسب فيجوز له السؤال بقدر الحاجة, وبشرط أن لا يذل نفسه, وأن لا يلح في السؤال, أو يؤذي المسئول, ولم يعلم أن باعث المعطي الحياء من السائل أو من الحاضرين, فإن كان شيء من ذلك فلا يجوز له السؤال وأخذ الصدقة وإن كان محتاجًا إليها, ويحرم أخذها, ويجب ردها إلا إذا كان مضطرًا بحيث يخشى الهلاك إن لم يأخذ الصدقة؛ لحديث: ” لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه “، فإن خاف هلاكًا لزمه السؤال إن كان عاجزاً عن التكسب، فإن ترك السؤال في هذه الحالة حتى مات أثم؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة, والسؤال في هذه الحالة في مقام التكسب; لأنها الوسيلة المتعينة لإبقاء النفس, ولا ذل فيها للضرورة, والضرورة تبيح المحظورات كأكل الميتة.

ويكره السؤال في المسجد, والصدقة فيه غير محرمة إلا إذا كان السائل يسأل والإمام يخطب, فتمنع; لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله, فلا يعينه عليه.

” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 97 – 99 ).

ثانيا:

وأما قوله تعالى: ( وأما السائل فلا تنهر ) فليس فيها أنه يُعطى إذا سأل، بل هي نهيٌ أن يُغلظ في القول في رده إن لم يكن من أهلها.

قال الجصاص:

وقوله تعالى: ( وأما السائل فلا تنهر ) فيه نهي عن إغلاظ القول له; لأن الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول; وقد أمر في آية أخرى بحسن القول له, وهو قوله تعالى: ( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولًا ميسورًا ), وهذا وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم, فإنه قد أريد به جميع المكلفين.

” أحكام القرآن ” ( 3 / 712 ).

 

والله أعلم.

الخيالات والأوهام، الأسباب والعلاج

السؤال:

أعاني من تخيلات غريبة حيث أني أصبحت غير قادر على التفكير، وعندما أحاول أن أتفكر في الكون فإني لا أستطيع ذلك، وأيضًا أصبحت أعاني من ألم وتقلبات في رأسي, فزادت عليَّ الشكوك, فأصبحت الأمور الواقعية الحقيقية عندي أقرب إلى الخيال؛ حيث إنها تفرض عليَّ ولا أستطيع مقاومتها أبدًا, وحيث أني أصبحت أجد خوفًا كثيرًا في قلبي, وعندما أستيقظ أشعر بخوف شديد أدى إلى أني أتوهم أني فعلت شيئًا يغضب الله أو أني أصبحت غير مسلم, وعندما أكون نائم أحس أني أتحاور مع شخص بكامل عقلي ولكن عندما أستيقظ أكتشف أني أحلم، فالآن عندما أتفكر في هذه الأفكار أحس بالإحباط الشديد خوفًا من أن أكون فعلت شيئًا يخرجني من الإسلام؛ حيث إن هذه الحالة أصبت بها منذ شهرين، هل هذا من سحر أو من فعل الجن؟ وما العلاج؟

 

الجواب:

الحمد لله

الاستسلام للتخيلات والانقياد وراء الأوهام يصيب الألم في الرأس والخبل في العقل والبعد عن الدين، وهو ما لا يليق بالسلم العاقل الذي أكرمه الله بدين الحقائق والبينات، ووهبه عقلًا يتنزه أن ينساق وراء تلك الأوهام والخيالات ليعيش في عالَم خارجي ليس له وجود، ويجتمع فيه الضدان، ولا يفرِّق بين الممكن والممتنع، حتى إن بعضهم ليتخيل عالَمًا آخر له صفاته ولغاته وأشخاصه، ويعيش بعضهم حياته على أنه إله أو نبي أو المهدي! وهذه أحوال بعض من ينتسب للتصوف ممن باع عقلَه للشيطان واستسلم للخيالات، ولا بدَّ للمسلم أن يساهم في القضاء على الخيالات والأوهام في أول طريقها عندما تكون خواطر؛ لأنه إن سكت عنها واسترسل معها أهلكت عقله وقلبه مثل الشرارة التي تُترك فتسبب نارًا عظيمة.

ولابن القيم – رحمه الله – كلامٌ نفيس في بيان حال هذه الخيالات والأوهام، وطرق علاجها.

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -:

– قاعدة في ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال:

وهي شيئان:

أحدهما حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها والاسترسال معها؛ فإن أصل الفساد كله من قبَلها يجيء؛ لأنها هي بذر الشيطان، والنفس في أرض القلب، فإذا تمكن بذرها: تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها بسقيه حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال.

ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبدُ نفسَه عاجزًا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذا لم يدفعها وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس, فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها.

فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟ قلت: أسباب عدة:

– أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.

– الثاني: حياؤك منه.

– الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.

– الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.

– الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.

– السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستعر شرارها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.

– السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحَب الذي يُلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.

– الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلًا بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه، فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها؟ لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه.

– التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلًا، فقلْب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد.

– العاشر: أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأماني الجاهلين, فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي, وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس, وعزلته عن سلطانها, وأفسدت عليه رعيته وألقته في الأسر الطويل، كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هي أصل الخير كله، فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب, وسقيت مرة بعد مرة, وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات، واستقر بها الملك في سلطانه، واستقامت له رعيته، ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر، فكان ذلك هو سيرها وجل أعمالها، وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبًا ولا سنة، والثاني: أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر, ويعمره بأضدادها، وإلا فمتى عمل على تفريغه منها معا كان خاسرًا، فلا بد من التفطن لهذا، ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقًا وفتحًا رحمانيًّا وهم فيها غالطون, وإنما هي خيالات شيطانية، والميزان هو: الكتاب الناطق، والفطرة السليمة، والعقل المؤيد بنور النبوة، والله المستعان. ” طريق الهجرتين ” ( ص 274 – 276 ).

أخي الفاضل:

ليس الأمر الذي تعيشه بسبب العين ولا بسبب السحر، وندعوك للتفكر فيما نقلناه لك من كلام علمي متين للإمام ابن القيم، لتعلم أن الداء منك، وأن الدواء يسير على من يسره الله تعالى عليه، وأعانه على كيد الشيطان، فندعوك لتعمير قلبك بالإيمان، وللعلم الشرعي، ولتسخير الجوارح في طاعة الله تعالى.

 

والله الموفق.

ما ” اللمم “؟ وما حكم تكرر وقوعها من المسلم العاصي؟

السؤال:

قال تعالى: ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) صدق الله العظيم.

والسؤال هو: أنني عرفت أن اللمم هي صغائر الذنوب, مثل النظرة والقبلة واللمسة وهذه الذنوب يغفرها الله ما اجتنبت الكبائر، وسؤالي هو: هل معنى ذلك أنه لا يعاقَب العبد على فعل هذه الذنوب حتى في الدنيا إذا تاب منها ثم رجع لها مرة أخرى وهكذا يتوب ويرجع لا يجد العبد أي عقاب من الله على فعل هذه الذنوب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لم يتفق المفسرون والأئمة على معنى ” اللمم “، وقد اختلفوا في معناها إلى أقوال:

  1. فقد روي عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرًا، قال البغوي: هذا قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس.
  2. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ” اللمم “: ما دون الشرك.
  3. قال سعيد بن المسيب: هو ما ألم بالقلب, أي ما خطر عليه.
  4. وقال الحسين بن الفضل: ” اللمم “: النظر من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد النظر: فليس بلمم، وهو ذنب.
  5. وذهبت طائفة إلى أن ” اللمم “: ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم، فالله لا يؤاخذهم به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا، فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم.

وبناء على هذا الاختلاف فإنه لا يُجزم بأن معنى ” اللمم ” هو صغائر الذنوب، وعلى فرض أنه هو المعنى الراجح: فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتساهل في صغائر الذنوب؛ لأن الصغيرة مع الإصرار عليها قد تتحول إلى كبيرة، بالإضافة إلى أن الإدمان على الصغائر سبب لهلاك الإنسان، فعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ” رواه الإمام أحمد ( 22302 )، وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3102 ).

ولذا نرى أن ابن عباس وأبا هريرة قد جاء عنهما تفسير ” اللمم ” بتفسيرين: الصغائر والكبائر التي لا تُفعل إلا المرة الواحدة، وليس هذا من اختلاف التضاد، بل هو بسبب اختلاف الحال والشخص، فإما أن يقال: إن اللمم أنه يتناول هذا وهذا، ويكون على وجهين، أو أنهما ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة – ولم يصر عليها – بـ ” اللمم “، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مراراً عديدة.

– وهذا التوفيق من بعض أهل العلم حسن يدل على فقه الصحابة وكمال عقلهم.

ثانيا:

والتائب الصادق في توبته هو الذي يتوب التوبة النصوح، وهي كما قال بعض السلف: ندم بالقلب، واستغفار باللسان, وترك بالجوارح, وإضمار أن لا يعود، وقال آخرون: التوبة النصوح: أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.

وليس الأمر أن تقع المعصية من العبد، بل الأمر أن يعصي ولا يتوب، أو أن يختم له بتلك المعصية فيموت على غير خير، وإلا فرب ذنب يكون للمؤمن أنفع من كثير من الطاعات، من وجله وإنابته وخوفه، فيَحدث له من أثر تلك المعصية من الخوف والوجل والندم والعزم على الطاعة ما لا يحصله من طاعة، ولكن من يوفَّق لهذا؟.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: ” إذا أذنب ذنبًا عبدي فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي, فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي, فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب, اعمل ما شئت فقد غفرت لك “، وفي رواية: ” قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء “.

ومعناه: ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك، وهو يدل على عدم بطلان التوبة الصادقة، ويدل على أنه لا يعاقب على ذنبه إن عاد له بعد التوبة، لكن ذكر بعض أهل العلم أن الحديث في ذنوب مختلفة وليس في ذنبٍ واحد يرجع إليه، وقالوا: إن من رجع إلى ذنبه نفسه: دلَّ ذلك على عدم صدقه في الندم أو في العزم على عدم العود.

وعلى كل حال: فرحمة الله واسعة وفضله عظيم، ومن تاب: تاب الله عليه، ولا ينبغي للمسلم أن يتجرأ على المعصية فقد لا يوفق للتوبة، وما ذُكر في الحديث فهو لبيان سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله على عباده لا ليتجرأ الناس على ارتكاب المعاصي.

 

والله أعلم.

ما هو الملتزَم؟ وما هي كيفية الدعاء عنده؟

السؤال:

ما هو المُلْتَزَم؟ وما كيفية الدعاء عنده؟

 

الجواب:

الحمد لله

– الملتزم: هو المكان الذي بين الحجر الأسود وباب الكعبة، ومعنى التزامه أي: وضع الداعي صدره ووجهه وذراعيه وكفيه عليه ودعاء الله تعالى بما تيسر له مما يشاء.

وليس ثمة دعاء معين يدعوه المسلم في ذلك المكان، وله أن يلتزمه عند دخوله الكعبة، وله أن يفعله قبل طواف الوداع، وله أن يفعله في أي وقت شاء، وينبغي للداعي أن لا يضيِّق على غيره فيطيل الدعاء، كما لا يجوز مزاحمة الناس وأذيتهم من أجله، فإن رأى فسحة ومجالاً دعا وإلا فيكفيه الدعاء في الطواف وسجود الصلاة.

والذي جاء عن الصحابة – رضي الله عنهم – في الالتزام أصح مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قلت: لألبسن ثيابي، وكانت داري على الطريق, فلأنظرنّ كيف يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانطلقت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم.

رواه أبو داود ( 1898 ) وأحمد ( 15124 ). وفيه: يزيد بن أبي زياد، ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطًا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.

رواه أبو داود ( 1899 ) وابن ماجه ( 2962 ) . وفيه: المثنى بن الصباح، ضعَّفه الإمام أحمد وابن معين الترمذي والنسائي وغيرهم.

قلت: والحديثان يشهد كلٌّ منهما للآخر. وقد صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2138 ) بشاهدين:

– مرفوع: وهو حديث عبد الرحمن بن صفوان.

– وموقوف: وهو أثر ابن عباس – عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة – ” الملتزم بين الركن والباب “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وإنْ أحبَّ أنْ يأتيَ الملتزم – وهو ما بين الحجر الأسود والباب – فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته فعل ذلك، وله أنْ يفعل ذلك قبل طواف الوداع فإنَّ هذا الالتزام لا فرق بين أنْ يكون حالَ الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين دخول مكة، وإنْ شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس: اللهمَّ إني عبدك, وابن عبدك, وابن أمتك, حملتني على ما سخرتَ لي مِن خلقك, وسيرتَني في بلادك حتى بلغتَني بنعمتِك إلى بيتِك, وأعنتَني على أداء نسكي, فإنْ كنتَ رضيتَ عني فازدَدْ عني رضًا, وإلا فمِن الآن فارضَ عني قبل أنْ تنأى عن بيتك داري؛ فهذا أوان انصرافي إنْ أذنتَ لي غير مستبدلٍ بك ولا ببيتِك ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتِك, اللهمَّ فأصحبني العافيةَ في بدني, والصحةَ في جسمي, والعصمة في ديني, وأحسن منقلبي, وارزقني طاعتك ما أبقيتَني, واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة, إنك على كل شيء قدير.

ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنًا.

” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 142 ، 143 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله –:

وهذه مسألة اختلف فيها العلماء مع أنها لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم -، فهل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ وهل هو عند القدوم، أو عند المغادرة، أو في كل وقت؟.

وسبب الخلاف بين العلماء في هذا: أنه لم ترد فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يفعلون ذلك عند القدوم.

والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة فيلتزم في الملتزم، وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب …

وعلى هذا: فالالتزام لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق.

” الشرح الممتع ” ( 7 / 402 ، 403 ).

 

والله أعلم.

ما هي ” البرمجة اللغوية العصبية “؟ وما حكمها؟

السؤال:

هل يوجد مخالفات شرعية في علم البرمجة اللغوية العصبية  NLP؟

 

الجواب:

الحمد لله

البرمجة اللغوية العصبية هي ترجمة للعبارة الإنجليزية: ( Neuro Linguistic  Programming  أو NLP )، التي تطلق على علم جديد، بـدأ في منتصف السبعينيات الميلادية، على يد العالِمين الأمريكيين: الدكتور جون غرندر (عالم لغـويات )، و( ريتشارد باندلر ( عالم رياضيات ومن دارسي علم النفس السلوكي ومن مبرمجي الكمبيوتر.

وهو علم يقوم على اكتشاف كثير من قوانين التفاعلات والمحفزات الفكرية والشعورية والسلوكية التي تحكم تصرفات واستجابات الناس على اختلاف أنماطهم الشخصية.

ويمكن القول إنه علم يكشف لنا عالم الإنسان الداخلي وطاقاته الكامنة ويمد بأدوات ومهارات يستطيع بها التعرف على شخصية الإنسان، وطريقة تفكيره وسلوكه وأدائه وقيمه، والعوائق التي تقف في طريق إبداعه وتفوقه، كما يمدنا بأدوات وطرائق يمكن بها إحداث التغيير الإيجابي المطلوب في تفكير الإنسان وسلوكه وشعوره، وقدرته على تحقيق أهدافه، كل ذلك وفق قوانين تجريبية يمكن أن تختبر وتقاس.

هكذا يعرفه العالِمون به، وهو علم – كما ذُكر – ليس مصدره من المسلمين، وإن حاول بعض الممارسين له والمدربين تطويع بعض الآيات القرآنية لتتوافق مع نظريات هذا العلم.

ولهذا العلم اتحاد عالميي ومراكز تدريب تستوفي مبالغ باهضة، وتعطي شهادات الدبلوم وهي بداية لسلسلة دورات تبدأ بالدبلوم ثم الممارس المعتمد وبعدها الممارس المتقدم.

ومن المآخذ على هذا العلم:

أنه يقطع الصلة بالله تعالى، ويجعل الشخص متعلقًا بكليته بالسبب، وإذا عرفنا مصدر هذا العلم لم نتعجب من مثل هذا، فواضعو هذا العلم من النصارى المتحررين والذي ينظرون إلى الأمور نظرة مادية مجردة، ويتعلقون  بالسبب ويهملون المسبِّب والمقدَّر لها.

ومن المآخذ: أن عندهم من عزم على الشيء وكرره فإنه يتحقق؛ لأن العقل الباطن عندهم قادر على تنفيذ وإيجاد كل شيء يريده الشخص.

وقد قال بعض كبار هؤلاء: إن الإنسان إذا كرَّر ذِكر الشيء بلسانه لمرات متعددة فإنه يتحقق له ما يرد، فإذا قال الرجل وكرَّر عبارة فيها رغبته بالتزوج من فلانة أو بأنه ذكي أو غني: فإنه يكون له ما رغب وكرَّر! وهذا هراء يبدو أن أصله من بعض ديانات الهنود المتخلفة.

والذي نعتقده أن محاولة ” أسلمة ” هذا العلم أخطر من العلم نفسه، إذ سيفتح الباب للعبث بالآيات والأحاديث والمواقف في حياة الصحابة ليتواءم مع ما يقررونه من قواعد وأصول، وقد قرأنا أمثلة كثيرة في هذا الأمر فلم نر إلا الغلو والشطح في فهم النصوص، والذي نراه أن في القرآن والسنة وميراث سلف الأمة غنية عن هذا العلم وأمثاله.

 

والله أعلم.

يمنع زوجته من الظهور على أشقائه

السؤال:

تزوج أخي منذ سنتين تقريبًا، وخلال هذه المدة منع زوجته من الظهور على إخوته ولو بالحجاب ولا التحدث معهم أثناء زيارة إخوته له، و إلى الآن نحن لا نعرف شكلها ولا تكلمنا معها كلمة واحدة. السؤال: هل هذا جائز شرعاً, أم فيه شيء من التزمت؟

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على المرأة أن تستر بدنها كاملًا ومنه وجهها عن الأجانب، ويتحتم الحجاب أكثر على أقرباء زوجها من الأجانب، وهو عكس ما يفعله أكثر الناس من المتساهلين في هذه الأيام، وقد قال صلى الله عليه وسلم لما أراد بعض الصحابة استثناء أقرباء الزوج في الدخول على امرأته قال: ” الحمو الموت “، فالواجب – إذن – هو الاحتياط أكثر من أقرباء الزوج – ومنهم إخوانه – لما يقع من تساهل في هذا الأمر.

وقد أحسن أخوكم بمنع امرأته من الظهور عليكم، وقد أحسنت هي بالاستجابة لأمر الله وأمر زوجها، وليس هذا من التزمت في شيء بل هو من الاستجابة لأمر الله تعالى، ولا حاجة لإخوة الزوج في رؤية زوجة أخيهم فضلًا عن الجلوس والحديث معها.

ومن أجاز من أهل العلم جلوس المرأة مع أقرباء زوجها فإنما أجازه بشرط عدم وجود ريبة في المجلس أو خلوة بينها وبين أحدهم أو حيث يوجد الغناء أو النظر المحرَّم من كلا الطرفين، وهذه – للأسف – هي أكثر مجالس عامة الناس، وفي حال خلو المجلس مما سبق من المنكرات والمحرمات مع التزام المرأة بحجابها الكامل فيجوز لها الجلوس إلا أن الأفضل والأكمل والأحوط أن لا تفعل، وهو ما فعله أخوكم، وهو ما ندعو إليه، حتى تظل القلوب على نقائها وصفائها وخلوها من الطرق التي ينفذ من خلالها الشيطان.

ولا ينبغي أن يعكر فعل أخيكم على علاقتكم به، وعلى علاقة نسائكم بزوجته، فهما على خير ودين، وينبغي لكم التقرب منهما والاستفادة من طريقتها في علاقتهما مع الناس، واعلموا أن عتب الإخوة على أخيهم من عدم كشف امرأته عليهم أو عدم جلوسهم معها مما يوجب الريبة فيهم، ولستم – إن شاء الله – من هذا النوع من الناس، لكن قد يسوِّل الشيطان للمرء أمراً ويزينه له، فيجعل المعروف عنده منكرًا، والمنكر عنده معروفًا، ويجعل التستر والحياء تزمتًا، والتميع والانفلات ثقة وتقدمًا.

ونسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وجوارحنا، وأن يجمع بينكم على خير، وأن يؤلف بين قلوبكم، وأن يجعلكم قدوة صالحة للناس.

 

والله أعلم.

حكم مشاركة النساء في المنتديات الكتابية

السؤال:

أنا فتاة مسلمة، قمت بالاشتراك في إحدى المنتديات المحتوية على عدة أقسام، وشاركت في إحدى المواضيع, وتم الرد على الموضوع من الجنسين الذكور والإناث بالثناء أو الانتقاد في حدود الموضوع، وفي نفس المنتدى تم الرد، ثم قمت بالرد عليهم.

سؤالي هو: هل اشتراكي في هذا النوع من المنتديات محرم أم هناك شروطًا معينة يجب أن أتبعها عند مشاركتي فيه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يستطيع أحد أن يحرِّم مشاركة المرأة في الكتابة في المنتديات لذاتها، فهو أمر مباح، وقد يجب على من كان عندها علم إذا كتبت لبنات جنسها وفق قدرتها وطاقتها.

ولكن ما نراه في هذه الكتابات – وللأسف – ليس في أكثره ما يُرضي الله تعالى، فقد حوت كتاباتهن الكثير من الغثائية وسقط القول وما لا فائدة منه.

ولا تخل فترة زمنية قصيرة من توبة إحدى الكاتبات أو فضيحة أخرى أسقطها الذئاب البشرية في حبائلهم من خلال ترصد كتاباتهن وملاحقتهن حتى تقع الواحدة منهن في المعصية، وفي المنتديات قصص كثيرات, وقد كنَّ متزوجات ومتدينات – وللأسف -.

لذا: فإن الأسلم والأحوط أن تترك المرأة المشاركة في المنتديات، وأن تستفيد من هذه الشبكة من القراءة والاستماع للمواد الصوتية.

فإن أبت إحداهن إلا المشاركة: فإنه لا بدَّ لها من الالتزام بالضوابط الشرعية، وإلا كانت مشاركاتها إثمًا تبوء به، وحسبنا أن نخاطب – هنا – من أرادت الفائدة لعامة الناس، فنقول:

  1. عدم المشاركة باسم نسائي، فإذا كان القصد هو الفائدة: فلا حاجة للدخول باسم نسائي، وخاصة ما كان فيه فتنة، وهذا بخلاف المنتديات النسائية، ويمكن المشاركة باسم يشمل الجنسين، وهو أفضل من المشاركة باسم رجل.
  2. ملاحظة أن من يكتب ليسوا كلهم أهل خير وصلاح، وغالبيتهم أشباح ومنهم أهل فساد، فالواجب الحذر في التعامل معهم، وعدم الثقة بكل من يكتب، وكثير من الرجال من يكتب باسم نسائي لاستدراج النساء بمحادثة أو تبادل صور، وقد يجعل خليلته هي المتكلمة بدلًا عنه موهمًا أنها هو، أو يعتذر بعدم وجود لاقط لديه، أو أن أحداً أبنائه نائم!.
  3. الجدية في الطرح والكتابة، وعدم كتابة مواضيع تافهة، أو كتابة ما يجذب الرجال كالكلام عن الحب أو خصائص النساء، والبعد عن العبارات الرقيقة والشفافة.
  4. البعد عن منتديات الرجال أو العامة، والاكتفاء بمنتديات النساء، وليس الأمر حتماً ولا واجباً حتى تشارك في تلك المنتديات؛ ففيها ما يكفي وزيادة.
  5. عدم قبول مراسلة أحد من الرجال على البريد، ولا قبول الرسائل الخاصة، فضلًا عن أن تضيف أحدًا منهم إلى ” الماسنجر “، وهذا كله من باب تحريم اتباع خطوات الشيطان، وكل القصص المؤلمة والتي وقعت النساء فيها في المعصية إنما كان من تساهلها في مثل هذه الأمور، فلم يزل الشيطان معهما حتى أوقعهما فيما يغضب الله تعالى.
  6. ترك الثقة الزائدة والغرور بالنفس في أنها واثقة من نفسها، وأن مثلها لا يُستدرج، وأنها تعرف ألاعيب الشباب، فقد قال مثل هذا الكلام كل من سقطت في حبائل الشيطان.
  7. عدم قبول الإشراف أو المسئولية في المنتديات؛ لأن هذا سيقتضي التعرف على الرجال – ومنهم صاحب الموقع والمشرفين – وقد ذكرت بعض الأخوات قصتها وأنها سقطت بعد قبولها الإشراف، وهي متزوجة ومتدينة!.
  8. عدم التعليق بالثناء والإطراء على مواضيع الرجال، وعدم التعقيب على تعقيباتهم في مدح ما تكتبين والثناء عليه، فهو باب من أبواب الشيطان أوقع فيه الكثيرين والكثيرات.
  9. الابتعاد عن ممازحة الأخوات ممن تعرفين أمام الملأ؛ لأن هذا سيكوِّن فكرة غير صائبة عنك عند بعضهم، ومثل هذا المزح قد يفتح طريقاً مغلقة عليه.
  10. حسن اختيار التوقيع، وعدم إظهار البريد أمام الناس، فالتوقيع يدل على عقل صاحبه، وإظهار البريد دعوة للآخرين للمراسلة.
  11. الانتباه لطرق الذئاب البشرية في اصطياد فرائسها، فبعضهم يمدح ويثني على الكتابة والأسلوب والخط متجنبًا المدح للكاتبة إلى حين، وبعضهم يتعمد القسوة في الرد ليعقبه بتأسف وندم وترقيق عبارة ليدخل بذلك إلى قلب الكاتبة، وبعضهم يوهم الكاتبة أن امرأته تود التعرف عليها ثم لا يكون ذلك إلا من أختٍ له أو عشيقة، ثم يستغل ذلك بنقل السلام والتحية والإيهام بأن المراسِل هو زوجته أو أخته، وهكذا في طرق كثيرة تختلف باختلاف خبث الواحد منهم وبيئته القذرة وشيطانه المريد.
  12. راقبي الله تعالى في كتاباتك، واعلمي أن كل حرفٍ يُكتب فأنتِ مسئولة عنه، وكل دقيقة تستنفذ في هذه المواقع فهي في صحائفكِ.

فإن شئتِ عدم الكتابة – وهذا ما نراه الأصلح والأفضل – فهو خيرٌ لكِ ولزوجكِ ولأبنائكِ، وإلا فالتزمي ما كتبناه من ضوابط، ونسأل الله تعالى أن يحفظ أخواتنا من شر شياطين الإنس والجن، وأن يوفقهم لما يحب ويرضى.

وأما المحادثات الخاصة: فلا نراها جائزة.

 

والله الموفق.

عاهد الله على ترك العادة السرية فعاد وفعلها فماذا يلزمه؟

السؤال:

سؤالي – جزاكم الله خيرًا – وأكتبه وكلي ندم على ما فعلته وما قصرت بحق الله -: هو أنني كنت أفعل العادة السرية الخبيثة – أكرمكم الله – وأنا الآن تركتها من فترة قصيرة، أدعوا الله أن يثبتني، وسؤالي هو: أني كنت أقول بصريح العبارة: ” أعاهدك يا ربي أن لا أعود إلى هذه العادة الخبيثة “، ولكني كنت أعود ليس – والله – استهزاء بالله، ولكنه الشيطان والهوى.

أرجو أن تبينوا – جزاكم الله خير – ماذا عليَّ من جرَّاء نقضي للعهد مع الله سبحانه وتعالى، وأرجو أن تدعوا لي بالهداية والثبات.

 

الجواب:

الحمد لله

العادة السّريّة محرّمة، ويجب على المسلم العمل بالأسباب التي تعينه على التخلّص منها، والمسلم لا يلزمه العهد والنذر ليترك ما حرَّم الله تعالى عليه، إذ يكفي معرفة التحريم لينتهي عنه المسلم، فإذا عاهد الله أو نذر أن لا يفعل المحرَّم ثم عاد إليه ففعله: فقد اكتسب إثم فعل المحرم، وإثم نقض العهد والحنث في اليمين والنذر.

وقد أوجب الله تعالى الوفاء بالعهود، فقال تعالى: ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولًا ).

قال الجصاص:

قوله تعالى: ( وأوفوا بالعهد ) يعني – والله أعلم – إيجاب الوفاء بما عاهد الله على نفسه من النذور والدخول في القرب, فألزمه الله تعالى إتمامها, وهو كقوله تعالى: ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ), وقيل: أوفوا بالعهد في حفظ مال اليتيم مع قيام الحجة عليكم بوجوب حفظه وكل ما قامت به الحجة من أوامر الله وزواجره فهو عهد. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 299 ).

قال السرخسي:

والوفاء بالعهد واجب, قال الله تعالى: ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ), وذم من ترك الوفاء بالعهد بقوله: ( ومنهم من عاهد الله ) الآية … ” المبسوط ” ( 3 / 94 ).

ومن عاهد الله تعالى على فعل شيء فلم يفعله، أو عاهده تعالى على عدم الفعل ففعل: فعليه إثم نقض العهد، وعليه كفارة يمين، فالعهد: يمين ونذر، ومن حنث فيهما فعليه كفارة يمين وهي: التخيير بين عتق رقبة وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد أو لم يستطع: فليصم ثلاثة أيام.

قال ابن قدامة:

إن قال: علي عهد الله وميثاقه لأفعلن, أو قال: وعهد الله وميثاقه لأفعلن, فهو يمين, وإن قال: والعهد والميثاق لأفعلن, ونوى عهد الله, كان يمينًا; لأنه نوى الحلف بصفة من صفات الله – تعالى. ” المغني ” ( 9 / 400 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

والعهود والعقود متقاربة المعنى أو متفقة؛ فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام, فهو نذر وعهد ويمين, وإن قال: لا أكلم زيدًا, فيمين وعهد لا نذر؛ فالأيمان تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء, وهي عقد وعهد ومعاهدة لله؛ لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 553 ).

وهو قول ابن عباس ومالك وعطاء والزهري والنخعي والشعبي ويحي بن سعيد، كما في ” المدونة ” ( 1 / 579 ، 580 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز دخول غير المسلم المدينة المنورة؟

السؤال:

هل يجوز دخول غير المسلم المدينة المنورة, أي: داخل الحرم ( للحاجة )؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يجوز أن يمكَّن الكفار من السكنى في جزيرة العرب، وقد اختلف أهل العلم في تحديد الجزيرة، لكنهم لم يختلفوا في كون المدينة النبوية منها، بل قال الإمام أحمد – رحمه الله -: جزيرة العرب: المدينة وما والاها.

قال ابن قدامة:

ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز، وبهذا قال مالك, والشافعي، إلا أن مالكًا قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يجتمع دينان في جزيرة العرب “، وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه ” سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب, فلا أترك فيها إلا مسلمًا “, قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس قال: ” أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء, قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب, وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالث “. رواه أبو داود.

وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن، قاله سعيد بن عبد العزيز، وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولًا, ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا، وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولًا, ومن رمل تبرين إلى منقطع السماوة عرضًا، قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة; لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها, ونسبت إلى العرب, لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها، وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها، يعني: أن الممنوع من سكنى الكفار المدينة وما والاها, وهو مكة واليمامة, وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها, وما والاها، وهذا قول الشافعي.” المغني ” ( 9 / 285 ، 286 ).

ثانيًا:

ويجوز للكفار دخول المدينة للتجارة دون الإقامة، ويُعطون وقتًا كافياً ثم يؤمرون بالمغادرة.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة; لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر – رضي الله عنه – وأتاه شيخ بالمدينة, فقال: أنا الشيخ النصراني, وإن عاملك عشرني مرتين، فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عمر: أن لا يعشروا في السنة إلا مرة، ولا يؤذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام – على ما روي عن عمر – رضي الله عنه – ثم ينتقل عنه، وقال القاضي: يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة.  ” المغني ” ( 9 / 286 ).

ثالثًا:

وما ذكرناه في المدينة وحرمها لا ينطبق على الحرم المكي، إذ الكفار ممنوعون من دخوله على كل حال.

في ” الموسوعة الفقهية ” ( 3 / 130 ، 131 ):

يرى الجمهور, ومعهم محمد بن الحسن من الحنفية: أنّه لا يجوز للكافر دخول الحرم المكي بحال، ومذهب الحنفية أن ذلك جائز بصلح أو إذن.

وأما حرم المدينة فإنه لا يمنع من دخوله لرسالة أو تجارة أو حمل متاع، وأما ما عدا ذلك – من أرض العرب – فلا يدخله الكافر إلا بإذن أو صلح، وللفقهاء في ذلك تفصيل. انتهى.

 

والله أعلم.

ما الحكم فيمن يقدم خدمات للجيش الأمريكي في العراق؟

السؤال:

سؤالي – جزاكم الله خيرًا – هو أني أعرف بعض الأشخاص من المسلمين يقوم بتقديم خدمات للجيش الأمريكي خلال الحرب العراق من نقل للمواد الغذائية، فما رأيكم – جزاكم الله خيراً – بهذا الفعل؟ وما توجيهكم لهؤلاء الأشخاص؟

 

الجواب:

الحمد لله

لم يعُد خافيًا على أحد ما سبَّبته حروب الجيش الأمريكي على المسلمين، فقد أسقطوا دولة مسلمة تحكم أرض أفغانستان بالكتاب والسنة، واحتلوا أرضها، وتسببوا في قتل وجرح وتشريد الآلاف، ومثله ما فعلوه في العراق من القتل والتعذيب وسلب خيرات البلاد، وقد ادعوا أسباباً لفعلهم هذا بان للعالَم بأسره كذبهم فيه، وإلى الآن لم يستطيعوا إقناع العقلاء بصحة فعلهم وفقًا لقوانينهم وتشريعاتهم، فتبين للعالَم أنها عصابة نفط وسلاح تحكم بلاداً وتسخر إمكانياتها من أجل ثراء تلك العصابة حتى لو مات أفراد من جيوشهم أو هلكت أمم.

ومن رأى الخراب والدمار والقتل والتعذيب ورأى هتك حرمة المساجد وتقوية أهل البدع والضلال ومحاربة أن تكون الشريعة المصدر الرئيسي في حكم العراق – حتى لو كانت حبراً على ورق -: لم يشك للحظة في تحريم إعانة تلك الجيوش بأي نوع من الإعانة، وأن هذا من الموالاة لهم والتعاون على الإثم والعدوان، وعليه: فيحرم بيعهم ما يتقوون به على باطلهم وظلمهم وكفرهم، ولا يجوز الشراء منهم لكون ما يبيعونه مسلوباً من أموال غيرهم.

وإنهم لو كانوا مسلمين ما جاز إعانتهم ولا الوقوف معهم ونصرتهم, فكيف وهم يرفعون الصليب ويحاربون الإسلام؟!.

قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) [ آل عمران / الآية 118 ].

قال القرطبي رحمه الله:

نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أموالهم ….

( لا يألونكم خبالًا ) يقول: فسادًا، يعني: لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني: أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر: فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة …

وقيل لعمر – رضي الله عنه- إن ههنا رجلًا من نصارى الحيرة, لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم  أفلا يكتب عنك؟ فقال: ” لا آخذ بطانة من دون المؤمنين “.

فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع، والشراء، والاستنابة إليهم.

قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء.

” تفسير القرطبي ” ( 4 / 178 ، 179 ).

فكيف لو رأى القرطبي أحوال هذا الزمان وأن الأمر تعدي اتخاذهم كتابًا وأمناء إلى إخوة وأصدقاء وأولياء؟.

 

والله أعلم.